عن الذاتية في اللغة – إميل بنفنيست / ترجمة: صابر الحباشة

عن الذاتية في اللغة – إميل بنفنيست / ترجمة: صابر الحباشة


إذا كانت اللغة أداة تواصل، كما نقول، فإلامَ تُرَدُّ هذه الخصيصة؟ قد يكون هذا السؤال مفاجئا، لكونه بمثابة وضع بداهة موضع تساؤل، غير أنه من المفيد أحيانا وضع البداهة موضع تساؤل كي نعلِّلها. وههنا يرد سببان لاعتبار اللغة أداة تواصل على التوالي: سبب يعتبر اللغة في الواقع تستعمل هكذا، بلا شك لأنّ الناس لم يجدوا وسيلة أحسن منها التواصل ولا أنجع. وهذا يعود إلى ملاحظة ما نريد فهمه. ويمكننا أن نفكر أيضا في الإجابة على السؤال أعلاه باقتراح سبب ثان، هو أنّ اللغة تعرض إمكانيات تجعلها قادرة على أن تكون أداة، إنّها تحتمل بث ما نعهد به إليها: أمرا، سؤالا، إعلانا، وهي تثير كلّ مرّة في المخاطب سلوكا مناسبا. وكي نحلل هذه الفكرة بشكل تقني أكثر، نضيف أنّ السلوك اللغويّ يفترض وصفا سلوكيًّا[1] behavioriste))، باستعمال الاصطلاحين: “مثير” و”استجابة”، ومن ثمّة نخلصُ إلى الخصيصة الأداتية والتوسطية للّغة. ولكن أليس هذا الذي نقوله عن اللغة من اللغة؟ ألا يختلط بالخطاب؟ إذا اعتبرنا أنّ الخطاب هو اللغة وهي تشتغل بين شركاء بالضرورة، فإننا نقع في مصادرة على المطلوب[2](pétition de principe) بفعل الخلط، بما أننا نفسّر طبيعة هذه “الأداة” بوضعيتها بوصفها “أداةً”. أمّا دور البثّ الذي تقوم به اللغة، فلا يليق بنا أن نغفل عن ملاحظة أنّه دور يمكن أن ينتقل إلى وسائل غير لسانية: حركات، إشارات، من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإننا بحديثنا هنا عن “أداة” نوقع أنفسنا في مغالطة بعض مسارات البثّ اللاحقة باللغة دون استثناء، والتي تحاكي اشتغال اللغة في المجتمعات البشرية. إنّ كل الأنظمة الإشارية بسيطةً كانت أم مركّبةً، تقع في هذا النطاق.

 في الواقع أنّ تشبيه اللغة بأداة – وينبغي أن تكون أداة مادّية- لكي يكون التشبيه معقولًا ببساطة، يؤدّي بنا إلى الريبة مثل أيّ مفهوم تبسيطي في موضوع اللغة. إنّ الحديث عن أداة يعني المقابلة بين الإنسان والطبيعة. فالمِعْوَلُ والسهم والعَجَلَة ليست في الطبيعة؛ إنّها مصنوعات. أمّا اللغة فهي من طبيعة الإنسان التي لم يخلُقْها. إننا ننزع دائما إلى تصوّر ساذج لفترة البدء حيث يكتشف إنسانٌ كاملُ الملَكات نظيرًا له فتنمو اللغة بينهما تدريجيّا. إنّه محضُ خيالٍ. ذلك أنّه لا يوجد البتّة إنسان بمعزل عن اللغة، ولا يمكن أن نشاهده يوما وهو يخترعها. ولا يوجد إنسان منفرد يتفنّن في اكتشاف وجود الآخر. إنّ ما نقف عليه في العالم هو إنسان متكلم يخاطب إنسانا آخر، واللغة تُرشد إلى تعريف الإنسان ذاته.

        إنّ كلّ خصائص اللّغة: طبيعتها اللامادية، اشتغالها الرمزيّ، انتظامها المتمفصل، كونها ذات محتوى، كلّ ذلك يجعل مماثلة اللغة للأداة أمرًا مَثَار شُبهة، وهي مُماثلة تَرُومُ نَزْعَ خصيصة اللغة عن الإنسان. بالتأكيد يفترضُ تعاوُرُ الكلام في الحياة اليومية تبادُلاً؛ أي “شيئا” نتبادله، فهذا الشيء يبدو أنه يضطلع بوظيفة أداتية ناقلة نَهُمُّ بإسنادها إلى “شيء مادّيّ”. ولكن هذا الدور يعود مرة أخرى إلى الكلام.

