السجالات الفلسفية ما بعد الحداثية / نتونجيلا ماسيليلا – ترجمة: هناء خليف غني

السجالات الفلسفية ما بعد الحداثية / نتونجيلا ماسيليلا – ترجمة: هناء خليف غني

1

ليس القصد من مفهوم ما بعد الحداثة الذي انادي به أن يتكشفَ عن وحدةٍ
متراصةٍ وتناغمٍ كلي، بل إن القصد هو أمكانية اجراء تقييمات للتيارات الأخرى
ضمن هذا النظام؛ التيارات التي لا يمكن معرفة طبيعتها أو سبر أغوارها ما لم
نتعرف على طبيعة النظام ذاته. وأود في هذا السياق، أن أطرح وجهة نظر
ديالكتيكية لا نرى بموجبها ما بعد الحداثة بوصفها لعوباً أو غير أخلاقية أو
مستحقة للتنديد والشجب بسبب افتقارها الجدية الرفيعة ولا بوصفها أمراً جيداً
بالمعنى المكلوهاني** (McLuhanist) والاحتفائي بتبلور يوتوبيا جديدة مبهرة
من نوع ما. إن ظهورات الشكلين كليهما تسير جنباً الى جنب. (جيمسن فردريك)
لقد استحوذ مفهوم ما بعد الحداثة، بقدر تعلق الأمر بتعريفه لذاته بالارتباط مع
الحداثة، سواء أتخذ هذا الارتباط شكل التقييم السلبي مثلما هو الحال مع عالم
الاجتماع الفرنسي جان فرانسوا ليوتار أم الإيجابي كما هو الحال مع الالماني
الغربي يورغن هابرماس أو شكل التوازن الحذر بين الاتجاهين المتضادين مثلما
يتجلى بوضوح في كتابات المنظر الأمريكي فردريك جيمسن…استحوذ على
اهتمام العديد من المفكرين والمنظرين ونقاد الأدب في الدول الرأسمالية
المتقدمة. وعلى وفق ذلك، يمكن القول بسيطرة التباين الشديد على وجهات
النظر والمواقف المتخذة ازاء ظاهرة ملتبسة لم تتحدد ملامحها النهائية بعد.
قطعاً أن ردات الفعل والاستجابات الوطنية المتباينة لتجربة ما بعد الحداثة
تعكس، وفي الآن عينه تتحدد، الى حد كبير، بالأرث الحداثي المتغلغل في
النسيج الثقافي الوطني لكل بلدٍ على حدة. وبينما شاعت الحداثة بوصفها مهيمناً
ثقافياً في فرنسا تحديداً لاتخاذ الحركات الأدبية والنقدية والمدارس الفنية من
التكعيبية مروراً بالسريالية الى الدادائية من باريس قبلة لها- باريس التي كانت
على وشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كعاصمة القرن التاسع عشر- عُدتَ الحداثة
في المانيا- بسبب انهيارها وجمهورية فايمار في كارثة 1933- تجربةً سياسيةً
مهدورةً أفرزتها عرضاً سيرورات العملية الثقافية. أما في الولايات المتحدة
الأمريكية، فقد أضحت الحداثة مرادفاً لغياب الرفعة والرقي الفلسفي في النسيج

