من تنظيم الحياة إلى القيمة البيولوجية – أنطونيو داماسيو / ترجمة: إيمان معروف

الأدمغة أحجار وعي

الفصل الثاني من كتاب (الذات المنبثقة عن العقل: بناء الوعي بأحجار الدماغ) لـ أنطونيو داماسيو


لا معقولية الواقع

اعتقد مارك توين أن الفارق الكبير بين الخيال والواقع هو أن على الخيال أن يكون قابلاً للتصديق (معقولاً). من المقبول أن يكون الواقع غير معقول (غير قابل للتصديق)، ولكن الخيال لا يمكنه ذلك. وهكذا فإن حكاية العقل والــوعي التي أقدمها هنا لا تتوافق مع متطلبات الخيال. انها في الواقع حكاية غير بديهية (غير متوقعة). كما أنها تثير إزعاج السرد البشري التقليدي. وتنكر مراراً وتكراراً الافتراضات قديمة العهد ولا تكتفي بدحض بعض التوقعات. لكن لا شيء من هذا يجعل الأمر أقل قبولاً.

 

إن فكرة اختفاء عمليات العقل اللا واعي تحت غطاء العقول الواعية هي أمر يصعب تصديقه. ذكرت هذه الفكرة أول مرة منذ أكثر من قرن، حيث استقبلها الجمهور ببعض الاستغراب، لكن الفكرة باتت شائعة اليوم. لكن الأمر المستنكر عموماً، على الرغم من أنه معروف جيداً، هو أنه قبل وقت طويل من امتلاك الكائنات الحية للعقل، كانت تبدي سلوكيات فعالة وقابلة للتكيف تشبه لحدٍّ ما تلك التي تظهر لدى كائنات عاقلة واعية. ولم تنجم تلك السلوكيات بالضرورة عن العقل، ناهيك عن الوعي. باختصار، لا يقتصر الأمر على تعايش العمليات الواعية وغير الواعية مع بعضها البعض وحسب بل على استمرار وجود العمليات اللا واعية ذات صلة بالحفاظ على الحياة بغياب شركائها (العمليات الواعية).

 

وبقدر ما يتعلق الأمر بالعقل والوعي، فقد أوجد لنا التطور أنواعاً مختلفة من الأدمغة. هناك نوع من الدماغ ينتج السلوك ولكن لا يبدو أنه يمتلك العقل أو الوعي؛ مثال ذلك الجهاز العصبي للحلزون البحري Aplysia californica الذي أصبح شائعاً في مختبرات عالم الأعصاب إريك كانديل. والنوع الآخر الذي يعرض مجموعة كاملة من ظواهر السلوك والعقل والوعي، هو دماغ الإنسان، بالطبع. وهناك نوع ثالث من الدماغ يبدي مظاهر السلوك بشكل واضح، ومن المحتمل أن يبني عقلاً، ولكن ما إذا كان قادراً على بناء الوعي بالمعنى الذي ورد هنا فهذا غير واضح. إنه دماغ الحشرات.

 

إيمان معروف الأدمغة وعي

المترجمة: د. إيمان معروف

لكن المفاجآت لا تنتهي مع فكرة أن الأدمغة التي تعجز عن بناء العقل والوعي يمكن أن تنتج سلوكيات محترمة. ويتضح على ما يبدو أن الكائنات الحية التي لا تمتلك أدمغة على الإطلاق، وصولاً حتى إلى وحيدات الخلية، تظهر سلوكاً ذكياً وهادفاً أيضاً. وتلك حقيقة لا تحظى بالاهتمام الواجب.

 

لا شك في قدرتنا على اكتساب رؤى مفيدة حول كيفية عمل الأدمغة البشرية لبناء عقول واعية من خلال فهم الأدمغة الأكثر بساطة التي لا يمكنها بناء العقل ولا الوعي. ولكن في ظل مشاركتنا في هذه الدراسة الاستقصائية ذات الأثر الرجعي، يصبح من الواضح أن شرح نهضة هذه الأدمغة القديمة يتطلب التعمق في الماضي بدرجة أكبر، والعودة مرة أخرى إلى عالم أنواع الحياة البسيطة التي لا تمتلك دماغاً ولا عقلاً، أي أنواع الحياة التي تفتقر إلى الوعي والعقل والدماغ. في الواقع، إذا أردنا معرفة النظم والأسباب الكامنة وراء نشوء الأدمغة الواعية، فنحن بحاجة إلى التعمق عودة إلى بدايات الحياة. وهنا مرة أخرى نتوصل إلى مفاهيم مفادها أن الأمر لا يثير الدهشة فحسب، بل يقوض الافتراضات الشائعة حول أدوار الدماغ والعقل والوعي في تنظيم الحياة.

 

 

الإرادة الطبيعية

نحن بحاجة إلى الخرافة مرة أخرى. يحكى أنه في قديم الزمان ظهرت الحياة بعد تاريخ طويل من التطور. كان هذا قبل 3,8 مليار سنة، عندما ظهر الجدّ الأول لجميع الكائنات المستقبلية. وبعد حوالي ملياري سنة، عندما بدا أن مستعمرات من البكتيريا وحيدة الخلية قد نجحت في امتلاك الأرض، ظهر عصر وحيدات الخلية ذات النواة. كانت البكتيريا كائنات حية وحيدة الخلية أيضاً، لكن حمضها النووي لم يكن مجتمعاً داخل نواة. كانت وحيدات الخلايا ذات النواة تمثل الرتبة الأعلى. وقد عرفت أشكال الحياة هذه عملياً باسم الخلايا حقيقية النواة، والتي تنتمي إليها مجموعة كبيرة من الكائنات تدعى الأوليات.

بالعودة إلى فجر الحياة، كانت هذه الخلايا من أوائل الكائنات الحية المستقلة ذاتياً فعلياً. يمكن لكل منها البقاء على قيد الحياة بمفردها دون الحاجة إلى شراكات تكافلية. هذه الكائنات الفردية البسيطة لا تزال تعيش معنا إلى اليوم. المتحول الأميبي الحي مثال جيد، وكذلك البراميسيوم العجيب. 1

 

تحتوي الخلية الوحيدة على إطار جسماني (هيكل خلوي) في داخله نواة (مركز القيادة الذي يحضن الحمض النووي للخلية) وسيتوبلازما (حيث يحوّل الوقود إلى طاقة تحت سيطرة عضيات مثل الميتوكوندريا). تأخذ الأجسام شكلها من خلال الغشاء الخارجي (الجلد) الذي يغلف الخلية ويصنع حدوداً تفصل بين العالم الداخلي والعالم الخارجي. ويسمى غشاء الخلية.

 

تقدم لنا الخلية المفردة في كثير من النواحي لمحة عامة عما سيكون عليه كائن مفرد مثلنا. ويمكن اعتباره رسماً كرتونياً يمثل ما نحن عليه. والهيكل الخلوي هو الإطار الداعم للجسم الأصيل، تماما كما يفعل الهيكل العظمي لدينا. وتمثل السيتوبلازما الجزء الداخلي من الجسم الأصيل وتحتوي جميع أعضائه. النواة هي العضو المكافئ للدماغ. وغشاء الخلية يكافئ الجلد. وتمتلك بعض هذه الخلايا ما يكافئ الأطراف كالأهداب التي تسمح للخلية بالسباحة من خلال حركاتها المنسقة.