      فإذا أعيدت هذه الوظيفة إلى الكلام، فإنه يمكننا التساؤل عما الذي تؤهّله اللغة إلى ذلك بحيث لا يكون الكلام إلى “التواصل”، ينبغي أن تؤهّله اللغة إلى ذلك بحيث لا يكون الكلام سوى تحيين(actualisation) [3] لها. وفي الواقع علينا أن نبحث عن شرط هذه الكفاءة في اللغة. إنه يمثّل، فيما يبدو لنا، خاصيةً للّغةِ غيرَ واضحةِ المعالم، في ظلّ البداهة التي تكتنفه، وهو شرط لا يمكن لنا تحديده إلا بصورة إجمالية.

     إنّ الإنسان ينشأ ذاتا داخل اللغة وعبرها، لأنّ اللغة وحدها تؤسِّس مفهوم “أنا” («ego»)  في الواقع   وذلك في واقع اللغة، وهو ذاته واقع الوجود (= الكون).

     إنّ الذاتية التي نعالجها في هذا السياق هي قدرة المتكلّم على فرض نفسه “ذاتًا”. إنّها تتحدّد، لا عبر الإحساس الذي ينتاب كلّ شخص بنفسه (هذا الإحساس ليس إلاّ انعكاسا، بمعنى إمكانية جعله حالة)، بل الذاتية تتحدّد وحدة نفسية تتعالى على مجموع التجارب المعيشة التي تؤلّف بينها والتي تضمن محايثة الوعي. والحال أنّنا نرى أن هذه “الذاتية”، التي تطرحها الظاهراتية أو علم النفس، كما نريد، ليست إلا انبثاقا في الوجود لخاصّية جوهرية في اللغة. فالذي يقول “أنا” هو “أنا”  («Est ego qui dit « ego » ). ثمّة نقف على أساس “الذاتية، التي تتحدّد بوضعية “الشخص” اللسانية. إن الوعي بالذات لا يكون إلا إذا تمّ التحقق منه بالنقيض، فأنا لا أستعمل ضمير “أنا” إلا عندما أتوجّه إلى شخص مّا، يكون “أنت” في خطابي. إنّ شرط الخطاب هذا أساسي للشخص، لأنّه شرط يستلزم التبادل إذ أُصبح أنا أنت في خطاب مَن يصبح بدوره أنا في خطابه. بهذا المعنى أفترض وجود شخص آخر، خارج عن “ذاتي” لكنه يصبح صدى لي أقول له”أنتَ” ويقول لي “أنتَ”. إنّ تقاطب الضمائر كما هي في اللغة باعتبارها شرطا أساسيا في المسار التواصلي الذي ننخرط فيه، ليست إلا نتيجة تداولية بالكامل.

إنّه تقاطب[4] متفرّد في ذاته، فضلًا عن ذلك، ويمثّل صنفا من التقابل لا نعثر على نظير له خارج اللغة. هذا التقاطب لا يعني التساوي أو التناظر: “أنا” له موقعُ تَعَالٍ دائما بالنسبة إلى “أنتَ”، رغم أنّ كل واحد منهما لا يدرك دون الآخر، انهما متكاملان ولكن حسب تقابُل “داخلي/خارجي”)، وهما – في الوقت نفسه – متعاوضان. عبثًا نحاول البحث عن مُوَازٍ لهذا، إذ لن نجده. إنّ حالة الإنسان في اللغة حالة متفرّدة. هكذا تسقط المقابلات الضدّية العتيقة بين “أنا” و”الآخر”، بين الفرد والمجتمع. إنّها ثنائية لا يجوز، بل من الخاطئ اختزالها في لفظ أصليّ واحد، سواء أكان هذا اللفظ أم كان على العكس من ذلك ولفظ المجتمع، السابق في وجوده الجماعي للفرد والذي لا يصدر عنه الفرد إلا بقدر ما يكتسب منه وعيه بذاته. إننا نكتشف أساس الذاتية اللسانيّ في حقيقة جدلية تشمل الحدّين (الفرد والمجتمع) وتعرفهما في علاقة متبادلة.