2

الثقافي الوطني بسبب هجرة بعض من أعمدتها أمثال باوند واليوت وهمنغوي
إلى أوروبا. إن هذه الاتجاهات المتباينة بمجملها تبين التداخل الوثيق بين
الاحداثيات الثقافية والوطنية المختلفة لتحديد مواقع انتشار الحداثة وما بعد
الحداثة وبين الاحداثيات السوسيولوجية المتصلة بالتاريخ الوطني لتلك البلدان.
وبينما شهدت فرنسا صراعاً عنيفاً بين الطبقات في 1789، شهدت جارتها
المانيا، بعد مدة وجيزة، نشوء الدولة القومية التي اتسمت بتداخل طبقي تبين
فيما بعد انطوائه على بعد كارثي لا يمكن التنبؤ به. أما في الولايات المتحدة،
فأن اسطورة الحدود التي هيمنت على تاريخها لم تجعل من هذا البلد متعجرفاً
فحسب، بل غرست في الوجدان المحلي للشعب الإيمان بلامحدودية قدراته.
في هذه البلدان الثلاثة تحديداً، نشبت حرب ضروس ما زالت رحاها تدور بشأن
التشكيلات السياسية والفلسفية للبنية النظرية التي ينبغي لما بعد الحداثة
اعتمادها. ويلحظ في هذا السياق تعذر ادراج ايطاليا وبريطانيا، في الأقل حتى
الوقت الراهن في خانة الدول الفاعلة في هذا المجال، وأقصى ما يمكن أن
توصف به كتابات بيري اندرسن وتيري ايغلتون في بريطانيا وكارلو غيليو
ارغان في ايطاليا هو أنها مجرد ((ردات فعل على مواجهات وسجالات تحدث
في أماكن اخرى)). 2 ولهذا السبب تحديداً، لن نقف طويلاً في المقال الحالي عند
أعمال هذين المفكرين على الرغم من أهمية افكارهما المتصلة بما بعد الحداثة.
إن تضاريس الجغرافية الثقافية لما بعد الحداثة تستلزم قطعاً وضع المانيا
الغربية وفرنسا وأمريكا في قلب هذا المخطط المبسط. إن الشكل الذي تتخذه
الجغرافية الثقافية لهذا المفهوم الذي يمر حالياً في طور تجلٍ ومراجعة ذاتية
عالمية المستوى، يؤكد، في الواقع، مصداقية ملحوظة فرانكو مورتي المتبصرة
التي قدمها مؤخراً بشأن ضرورة دراسة الحركات الفنية والمدارس الأدبية في
ضوء أو على وفق للوحدة الديالكتيكية القائمة بين الترتيب الزمني لظهورها
ومواقع انتشارها الجغرافية. 3 في السياق الأوروبي، بينَ مورتي بوضوح الدور
الذي نهضت به الرواية والتراجيديا المعاصرة، عبر علاقتي الانجذاب والتضاد
اللتين تجمعانهما، في تعريف أوروبا مختلفة، اوروبا الرواية الفرنسية
والانكليزية (مارسيل بروست وجيمس جويس) وأوروبا الدراما الاسكندنافية
(هنريك ابسن واوغست سترندبرغ). أما روسيا تولتسوي وتشيكوف وتورجنيف
من حيث مزجها الخالص بين جنسي الرواية والدراما فتشكل استثناءً لذلك، مثلما

3

أن الطبيعة الاستثنائية للثورة الروسية في 1917 قد أسهمت ولا ريب في ترسيخ
تفردَ هذا المزيج.
يزعم مورتي أن الحداثة هي أول حركة ثقافية في التاريخ التي شُكلت او قُدمت
بوصفها نظاماً فكرياً على نطاق عالمي. ومما يؤسف له أن مورتي يرى في
اوروبا العالم بأكمله وهي رؤية قاصرة حقاً. ألا أن ذلك لا يقلل من أهمية
ملحوظاته الجادة والمتبصرة. وربما يمكن القول بثقة إن ما بعد الحداثة في طور
التحول الى ظاهرة ثقافية ونسق فكري عالمي سائر في ركاب الطريق الذي دشنه
أسلوب الحياة الأمريكي المعاصر. وتبعاً لذلك، يمكن القول إن الجغرافية الثقافية
لما بعد الحداثة تبين أنماطاً مذهلةً تستحق بحثها والاهتمام بها.
إن مفهوم ما بعد الحداثة، وهذا واضح تماماً، يشكل بنية تاريخية على قدرٍ كبيرٍ
من الأهمية لأنه يؤرخ لاختفاء لحظة تاريخية معينة وحلول أخرى محلها. وليس
أدل على ذلك من حقيقة تكريس العديد من المجلات أعداداً لمناقشة كل ما يمت
بصلة لهذه الظاهرة المثيرة للجدل من مثل تيلوس ونيو جيرمن كرتيك وبراكسس
انترناشنال والبحث النقدي (كرتكل انكوايري) ودايكرتكس فضلاً عن انبراء عدد
من أعمدة الفكر المعاصر للحديث عنها. كما خصصت دوريات مهمة أخرى مثل
نيو لفت رفيو (New Left Review ) عدداً من مقالاتها لتعرية ما بعد الحداثة
سياسياً. بالطبع، ليس من قبيل المصادفة اهتمام دوريات قيمة مثل هذه بهذه
الظاهرة وهذا يبين بوضوح ضرورة التحدث عنها وتعريفها في ضوء البيئة
المادية التاريخية التي أفرزتها، سواء اتفقت مع معطيات هذه البيئة أم خالفتها،
وهذا في الواقع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدور التاريخي والتنظيري الذي أدته
المادية التاريخية في تحديد بنية متساوقة ومتماسكة للتاريخ. لوحظ في هذا
المجال أن الارتباط الوثيق بين التنظير لما بعد الحداثة في فرنسا والمانيا
الغربية والولايات المتحدة ومصائر الماركسية في هذه البلدان يتسم أنه ضمني
ومستتر وفي الآن عينه محتوم، إذ أن هزيمة الماركسية في فرنسا على يد
البنيوية وما بعد البنيوية عنى حتماً إكساء مفهوم ما بعد الحداثة الذي قدمه
ليوتار برداء اللاتاريخية والفوضوية، وهي السمات التي تجلت بوضوح في
معرض الفن الذي نظمه مؤخراً حول “الوضع ما بعد الحداثي” 5 .أما الموقف
العدائي الذي أتخذه هابرماس تجاه مفهوم ما بعد الحداثة، تحديداً ذلك الذي تبناه
الفرنسي ليوتار، فيبدو شديد التأثر بتراث الفلسفة الماركسية الراسخ في مدرسة