 

ويشبه التنسيق بين المكونات المنفصلة داخل الخلية حقيقية النواة أسلوب التعاون بين المخلوقات الفردية الأبسط، أي البكتيريا التي تخلت عن وضعها المستقل لتكون جزءاً من مجموعة جديدة ملائمة. وقد أدى نوع معين من البكتيريا إلى ظهور الميتوكوندريا. وساعد نوع آخر، مثل الملتويات spirochetes على ظهور الهيكل الخلوي ذو الأهداب لدى البكتيريا التي تفضل السباحة، وهكذا دواليك.2 والعجيب أن كل كائن من الكائنات متعددة الخلايا مثلنا قد تجمعت مكوناته وفقاً لهذه الاستراتيجية الأساسية نفسها، أي عبر تجميع مليارات الخلايا لتكوين الأنسجة، وجمع أنواع مختلفة من الأنسجة لتكوين أعضاء، وربط أعضاء مختلفة لتشكيل أجهزة. ومن الأمثلة على النسج ظهارة الجلد (البشرة) وبطانات الغشاء المخاطي والغدد الصماء والأنسجة العضلية والنسيج العصبي أو الأعصاب والأنسجة الضامة التي تربطها جميعا في مكانها. والأمثلة عن الأعضاء واضحة كالقلب والأمعاء والدماغ. أما أمثلة الأجهزة فتشمل المجموعة التي تضم القلب والدم والأوعية الدموية (جهاز الدوران) والجهاز المناعي والجهاز العصبي. نتيجة لهذا التجميع المنسق، فإن البشر ككائنات حية تمثل مجموعات متمايزة للغاية مكونة من تريليونات الخلايا من أنواع مختلفة، بما فيها الخلايا العصبية التي تعدّ أهم مكونات الدماغ. وسوف نذكر المزيد عن الخلايا العصبية والدماغ في لمحة سريعة.

 

إن الفرق الرئيسي بين الخلايا الموجودة في الكائنات متعددة الخلايا (أو الميتازوان) وخلايا الكائنات وحيدة الخلية هو أن الخلايا المفردة يجب أن تدافع عن نفسها، لكن الخلايا التي تشكل كائنات متعددة الخلايا تعيش داخل مجتمعات فائقة التعقيد ومتنوعة للغاية. إن العديد من المهام التي تنجزها الكائنات الحية وحيدة الخلية وحدها، تكون في المقابل من اختصاص خلايا نوعية متخصصة ضمن الكائنات متعددة الخلايا. ويمكن مقارنة التجميع العام مع التخصيص المتنوع للأدوار الوظيفية التي تجسدها كل خلية مفردة داخل بنيتها الخاصة. تتكون الكائنات متعددة الخلايا من العديد من الكائنات أحادية الخلية المنظمة بشكل تعاوني، والتي نشأت أول الأمر من الجمع بين كائنات فردية أصغر منها. ويتكون تنظيم أو ترتيب كائن حي متعدد الخلايا من عدد من القطاعات التي تتعاون خلاياها فيما بينها. فإذا ما بدا ذلك مألوفاً وجعلك تفكر في المجتمعات البشرية، فالسبب واضح. إن التشابه مذهل.

 

إن تنظيم أجهزة الكائن الحي متعدد الخلايا لا مركزية بدرجة عالية رغم امتلاكه مراكز قيادية تتمتع بقدرات هائلة على التحليل واتخاذ القرارات، مثل نظام الغدد الصماء والدماغ. ومع ذلك، وباستثناءات نادرة، فإن جميع الخلايا الموجودة في الكائنات متعددة الخلايا، بما فيها خلايانا البشرية، لها نفس مكونات الخلايا المفردة ذات الغشاء الخلوي والهيكل الخلوي والسيتوبلازما والنواة. (خلايا الدم الحمراء، التي تكرس حياتها لمدة 120 يوماً لنقل الهيموغلوبين، هي الاستثناء، إذ أنها لا تمتلك نواة تذكر). كما تتمتع كل تلك الخلايا بدورة حياة متشابهة – الولادة والنمو والشيخوخة والموت.

تتشكل حياة كائن بشري واحد من العديد من المتعضيات الحية المتزامنة والمترابطة جيداً. وتتمتع الخلايا المفردة، رغم كل بساطتها التي كانت وبقيت عليها، بما يبدو أنه تصميم حاسم لا يتزعزع للبقاء على قيد الحياة لأطول مدة تقررها الجينات الموجودة داخل نواتها المجهرية. كما يشير التحكم بحياتها إلى الإصرار العنيد على البقاء والتحمل والسيادة إلى أن تثبط بعض الجينات الموجودة في النواة الرغبة في العيش وتسمح للخلية بالموت.

 

أعلم أن من الصعب تخيل أن مفهومي “الرغبة” و “الإرادة” تنطبقان على خلية وحيدة مفردة. كيف يمكن أن تكون المواقف والنوايا التي نربطها بالعقل الإنساني الواعي، والتي نشعر أنها نتاج نشاط الأدمغة البشرية الكبيرة، موجودةً لدى هذا المستوى البدائي؟ لكنها الحقيقة، تحت أي اسم قد ترغب في إطلاقه على تلك السمات السلوكية للخلية.3

 

يبدو أن الخلية المفردة، رغم حرمانها من المعرفة الواعية، ومن الوصول إلى أجهزة التفكير البيزنطية المتاحة في أدمغتنا، لديها موقف: تريد أن تعيش استحقاقاتها الوراثية الموصوفة. من الغريب فعلاً، أن الإرادة وكل ما هو ضروري لتنفيذ رغباتها، قد سبق المعرفة الجلية والتفكّر بشأن ظروف الحياة، رغم أن الخلية لا تمتلك بوضوح أياً منهما. تتفاعل النواة والسيتوبلازما وتجريان حسابات معقدة تهدف إلى إبقاء الخلية حية. ويتعاملان مع المشكلات التي تطرأ من لحظة إلى أخرى وتفرضها الظروف المعيشية ويعدلان الخلية مع الظروف بأسلوب يساعدها على البقاء حيةً. كما يعملان وفقاً للظروف البيئية على إعادة ترتيب موقع الجزيئات وتوزيعها داخلهما، ويغيران شكل المكونات الفرعية، مثل النبيبات الدقيقة، في عرض مذهل الدقة. ويستجيب كل منهما بالإكراه وبالمعاملة اللطيفة أيضاً. من الواضح، أن مكونات الخلية المسؤولة عن تنفيذ تلك التعديلات التكيفية تباشر عملها وتتلقى التعليمات من قبل المادة الوراثية داخل الخلية

 

