مجلة حكمة
الخلق عند ابن ميمون creation

الخلق عند ابن ميمون: أربعة تفسيرات (علم الكلام، موسى، أفلاطون، أرسطو) – كيثينث سيسكن


  • الخلق عند ابن ميمون

يدرج موسى بن ميمون في ثنايا الدليل أربعة تفسيرات للخلق وهي: علم الكلام، موسى، أفلاطون، أرسطو. يرفض تفسير علم الكلام (GP 1.71–73) بناء على أي دليل يدلّ على أن الكون لا بد وأن يكون مخلوقا، ثم الأسباب التي تقول إن كان مخلوقا فمن المحتّم أن له خالقا. مثلما كان عليه توما الأكويني، يؤمن ابن ميمون بأن من المستحيل أن تُظهِر بواسطة العبارات المنطقية لوحدها أن الكون مخلوقا أو أبديا. رغم أن موسى يقول إنه يؤمن بالخلق، إلا أنه يعترف أن المرء لا يسعه إلا أن يقلّب الموازين في هذا الاتجاه. كما جاء في الدليل (2.13) فقد كان يحصر نقاشه لنظريات موسى، أفلاطون، وأرسطو. لكن للأسف، أوصاف ابن ميمون لهذه البدائل ليست دقيقة ولا تحمل دقة تاريخية أيضا (Seeskin 2005). يكفي القول بأن معالجته لهم كانت موضوعية بشكل أساسي، وباختصار هي:

موسى: العالم قد خلق من البدء من اللاشيء تماما.

أفلاطون: العالم قد خلق من البدء من أساس مادي موجود مسبقا.

أرسطو: العالم أبدي وأفضل فهم لوجوده أن يكون بمثابة حقائق أبدية للمادة.

بناء على إشاراته الصريحة، يفضّل موسى بن ميمون نظرية موسى لكنه يأذن للمرء بأن يتمسك بنظرية أفلاطون لأنها البديل المنطقي. لكن كان هناك مدرسة فكرية متمسكة بأنه كان ملتزما بنظرية أرسطو (Harvey 1981). وجهة نظري تتفق مع أولئك الذين يزعمون بأن ملاحظاته الصريحة هي تفسير دقيق لمنظوره وأن كل النقاشات التي يستعرضها تشير نحو هذا الاتجاه Davidson 1979, Feldman 1990, Hyman 1988, Wolfson 1973).

زعم أرسطو التاريخي بالفعل أن العالم أبدي، وأن كل ما هو أبدي هو ضروري [On Generation and Corruption 338a1–4, Physics 203b 29, Metaphysics 1050b8–15]. أخذ أتباعه خلال القرون الوسطى هذا المعنى إلى معنى آخر يعني أنه حينما يعتمد العالم في وجوده على الإله، فلم يكن هناك لحظة لوجوده، وعلى هذا لا يدين بوجوده إلى قرار للخلق. مثلما يمكن أن نقول، أنه وُجد ليس بسبب شيء فعله الإله، بل بسبب ماهية الإله بكل بساطة. وفقا لهذا الموقف، فإن طبيعة الإله لا تتغير، ولا يتغير الوجود أو الأساس البنائي لهذا العالم. أهم تبعات هذا الرأي، هو أن الإله لا يمارس حرية الاختيار، والتي تعني وفقا للبديل أرسطو أن العالم محكوم بالضرورة.

تأخذ الحجج المعتادة لهذا الموقف اتجاهين اثنين، إما أن تُظهر أن هناك شيء كامن في طبيعة العالم والذي يجعل الخلق مستحيلا، أو أن هناك شيء كامن في طبيعة الإله المتصرف. لنعطي مثالا على ما سبق، هو أن التغيير يبدأ دائما من شيء إلى شيء آخر، مثلما تخرج الدجاجة من البيضة، أو عندما تنمو شجرة بلوط إلى شجرة مكتملة. إذا كان هذا صحيحا، فإن من المستحيل لشيء أن يأتي من (العدم). مثال على ذلك، أنه إذا كان الإله كاملا، فليس من المنطقي أن نعتقد بأنه يمكن أن يقوم بأي شيء جديد مثل أن يخلق العالم للوجود.

