البابا والسلطة السياسيّة – البروفيسور الدكتور شتيفان فاينفورتر / ترجمة محمد المهذبي

البابا والسلطة السياسيّة – البروفيسور الدكتور شتيفان فاينفورتر / ترجمة محمد المهذبي

يعتقد آباء الكنيسة، سيرا على خطى بطرس الرسول، أنّهم مسؤولون عن خلاص البشر الروحي. ينطبق ذلك على الحكّام الدنيويين، وهو ما تسبّب في نشوب صراع شديد على الحكم مع القياصرة.

          من أين نشأت سلطة البابا ؟ أيّة سلطة تميّز المؤسّسة التي شدّت اهتمام أوروبا والعالم على مدى قرون؟ إنّ هذا السؤال ليزداد وجاهة بقدر ما أنّ بعض آباء الكنيسة يعتبرون أنفسهم أقرب إلى من لا يملك سلطة أصلا. فإلى البابا هادريان الرابع (1154-1159) تعود الكلمات التالية: “لا أحد يعيش بشكل أكثر إثارة للشفقة، ولا أحد أكثر شقاء من البابا . وحتّى عندما لا تكون له متاعب إضافيّة، فإنّ وِزر منصبه لوحده يرهقه في أقصر وقت…إنّ أوزار الأسقف الروماني كلّها أشواك، وعباءة الأسقف مليئة بأكثر الإبر حدّة وهي من الثقل بحيث تنوء بحملها أقوى الأكتاف وتَدْمَى“. وهو لذلك، مثلما أضاف البابا ، قد عاش الكثير من المعاناة إلى الحدّ الذي جعل كلّ مرارة الماضي، مقارنة بذلك، حياة من الفرح والسعادة.

          قبله كان البابا ليو التاسع (1048-1054) قد حاول التخلّص “من أوزار الكرامة الرسوليّة”. ولكنّه عندما اضطّر للتسليم بعد ذلك ” كان كبابا دائما محبط العزائم بسبب الهموم الأشدّ ثقلا والمشاغل المتزايدة“، فلم يبق له سوى ببّغاؤه الوفيّ الذي استطاع منحه قوّة متجدّدة بتشجيعه مردّدا:”بابا ليو!”. بعد ذلك بفترة، في سنة 1221، اشتكى البابا هونوريوس الثالث (1216-1220)، في رسالة إلى أساقفة شمال إيطاليا، المتاعب التي لا حصر لها، والهموم والنفقات التي تتجاوز قواه وتبعث الخوف فيه.

           هل مثل تلك التصريحات تعبير عن السلطة ؟ وكهذه مثلا، عندما دفع أهل روما البابا غريغوار السابع (1073-1085) إلى المنفى بساليرنو ومن هناك عبّر برسالة للمسيحيّين، في عموم الكنيسة الرومانية، عن يأسه قائلا:” أنا أصرخ، أصرخ، أصرخ!“. دون الحديث أصلا عن العدد غير القليل من آباء الكنيسة الذين عانوا الويلات، خلال القرون السابقة، في سجون القيصر أو إحدى عائلات النبلاء المعادية، أو الذين عزلوا وأُجلِسوا عراة وأنوفهم وألسنتهم مشوّهة على ظهور الحمير وهي تطوف بهم عبر المدينة. كلّ تلك الأمثلة تبدو وكأنّها تقدّم لنا بابا عديم السلطة تماما، ومع ذلك فإنّ سلطة لا متناهية تُنسب له. فيم تتمثّل تلك السلطة إذن؟

          للإجابة عن ذلك السؤال، ينبغي علينا أن نلقي نظرة على بدايات المسيحيّة. فمنذ البداية كان أتباع “حركة يسوع” متشبّعين بمُثل عليا معيّنة. من بين تلك المثل العليا محبّة القريب، والعناية بالفقراء، ومساعدة المرضى والتطلّع إلى حياة أفضل بعد الموت. “وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ.” (1) مثلما جاء في سِفر أعمال الرسل (2، 42). ثمّ ورد إضافة إلى ذلك:” وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا.” (2، 42). وفي الختام :” وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًاإِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا…. فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ.” (4، 32-35).

          العنصر الجوهري الثاني الذي ترتّب عنه تأثير كبير، حتّى في المسيحيّة المبكّرة، هو فكرة السلام والاتّحاد. في عصر الامبراطوريّة الرومانيّة، حيث لعبت الحرب دورا رئيسيّا في الحياة السياسيّة، كان توق الناس إلى السِّلم كبيرا. تلك الفكرة حول “ملكوت السلام” من رسالة المسيح، أثارت على الدوام، حتّى عند الأجيال والقرون اللاحقة، أكبر درجات الشغف لدى الشعوب.