نحن عادة نقع في فخ اعتبار أن أدمغتنا الكبيرة وعقولنا الواعية المعقدة هي مصدر اتخاذ المواقف والنوايا والاستراتيجيات الكامنة وراء تنظيم حياتنا المتطورة. لم علينا التوقف عن ذلك؟ لأنها طريقة معقولة وضحلة جداً لتصور تاريخ هذه العمليات عندما نراها من أعلى الهرم ووفقاً للظروف الراهنة. الحقيقة هي أن دور العقل الواعي اقتصر على جعل الدراية بأساسيات تنظيم الحياة أمراً يمكن إدراكه جيداً. وسنرى لاحقاً أن الإسهامات الحاسمة للعقل الواعي في التطور تأتي على مستوى أعلى بكثير؛ إذ عليها التعامل مع عمليات اتخاذ القرار القائمة على التفكير والجدل وعلى الإبداعات الحضارية. طبعاً أنا لا أقلل إطلاقاً من أهمية هذا المستوى العالي من تنظيم الحياة. في الواقع، من الأفكار الرئيسية في هذا الكتاب هي أن عقل الإنسان الواعي قد تطور وفق مسار جديد خاصةً من خلال منحنا الخيارات، ومن خلال جعل التنظيم الاجتماعي والثقافي المرن نوعاً ما ممكناً بعيداً عن التنظيم الاجتماعي المعقد الذي تظهره الحشرات الاجتماعية مثلاً بشكل مذهل للغاية. إنني أحاول عكس التسلسل السردي للمفهوم التقليدي للوعي عن طريق التغلغل في مكمن المعرفة السرية لتنظيم الحياة التي سبقت التجربة الواعية لأي معرفة من هذا القبيل. وأرى أيضاً أن المعرفة السرية متطورة جداً ولا ينبغي اعتبارها بدائية. كما أن تعقيدها ضخم جداً وذكاءها الظاهر ملفت للنظر.

 

أنا لا أخفض من قيمة الوعي، لكنني بكل تأكيد أرفع من قيمة تنظيم الحياة اللاواعية وأوحي بأنها تشكل حجر الأساس لبناء مواقف ونوايا العقول الواعية.

 

إن كل خلية في جسمنا تحمل نوعاً من اللاوعي الذي وصفته للتو. هل يعقل أن تكون رغبتنا الواعية في العيش، ورغبتنا في الانتصار، قد بدأت كمجموعة من رغبات جميع الخلايا التي تشكل أجسامنا، أو صوت جماعي تطلقه كنغمة للتأكيد؟

 

إن فكرة مجموعة كبيرة من الرغبات التي يعبر عنها بصوت واحد ليست مجرد فكرة شعرية خيالية. بل لها صلة بواقع كائناتنا الحية حيث يوجد هذا الصوت الفردي في هيئة الذات داخل دماغ واعٍ. لكن كيف يمكن للمرء أن ينقل إرادة الخلايا المفردة التي لا دماغ لها ولا عقل وأفكارها الجماعية إلى (ذات) العقول الواعية التي تنشأ في الدماغ؟ إن حدوث ذلك يتطلب تقديم ممثل راديكالي يغير قواعد اللعبة في حكاياتنا: الخلية العصبية أو العصبون.

 

إن الخلايا العصبية، بقدر معرفتنا، هي خلايا فريدة من نوعها، لا تشبه أي خلايا أخرى في الجسم، على عكس أنواع أخرى من خلايا الدماغ مثل الخلايا الدبقية. ما الذي يجعل الخلايا العصبية مختلفة جداً ومتميزة جداً؟ ففي النهاية، هي أيضاً لديها جسم خلية مجهز بالنواة وسيتوبلازما وغشاء؟ ألا تعيد ترتيب الجزيئات داخلياً كما تفعل خلايا الجسم الأخرى؟ ألا تتكيف أيضاً مع البيئة؟ نعم، في الواقع، كل ما سبق صحيح. الخلايا العصبية هي كباقي خلايا الجسم لكنها تمتلك خصوصية من نوع آخر.

 

لشرح سبب خصوصية العصبونات، يجب النظر في الاختلاف الوظيفي والفروقات التنظيمية. فالاختلاف الوظيفي الأساسي يتعلق بقدرة الخلية العصبية على إنتاج إشارات كهروكيميائية قادرة على تغيير حالة الخلايا الأخرى. لم تخترع الخلايا العصبية الإشارات الكهربائية. إذ يمكن للكائنات أحادية الخلية مثل البراميسيوم إنتاجها واستخدامها للتحكم في سلوكها أيضاً. لكن الخلايا العصبية تستخدم إشاراتها الكهربائية للتأثير على خلايا أخرى، أي على الخلايا العصبية الأخرى، وخلايا الغدد الصماء (التي تفرز جزيئات كيميائية)، وخلايا الألياف العضلية. إن تغيير حالة الخلايا الأخرى هو المصدر الأساسي للنشاط الذي يشكّل السلوك وينظمه بدايةً، ويساهم أيضاً في تكوين العقل. والخلايا العصبية قادرة على هذا العمل الفذ لأنها تنتج وتنشر تياراً كهربائياً على طول القسم الشبيه بالأنبوب المعروف باسم المحور العصبي. في بعض الأحيان، يجري الانتقال عبر مسافات يمكن تقديرها بالعين المجردة، كما هو الحال عندما تنتقل الإشارات لعدة سنتيمترات على طول محاور العصبونات من القشرة الحركية إلى جذع الدماغ، أو من الحبل الشوكي إلى نهاية الأطراف. عندما يصل التيار الكهربائي إلى نهاية العصبونات، المشابك، فإنه يتسبب في تحرير جزيء كيميائي، ناقل، والذي يعمل بدوره على الخلية اللاحقة في السلسلة. وعندما تكون الخلية التالية عبارة عن ليف عضلي، تنتج الحركة.4

 

لم يعد هناك أي لغز حول سبب قيام الخلايا العصبية بذلك. مثل خلايا الجسم الأخرى، تمتلك الخلايا العصبية شحنة كهربائية داخل أغشية هذه الخلايا وخارجها. الشحنات ناتجة عن تركيز أيونات مثل الصوديوم أو البوتاسيوم على جانبي الجدار. لكن الخلايا العصبية تستفيد من خلق فرق كبير بين الشحنتين داخل الخلية وخارجها – أي حالة الاستقطاب. فعندما يتناقص هذا الفرق بشكل كبير، في نقطة معينة في الخلية، يفقد الغشاء استقطابه، وينتشر عدم الاستقطاب إلى الأمام على طول المحور على شكل موجة. هذه الموجة هي النبضة الكهربائية. عندما يزول استقطاب الخلايا العصبية، نقول إنها “انطلقت” أو “أقلعت” باختصار، تشبه الخلايا العصبية الخلايا الأخرى، لكنها يمكنها إرسال إشارات مؤثرة إلى خلايا أخرى، وبالتالي تعديل ما تفعله تلك الخلايا الأخرى.

 

الفرق الوظيفي أعلاه مسؤول عن الفرق الاستراتيجي الرئيسي: الخلايا العصبية موجودة لصالح جميع الخلايا الأخرى في الجسم. الخلايا العصبية ليست ضرورية لعملية الحياة الأساسية، كما أثبتت بسهولة جميع الكائنات الحية التي لا تمتلك خلايا عصبية على الإطلاق. ولكن في حالة المخلوقات المعقدة متعددة الخلايا، تساعد الخلايا العصبية على تنظيم حياة الجسم الأصيل متعدد الخلايا. وهذا بالضبط هو الغرض من الخلايا العصبية والغرض من الأدمغة التي تتألف منها. ويبدو أن كل المآثر المذهلة للأدمغة التي نبجلها، من معجزات الإبداع إلى القمم النبيلة للروحانية، تحققت نتيجة هذا التفاني الدائم في تنظيم الحياة داخل الأجسام التي تسكنها.