4

فرانكفورت، الذي لا يخلو بالطبع من جملة من الصعوبات والمشكلات التي
تعترض طريقه. يختلف الوضع قليلاً في الولايات المتحدة الأميركية، إذ تم
تطوير ديالكتيك التقويم السلبي والايجابي لما بعد الحداثة في ماركسية فردريك
جيمسن بفعل الحاجة الى نزع فتيل الصراع الشامل بين الحداثة وخليفتها ما بعد
الحداثة. وثمة سببان أسهما في ذلك، يعود أولهما إلى الرغبة في استنبات بذور
الماركسية في النسيج الثقافي للمجتمع الأميركي وتنميتها إلى قوة فكرية فاعلة
ومؤثرة وثانيهما الى تأثر فردريك جيمسن بجان بول سارتر الذي قدم فكرة
انطواء الديالكتيك بطبيعته على ثنائية (ديالكتيك) التقدم/ التراجع. إن هذه
الاحداثيات التاريخية بمجملها تفسر، وإن بشكل جزئي، ظاهرة التباين في
القراءات الوطنية لظاهرة ما بعد الحداثة.
لا يُشك في أن باريس هي مهد بواكير الشروحات والتنظيرات الفلسفية الجادة
لما بعد الحداثة التي احتلت موقع الصدارة في السجالات الفكرية بعد اقصاء
الماركسية عن المشهد الثقافي الفرنسي في 1977 على يد التحالف المشترك
للبنيوية وما بعد البنيوية. وبرغم ذلك، وهذا مثير للاستغراب حقاً، لم تشهد
فرنسا مولد المنتجات الفنية الفعلية لما بعد الحداثة. لقد خطفت أميركا الدور
منها بمسارعتها الى احتضان كل ما يمت بصلة لما بعد الحداثة والترويج له مثل
لوحات اندي وارهول وروبرت روزشبزغ وموسيقى جون كيج وفلب كلاس
والموسيقى التصويرية للوري أندرسن وروايات اسماعيل ريد وريموند فدرمان
وشعر جون أشبري وعروض الرقص الحديث لديفيد غوردن وتويلا ثارب. هذا
غيض من فيض، فالقائمة طويلة ولا يسع المجال هنا لإيراد أسماء المسهمين في
هذه المجال (وأعتذر بشدة عن ذلك). ثمة أسباب عدة تعلل الحضور الطاغي
للمنتجات الفنية ما بعد الحداثية في أميركا. فإضافة الى حاجة الرأسمالية
المتجددة الى منتجات جديدة لأغراض سلعية وتسويقية وتنمية الأرباح وروؤس
الأموال، يكمن السبب الرئيس في أن الحداثة بوصفها حركة فنية لم تجد لها
موطئ قدم راسخ في النسيج الثقافي الأميركي كما حدث في فرنسا. وبالنظر
لافتقار أميركا الى تراث عميقٍ من التفلسف الفني، تركت مهمة التنظير لفنون
ما بعد الحداثة للفلاسفة الفرنسيين الذين- بسبب اعتزازهم القومي المنقطع
النظير بالإرث الثقافي لبلدهم وطبيعة علاقتهم بالولايات المتحدة الأميركية
ورفضهم تصديق أمكانية تبلور أي من الحركات الفنية المهمة والمؤثرة في