          أمّا المكوّن الثالث فيتعلّق بالحقيقة. قال المسيح:” أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ” (يوحنّا، 14، 6). ولكن ماذا كانت الحقيقة في النظام القائم؟ فقد كانت المسيحيّة، حتّى في بداياتها وقرونها الأولى، حركة متعدّدة الوجوه والتفسيرات المختلفة والتصوّرات المتباينة. فالتساؤل حول طبيعة المسيح مثلا كان ذا أهميّة جوهريّة متضمّنا قوّة تفجير جديرة بأن تجعل المسيحيّة الغضّة تعيش الانقسام. فالنزاع حول العقيدة الصحيحة والحقيقيّة لم يكن مسألة رغبات فرديّة، بل مسألة خلاص، وهو ما يعني الانبعاث من جديد يوم القيامة.

          إنّ حفظ وضمان وتقوية تلك العناصر الأساسيّة الثلاثة لعقيدة الخلاص والرجاء، ومحبّة القريب، والسِّلم والحقيقة المسيحيّة، وجعلها مؤثّرة في دائرة العالم الكونيّة بشكل موحّد، كان يمثّل المهمّة التي تصوّرها أسقف روما مبكّرا لنفسه. في البدء لم يكن في ذلك سوى واحد من بطريركات أربعة، من بين الذين اعتبروا أنفسهم قادة المسيحيّة.

 

 

كانت المجامع المسكونيّة صاحبة القرار في البداية

كان هناك  إلى جانب المجمع المسكوني بروما، مجامع الإسكندريّة وأنطاكيا والقدس. انضاف إليهم لاحقا، ومنذ القرن الرابع، مجمع القسطنطينيّة. لم يكتف القيصر قسطنطين العظيم (306-337) بإعلان المسيحيّة كدين للإمبراطورية سنة 313، بل نقل عاصمته، “روما الجديدة” إلى القسطنطينيّة. وحيثما يقيم القيصر، توجد أيضا السلطة الكنسيّة الأعلى، كذلك كانت حجّة بطريرك القسطنطينيّة. ولكنّ القرارات الهامّة للكنيسة الناشئة لم تكن في ذلك الوقت، على كلّ حال، تتّخذ من قِبل فرد من أصحاب السلطة ، بل من جانب المجامع المسكونيّة. وقد كانت قرارات نيقية (في سنة 325) وأفسس (432 سنة) وخلقيدونية  (سنة 451) بالخصوص حاسمة، لأنّها تضمّنت معالم العقيدة القائلة بأنّ المسيح ذو طبيعتين وأنّه يُعتبر الإله الحقّ والإنسان الحقّ. كلّ تلك الأحداث السابقة، حدثت في شرق الإمبراطوريّة، ولا سيّما في آسيا الصغرى. هناك وفي إفريقيا كانت توجد مراكز المسيحيّة، وليس في روما.

          حمل انسحاب قسطنطين من روما مع ذلك أيضا لأسقف روما مكسبا بالنسبة لسمعته. فقد أغدق عليه القيصر بسخاء. وشيّد إضافة إلى ذلك قصرا وبنى له الكنيسة الأسقفيّة التي تحمل اسم القدّيس سلفاتور باللاتران. وكذلك فقد أمر ببناء كاتدرائيتي القدّيس بطرس والقدّيس بولس قرب أسوار روما. وانطلاقا من ذلك الوقت صار أسقف روما أحد أكبر موظّفي القيصر. كان يحقّ له ركوب حصان أبيض، وارتداء عباءة ونعال حمراء ووضع تاج البابويّة على رأسه واستعمال شمسيّة، وكلّها رموز للسيادة. ويُضاف إلى ذلك أنّه كان عليه الاهتمام أكثر فأكثر أيضا بشؤون وأمن الشعب الروماني وبتلك الطريقة ازدادت مهمّاته الدنيويّة.

          ولكن بالنسبة للتنافس مع بطريرك القسطنطينيّة كان هناك شيء آخر هو الحاسم. احتجّ أسقف روما بإرث أمير الرسل بطرس. فمنذ القرن الثاني لم يكن لدى المسيحيّين أيّ شكّ في أنّ بطرس قد لقي الشهادة في روما وأنّ قبره موجود هناك. استند إلى ذلك أسقفا روما داماسوس الأوّل (336-384) وسيريسيوس (384-399)، عندما أعلنا أنّهما، باعتبارهما خَلَفًا لبطرس ووريثين له، تحقّ لهما أيضا سلطاته.