 

حتى لدى أكثر الأدمغة تواضعاً، المكونة من شبكات من الخلايا العصبية المرتبة على شكل عقد، تعمل الخلايا العصبية على مساعدة الخلايا الأخرى في الجسم عبر تلقي إشارات من خلايا الجسم وبالتالي إما تحريض تحرير الجزيئات الكيميائية (كما تفعل مع هرمون يفرز من قبل خلايا الغدد الصماء ويصل إلى خلايا الجسم ويغيّر وظائفها) أو عن طريق تحريض الحركة (كما يحدث عندما تثير الخلايا العصبية الألياف العضلية وتجعلها تتقلص). ولكن شبكات العصبونات في الأدمغة الدقيقة للمخلوقات المعقدة، تحاكي بنية أجزاء من الجسم الذي تنتمي إليه. وينتهي بها المطاف في تمثيل حالة الجسم، وترسم بدقة عالية خرائط الجسم الذي تعمل لأجله، وتشكل ما يشبه البديل الافتراضي له، أو صورة عصبية عنه. الأهم من ذلك، أنها تظل متصلة بالجسم الذي تقلده طوال الحياة. وسنرى أن استمرار محاكاة الجسم والبقاء على اتصال دائم معه يخدم الوظيفة التنظيمية جيداً.

 

باختصار، تحيط الخلايا العصبية بالجسم، وهذه “الإحاطة” الراسخة بقوة بالجسد، هي السمة المميزة للخلايا العصبية ودارات الخلايا العصبية والدماغ. أعتقد أن هذه الإحاطة يمكن أن تترجم الإرادة السرية للعيش الموجودة في خلايا جسمنا على أنها إرادة عقلانية واعية. وتحاكي الإرادة السرية للخلايا عمل دارات الدماغ. والغريب أن إحاطة الخلايا العصبية والدماغ بالجسم تفسر أيضاً كيف يتصوّر الدماغ والعقل العالم الخارجي. وسأوضح في الجزء الثاني أنه عندما يقوم الدماغ برسم خريطة للعالم الخارجي المحيط بالجسم فإنه يفعل ذلك بفضل وساطة الجسم. عندما يتفاعل الجسم مع بيئته تحدث تغييرات في الأعضاء الحسية للجسم، مثل العينين والأذنين والجلد؛ يقوم الدماغ برسم خرائط تلك التغييرات، وهكذا يكتسب العالم خارج الجسم بشكل غير مباشر شكلاً من أشكال التمثيل داخل الدماغ.

 

ومع ختام هذا الوصف الجميل لخصوصية وعظمة الخلايا العصبية، اسمحوا لي أن أضيف ملاحظة عن أصلها المتواضع إلى حد ما. من الناحية التطورية، نشأت الخلايا العصبية على الأرجح من خلايا حقيقية النواة غيرت شكلها عموماً وصنعت استطالات شبه أنبوبية تخرج من جسمها أثناء تحركها واستشعارها للبيئة المحيطة وتمثيلها للطعام وممارسة مهامها في الحياة. وتمثل الأقدام الكاذبة للمتحولات الأميبية جوهر العملية. وتتفكك الاستطالات الشبيهة بالأنابيب والتي صنّعت آنياً من خلال إعادة ترتيب داخلية للأنابيب الدقيقة فور إنجاز المهمة. ولكن بمجرد أن تصبح تلك الاستطالات المؤقتة دائمة فإنها تتحول إلى مكونات شبه أنبوبية تجعل الخلايا العصبية متمايزة بوضوح، أي محاور عصبية وتغصنات (استطالات هيولية). مجموعة مستقرة من الكابلات والهوائيات، مثالية لإصدار واستقبال الإشارات.5

 

ما أهمية هذا؟ على الرغم من أن عمل الخلايا العصبية مميز وله خصوصيته تماماً ويمهد الطريق أمام السلوك المعقد والعقل، فإن الخلايا العصبية تحفظ صلة قرابتها بخلايا الجسم الأخرى. ببساطة، عند النظر إلى الخلايا العصبية والأدمغة التي تشكلها خلايا مختلفة جذرياً دون أخذ أصولها بعين الاعتبار، فإننا نخاطر بفصل الدماغ عن الجسم بشكلٍ غير مبرر نظراً لحقيقة أصله ومهامه. أظن أن جزءاً كبيراً من الحيرة حول كيفية نشوء حالات الشعور في الدماغ نتج من تجاهل العلاقة العميقة بين الجسم والدماغ.

 

يجب الاعتراف بسمة أخرى تميّز الخلايا العصبية عن خلايا الجسم الأخرى. فعلى حد علمنا، الخلايا العصبية لا تتكاثر – أي أنها لا تنقسم. ولا تتجدد، أو على الأقل ليس إلى حد كبير. عملياً جميع خلايا الجسم الأخرى قادرة على التكاثر والتجدد، باستثناء خلايا عدسة العين وخلايا الألياف العضلية في القلب. إن فكرة انقسام هذه الخلايا ليست جيدة على الإطلاق. إذا خضعت خلايا العدسة لعملية الانقسام فمن المرجح أن تتأثر شفافية الوسط أثناء العملية. وإذا خضعت خلايا عضلة القلب للانقسام (حتى لو في قطاع واحد كل مرة، تماماً كما يحدث عند تجديد ديكور المنزل) فسوف تتعرض عملية الضخ القلب لخطر شديد، تماماً كما يحدث عندما يعطل احتشاء العضلة القلبية عمل قطاعٍ معين من القلب ويتسبب في انعدام الاتزان في التنسيق الدقيق لحجراته. ماذا عن الدماغ؟ على الرغم من أننا نفتقر إلى الفهم الكامل لكيفية حفاظ دارات الخلايا العصبية على الذكريات، فمن المحتمل أن انقسام الخلايا العصبية قد يعطل سجلات الذاكرة المحفوظة على مدى العمر من خلال التعلم، وخاصة تعطيل أنماط الخلايا العصبية التي تطلق إشاراتها عبر دارات معقدة. وللسبب نفسه، فإن ذلك الانقسام يعطل أيضاً المعرفة المعقدة المحفوظة في الدارات بواسطة المادة الوراثية منذ البداية، والتي تطلع الدماغ على كيفية تنسيق عمليات الحياة. قد يؤدي انقسام الخلايا العصبية إلى وضع حدّ لتنظيم الحياة وربما لن يسمح بتطور الفردانية السلوكية والعقلانية، ناهيك عن الهوية والشخصية. وتتمثل معقولية هذا السيناريو المريع في العواقب المعروفة للتلف الذي يصيب بعض الدارات العصبية كما في حالات السكتة الدماغية أو الزهايمر.