     ولكن هل يجب أن يكون هذا الأساس لسانيا؟ وما أبواب اللغة اللسانية التي تؤسّس الذاتية؟

    إنّ اللغة في الواقع تجيب عن ذلك في كلّ أقسامها. وإنّ عبارة الذاتية لَتَسِمُ اللغةَ وسْمًا شديدا، ممّا يجعلنا نتساءل: هل يمكن للُّغة – لو بنيت بناءً آخر – أن تستمرَّ في الاشتغال أو حتى هل نسمّيها، عند ذاك، لغةً؟ إنّنا نتحدث عن اللغة لا عن الألسنة المخصوصة، غير أن ظواهر الألسنة المخصوصة التي تتعلق بها، تصلح أن تكون شواهد على اللغة وسنهتمّ بعرْضِ أكثر تلك الظواهر بروزًا.

          والألفاظ التي سنتخذ منها في هذا السياق “أنا “و”أنت”، لا نأخذها باعتبارها مجازات، ولكن بوصفها أشكالًا لسانية تعيّن “الشخص”. ويمكن أن نلاحظ – ولكن من ذا الذي يخطر بباله ذلك وقد استقرّ الأمرُ عادةً- أنّ جميع اللغات تحتوي ضمن علاماتها على “ضمائر” باختلاف العصر والمصر؛ إننا لا ندرك لسانًا خاليًا من عبارة تدلّ على الشخص ولكن قد تحذف تلك الضمائر في الألسنة، في سياقات معينة. وتلك حالة أغلب مجتمعات الشرق الأقصى حيث تفرض آداب الاحترام استعمال تعابير كنائية[5] أو أشكالا خاصة بين بعض المجموعات البشرية، لتعويض الإحالات الشخصية المباشرة، لكنّ هذه الاستعمالات لا تقوم إلا بتأكيد قيمة الأشكال المتروكة. إنّ وجود هذه الضمائر الضمنيّ يعطيها قيمتها الاجتماعية والثقافية، للمعوِّضات التي تفرضها العلاقات الاجتماعية.

       والحال أنّ هذه الضمائر تتميّز عن جميع التحديدات التي يُمفصلها اللسان، وهي في ذلك لا تحيل على مفهوم ولا على فرد.

      لا يوجد هنا “أنا” يسع كل “الأنوات” التي تتلفّظ بها الأفواه كلّ حين من قِبَل جميع المتكلِّمين، بالمعنى الذي نجده في مفهوم “شجرة” الذي تلتقي حوله جميع الاستعمالات الفردية لكلمة شجرة. فـ”أنا” لا يعيّن أيّ كيان معجميّ. هل يمكن القول إذن إنّ “أنا” يحيل على فرد معيَّن؟ إذا كان ذلك، فإنّ مفارقة مستمرّة ستُقبل في اللغة والفوضى تحصُل في التطبيق: كيف يرتبط لفظ بأيّ كان على السواء، ثم هو يحدّده في خصوصياته؟ إننا بإزاء صنف للكلمات هي “الضمائر” وهي ذات وضع يخالف أوضاع سائر العلامات اللغوية. فعلام يحيل أنا إذن؟ إنّه يُحيل على أمر متفرّد، لسانيّ بصفة خاصّة: أنا يحيل على عمل خطابيّ فرديّ حيث تلفظ به، والعمل الخطابي هو الذي يُعَيِّن المتكلّم به. إنّه لفظ لا يتحدّد إلاّ فيما نسمّيه وضعًا خطابيًا، وهو لفظ ليست له من إحالة إلاّ راهنية. والواقع الذي يتّجه إليه هو واقع الخطاب. إنّ أنا تُعَيِّنُ المتكلِّم في القسم الخطابيّ، المتكلّم الذي يقدِّم نفسه بوصفه “ذاتًا”. بذلك يصحّ اعتبار أنّ أساس الذاتية يقع في ممارسة اللسان حرفيًّا فإذا تدرّبنا، وجدنا أنّه لا توجد شهادة موضوعية عن هوية الذات إلاّ ما تعطيه الذات عن نفسها بنفسها. فاللغة منظَّمة بطريقة تسمح لكلّ متكلِّم بامتلاك اللسان كلّيّا عندما يُعَيِّن نفسه بوصفه أنا.