5

الربع الأخير من القرن العشرين خارج الحدود الفرنسية- اكتفوا بلحظ وتحليل
الأوضاع ما بعد الحداثية في فرنسا عوضاً عن الاهتمام بسيل المنتجات الفنية
الفعلية والمتجددة في أمريكا. بالطبع من الخطأ التعميم في هذا الجانب، فهناك
العديد من الفلاسفة الفرنسيين الذين تعاملوا بجديةٍ فائقةٍ مع حقبة ما بعد
الحداثة، وهنا سرعان ما تتبادر الى الأذهان دراسات ميشيل ليريز وغلز ديلوز
الرائدة عن الأعمال الفنية لفرانسيس بيكون.
ثمة ثلاثة مظاهر متداخلة وأساسية مميزة لنظرية ما بعد الحداثة الليوتارية ،
فهناك تشككه الواضح بما أصطلح على تسميته “الميتا روايات” او “ما وراء
السرديات” (metanarratives) التي يعتقد أنها الحقت ضرراً بالغاً بالنظرية
الاجتماعية والبحث الفلسفي؛ ورفضه”الموضوع الشمولي” وما يرتبط بذلك من
مسببات شمولية، ولذا فإنه يرى في بروز ما بعد الحداثة بداية لنهاية العقلانية؛
وايمانه أن النمط الجمالي لما بعد الحداثة هو النمط “المتعالي ’sublime‘”
المرتبط على نحو وثيق، وفقاً له، بالنظرية الجمالية لكانت. 6 تمثل الميتاروايات
لليوتار مجمل فلسفات التاريخ التي سعت الى ترسيخ فكرة اطلاقية المعرفة
البشرية بتقديمها تفسيرات محددة وحاسمة للمجتمع. وعلى الرغم من أن الهدف
غير المعلن لحملته هو الماركسية، يعتقد ليوتار جازماً بمسوؤلية هيغل عن
شيوع هذا التوجه لدوره الفاعل في وضع حجر الأساس للبنية الحديثة للنظرية
الديالكتيكية، مثلما يرى أن الطبيعة الشمولية للماركسية في مجال التاريخ
مسوؤلة مسؤوليةً مباشرةً عن التفريخ الوبائي لعدد من الأنظمة الشمولية في
القرن العشرين. أما محاولات النظرية الديالكتيكية تقديم تفسيرات شمولية
للطبيعة البشرية فكان نصيبها منه الشجب والاستنكار. ولذا، ينبغي، حسبما يعتقد
ليوتار، الوقوف بحزم ورفع راية التمرد بوجه “الموضوع الشمولي” الذي ينبغي
أن يتحلى، حسبما تزعم النظرية الميتارواياتية للتاريخ، بالقدرة على تغيير
المجتمع. عملياً هذا يعني اعلان ما بعد الحداثة لبداية تلاشي التاريخ. وهذا يدلل
بوضوح على انتماء مشروع ما بعد الحداثة الليوتاري الى ذات البيئة السياسية
التي سادت في حقبة الحرب الباردة الثانية7(Second Cold War). وهذا هو
السبب الذي دفع تيري ايغلتون الى شن حملة نقد ابستمولوجية وسياسية شديدة
ضد نظرية ليوتار. 8 كما انبرى المفكر الالماني البرخت ولمر بحماس للكشف عن
نواحي القصور في مشروع ما بعد الحداثة الليوتاري. 9 إذ يرى أن نظرية ليوتار