 

انقسام معظم الخلايا الأخرى في أجسادنا منظّم للغاية، حيث إنه لا يهدد بنية الأعضاء المختلفة والبنية الكلية للكائن الحي. هناك خطة رئيسية Bauplan يجب الالتزام بها. طوال دورة الحياة، تجري عملية إعادة ترميم مستمرة أكثر منها عملية إعادة صياغة جذرية. لا، نحن لا نهدم جدران بيتنا الجسدي؛ ولا نبني مطبخاً جديداً أو نضيف جناحاً للضيوف. إن الإصلاح والترميم حاذق جداً، ودقيق جداً. يجري استبدال الخلايا خلال مدة كبيرة من حياتنا بشكل متقن لدرجة أن مظهرنا يبقى كما هو تماماً. لكن عندما يفكر المرء في آثار الشيخوخة من حيث المظهر الخارجي أو من حيث أداء أجهزتنا الداخلية، يدرك أن البدائل تصبح تدريجياً أقل كمالاً. إذ لا تبقى الأمور على حالها، ويشيخ جلد الوجه، وتترهل العضلات، وتتدخل الجاذبية، ولا تعمل أجهزة الجسم كما ينبغي. وهذا يظهر دور جراح التجميل الماهر في بيفرلي هيلز والطب المنزلي الفعال.

 

 

البقاء على قيد الحياة

ما الذي يتطلبه بقاء الخلية الحية على قيد الحياة؟ إن الأمر يتطلب بكل بساطة تدبيراً منزلياً جيداً وعلاقات خارجية جيدة، وهذا يعني المعالجة الجيدة للمشاكل التي لا تعد ولا تحصى التي ترافق حياتنا. تتطلب حياة خلية وحيدة وحياة كائنات كبيرة ذات تريليونات الخلايا، تحويل العناصر الغذائية المناسبة إلى طاقة، وهذا بدوره يتطلب القدرة على حل العديد من المشكلات: العثور على منتجات الطاقة، وإدخالها إلى الجسم، وتحويلها إلى العملة العالمية للطاقة المعروفة باسم ATP، والتخلص من النفايات، واستخدام الطاقة للغرض الذي يحتاجه الجسم لمواصلة هذا الروتين نفسه للعثور على الأشياء الصحيحة وإدخالها، وهكذا دواليك. إن الحصول على المغذيات واستهلاكها وهضمها والسماح لها بتزويد الجسم بالطاقة – تلك هي الأمور التي تواجه خلية متواضعة.

 

إن آليات تنظيم الحياة مصيرية بسبب صعوبتها. الحياة حالة محفوفة بالمخاطر، ولا تصبح ممكنة إلا عند استيفاء عدد كبير من الحالات في آن واحد داخل الجسم. على سبيل المثال، لدى كائنات حية مثلنا، يمكن أن تختلف كميات الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون ضمن نطاق ضيق فقط، وكذلك حموضة الوسط التي تعبره أنواع الجزيئات الكيميائية من خلية إلى أخرى (درجة الحموضة pH). الأمر نفسه ينطبق على درجة الحرارة، التي ندرك تماماً تباينها عندما نعاني من الحمى أو عندما نشتكي من ارتفاع حرارة الطقس أو انخفاضها الشديد؛ وينطبق أيضاً على كمية المغذيات الأساسية في الدوران- السكريات والدهون والبروتينات. ونشعر بعدم الارتياح عندما تنحرف المتغيرات عن النطاق اللطيف الضيق، ونشعر بالانزعاج الشديد إذا مرت فترة طويلة دون أن نفعل شيئاً حيال الوضع. هذه الحالات العقلية والسلوكيات هي علامات على الإخلال بقواعد صارمة تخص تنظيم الحياة؛ إنها محفزات من المستويات الدنيا لانعدام الوعي لمعالجة الحياة العقلانية الواعية، وتطالبنا بإيجاد حل معقول لوضعٍ لم يعد بالإمكان تدبيره بواسطة أجهزة تلقائية غير واعية.

 

عندما يقيس المرء كل معيار من هذه المعايير ويعبر عنها بالأرقام، يكتشف أن النطاق الذي تتغير ضمنه ضيقٌ للغاية. بمعنى آخر، تتطلب الحياة أن يحافظ الجسم على مجموعة من المعايير لعشرات المكونات داخله ضمن نطاقات محددة، بأي ثمن. وتهدف جميع العمليات التنظيمية التي أشرت إليها سابقاً (الحصول على مصادر الطاقة، وإدخال منتجات الطاقة وتحويلها، وما إلى ذلك) إلى الحفاظ على المعايير الكيميائية داخل الجسم (البيئة الداخلية) ضمن النطاق السحري المتوافق مع الحياة. ويوصف هذا النطاق السحري بأنه “متوازن” ويوصف إنجاز هذه الحالة المتوازنة باسم عملية (التوازن). لقد صيغت هذه الكلمات غير الأنيقة في القرن العشرين من قبل عالم الفيزيولوجيا الأمريكي والتر كانون. توسع كانون في اكتشافات عالم الأحياء الفرنسي في القرن التاسع عشر كلود برنارد، الذي صاغ مصطلحاً أجمل milieu intérieur (الوسط الداخلي)، وهو الحساء الكيميائي الذي يستمر فيه الكفاح من أجل الحياة دون انقطاع ولكنه مخفي عن الأنظار. لسوء الحظ، على الرغم من أن أساسيات تنظيم الحياة (عملية التوازن) معروفة منذ أكثر من قرن وتطبق يومياً في علم الأحياء والطب العام، فإنها لم تحظ بالاهتمام الكبير الذي تستحقه من جانب علم الأعصاب الحيوي وعلم النفس. 6

 

أصول التوازن الحيوي

كيف ترسّخ التوازن لدى جميع الكائنات الحية؟ كيف اكتسبت وحيدات الخلايا هذا التصميم المنظّم لحياتها؟ للتعامل مع مثل هذا السؤال، يجب على المرء التمعن في صيغة إشكالية ذات هندسة رجعية صعبة للغاية لأننا أمضينا معظم تاريخنا العلمي في التفكير من منظور الكائنات الحية بأكملها بدلا من اعتماد منظور الجزيئات والجينات التي بدأت الكائنات الحية منها.

 

إن حقيقة أن التوازن بدأ دون علم مسبق، على مستوى الكائنات الحية التي بلا وعي أو عقل، أو دماغ، يثير مسألة أين وكيف رسّخت غاية التوازن عبر مراحل تاريخ الحياة. ينتقل بنا هذا السؤال هبوطاً من وحيدات الخلية إلى الجينات ومنها إلى الجزيئات البسيطة، فالأبسط حتى نصل إلى الحمض النووي والحمض النووي الريبي. قد تنشأ غاية التوازن من تلك المستويات البسيطة وقد ترتبط أيضاً بالعمليات الفيزيائية الأساسية التي تحكم تفاعل الجزيئات مثل قوى تجاذب جزيئين أو تنافرهما، أو ارتباطهما برابطة بنّاءة أو مدمرة. وإن كانت الجزيئات تتنافر أو تتجاذب، فإنها تجتمع أو تتشارك بقوة مذهلة أو أنها ترفض الانخراط بذلك.