إنّ الضمائر هي نقاط الارتكاز الأولى لوضع الذاتية في اللغة. وتتبعها أنواع أخرى من الأسماء المعوّضة (كاسم الإشارة والاسم الموصول)، تشاطرها المنزلة ذاتها. إنّها الظروف وأسماء الإشارة والأحوال والنعوت وما ينظّم العلاقات المكانية والزمانية حول “المسند إليه” بوصفه معيارا: “هذا، هنا، الآن” وتعالقاتها الكثيرة “ذاك، أمس، العام الماضي، غدًا”..إلخ.  وهي تشترك في كونها تعرف فقط بارتباطها بالوضع الخطابيّ الذي تنشأ فيه أيّ تبعية لأنا الذي يتلفّظ بها.

       إنّه من اليسير ملاحظة أنّ ميدان الذاتية يتسع وتنضمّ إليه عبارة الزمنية وجوبا. ومهما يكن نوع اللسان، فإنّنا نتبيّن تنظيما لسانيا معينا لمفهوم الزمن. ولا يهمّ إن ظهر هذا المفهوم في تصريف الفعل أو في كلمات من قسم آخر (حروف، ظروف، صيغ معجمية، إلخ.)، فذلك شأن البنية الشكلية. فأيّ لسان يميّز بين “أزمنة” بطريقة أو بأخرى، سواء كانت ماضيًا ومستقبلًا يفصل بينهما “حاضر”، كما في الفرنسية[6]، أو كانت حاضرًا- ماضيًا يقابل مستقبلًا، أو حاضرًا- مستقبلًا يتميّز عن ماض، كما هو الحال في لغات هندية أمريكية مختلفة، وهذه التمييزات بدورها تتصل بتنوُّع المظهر، إلخ. غير أن الجامع المشترك بينها هو الإحالة على “الحاضر”. والحال أن هذا “الحاضر” بدوره ليس له من إحالة زمنية إلا معطى لسانيًّا: هو تطابق الحدث الموصوف مع الوضع الخطابي الواصف. إنّ المعيار الزمنيّ للحاضر لا يمكن أن يكون إلا داخل الخطاب. ويُعرّف المعجم العام “الحاضر” بكونه “زمن الفعل الذي يعبر عن الزمان الذي نحن فيه”. ولكن لنأخذْ حِذرنا، فإنّه لا يوجد مقياس آخر ولا تعبير آخر لتحديد “الزمن الذي نحن فيه” إلاّ إذا اعتبرناه “الزمن الذي نتكلّم فيه”. تلك هي اللحظة “الحاضرة” أبدا، حتى وإن لم نرتبط قط بأحداث التوقيت “الموضوعيّ” نفسها، وذلك لأنّها لحظة تتعيّن بكلّ وضع خطابيّ يرتبط به متكلّم. إنّ الزمن اللساني ذو إحالة ذاتية. وفي كلمة أخيرة، فإنّ الزمنية البشرية بجهازها اللسانيّ كاملا، تكشف الذاتية الكامنة في ممارسة اللغة.

      فاللغة إذن هي إمكان الذاتية بحيث أنّها تحتوي دائما أشكالا لسانية تناسب التعبير عنها والخطاب هو الذي يسبّب انبثاق الذاتية من جهة كونه يتكون من أوضاع خفية. إنّ اللغة تقترح، بوجه من الوجوه، أشكالا “فارغة” مناسبة لكلّ متكلّم يمارس الخطاب، يعلقها بـ “شخصه”، معرّفا نفسه بوصفه أنا ومعرّفًا شريكًا له في الوقت ذاته بوصفه أنت. وهكذا فإنّ الوضع الخطابي يشتمل على جميع المعطيات التي تحدّد الذات والتي لم نعرضْ إلاّ لأبرزها إجمالا.