6

ما بعد الحداثية ستؤدي حتماً الى رفض ((مشروع الحداثة ومشروع التنوير
الأوروبي وفي نهاية المطاف مجمل مشروع الحضارة اليونانية والغربية)). 10
وابتغاء تفادي حدوث ذلك، قرر يورغن هابرماس المشاركة في النقاش المحتدم
بشأن ما بعد الحداثة، إذ عمل، في نقده لنظرية ليوتار، على الإفادة من أراء
ميشيل فوكو وجاك دريدا وغيرهما من أعمدة الفلسفة الفرنسية المعاصرة. في
مقالته الرئيسة “الحداثة ازاء ما بعد الحداثة”، دافع هابرماس بحماس عن الارث
الفلسفي لحركة التنوير الأوروبية التي نجحت في توسيع عملية العقلنة في العالم
الحديث، ولحظ أن تراث التنوير هذا لم يقف، بل واصل مسيرته في الارث
السوسيولوجي الكلاسيكي لماكس فيبر الذي كان بحق خير تابع ومساند له. لقد
نجح فلاسفة التنوير الفرنسيون ومعهم كانت في عقلنة المعارف البشرية بفصلها
إلى ثلاثة حقول متمايزة هي العلوم والفنون والأخلاقيات. 11 وعلى الرغم من
التداخل الشديد بين هذه الحقول، فان لكل حقل منها منطق داخلي متفرد يميزه.
تؤرخ عملية الفصل هذه لاستعداد فروع المعارف البشرية لتكييف السيرورات
الاجتماعية المعقدة والمعاصرة بعقلانية. وباختصار شديد، فقد أدى مفكرو
التنوير دوراً في تبيان منطق سيرورة العقلنة في التاريخ والمجتمع المعاصر.
وهذا بلا شك هو الإنجاز الأهم لكارل ماركس. لقد تحقق ذلك عبر الميتاروايات
التي عفا عليها الزمن حسبما يرى ليوتار.
كان هابرماس، بطريقة ما، يدافع عن عملية العقلنة التي حققتها الرأسمالية
المعاصرة. وعلى الرغم من محاولات دريدا وليوتار وفوكو تفنيد منجز المشروع
الحداثي كلُ حسب طريقته، واختلافهم حول الأسلوب الأمثل لذلك، فقد كانوا
مبهورين حد الانبهات بسياسات ردود الأفعال الأبستمولوجية خاصتهم. ولذا،
فليس من قبيل المصادفة أن يدرجهم هابرماس في خانة “المحافظين المحدثين”
neo-conservatives‘ وهو وصف دقيق تماماً. تتمثل محافظية هؤلاء
المفكرين في حقيقة نجاحهم في التعجيل بانهيار المادية التاريخية في فرنسا.
جدير باللحظ في هذا السياق تحالف بنيوية دريدا وفوكو وما بعد حداثية ليوتار
مع سياسات ردة الفعل التي هيمنت على المشهد الثقافي في فرنسا. لذا، كان
بيري اندرسن منصفاً تماماً حينما وصف باريس في كتابه في ركاب المادية
التاريخية بالكلمات الآتية: ((على غرار لندن قبل ثلاثة عقود، تعد باريس
اليوم، بأمتياز، عاصمة رد الفعل الفكري الأوروبي)). 13 . ولكن وبالعودة الى

7

القضية التي أثارها هابرماس، يبدو واضحاً افراز عرض هابرماس لتعقيدات
معينة. وعليه، فقد أصاب الناقد الأدبي الالماني بيتر بيرغز عندما أنتقد
هابرماس وعنفه لاخفاقه في تحديد نوع الوحدة التي تربط حقول العلم
والاخلاقيات والفن معاً، فهل هي الوحدة العضوية المميزة لمثالية هيغل الذاتوية
أو الوحدة التكوينية البارزة في مثالية كانت الموضوعية 14 . إن اختيار أي من
شكلي الوحدة هذين ليس بالأمر الهين لأنه يحدد أسلوب فهم التاريخ
والأبستمولوجيا. ومثلما بين لوسيو كولتي في هيغل والماركسية ، قبل ارتداده
المأساوي مؤخراً، يعد الاختيار بين هيغل وكانت أمراً أساسياً في تحديد فهمنا
للبنى الموضوعية للعلم. لقد اعترف هابرماس مؤخراً ان لاعقلانية الفلاسفة
الباريسيين قد تمخضت عن النقد اللاعقلاني للارث التنويري من قبل ثيودور
أدورنو وماكس هوركيمر في ديالكتيك التنوير 15 . لذا، سعى، في كتاباته الأخيرة
الى معالجة النتائج المأساوية للإرث الفكري لمدرسة فرانكفورت، التي يُعدَ آخر
أبرز أعضائها.
ويرجح أن تكون كتابات فردريك جيمسن وتأملاته في ما بعد الحداثة الأهم
والأكثر اقناعاً وترابطاً، بل إنها في روعتها وجاذبيتها تتفوق حتى على
المستوى الرفيع الذي بلغته السجالات الجمالية داخل الماركسية الالمانية في
ثلاثينيات القرن المنصرم التي أشتركت فيها نخبة متميزة من المفكرين مثل
والتر بنجامين وجورج لوكاش وبرتولت برخت وثيودور ادورنو وارنست
بلوخ 16 . في أحدى المقابلات الصحفية، ذكر جيمسن أن أحد الأسباب الرئيسة التي
دفعته للتدخل والمشاركة في السجالات المستعرة بشأن ما بعد الحداثة يتلخص
في الرغبة في تحديد أشكال ومسارات المقاومة المحتملة لظاهرة الهيمنة الثقافية
التي تنفرد بممارستها ما بعد الحداثة حالياً 17 . إنها هذه الفكرة تحديداً، فكرة ما
بعد الحداثة بوصفها مهيمناً ثقافياً مميزاً لمرحلة الرأسمالية المتأخرة التي
وسمت مشاركة جيمسن بالجاذبية والجدة وبلا شك القدرة على إذكاء روح
الحماسة، وأعتقد انه سرعان ما ستتبدى للعيان العواقب السياسية والتنظيرية
لكتاباته المُجددة. فقبيل انضمامه الى المناقشات، وتدخله الواعد وتثويره
المصطلحات الشائعة فيها، ونقله ميدان الصراع إلى مجالات أخرى، كتب
جيمسن “سياسات النظرية: المواقف الأيديولوجية في سجالات ما بعد الحداثة”
التي بينَ فيها أن المواقف الجمالية المتصلة بهذا المفهوم هي، في الواقع،