 

بقدر ما يتعلق الأمر بالكائنات الحية، فإن شبكات الجينات الناتجة عن الانتقاء الطبيعي كانت مسؤولة بوضوح عن منحها قدرة التوازن. ما نوع المعرفة التي امتلكتها وتمتلكها شبكات الجينات والتي تمكنها من نقل هذه التعليمات الحكيمة إلى الكائنات التي أطلقتها؟ أين يكمن أصل القيمة – ” القيمة البدائية أو الفطرية” – عندما نهبط إلى ما دون مستوى الأنسجة والخلايا ونصل إلى مستوى الجينات؟ ربما يتطلب الأمر ترتيباً محدداً للمعلومات الوراثية. فعلى مستوى شبكة المورثات، تتألف القيمة البدائية من ترتيب تعبير جيني من شأنه أن يؤدي إلى بناء كائنات “ذات كفاءة عالية من حيث القدرة على التوازن”.

 

ولكن يجب البحث عن إجابات أعمق على مستويات أبسط من ذلك بكثير. ثمة الكثير من النقاشات الهامة حول كيفية تنفيذ عملية الانتقاء الطبيعي التي تنتج الأدمغة البشرية التي نتمتع بها حالياً. هل جرى الانتقاء الطبيعي على المستوى الجيني، أم على مستوى الكائنات الحية الكاملة، أم على مستوى مجموعات من الأفراد، أم كل ما سبق؟ ولكن من المنظور الجيني، ومن أجل استمرار حياة الجينات عبر الأجيال، تعيّن على شبكات الجينات بناء كائنات فانية ولكن ناجحة تعمل كحوامل ناقلة عبر الأجيال. وكي تتمكن الكائنات الحية من اتباع سلوكيات ناجحة، يجب أن تقود الجينات عمليات تصنيع تلك الكائنات من خلال إصدار بعض الإرشادات المهمة.

 

ولا بد أن يتضمن جزء كبير من هذه التعليمات إرشادات لبناء أجهزة قادرة على تولي مسألة التنظيم الفعال للحياة. وتتعامل الأجهزة المصنعة حديثاً مع توزيع المكافآت وتطبيق العقوبات وتوقع المواقف التي قد يواجهها الكائن الحي. باختصار، لقد أدت التعليمات الوراثية الجينية إلى بناء أجهزة نجدها لدى الكائنات المعقدة مثلنا قادرة على تنفيذ عمليات متطورة للغاية مثل العواطف.

وُجد الشكل الأولي لهذه الأجهزة بداية عند الكائنات الحية التي لا تملك دماغاً ولا عقلاً ولا وعياً (وحيدات الخلية التي ناقشناها سابقاً)؛ ولكن نجحت الأجهزة المنظمة في تحقيق أكبر قدر من التعقيد لدى الكائنات التي تمتلك الثلاثة: الدماغ والعقل والوعي.7

 

هل التوازن كافٍ لضمان الاستمرار على قيد الحياة؟ ليس كافياً، لأن محاولة تصحيح اختلالات التوازن بعد حدوثها غير فعال ومحفوف بالمخاطر. لقد عالج التطور هذه المشكلة من خلال إدخال أجهزة تسمح للكائنات بتوقع الخلل وتحفزها على استكشاف الأوساط التي من المحتمل أن تقدم حلولاً.

 

 

الخلايا، والكائنات الحية متعددة الخلايا، والآلات المهندسة

تشترك الخلايا والكائنات متعددة الخلايا في العديد من الميزات مع الآلات الهندسية. إذ يحقق نشاط كل من الكائنات الحية أو الآلات الهندسية هدفاً محدداً؛ وهناك عمليات مكونة لهذا النشاط؛ وتنفّذ هذه العمليات عبر أجزاء تشريحية متمايزة تؤدي مهام فرعية؛ وهكذا دواليك. إن التشابه له إيحاءات محددة وهو وراء الاستعارات ثنائية الأوجه التي نصف بها كلاً من الكائنات الحية والآلات معاً. فنحن نصف القلب بالمضخة، ونصف الدورة الدموية بأنها نظام سباكة، ونشير إلى عمل الأطراف بأنه عمل الرافعات، وهكذا. وبالمثل، عندما نفكر في عملية لا غنى عنها في آلة معقدة، فإننا نسميها “قلب” الجهاز، ونشير إلى أجهزة التحكم في نفس الجهاز باسم “الدماغ”. ونطلق على الآلات التي تعمل بشكل غير متوقع صفة “المزاجية”. إن هذا النمط من التفكير ملهم إلى حد كبير، وهو المسؤول أيضاً عن الفكرة العامة التي تفيد بأن الدماغ عبارة عن كمبيوتر رقمي والعقل يشبه برنامج السوفت وير الذي يعمل به. لكن المشكلة الحقيقية لهذه الاستعارات تنبع من إهمالها للحالات المختلفة اختلافاً جذرياً من حيث المكونات المادية لكل من الكائنات الحية والآلات الهندسية. قارن بين أعجوبة العصر في مجال تصميم الطائرات – طائرة بوينغ 777 – مع أي مثال عن كائن حي، صغير أو كبير. يمكن بسهولة تحديد عدد من أوجه التشابه — مراكز القيادة على هيئة كمبيوترات قمرة القيادة؛ تغذية قنوات المعلومات في تلك الكمبيوترات، وتنظيم قنوات التغذية المرتدة في الأطراف؛ تشابه الاستقلاب مع حقيقة أن المحركات تتغذى على الوقود وتحوله إلى طاقة؛ وهكذا دواليك. ومع ذلك، لا يزال هناك اختلاف جوهري: أي كائن حي مُجهز بشكل طبيعي بقواعد وأجهزة توازن شاملة؛ ويهلك جسم الكائن الحي في حالة تعطلها؛ إلى جانب أنّ كل مكون من جسم الكائن الحي (وأعني بذلك كل خلية) هو في حد ذاته كائن حي مجهز بشكل طبيعي بقواعد وأجهزة التوازن الخاصة به، ويخضع لنفس مخاطر الفناء في حالة حدوث خلل. لا يمكن مقارنة هيكل طائرة بوينج 777 المثير للإعجاب بأي شيء مما سبق على الإطلاق، بدءاً من جسم الطائرة المكون من صفائح معدنية إلى المواد التي تتكون من أميال من الأسلاك والأنابيب الهيدروليكية. والمستوى العالي من “التوازن” الذي تتمتع به بوينج 777، إلى جانب لوحة المفاتيح الغنية بأجهزة الكمبيوتر الذكية ووجود الطيارين الضروري لقيادة الطائرة، والسعي للحفاظ على هيكلها بالكامل كقطعة واحدة، وليس فقط مكوناتها المادية الفرعية الدقيقة والكبيرة.

 

 

القيمة البيولوجية

إن المكتسبات الأساسية الأهم لأي كائن حي، في أي وقت كان، هي المجموعة المتوازنة من كيميائيات الجسم المتوافقة مع الحياة الصحية. وهذا ينطبق بالتساوي على الأميبا والإنسان. وينبع كل شيء آخر من هذا المنطلق. ولا يمكن المغالاة في تأكيد أهميتها.