“…وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي”

          لقد وجدوا الميزة الخاصّة بأمير الرسل مذكورة في إنجيل متّى (12، 18-19). فقد قال المسيح لبطرس:” أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ.” بذلك رأى أساقفة روما أنفسهم أعلى منزلة من الأساقفة الآخرين، وانطلاقا من ذلك بدأوا في اتّخاذ اسم بابا.

          لقد كان سيريسيوس أوّل من صاغ تلك الفكرة سنة  385 م بشكل واضح. في ذلك استعمل قرارا، أي إنّه أعطى لإعلانه شكل إعلان قيصري. وبذلك دعم أحقيّته في حسم نزاع داخل الكنيسة الإسبانيّة. فقد ورد في الديباجة:” حسب فهم وظيفتنا لا يحقّ لنا السماح بشيء أو الصمت عليه، نحن الذين يلزمنا أكثر من غيرنا العمل دون كلل أو ملل من أجل الديانة المسيحيّة. نحمل وزر جميع من لهم هموم، أو أفضل من ذلك: يحملها بطرس المبارك فينا، الذي في كلّ الأشياء، مثلما نعتقد بيقين، كورثة لوظيفته، يحمينا ويظلّنا.”

          تلت ذلك إعلانات مشابهة، وتواتر إعلان أسقف روما نفسه مسؤولا عن المسيحيّة في كلّيتها. وطلب، في الوقت ذاته، أن يلتزم كلّ المسيحيّين، بما في ذلك الأخوة في الشرق، بقراراته، إذ بذلك وحده يمكن الحفاظ على العقيدة القويمة ووحدة الكنيسة. إنّه الرّأس الذي “يحمل همّ الأعضاء”، مثلما صاغ ذلك داماسوس.

          انطلاقا من مسؤوليّة البابا ومن واجبه في الرعاية تترتّب بشكل من الأشكال، وفي خطوة ثانية، صدارة أسقف روما في عموم الكنيسة. ولكي يؤيّد ذلك الاستحقاق، التجأ البابا ليو الكبير (440-461) إلى القانون الروماني. حوالي سنة 500 م ورد القول المهمّ فوق ذلك:”الكرسيّ الأوّل” أي الكرسي الرسولي، “لا يمكن أن يحكمه أحد”. وفضلا عن ذلك ظهرت حينها فكرة السلطتين في الأرض، الروحيّة والدنيويّة، حيث تأخذ السلطة الروحيّة المقام الأوّل في شخص البابا، لأنّ البابا يتحمّل المسؤوليّة يوم القيامة عن خلاص البشر كلّهم بما في ذلك القيصر.

القيصر شارلمان يصبح السلطة الجديدة الحامية

حوالي سنة 500 م كانت البابويّة في روما بذلك قد تكوّنت بالأساس ولكن فقط على المستوى النظري بالدرجة الأولى. ومثلما حصل في السابق، كان أسقف روما مرتبطا تماما بالقيصر في القسطنطينيّة. فمنه أو من ممثّله في إيطاليا وجب عليه أن يحصل على تثبيته في منصبه. وفي المقابل فهو لا يكاد ينتظر المساعدة. فقد كان يحتاج إلى المساعدة عندما بسطت الجيوش المسلمة في القرن السابع وبداية القرن الثامن سيادتها على فلسطين وشمال إفريقيا وإسبانيا (الإسكندريّة سنة 642، عنابة (هيبو ريجيوس) وقرطاج سنة 698، وطليطلة سنة 712) وهدّدت إيطاليا وفرنسا كذلك.

          نتيجة لذلك كان تخلّي البابا عن القيصر الروماني الشرقي في غضون القرن الثامن والتحالف الجديد مع حاكم الفرنجة. في يوم عيد الميلاد من سنة 800 م جعل البابا ليو الثالث (795- 816) من شارلمان قيصره الخاصّ. تَوَّجَهُ في كنيسة بطرس “تحت أنظار بطرس المبارك” مثلما قيل. للمرّة الأولى في التاريخ، صنع البابا قيصرا. كان ذلك مسارا مثيرا ومليئا بالتبعات. انطلاقا من ذلك صارت البابويّة متّجهة إلى ما وراء إيطاليا من غرب أوروبا وشمالها. تطوّرت “الدائرة اللاتينيّة” التي تُعرف في الوقت ذاته “بالدائرة الرومانيّة”.