8

مواقف سياسية للرأسمالية المتأخرة ولطبيعة التاريخ، كما ضم المقال ذاته
تقويماً لمنجز يورغن هابرماس وهلتون كرامر وتوم ولف وكريتسوفر جنكس
ومانفردو تافوري. ولانتفاء الحاجة هنا إلى الدخول في متاهات السجالات
المعقدة في مقالة جيمسن، سأكتفي بأقتباس بضع جمل مهمة عن ليوتار
وهابرماس، اذ قيل بحق الاول المقولة المهمة الآتية ((لا يمكن، على نحو وافٍ،
تقويم المواقف الجمالية لليوتار وذلك لتأثر هذه المواقف بمفهوم يغلب عليه
الطابعان السياسي والاجتماعي عن نظام اجتماعي جديد يتعدى حدود الرأسمالية
الكلاسيكية)) (صديقنا القديم، “المجتمع ما بعد الصناعي”). أما عن الثاني،
فليس بمقدورنا الا التأمل طويلاً في العبارة الآتية: ((يرى هابرماس أن أعظم
مساوئ ما بعد الحداثة يتلخص اساساً في وظيفتها الرجعية سياسياً، إذا أخذنا
بعين الحسبان المحاولات المبذولة في كل مكان لتقويض المشروع الحداثي
المرتبط بالتنوير البرجوازي وجوهره الطوباوي العالمي)) 19 . في الواقع، لم يكن
جيمسن ليتدخل بقوة في السجالات ما بعد الحداثية، ولم يكن له ليغير
المصطلحات الشائعة فيها ألا بعد دراسته المدققة للمواقف السياسية المختلفة
السائدة في هذه السياسات وإحساسه أنه يقف على ارض صلبة في هذا المجال.
ثمة جانبان مهمان في نظرية جيمسن ما بعد الحداثية، يتمثل أولهما في وضعها
هذه الظاهرة ضمن الاحداثيات التأريخية والسوسيولوجية والثقافية والفكرية
السائدة في الوقت الراهن. وعليه، تشكل ما بعد الحداثة مهيمناً ثقافياً مناظراً
للبنى الرأسمالية المتأخرة ومعاصراً لها بعامة، والرأسمالية متعددة القوميات
بخاصة 20 . في “ما بعد الحداثة أو المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة”، التي
تعد وثيقةً مهمة حقاً، يزعم جيمسن أن ما بعد الحداثة لا تتعدى كونها تعبيراً
ثقافياً للهيمنة العسكرية الأميركية على نطاق عالمي. وبكلمات مبسطة أخرى،
تُشكل ما بعد الحداثة امتداداً وتغلغلاً لنمط الحياة الأميركي في أنحاء العالم
أجمع (ولا يستثنى من ذلك، في بعض النواحي، في الأقل، البلدان الاشتراكية).
إن المنتجات الثقافية والأعمال الفنية المميزة لحقبة ما بعد الحداثة تتسم
بظهورات تكوينية متفردة تشكل نقيضاً فاضحاً للأعمال الحداثية، ويتجسَد أهم
هذه التمظهرات في محوها للتاريخانية وافتقارها العمق من الناحيتين الفلسفية
والتأويلية 21 . ويلحظ، في هذا السياق، انحياز المفاهيم التنظيرية في هذا
المهيمن الثقافي الى الحركة المكانية بمعدل أكبر من تساوقها مع البحث الزماني