 

لقد بات مفهوم القيمة البيولوجية واسع الانتشار في الفكر المعاصر عن الدماغ والعقل. لدينا جميعاً فكرة، أو ربما عدة أفكار، عن معنى كلمة القيمة ولكن ماذا عن معنى القيمة البيولوجية؟ لنطرح بعض الأسئلة الأخرى: لماذا نأخذ كل ما يحيط بنا تقريباً من غذاء ومنازل وذهب ومجوهرات ولوحات وأسهم وخدمات وحتى أشخاص، ونخصص له قيمة ما؟ لماذا يهدر الجميع وقتاً طويلاً في حساب المكاسب والخسائر المتعلقة بهذه العناصر؟ لماذا تحمل الأشياء علامة السعر؟ لم هذا التقييم المستمر؟ وما المعايير التي تقاس القيمة بناء عليها؟ قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الأسئلة لا دخل لها بنقاشٍ حول الدماغ والعقل والوعي. لكننا سنجد في الواقع أنّ مفهوم القيمة شرط أساسي لفهم تطور الدماغ، وبناء الدماغ، ونشاط الدماغ الفعلي من لحظة إلى لحظة.

 

ومن بين الأسئلة المطروحة أعلاه، ثمة سؤال حول سبب حمل الأشياء لعلامة السعر وهو الوحيد الذي نملك له إجابة واضحة إلى حد ما. إنّ الأشياء التي لا غنى عنها والتي يصعب الحصول عليها، بالنظر إلى ارتفاع الطلب عليها أو ندرتها النسبية، هي الأشياء الأعلى سعراً. ولكن لماذا تحتاج إلى سعر؟ حسناً، ربما لعدم توفر ما يكفي من كل شيء لكل شخص؛ والتسعير هو وسيلة للتحكم في عدم التطابق الواقعي بين ما هو متوفر ومقدار الطلب عليه. وبالتالي فإن التسعير يضبط الوضع ويخلق نوعاً من النظام للوصول إلى العناصر المطلوبة. ولكن لماذا لا يوجد ما يكفي من كل شيء للجميع؟ يتعلق أحد الأسباب بالتوزيع غير المتساوي للاحتياجات. إذ ثمة حاجة ماسة لبعض الأشياء، وحاجة أقل لبعضها الآخر، وبعضها لا حاجة له على الإطلاق. وبالتالي لا نصل إلى جوهر القيمة البيولوجية إلا حين نُدخل مفهوم الحاجة: مسألة الفرد الحي الذي يكافح من أجل الحفاظ على الحياة والاحتياجات الملحة التي تنشأ في خضم هذا الصراع. ولكن سبب تحديد القيمة في المقام الأول، أو اختيار المقياس الذي نستخدمه في تلك المهمة، يتطلب إقراراً بمشكلة الحفاظ على الحياة واحتياجاتها الملحة. وبقدر ما يتعلق الأمر بالبشر، فإن الحفاظ على الحياة ليس سوى جزء من مشكلة أكبر، ولكن دعونا نبدأ أولا بمسألة البقاء على قيد الحياة.

 

لقد تعامل علم الأعصاب حتى الآن مع هذه المجموعة من الأسئلة باختزال غريب. وحدد عدداً من الجزيئات الكيميائية المرتبطة بحالات الثواب أو العقاب بطريقة أو بأخرى، أي المرتبطة بالقيمة بحكم الامتداد. بعض هذه الجزيئات معروفة للقراء مثل الدوبامين والنورادرينالين والسيروتونين والكورتيزول والأوكسيتوسين والفازوبريسين. كما حدد علم الأعصاب أيضاً عدداً من نوى الدماغ التي تصنع هذه الجزيئات وترسلها إلى أجزاء أخرى من الدماغ والجسم. (نوى الدماغ القاعدية هي مجموعات من الخلايا العصبية الموجودة أسفل القشرة الدماغية في جذع الدماغ، وما تحت المهاد، والدماغ الأمامي القاعدي؛ ويجب عدم الخلط بينها وبين النواة داخل الخلايا حقيقية النواة، والتي هي عبارة عن جيوب بسيطة تحمل معظم الحمض النووي الخلوي).8

 

تعد الميكانيكا العصبية المعقدة لجزيئات “القيمة” موضوعاً مهماً يحاول العديد من باحثي علم الأعصاب الملتزمين كشف لغزه. ما الذي يدفع النواة لتحرير تلك الجزيئات؟ في أي موضع من الدماغ والجسم تُحرر تلك الجزيئات بالضبط؟ ماذا ينتج عن تحريرها؟ وتقف النقاشات بطريقة ما عند حقائق جديدة رائعة، فيتحول المرء إلى السؤال الرئيسي: أين يكمن محرك نظم القيمة؟ ما الحالة البدائية البيولوجية لـ القيمة؟ وبعبارة أخرى، أين الدافع الحافز لهذه المكنة البيزنطية؟ ما سبب ظهورها أساساً؟ لماذا اتضح أنها على هذا النحو؟

 

لا شك أن الجزيئات العامة والنوى القاعدية التي نشأت عنها تعدّ أجزاء مهمة من آلية القيمة. لكنها ليست إجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه.

ترتبط القيمة من وجهة نظري بالحاجة ارتباطاً وثيقاً ثابتاً، والحاجة مرتبطة بالحياة. كما أنّ التقييمات التي نرسخها في الأنشطة الاجتماعية والثقافية اليومية لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بمسألة التوازن. تفسر هذه الصلة سبب تكريس دارات الدماغ البشري بشكل مبالغ فيه للتنبؤ بالمكاسب والخسائر واكتشافها، ناهيك عن الترويج للمكاسب والخوف من الخسائر. وهو ما يفسر، بمعنى آخر، هوس الإنسان بتخصيص القيمة.

 

إن القيمة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالبقاء. في حالة البشر على وجه الخصوص، ترتبط القيمة أيضاً بـ نوعية هذا البقاء على شكل رفاهية وسلامة العيش. يمكن تطبيق مفهوم البقاء – وكذلك مفهوم القيمة البيولوجية – على الكيانات البيولوجية المتنوعة، بدءاً من الجزيئات والجينات وصولاً إلى الكائنات الحية الكاملة. سنبحث في منظور الكائن الحي كاملاً أولاً.

 

 

القيمة البيولوجية للكائنات الحية ككل

لقد ذكر سابقاً أن القيمة القصوى للكائنات الحية ككل تتكون من البقاء على قيد الحياة بصحة جيدة للوصول إلى عمر يتوافق مع تحقيق تناسل ناجح. وقد أتقن الانتقاء الطبيعي آلية التوازن بالشكل الذي يسمح بنجاح ذلك بالضبط. بناءً عليه، فإن الحالة الفيزيولوجية لأنسجة الكائن الحي، ضمن النطاق الأمثل للتوازن، تمثّل الأصل الأعمق للقيمة البيولوجية وتقييماتها. وتنطبق العبارة السابقة أيضاً بالقدر نفسه على الكائنات متعددة الخلايا وكذلك على التي تقتصر “أنسجتها” الحية على خلية واحدة.