          خلال عقود، حوالي سنة 900 م، تورّطت البابويّة في النزاعات بين أطراف مختلفة، بحيث تحدّث الناس عن “سلطة النساء” في البلاط البابوي وعن “القرن المظلم”. ولكن عندما تمّ تجديد القيصريّة سنة 962 م مع أوتو العظيم (936-973)، بدأ التحوّل. فهو ومن جاء بعده أمّنوا الأملاك البابويّة (“الامتيازات الأوتويّة” سنة 962 م و”الامتيازات الهانريشيّة” سنة 1020 م) وساندوا سلطة البابا، عبر إجراءات وتدخّلات مختلفة. في سنة 1046 م وصل هاينريش الثالث (1039-1056) إلى حدّ عزل ثلاثة باباوات تنازعوا على المنصب. انطلاقا من ذلك التاريخ بدأ الصعود الواضح للبابويّة.

          حوالي منتصف القرن الحادي عشر، انطلق العصر الذي يوصف بتعبير “التحوّل في التاريخ البابوي”. يمكن للمرء أن يتحدّث بالفعل عن سيرورة ديناميكيّة فارقة. تميّزت تلك السيرورة بسعي البابويّة، منذ ذلك الوقت، إلى توجيه وقيادة النظام الكنسي والدنيوي في “العالم اللاتيني”. إنّ القواعد والقيم الكنسيّة الرومانيّة ينبغي مستقبلا أن تُتّبع بطاعة مطلقة في عموم الكنيسة الغربيّة.

ليو التاسع: من يعارض روما فهو من الهراطقة

          كانت البداية مع البابا ليو التاسع (1049-1054). هو أصيل منطقة الألزاس وقد عُيّن في منصبه من قبل القيصر هاينريش الثالث سنة 1048. أي إنّ “التحوّل” مرتبط ببابا “ألماني”. لقد حمل معه فريقا كاملا من الإصلاحيّين إلى روما. وفي محيطه وقعت صياغة المبدأ القائل بأنّ من لا يتّفق مع الكنيسة الرومانيّة فهو من الهراطقة. في الكنيسة الرومانيّة وحدها تكمن الحقيقة، كذلك كان الشعار.

          ادّعاء الحقيقة ذلك وقع اعتماده تحت “الباباوات الإصلاحيّين” في القرن الحادي عشر بشكل لا تنازل فيه. فقد اعتبر البطريرك ميخائيل الأوّل كيرولاريوس (1043-1058)، في منشورات دوريّة وكتيّبات، ممارسة الكنيسة الغربيّة المتمثّلة في استعمال خبز غير مخمّر، متعارضة مع النصّ وبالتالي هرطقة ولجأ، فضلا عن ذلك، إلى مصادرة الكنائس اللاتينيّة بالقسطنطينيّة وغلقها، وهو ما انجرّ عنه ردّ حاسم من قبل البابا ليو التاسع. فقد أصدر في 16 يوليو 1054، عبر مبعوثه، القرار البابوي بالحرمان ضدّ كيريلاريوس وأتباعه على رأس المذبح العالي في آيا صوفيا. لم تعد الحقيقة الرومانيّة تتسامح مع أيّ ازدراء ولا أيّ تنازل وتمّ طرد من شقّوا عصا الطاعة من الجماعة الكنسيّة.

          تحت البابا غريغوار السابع (1073-1885) بلغ الادّعاء بامتلاك سلطة التأويل العليا أبعادا جديدة. فقراره البابوي لسنة 1075، لخّص سلطة البابا في القيادة والقرار في سبعة وعشرين مبدأ أساسيّا. فهي تمتدّ من كونيّة البابويّة إلى سلطة عزل الأساقفة من مناصبهم أو إعلان قوانين جديدة، وصولا إلى حدّ ادّعاء امتلاك الحقّ في عزل القيصر. وبالخصوص فقد طلب البابا مرّة أخرى الطاعة من جميع البشر. تلك كانت نتيجة منطقيّة لفكرة أنّه باعتباره حريصا على الخلاص الروحي للبشر جميعا، فإنّ واجب الاتّباع يقع على عاتق كلّ إنسان، لأنّه بغير ذلك تكون كلّ جهود البابا عديمة الجدوى.