9

المكثف (intensive temporal investigation). يرى جيمسن في ما بعد
الحداثة المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة، ويؤكد، في سياق آخر أن المجاز لا
الرمز هو النمط الفني السائد في هذه الظاهرة الثقافية 22 . أما الاسلوب المهيمن
في ما بعد الحداثة فيتمثل في المزج بين الأساليب (pastiche) والمحاكاة
(parody)، وتتبدى مظاهر هذا المنطق الثقافي بوضوحٍ صارخٍ في مجمل
الفنون المعاصرة مثل الأدب والعمارة والفنون الأدائية والتصويرية وغيرها.
أما الجانب الثاني المهم في فكرة ما بعد الحداثة عند جيمسن فيتمثل في رفضه
تفسير هذه الظاهرة أخلاقياً. ولتأثره بماركس الذي قال بانطواء حركة
الرأسمالية على ثنائية التقدم/ التراجع، يرى جيمسن أن ما بعد الحداثة بوصفها
مهيمناً ثقافياً تتسم أنها فاعلة وفي الوقت نفسه منفعلة 23 . مثال ذلك، نلحظ في
جنس الرواية، تشخيص العودة الى السرد الخطي والى حضور الموضوع
الجماعي في الرواية ما بعد الحداثية، في مقابل اللامباشريات السردية
والموضوعات الشخصية المميزة للرواية الحداثية، وهذا مكسبٌ عظيمٌ. وهنا
بالذات، حسبما يعتقد جيمسن، تكمن أهمية ما بعد الحداثة بالنسبة للحداثة. كما
بين جيمسن أن ما بعد الحداثة هي محاولة لأستدماج الثقافتين الرفيعة والمتدنية
بينما ترى الحداثة وتُعرف ذاتها بالأرتباط مع الثقافة الرفيعة. وهذا يبين حقيقة
أن جميع أشكال ما بعد الحداثة هي محض ردات فعل ضد الأشكال المكرسة
للحداثة الرفيعة المهيمنة في الجامعات والمتاحف الفنية والمؤسسات الثقافية،
ومحاولة هذه الأشكال القضاء على التمييز القديم بين الثقافتين الرفيعة/
الجماهيرية أو الشعبية. وبداهةً، الطريق أمام تنظيرات جيمسن في بنية هذا
المهيمن الثقافي لم يكن مفروشاً بالورود على الدوام، اذ أعترض مايك ديفز على
السهولة التي دمج فيها جيمسن بين ما بعد الحداثة والرأسمالية المتأخرة، ورأى
في ذلك ((عودة مفرطة للأصولية والاختزالية)) 23 . ولهذا الاعتراض ما يبرره
بلا شك. ثمة جانب آخر ملتبس في نظرية جيمسن يتعلق بطبيعة الممارسة
الثقافية الماركسية ودورها في أحداث تغيير ضمن هذا المهيمن الثقافي أو، في
الأقل، التأثير فيه. وبرغم ذلك، يكاد الفكر الثقافي المعاصر يخلو مما يناظر
تنظيرات جيمسن لهذه الظاهرة الثقافية لدورها بالغ الأهمية في مد جسور
التواصل مع السجالات الثقافية التي عصفت بالماركسية الالمانية في منتصف
القرن الماضي والتي تعد بحق السجالات الثقافية الأهم في القرن العشرين.

10

هوامش المترجمة:
* هربرت مارشال مكلوهان (1911-1980): فيلسوف وباحث وأستاذ للأدب
الانكليزي وناقد أدبي ومنظر في مجال الاتصالات وتربوي كندي، وهو الى ذلك،
أحد المؤسسين الإول لعلم بيئة وسائل الاتصالات. الف العديد من الكتب
والدراسات أهمها العروس الميكانيكية: فولكلور الإنسان الصناعي (1951)
الذي حاول فيه تحليل عددٍ من الأمثلة المتصلة بظاهرة الإقناع في الثقافة
الشعبية، ومجرة غوتنبرغ: خلق الإنسان الطوبوغرافي (1961)، وهي دراسة
رائدة في مجال الثقافة المطبوعة (المقروءة) والدراسات الثقافية وبيئة
الاتصالات. يستكشف الكتاب الطريقة التي تؤثر بها تكنولوجيا الاتصالات
الحديثة في التنظيم المعرفي للمجتمع الذي يؤثر بدوره في التنظيم الاجتماعي، و
القرية الكونية (مطلع الستينيات) تنبأ مكلوهان في هذا الكتاب بقرب نهاية
الثقافة المقروءة الصورية الفردانية على يد ما أسماه بـ “التواقف (الأتكال
المتبادل) الالكتروني” عندما تستبدل وسائل الاتصالات الالكترونية الثقافة
الصورية بالثقافة السمعية/ الشفاهية. في هذا العصر الجديد، ينتقل الجنس
البشري من طور الفردانية والتجزئة الى اكتساب هوية جماعية ذات “قاعدة
قبلية”. اختار مكلوهان أن يطلق على هذا التنظيم الأجتماعي الجديد “القرية
العالمية”؛ و في فهم وسائل الاتصالات: امتدادات الإنسان (1964) يؤكد
مكلوهان على ضرورة دراسة وسائل الاتصالات ذاتها لا المضمون الذي تقدمه،
ووظف في الحرب والسلام في القرية العالمية (1968) رواية جيمس جويس
يقظة فينيغان لدراسة الحرب عبر التاريخ والإفادة من ذلك في معرفة الطريقة
الأمثل التي ينبغي بموجبها خوض الحروب في المستقبل. (المصدر: موسوعة
ويكيبديا)