     إنّ “اندراج” الذاتية في اللغة يخلق مَقولة الشخص داخل اللغة وخارجها فيما نعتقد. ولذلك الاندراجِ آثارٌ متنوّعةٌ في بنية الألسنة ذاتها، سواء في ترتيب الأشكال أو في علاقات الدلالة. وهنا نهتمّ بألسنة مخصوصة ضرورة، لتسجيل آثار تغيّر المنظور التي تنتجها “الذاتية”. ولا يمكن الحديث في عالم الألسنة الواقعية عن ماصْدَق الخصوصيات التي نشير إليها، حاليّا، الأولى أن نراها لا أن نحدّدها. واللغة الفرنسية توفّر لنا أمثلة ملائمة.

     بصفة عامّة، عندما أُصرِّفُ فعلا مع الضمائر الثلاثة (بحسب القائمة المعهودة: المتكلِّم، المخاطب، الغائب)، يبدو أنّ اختلاف الضمير لا يؤدّي إلى أيّ اختلاف في المعنى في شكل الفعل المُصَرَّف.

فبين أنا آكل، وأنت تأكل، وهو يأكل، يوجد ما هو مشترك وقارٌّ؛ بحيث يقدّم الشكل الفعليُّ وصفًا لعملٍ مُسْنَدًا على الترتيب، وبطريقة متطابقة، إلى “أنا” و”أنت” و”هو”. وبين أنا أتعذّب وأنت تتعذّب وهو يتعذّب، يوجد بالمثل اشتراك في وصف الحالة ذاتها.  وهذا يُعطي انطباعا ببداهة يستلزمها الانتظام الشكليّ في جدول التصريف.

    والحال أنّ أفعالا تخرج عن ثبات المعنى باختلاف الضمائر. والأفعال المقصودة تعني وضعيات أو عمليات ذهنية. فعندما أقول: “أنا أتعذب”، أصف لا حالتي الراهنة. وعندما أقول أحسّ (بأنّ الطقس سيتغيّر)، أصف انطباعا ينتابني. ولكن ما الذي يحدث، عندما أقول عوضا عن: أحسّ (بأنّ الطقس سيتغيّر)، أقول:” أظنّ (أنّ الطقس سيتغيّر)؟” إنّ التناظر الشكليّ بين أحسّ وأظنُّ، تامٌّ. فهل الأمر كذلك بالنسبة إلى المعنى؟ هل يمكنني اعتبار أظُنُّ، وصفا مماثلا لأُحِس؟ هل أصف نفسي ظانّا عندما أقول أظنّ (أنّ…)؟

طبعا لا. إنّ عملية الفكر ليست البتّة موضوع القول، أظنّ (أنّ…) توازي إثباتًا ملطّفًا. فبقولي أظنّ (أنّ…)، أجعل الحدث مثبتا بمعزل عن الشخص قولا ذاتيا، أي أجعل (الطقس سيتغير) كذلك، وهي القضية الحقة. ولننظر في الأقوال التالية:” إنك، على ما أظنّ، السيد فلان…/ أفترض أنّ زيدا تلقّى رسالتي./لقد غادر المستشفى، ومن ثمّ أستخلص أنّه شُفِيَ.”

    هذه الجمل تحتوي أفعالا تدلّ على عمليات: ظنّ، افترض، استخلص، أي عددا من العمليات المنطقية. غير أنّ ظنّ وافترض واستخلص مصرفة مع ضمير المتكلّم، ليست لها القيمة ذاتها التي لبرهن وفكّر مثلًا اللذين يبدو أنّه – مع ذلك- قريبين منها. إنّ الشكلين أبرهن وأفكر، يصفانني مبرهنًا ومفكِّرًا. والأمر خلاف ذلك بالنسبة إلى: أظنّ وافترض واستخلص. وعندما أقول أستخلص (أنّ…)، لا أصف نفسي مشغولا باستخلاص، فما هو نشاط “الاستخلاص”؟ ثم إنني لا أقدِّم نفسي بصدد الافتراض أو الظن، عندما أقول أفترض أو أظنّ، إنّ أستخلص تدلّ على أنّني أتحصّل من وضعية معطاة على خلاصة تتصل بحدث معطى. إنه ذلك الرابط المنطقي القائم في فعل مبني للمعلوم. وبالمثل، فإنّ أظنّ وأفترض بعيدان جدّا عن أطرح وألخّص. ففي قولنا أظنّ وأفترض، ثمة موقف محدد لا عملية موصوفة. وعندما أضمن خطابي أظن وأفترض، فذلك يقتضي أنني أتخذ موقفًا ما بالقياس إلى القول الآتي.