يجيب ابن ميمون على الحجة الأولى (GP 2.17)، بأنه بالنظر للعالم كما نعرفه، فالتغيير يبدأ من شيء إلى شيء آخر. لكن، لماذا نفترض أن العالم يجب أن يتبع نفس هذا النمط؟ تفسير الخلق يشابه نظرية النشوء، وكيف أتت الأشياء ابتداء. على النقيض من ذلك، تفسير التغيير يشبه نظرية التطور أو التغيير، كيف يبرز من الوجود وجود آخر.

كل ما نعلمه، أن منشأ الشيء ربما يكون مختلفا تماما عن تطوره اللاحق. بالتالي، من العجرفة أن نفترض بأننا نستطيع الاستقراء من تجربتنا للعالم كما هي في الوقت الحالي إلى لحظة خلقه. ينطوي على ذلك أن الحجة الأولى ضد الخلق ليست قطعية، مما يعني أن الخلق يبقى احتمالية.

أما الحجة الثانية، فيجيب ابن ميمون، (GP 2.18) أن الرغبة في شيء جديد في الوجود الكامل لا توحي بحاجة للتغيير. مثلا، إذا رغبت بالذهاب في رحلة غدا، وتتداخل الأحداث لتفسد خططي، فربما اضطر لتغيير رأيي، لكن الافتراض بأن هناك أمر مشابه يحدث للإله هو محض عبث. لنفترض أنني رغبت بعمل شيء غدا بمعزل عن الظروف الخارجية، للتفكير في الخصائص العددية. ولنفترض أنه حينما يأتي الغد، أفعل مثلما خططت له. بينما شرعت في شيء جديد، إلى درجة أنني نويت القيام به إلى الأبد، سيكون مضللا القول بأنني خضعت لتغيير. قطعا لم يكن تغييرا في رأيي.

يأخذ موسى بن ميمون هذا إلى ما معناه أن من الممكن ألا يتأثر الوجود بالظروف الخارجية ليرغب بشيء جديد طالما أنه جزء من مقصده الأصل. وهذا أمر يعبر عنه بالقول إن تغيير رغبة المرء لا يشابه الرغبة في التغيير. لذلك مرة أخرى، الحجة القائمة ضد الخلق لم تكن قطعية.

كافة الحجج قائمة على إمكانية الخلق عند ابن ميمون، وهو مدرك لهذا، لا على حقيقته. ليمضي إلى أبعد من ذلك، ناقش حقيقة الخلق وعاد إلى الادعاء بأن كل شيء أبدي هو ضروري. إذا أمكننا أن نثبت أن هناك سمات غير ضرورية للعالم، سينطوي على ذلك حتمية خلق العالم. هنا يتحدى ابن ميمون أرسطو وأتباعه من جانب عالم الفلك.

يؤمن أتباع أرسطو بما هو آت. أن الإله يفكر وله وعي ذاتي. لأن الإله واحد وبسيط، وما ينبثق من الإله لا بد أن يكون واحد وبسيط أيضا. على هذا الأساس، يكون الإله هو المنتج الأول للفهم السماوي. وفقا للفارابي، الفهم الأول مُدرك لأمرين: ذاته والإله، وقادر على توليد شيئين: الفهم السماوي الثاني، والأبعاد الخارجية للكون. على النقيض من ذلك، تمسك ابن سينا بأن الفهم الأول مدرك للإله وللثنائية بحد ذاتها، وهذا يولد ثلاثة أشياء. لا يتوجب علينا القلق من الاختلاف القائم هنا. فالنقطة الهامة هي أن إنتاج الإله للأبعاد الخارجية للكون كان بشكل غير مباشر؛ والسبب المباشر هو نشاط الفهم الأول. تستمر هذه العملية حتى نصل إلى الأفهام العشرة والأبعاد الأساسية التسع التي شكّلت الصورة النموذجية لعلم الكونيات في العصور الوسطى.