الهوامش
1- كتبت المقالة بتكليف من (Awa-Finnaba: An African Literary
Cultural Journal) في المانيا الغربية في 1987. اشترك في تحرير
المجلة عددٌ من الكتاب السود من أفريقيا الجنوبية الذين يعيشون في
المهجر. لم تطبع المجلة لتشكك اعضاء هيأة التحرير بأهمية ما بعد
الحداثة للتجربة السوداء.

11

2- تيري ايغلتون، ” الرأسمالية والحداثة وما بعد الحداثة”، في نيو لفت
رفيو، العدد 152، تموز-اب، 1985، الصفحات 60-73، بيري اندرسن،
“الحداثة والثورة”، في نيو لفت رفيو، العدد 144، اذار-نيسان 1984،
الصفحات 96-113، غيليو كارلو أرغان، “قضايا ما بعد الحداثة”، في
فلاش ارت (Flash Art)، العدد 121، ايلول 1985-تشرين الثاني
1986.
3- فرانكو مورتي،”لحظة الحقيقة”، في نيو لفت رفيو، العدد 157، تموز-اب
1986، ص. 56.
4- المصدر السابق، ص. 57.
5- جون رتشمان، “المتحف ما بعد الحداثي”، في الفن في أمريكا، تشرين
الأول 1985، الصفحات 111-117، ص.171.
6- جان فرانسوا ليوتار،”الوضع ما بعد الحداثي: تقرير حول المعرفة”
مطبعة جامعة مينيسوتا، 1984.
7- أحسب أن هناك خطأً املائي، وأن المقصود هو الحرب العالمية الثانية لا
الحرب الباردة الثانية. (المترجمة)
8- تيري ايغلتون، “الرأسمالية والحداثة وما بعد الحداثة ، “الصحوة من
الحداثة” (Times Literary Supplement)، 20 شباط، 1987،
ص.194.
9- البرخت ولمر، “عن ديالكتيك الحداثة وما بعد الحداثة”، براكسس
أنترناشنال، المجلد 4 العدد 4، تشرين الثاني 1984، الصفحات 337-
362.
10- المصدر السابق، ص. 337.
11- يورغن هابرماس، “الحداثة إزاء ما بعد الحداثة”، نيو جيرمن
كرتيك، العدد 22، شتاء 1981، الصفحات 8-9.
12- المصدر السابق، ص. 13.
13- بيري أنردرسن، في ركاب المادية التاريخية، لندن: فيرسو،
1983، ص. 32.
14- بيتر بيرغر.

12

15- هابرماس، “توأمة الأسطورة والتنوير” نيو جيرمن كرتيك، العدد
26، ربيع-صيف 1982، الصفحات 13-30.
16- ارنست بلوخ وآخرون، الجماليات والسياسات، لندن: مطبوعات نيو
لفت، 1976.
17- فردريك جيمسن” مقابلة” فلاش ارت، العدد 131، تشرين الثاني
1986-كانون الثاني 1987، ص. 70.
18- فردريك جيمسن، "سياسات النظرية: المواقف الايديولوجية في
السجال ما بعد الحداثي" نيو جيرمن كرتيك، العدد33 الخريف، 1984،
ص. 60.
19- المصدر السابق، ص. 58.
20- فردريك جيمسن، “ما بعد الحداثة أو المنطق الثقافي للرأسمالية
المتأخرة” نيو لفت رفيو، العدد 146، تموز- اب 1984، الصفحات 53-
92.
21- فردريك جيمسن” مقابلة” دايكرتكس، العدد 12، خريف 1982، ص.
82.
22- مايك ديفز، ” النهضة الحضرية والروح ما بعد الحداثية”نيو لفت
رفيو، العدد 151، ايار-حزيران 1985، ص. 107.
23- تترجم (active/ negative ) عادة الى نشط/ خامل (المترجمة).

المصدر:
Ntongela Masilela. Philosophical Debates in Postmodernism. <
pzacad.pitzer.edu/NAM/general/essays/postmodernism.pdf>