ولنا، في الواقع، أن نلاحظ أنّ جميع الأفعال المذكورة متبوعة بالحرف الموصول (أن) وبصلته: وهذه الصلة هي القول المعتبر (= المقصود) لا الفعل العامل فيها في النواة الإسنادية الأصلية. غير أنّ ثقل ذلك الفعل العامل، هو محدّد الذاتية، إن شئنا القول. إنّه شكل يعطي للإثبات الموالي السياق الذاتيّ – شكّ، توقّع، استدلال- الخاصّ بتحديد موقف المتكلم إزاء القول الذي يتلفظ به. وهذا التجلي للذاتية لا يظهر إلا مع ضمير المتكلّم. ولا نتوقّع مطلقا أفعالا مماثلة تصرف مع ضمير المخاطب تكون لها القيمة نفسها، ولنستدلَّ على ذلك نقول: نفترض أنّه غادر، وهذه الجملة ليست إلا طريقة لإعادة ما كان “أنت” بصدد قوله:

أفترض أنّه غادر”. ولكن بحذفنا العنصر الدال على الشخص بحيث لا نبقي إلا على: يفترض أنّ…، فإنّنا لا نحصل من وجهة نظر أنا الذي يقول الجملة، إلا على مجرد ملاحظة[7].

      وإنّنا نتبيّن طبيعة هذه “الذاتية” بشكل أفضل، عندما نعتبر أنّ آثار المعنى التي ينتجها تُغيِّر الضمائر عند تصريف بعض أفعال القول. إنّها أفعال تدلّ على عمل فرديّ بمعناها ذي المدى الاجتماعي: أَقْسَم، وَعَدَ، ضَمِنَ، شَهِدَ، مع أفعال متعدِّية بحرف جر مثل: التزم بـ… وتقوّى بـ… وفي الظروف الاجتماعية التي تنجز فيها اللغة، ينظر إلى الأعمال التي تدلّ عليها تلك الأفعال، بوصفها ملزمة. على أنّ الاختلاف في هذه الحالة بين القول “الذاتي” والقول غير الذاتي” يظهر إلى النور ما إن نقف على طبيعة التقابل بين “الضمائر” التي يصرف معها الفعل. ويجب أن ننتبه أنّ “ضمير الغائب” هو شكل جدول الفعل (أو الضمير) الذي لا يحيل على إنسان، لأنّه ضمير يحيل على شيء واقع خارج التخاطب. ولكنه ضمير لا يوجد ولا يتخصص إلا في تقابل مع ضمير المتكلم أنا، الذي يعينه عندما ينطبق به بوصفه ” غير شخص”. ذاك وضعه. إنّ الشكل هو… يتخذ قيمة مما يشكل جزءا ضروريا من خطاب يتلفظ به “أنا”.

   لذلك فإنّ أقْسَم شكل ذو قيمة فردية، يضع من يقول أنا، حقيقة القسم. القول هو إنجاز: “أن نقسم” يعني بالتحديد أن أقول أقسم، التي يتصل بها أنا. فالقول أقسم، هو العمل ذاته الذي ألتزم به، وليس وصفا للعمل الذي أنجزه. وعندما أقول أعِدُ أو أَضْمَنُ، فإنّني أَعِدُ وأضمن فعلا، وتقع النتائج (الاجتماعية، القضائية، إلخ.) لقَسَمِي أو لِوَعْدِي انطلاقا من الوضع الخطابِيِّ الذي يحتوي على أُقْسِمُ أو أَعِدُ. فالقول يتحدّد مع العمل ذاته. لكن هذا الشرط ليس معطى ضِمْنَ معنى الفعل وإنّما تجعله “ذاتيةُ” الخطابِ شرطًا ممكنًا. وسنرى الفرق بتعويض أُقسمُ بأَقسَمَ. ففي حين أُقسمُ تمثل التزاما، فإنّ أَقسمَ ليست سوى وصف من جنس يجري أو يدخّن. ونلاحظ ههنا أنّ الفعل ذاته يأخذ قيمة مختلفة باختلاف شروط هذه التعابير الخاصة وبالقياس إلى قيام “ذات” يذلك الفعل أو وقوعه خارج دائرة “الشخص”. إنّ ذلك ناتج عن كون الوضع الخطابيّ الذي يحتوي الفعل، يضع العمل في الوقت نفسه الذي يؤسس فيه الذات. بذلك ينجز الوضع القولي العمل عند التلفظ بـ”الاسم” ‘ الذي هو “القسم”) في الوقت نفسه الذي يؤسس فبه الذات. بذلك ينجز الوضع القولي لمؤشّر الذات (وهو أنا).