          كان غريغوار متشبّعا بتلك المهمّة إلى درجة أنّه لم يكن يريد استبعاد العنف. إنّ الاستشهاد بما ورد في العهد القديم:”ملعون من يمنع سيفه عن الدم.” (إرميا، 48، 10)، كان، وهو ما يفاجئ، كثيرا ما يرد في كتاباته. كان دائما يقوده الانشغال بأنّه سيخضع للمحاسبة يوم القيامة وسيقع تحميله المسؤوليّة عن كلّ تهاون.

          بدا كمن كان مدفوعا بأوزار منصبه. كذلك ترد كلماته أيضا، تلك التي عبّر عنها في 22 يناير 1075 م، أمام الأب هوغو فون كلوني:” لذلك يحصل أنّني بين الألم الذي ينتشر بداخلي كلّ يوم من جديد، والأمل الذي يجذبني بشدّة، معذّبا بألف أمر وضيع، وأعيش بشكل من الأشكال كميّت في الله الذي كبّلني بقيوده، وحملني مرغما إلى روما، وأحاطني هناك بآلاف المخاوف، أنتظر.”

هاينريش الرابع وبارباروسّا يخضعان كَرْهًا لسلطة البابا

يُعتبر غرغوار السابع بالتأكيد، في نظر عدد غير قليل من معاصريه، متعصّبا عديم الرحمة. فقد أصدر سنة 1073 م الأمر بوجوب انفصال القساوسة عن زوجاتهم. ولذلك سُمّي الذي كان يدعى هلدبراند في زمن بابويّته، هولنبراند (2). غير أنّه وجد احتراما كبيرا لدى الأساقفة والأمراء المحسوبين في عداد النخبة المساندة للتجديد. لقد كانت روح العصر محكومة بالأوامر البابويّة. إنّ من يتبعها، يمكن أن يعتبر نفسه من “الخيّرين”. وأولئك الأمراء “الخيّرون” كانوا أيضا هم الذين أجبروا في النهاية الملك هاينريش الرابع، الذي عارض البابا أوامره، على الذهاب إلى كانوسا. في شهر يناير من سنة 1077م توجب عليه أن يطلب الغفران أمام باب قلعة كانوسا في الحافة الشماليّة من الأبنين (Apenin) (3) وأن يقسم على الطاعة في المستقبل. إن “دائرة العالم الروماني” كانت دائما مخترقة بقوّة متزايدة من جانب “السلطة الرسوليّة”، وكانت الامتيازات البابويّة تقف فوق امتيازات القيصر، وتمّ الاعتراف للمحكمة البابويّة بعلويّتها على غيرها من المحاكم.

          توصّل البابا ألكسندر الثالث (1159-1181) بعد نزاع شديد، إلى فرض الاعتراف بأولويّته حتّى من قبل القيصر فريدريش بارباروسا الأوّل (1152-1190). خضعت القيصريّة “للبابويّة” خلال صائفة سنة 1177 بساحة مرقص في مدينة البندقيّة، كذلك يمكن وصف العمليّة. وقد أدخل البابا إينونسنس الثالث (1198-1216) تصعيدا إضافيّا، حين وصف نفسه بأنّه “خليفة المسيح”. إنّ مجمع اللتران الرابع لسنة 1215، الذي زاره ألف ومائتا مشارك والذي دعا إليه هو، لم يكن عليه تنظيم الكنيسة فحسب بل كذلك “نظام العالم” حسب قوانين روما، وهو ما يمثّل عملا كبيرا حقّا.

          في موعظة البداية الشهيرة، وصف البابا نفسه بأنّه خروف الأضحية، ويريد قبول الموت من أجل إصلاح الكنيسة والعالم وإنقاذهما، وبذلك وضع نفسه على مقربة من المسيح. فقد قال، في موعظة بمناسبة تنصيبه بابا سنة 1198، الكلمات التي كثيرا ما يتمّ الاستشهاد بها: إنّه كبابا “موضوع بين الله والإنسان، وهو يقف تحت الله، ولكنّه أعلى من الإنسان، إنّه أقلّ من الله ولكنّه أكبر من الإنسان.”

          تسمح تلك التطوّرات بوضوح باستجلاء ما يؤسّس سلطة الباباوات: كانت، من ناحية، فكرة المسؤوليّة عن الخلاص الروحي للمسيحيّة في كليّتها باعتبارهم خلفاء بطرس. ومن أجل التمكّن من القيام بذلك الواجب، فهو ما يتطلّب، من ناحية أخرى، مكانة خاصّة للبابا. إن القائم بالأمر الحاصل على تكليف المسيح باعتباره وصيّا على الرسالة المسيحيّة لا يمكنه السيطرة على مهمّته إلاّ متى كان معصوما وأرفع مقاما. إنّ ما يبدو لآذاننا ادّعاء، يجب أن يُفهم، انطلاقا من تلك الأوضاع، كتحديد للموقف الذي مكّن البابا من القيام بمهمّته.

