ظلمة تتهاوى: محاولة في فهم الانتحار (مقدمة المترجم) لكتاب كاي جاميسون

ظلمة تتهاوى الانتحار

غلاف كتاب (ظلمة تتهاوى: محاولة لفهم الانتحار)

يمكنك شراء نسخة كندل من الكتاب عبر هذا الرابط


«الحزن لا يموت» هكذا كانت صيغة وداع فان غوخ الأخيرة للحياة بعد عمر من التعاسة الملونة، أما هيمنغواي فملاحقته للموت في الكحول والنساء والحروب والكتابة توّجت بتهشيمه جمجمته منتحرًا، وفرجيينا وولف اكتشفت أن الأحجار التي ستضمن ارتطامها بقاع النهر أكثر خفة من حياة مضطربة تحملها على كتفيها. أما في عالمنا العربي فيمكن القول، وبدون أقل درجة من القلق، إن الانتحار غدا ظاهرة غير قابلة للتجاهل فمن ارتكاب خليل حاوي الانتحار احتجاجًا على مرور المجنزرة الإسرائيلية حيث يكتب قصائده، مرورًا بتيسير السبول وقناعته أن النبوة قد تتجلى في ارتكاب الموت فلا وحي نزل عليه ولم يبايعه أحد نبيًا، وانتهاء بالبوعزيزي الذي فجّر انتحاره حركة شعبية آثارها ماثلة حتى اليوم، ورغم افتقارنا إلى الدراسات العلمية في العالم العربي لظاهرة كهذه، فإنه، وبالأخذ في الاعتبار توفر عوامل الخطورة لارتكاب فعل الانتحار كالإصابة بالأمراض العقلية وظروف الحياة الضاغطة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية بشكل أكبر في عالمنا العربي مقارنة ببلدان العالم الأول تلك التي أجريت فيها دراسات وصفية محكمة، يمكن القول وبكثير من القلق ــ هذه المرة ــ إن الانتحار قد يكون حاضرًا بمعدلات مساوية للمعدلات العالمية إن لم تكن جاوزتها.

ويحتاج الإدلاء بعبارة صلبة بخصوص الانتحار في العالم العربي إلى جهد علمي محكم، بدلًا من الانطباعات العابرة التي كانت الدافع خلف الاهتمام بترجمة هذا الكتاب. ومن المؤكد أن دراسة كهذه يمكن أن تضيف الكثير لفهمنا للانتحار نتيجة لمعدلات التدين العالية في العالم العربي مقارنة بالغرب المادي، ونمط الحياة الميال إلى الاستهلاك والتماسك النسبي للأسر.

فالشاب الذي يبلغ من العمر الواحد والثلاثين واختار أن يبتلع ما يقتله خلال مناوبة ليلية في أحد مستشفيات الرياض، وقام بتضليل أطباء الطوارئ بخصوص نوع الدواء الذي ابتلعه حتى يسقط دفاعاتهم الهشة في وجه الموت، اختار أن ينهي حياته مع أنه ــ ومن وجهة نظر إحصائية بحتة وبالمقارنة مع متوسط العمر السعودي ــ ما زال لديه على الأقل ما يقارب الثلاثين عامًا ليعيشها، فما زالت احتمالية أن يحظى بفنجان قهوة متقن في إحدى ليالي شتاء الرياض قائمة، ولديه فرصة عالية أن تحبه فتاة وتضيف بابتسامتها إلى حياته معنى، كما أن أبويه المسنين لا يزالان بحاجة إلى مساعدته التي يمكن أن تجعل من شيخوختهما أقل مللًا، وكذلك العمل الوظيفي ــ كانت وظيفته مرموقة ــ الذي كان يقوم به سيحتاج إلى الكثير من الوقت قبل أن يشغل محله من يستطع تأديته بتلك الجودة. ذاك الشاب كانت معطياته في الحياة على الأقل فوق المتوسط، وكان سؤال (لماذا يريد أن يموت؟) لا يمكن التهرب منه.

لماذا يختارون الموت؟ لعل تعقيد الانتحار يحتاج إلى عمل فكري فلسفي يتزامن مع الجهد العلمي التجريبي، فالأخير يقتصر دوره على محاولة إيجاد قياسات موضوعية تنبؤية لاحتمالية ارتكاب س من الناس الانتحار والعمل على التقليل من وجود عوامل خطورته في المجتمع. بينما الأول يطرح سؤال (ما الموت؟) و(لماذا نموت؟). فوصف الموت علميًا يمكن تلخيصه بتوقف القلب والرئتين عن العمل، بينما لا يعني هذا التعريف أي شيء لشخص يود ارتكاب الانتحار، فلن تجد مريضًا ناجيًا للتو من محاولة انتحار يقول لك أريد أن أوقف قلبي ورئتي عن العمل، بل يطلب الموت. وبين العبارتين من الهوة مثل ما بينهما في دقة لفظ الأول، وطوله وماديته، وبرودة وعائمية اللفظ الثاني، وإيجازه المرعب واكتفاؤه بثلاثة أحرف.

هذه الترجمة هي محاولة قد تنجح في إضافة عمل شبه علمي إلى المكتبة العربية عن ظاهرة الانتحار، بالتعاون مع مؤسسة ريم وعمر الصمعان الثقافية، آملين أن يسهم في حثّ صنّاع القرار والمجتمع الطبي والعلمي على تسليط المزيد من الجهود لاكتشاف حجم الظاهرة وسبل معالجتها التي من الممكن أن تستزرع من بيئتنا وثقافتنا ولغتنا، ففي الحياة الكثير مما يمكن أن يفوت على من يستعجل الموت.