       إنّ كثيرًا من المفاهيم في اللسانيات، وربّما في علم النفس كذلك، قد تظهر يوما ما مختلفة إذا ما أعدنا وضعها في إطار الخطاب، وهي اللغة يقوم بها إنسان يتكلّم، وفي حالة بيذاتية وحدها تجعل التواصل ممكنًا.


  • المصدر:

إميل بنفنيست: “مسائل من اللسانيات العامّة”، المطابع الجامعية الفرنسية، باريس، ص- ص.257-265.

E.Benveniste : Problèmes de linguistique générale, P.U.F., Paris, 1966, p-p.257-265.

[1]  السلوكية: نظرية تُركّز علمَ النفس على الدراسة العلمية والتجريبية للسلوك (علم نفس السلوك)، دون العودة إلى الاستبطان أو التفسيرات الفيزيولوجية أو النفسية العميقة.

[2]  المصادرة على المطلوب: خطأ منطقيّ يتمثل في التسليم بشكل مختلف شيئًا مّا بالقضية التي نطلب البرهنة عليها ذاتها.

[3]   التحيين: هو فلسفيًّا المرور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، وهو أيضا المرور من الحالة الخيالية إلى الحالة الواقعية.

[4]   التقاطب: ترجمْنا به (polarité )، وهو مفهوم رياضيّ فيزيائيّ في الأصل يعني حالة أي نقطتين في نظام لهما خصائص مختلفة (متقابلة أو متمايزة).

[5]  تعسر ترجمة ( périphrase) ترجمة واحدة لكونها داّلة على أكثر من معنى:

    -أ- هو وجه بلاغيّ يتمثل في التعبير عن مفهوم يؤدّيه لفظ واحد بمجموعة من الكلمات.

   -ب- لسانيًّا، تعني périphrase)) مجموعة كلمات مرادفة لكلمة واحدة (مثال ذلك: أنثى الحصان= فرس). والحدّ (= التعريف) هو (Périphrase)كذلك. وهذا التعريف، قد يحسن ترجمته بالشرح أو العبارة الشرحية التي تفسر مفهوما، وتلك وظيفة الحدّ.

أما في سياق ترجمتنا، فقد فضلنا ترجمة ((périphrase بـ(عبارة كنائية) لأننا لسنا في سياق حد أو تعريف علمي بل في سياق تواصل اجتماعي يقتضي التلميح، ولا تخفى شدّة اتّصال الكناية وجهاً بلاغيا بالناحية الأخلاقية [كالتعبير عن الوطء بالحرث والملامسة].

[6]  وكذلك الشأن في اللغة العربية. [المترجم]

[7]  قد لا يوافق هذا الحكمُ تحليلَ النحو العربي أو لعَّله يقبل التأويل بطريقتين:

أ- إمّا بالتمييز بين ضمائر المتكّلم والمخاطَب من جهة وضمائر الغائب من جهة أخرى.

ب- أو بالتمييز بين صيغة الفعل المبنيّ للمعلوم وصيغة الفعل المبنيِّ للمجهول (أو المفعول). ذلك أنّ الفرنسية تستعمل ضمير الغائب (il) استعمالًا مزدوجًا، يفيد في سياقات ما يفيده الشخص الغائب (أي ما يوافق ضمير “هو” في العربية)، ويفيد في سياقات أخرى ما يوازي- في العربية- المبنيَّ للمجهول، إذ يُستعمَلُ مع أفعال غير مسندة إلى فواعل و يُسمّى في هذه الحالة ضميرا محايدًا (pronom personnel neutre ).