قصة الخسوف – آوغوستو مونترّوسو / الترجمة: محمد وليد قرين

قصة الخسوف – آوغوستو مونترّوسو / الترجمة: محمد وليد قرين


عندما شعر الراهب “بارتولوميه آرّثولا” Bartolomé Arrazola بأنه ضائع تقبل فكرة أن لا شيء سيستطيع إنقاذه. فأدغال غواتيمالا الكثيفة والقاسية كانت قد سجنته في أعماقها. وبما أنه كان لا يعرف المكان جلس بهدوء منتظرا الموت. أراد أن يموت هناك، في الأدغال، معزولا وفاقدا كل أمل في النجاة. كان يفكر باستمرار في إسبانيا البعيدة، وبالخصوص في دير “لوس آبروخوس، حيث قبل الملك كارلوس الخامس أن ينزل ذات مرة من عرشه السامي لكي يقول له أنه كان يثق بالحماس الديني لعمله الشاق والمطهّر.

حينما استيقظ الراهب “بارتولوميه”، وجد نفسه محاطا بجمع من الهنود ذوي الوجوه المغلقة. كان هؤلاء الهنود يتأهبون لتضحيته فوق مذبح. بدا للراهب أن ذلك المذبح عبارة عن فراش سيرقد فيه ويتحرر في النهاية من مخاوفه، من قدره ومن نفسه.

لقد مكنّته ثلاثة سنوات قضاها في البلاد من اكتساب معرفة متواضعة للّغات المحلية. حاول أن ينقذ نفسه. قال بعض الكلمات فهمها الهنود. فنشبت في عقله فكرة اعتبرها لائقة ببراعته وبثقافته الشمولية وبمعرفته الملمة بأرسطو. تذكر أنه كان من المنتظر حدوث خسوف في ذلك اليوم، فارتأى، في قرارة نفسه، أن يستخدم معرفته تلك لكي يخادع مضطهديه وينقذ بالتالي نفسه. فقال لهم:

إن قتلتموني، فيمكنني أن أجعل الشمس تكفهرُّ في مكانها.

أمعن الهنود النظر في “بارتولوميه” فقرأ في أعينهم أنهم لم يصدّقوا قوله. لاحظ أنهم اجتمعوا وأقاموا مجلسا صغيرا، ثم انتظر باحتقار أن ينهوا مجلسهم، واثقا من براعة خطته لمخادعتهم.

بعد مرور ساعتين كان دم قلب الراهب “بارتولوميه” يسيل بغزارة فوق حجرة الذبائح (كان الدم يبرق تحت الأشعة المعتمة للشمس الخاسفة)، بينما كان أحد الهنود يقرأ ببطء، ومن دون أي تغير في مقام صوته، واحدة تلو الأخرى، التواريخ اللامتناهية التي ستشهد حدوث ظواهر الخسوف والكسوف، التي كان علماء الفلك “المايا” قد تنبّؤا بها ودوّنوها في حوليّاتهم من دون الاستعانة الـ”ثمينة” بأرسطو.


(1921-2003) Augusto Monterroso

كاتب من غواتيمالا.

العنوان “قصة الخسوف” باللغة الإسبانية: El eclipse