ينتقد موسى هذا التفسير من جهتين: إذا كان المنشئ لهذا التسلسل السببي واحد وبسيط فلا سبيل إذن لوجود تعقيد، وكل شيء يتبع تسلسلا يفترض أن يكون واحدا وبسيطا (GP 2.22). حتى لو كان التسلسل يحتوي على آلاف الأفراد، لن يستطيع تفسير المجال السماوي، والذي يتركب من مادة وشكل. عندما نذهب للمجالات الداخلية، نحتاج لأن نفسر أكثر، ليس لأن هناك مجال بذاته بل لأن هناك نجوم وكواكب تسبح فيه. كيف يمكن أن يكون لدينا تعقيد إذا بدأنا من متوحد جذريا؟

الثاني أن هناك سمات للأجرام السماوية التي تتحدى التفسير العلمي، وبالتالي تظهر لأن تكون مشروطة بمعنى أنها اُختيرت بدلا من أن تكون ضرورة (GP 2.19–24). إذا كانت المجالات الخارجية تنقل الحركة للمجالات الداخلية، فسوف نتوقع حركة كروية تتباطأ كلما اقتربنا من الأرض. لكن هذا جزء بسيط من المسألة كما أوضح ذلك ابن ميمون (GP 2.19): نحن نرى أنه في بعض المجالات تكون خفة الحركة فوق البطء، وفي الحالات الأخرى بطء الحركة فوق خفتها، وهذا يتكرر في حالة أخرى، تكون حركة المجالات متساوية السرعة مع وجود واحدة فوق أخرى. هناك أيضا مسائل أخرى خطيرة إذا اتخذت من منظورها فهذه الأمور تظهر على ما هي عليه بحكم الضرورة.

إذا لم يكن هناك تفسير حول سبب تصرف هذه المجالات بهذه الطريقة، أو لماذا تبعث بعض النجوم والكواكب ضوء أقوى من الأخريات، أو لماذا تزدحم أجزاء من السماء وتبقى أجزاء كبيرة فارغة، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأن الظواهر المسؤولة تبدو على ما هي عليه بحكم الضرورة. إذا لم يكن هناك ضرورة، فلا وجود لأسس الأبدية. والبديل هو القول بأن الله خلق العالم كنتيجة لحرية الإرادة وصممه بطريقة معينة.

يدرك موسى بن ميمون (GP 2.24) أن حجته لا تؤخذ على أنها إثبات. لإن العلم لا يستطيع شرح شيء الآن، فهذا لا يعني أنه لن يشرح على الإطلاق. كما يعترف بنفسه أن العلم بإمكانه أن يحقق التقدم. لكن في هذه الحالة، حالة الأجرام السماوية فالتقدم مستبعد جدا. لأنها أبعد من أن تلاحظ عن قرب، ومرتفعة جدا في رتبتها، نستطيع فقط أن نتكئ على الاستدلالات فقط بناء على حجم الميزات العرضية، السرعة، الاتجاه. مادام أن ذلك صحيحا، لن نعرف أبدا طبيعتها الأساسية، ولن نستطيع أبدا دعم الادعاءات القائلة بالضرورة. مادام أن ذلك صحيحا، فإن عدم ثبوت الخلق سيكون دوما في صالح الأبدية.

يعرض ابن ميمون (GP 2.25) أيضا سببا عمليا للإيمان بالخلق: كيف يمكن لإله بلا إرادة حرة أن يصدر الأوامر؟ فوق ذلك يوجد سبب نصي: الاعتقاد في الخلق يسيء بشكل أقل للكتاب المقدس مقارنة بالإيمان بالأبدية. وينتهي إلى أن نظرية موسى تقدم أفضل بديل، بينما تمسك أفلاطون بفكرة أن خلق العالم من البدء تعد مقبولة. رغم أن البعض عاب على ابن ميمون عدم إتيانه بحجج قوية فيما يخص بموسى، إلا أنه كان يرد بأنه بالنظر لحدود المعرفة لدينا فإن هذه هي أقوى حجة يمكن أن نتوقعها. رغم أنه يُرى على أنه ينتمي في الغالب إلى تقليد أرسطي، ويثني كثيرا على أرسطو، إلا أن تفسيره للخلق يلمح إلى أنه مستعد للانفصال عن أرسطو عندما يعتقد بأن الحجج تقوده لذلك الاتجاه.