ملك فرنسا يضع للراعي الأعلى حدودا

          وكذلك فإنّ الملخّصات الكبرى للقانون الكنسي، التي ظهرت في القرن الثالث عشر، استُخدمت كركيزة للصدارة البابويّة و”القوّة التامّة لسلطته”. إنّ “النظام القانوني” الكنسي من المفترض أن يدعم “النظام” البابوي ويجعله غير قابل للطعن.

          ولكنّ تلك المرحلة انتهت في عهد بونيفاز الثامن (1294-1303). صحيح أنّه لخّص سنة 1302 استحقاق السلطة للبابا في الختم (أونام سانكستو أو الكنيسة المقدّسة الواحدة) مرّة أخرى، والتي تطالب بالطاعة المطلقة لكلّ البشر وكذلك للملوك والقياصرة. ولكنّ الملك فيليب الرابع بفرنسا (1285-1314) خلع رباط الطاعة ووضع البابا في السجن. لقد صار تأثير فرنسا من القوّة بحيث أنّ الباباوات غادروا روما وبنوا، سنة 1309 ، قصرا جديدا في مدينة أفينيون. ولكنّه عندما وجد عند ذلك ابتداء من سنة 1378 في روما أيضا بابا اخر من جديد، وعندما انتخب بابا ثالث بمدينة بيزا سنة 1409، انحدرت سمعة البابويّة بسرعة إلى الحضيض. لقد تبخّرت سلطة البابا .

          عندها اعتبر المجمع نفسه ممثّلا لعموم الكنيسة، كأعلى سلطة فيها. ففي مجمع كونستانس (1414-1418) صدر أمر (haec sancta)، يصنّف البابا فقط كقائم بأعمال الكنيسة، وعليه تنفيذ أوامر المجامع. كلّ الباباوات الثلاثة تمّ إبعادهم ونُصّب مارتن الخامس (1417-1431) كبابا يحظى بالاعتراف العامّ، عليه أن يستلم مقرّه في روما.  

          غير أنّ وضعه كان مع ذلك في غاية الصعوبة. كانت روما قد وصلت إلى انهيار كامل. فعلى مدرجات كنيسة القدّيس بطرس كانت الماعز ترعى الأعشاب. وكانت دولة الكنيسة قد تعاقبت عليها أياد كثيرة. فقط حوالي منتصف القرن الخامس عشر استطاع البابوات استرجاع سيادتهم على مدينة روما بالتدريج.

          ثمّ جاء بابوات عصر النهضة. فخلال نصف قرن شيّدوا، بطاقة هائلة وبفضل حرص عائلاتهم القويّة، روما جديدة، ومركزا مشعّا للفنّ الأوروبي، وللعلم والثقافة، ومدينة للعلوم وللمعمار الفخم لعصر النهضة، وذلك إنجاز ولّد أعلى درجات الإعجاب بالنظر إلى التاريخ السابق وفي وضع القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر. من المؤكّد أنّ قوّة التأثير الشاملة للبابوات خلال الفترة من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر لم يتمّ بلوغها أبدا من جديد.

المصدر


تُرجم النص عن الألمانية

مراجع:

  • Klaus Herbers, Geschichte des Papsttums im Mittelalter, Darmstatt 2012.
  • Walter Ullmann, Kurze Geschichte des Papstums im Mittelalters, Berlin/New York 1978

هوامش الترجمة:

  • الترجمة العربيّة للنصوص المقدّسة المسيحيّة في هذا المقال، مأخوذة من موقع الأنبا تكلا هيمانوت على شبكة الانترنت.
  • هولنبراند: لهب الجحيم، وهو لعب على الألفاظ وجناسها في اللغة الألمانيّة بين “هلدبراند” Hildebrand الذي هو اسم علم مذكّر و”هولنبراند” Höllenbrand التي تعني لهب الجميع، في سياق التعريض بذلك البابا القاسي.
  • Appenin (أو أبنيني) هي سلسلة جبال بإيطاليا.

    المصدر:

    Herr des römischen Erdkreises, بقلم Pro.Dr.Sefan WEINFURTER ، نشر في مجلّة DAMALS ، الألمانية، العدد السادس من سنة 2017.