 

إن نطاق التوازن المثالي ليس مطلقاً، فهو يختلف وفقاً للسياق الذي يوضع فيه الكائن الحي. لكن عند الوصول إلى أقصى نطاق التوازن تتراجع صلاحية الأنسجة الحية ويزيد خطر الأمراض والموت؛ إلا ضمن قطاع معين من هذا النطاق حيث تتجدد الأنسجة الحية وتصبح وظيفتها أكثر كفاءة وحكمة. ويعد العمل بأقصى حدود نطاق التوازن، وإن كان لفترات زمنية قصيرة، ميزة هامة جداً في ظل ظروف الحياة غير المواتية، ومع ذلك فإن حالات الحياة التي تعمل بالقرب من نطاق التوازن الفعال هي الأفضل. من المنطقي أن نستنتج أن القيمة البدائية للكائن الحي تتبع أساساً تكوينات المعايير الفيزيولوجية. وتصعد القيمة البيولوجية وتهبط لأعلى أو أسفل المقياس حسب الفعالية الحيوية للحالة البدنية. بطريقة ما، تعتبر القيمة البيولوجية بديلاً للكفاءة الفيزيولوجية.

 

وأفترض هنا أن الأشياء والأحداث التي نواجهها في حياتنا اليومية تكتسب القيمة المسندة إليها بالرجوع إلى هذه القيمة البدائية التي تميز الكائن الذي خضع للانتقاء الطبيعي. إن القيم التي ينسبها البشر إلى الأشياء والنشاطات لها صلة ما ربما غير مباشرة بالشرطين التاليين: أولاً، الصيانة العامة للأنسجة الحية داخل نطاق التوازن المناسب لسياقها الحالي؛ ثانياً، التنظيم الخاص اللازم لأداء العمل ضمن نطاق التوازن المرتبط بالسلامة بالنسبة للسياق الحالي.

 

وبالتالي بالنسبة للكائنات الحية ككل، القيمة البدائية هي الحالة الفيزيولوجية للأنسجة الحية ضمن نطاق التوازن القابل للحياة. ويسمح التمثيل المستمر للمعايير الكيميائية داخل الدماغ لأجهزة الدماغ غير الواعية بكشف وقياس نسبة الخروج عن نطاق التوازن، أي تعمل كأجهزة استشعار تقيس مقدار الحاجة الداخلية مما باتخاذ إجراءات تصحيحية وحتى بناء العامل المنبه أو المثبط لتلك التصحيحات حسب درجة إلحاح الاستجابة. وهكذا فإن سجلاً بسيطاً مثل هذه الإجراءات يعد أساساً تستند إليه التنبؤات بالظروف المستقبلية.

 

وفي حالة الأدمغة التي تتمتع بالقدرة على تمثيل الحالات الداخلية على شكل صور وخرائط، وتمتلك غالباً العقل والوعي، فإن المعلمات (المعايير) المرتبطة بنطاق التوازن تتوافق مع تجارب الألم والسعادة عند مستويات واعية من العمليات العقلية. ومن ثم، تمنح تلك التجارب التي تختبرها الأدمغة المتمكنة من اللغة، سمات لغوية محددة تعطيها أسماءها: كالمتعة، والرفاه، وعدم الراحة، والألم.

 

إذا اعتمدت على قاموس مرجعي وبحثت عن كلمة “قيمة”، ستجد التعريف التالي: “المعادل النسبي (النقدي أو المادي أو غير ذلك)؛ الميزة؛ الأهمية؛ متوسط سعر الصرف؛ مقدار شيء يمكن استبداله بشيء آخر؛ نوعية الشيء التي تجعله مرغوباً أو مفيداً؛ فائدة؛ كلفة؛ سعر”. تلاحظون هنا أن القيمة البيولوجية هي أصل كل ما ورد من معانٍ.

 

 

نجاح روادنا الأوائل

ما الذي جعل حوامل (أجساد) الكائنات الحية ناجحة ببراعة؟ ما الذي مهّد الطريق أمام استمرار المخلوقات المعقدة مثل مخلوقاتنا؟ يبدو أن أحد أهم عناصر وصولنا إلى هنا هو شيء لا تملكه النباتات بل نحن فقط وبعض الحيوانات الأخرى: الحركة. تتمتع بعض النباتات بحركة انتحائية tropisms؛ حيث يمكن أن تتوجه نحو الشمس والظل أو بعيداً عنهما؛ ويمكن لبعضها الآخر، مثل نبات خناق الذباب (مصيدة فينوس) أن يصطاد الحشرات التائهة؛ ولكن لا يوجد نبات يمكنه اقتلاع نفسه والسير بعيداً للبحث عن بيئة أفضل في جزء آخر من الحديقة. لا بد من مساعدة البستاني للقيام بذلك. مأساة النباتات، رغم أنهم لا يدركونها، أن خلاياهم المهيكلة لا يمكنها أبداً تغيير شكلها بما يكفي لتصبح خلايا عصبية. لا تمتلك النباتات خلايا عصبية، وبالتالي مع غياب الخلايا العصبية يغيب العقل.

 

لقد طورت الكائنات الحية المستقلة التي لا تمتلك أدمغة عنصراً هاما آخر: القدرة على استشعار تغيرات الحالة الفيزيولوجية داخلها وفي محيطها. وتستجيب البكتيريا كذلك لأشعة الشمس ولجزيئاتٍ لا تعد ولا تحصى؛ كما تستجيب البكتيريا التي تنمو في طبق بتري لقطرةٍ من مادة سامة عبر التكتل معاً والتقهقر بعيداً عن التهديد. كما أن خلايا حقيقية النواة تستجيب لمشعرات تعادل اللمس أو الاهتزاز. يمكن أن تؤدي التغييرات المستشعرة سواء في الداخل أو في البيئة المحيطة إلى الحركة والانتقال من مكان إلى آخر. ولكن من أجل الاستجابة لحالة ما بطريقة مجدية، يجب على العنصر المكافئ للدماغ لدى وحيدات الخلية أن يتسلح بسياسة استجابة، أي مجموعة من القواعد البسيطة للغاية والتي يتخذ بموجبها “قرار بالحركة” عند استيفاء شروط معينة.

 

باختصار، إن الحد الأدنى من الميزات التي كان من الضروري أن تمتلكها هذه الكائنات البسيطة حتى تتمكن من النجاح والسماح لجيناتها بالسفر إلى الجيل التالي هو استشعار الكيان الداخلي والخارجي، والقدرة على الاستجابة والحركة. لقد تطور الدماغ كجهاز يمكنه تحسين عمليات الاستشعار واتخاذ القرارات بالحركة وتشغيلها بطريقة أكثر فعالية وتمايزاً.

 

وتحسنت الحركة مع مرور الوقت، وذلك بفضل تطور العضلات المخططة، وهي العضلات التي نستخدمها اليوم في المشي والكلام. كما سنرى في الفصل الثالث، اتسع مفهوم استشعار الحالة الداخلية للكائن الحي، ما نسميه الآن الإدراك الداخلي، ليشمل اكتشاف عدد كبير من المعلمات (مثل، درجة الحموضة، درجة الحرارة، وجود أو غياب العديد من الجزيئات الكيميائية، توتر ألياف العضلات الملساء). أما بالنسبة لاستشعار المحيط الخارجي، فيشمل الرائحة والذوق واللمس والاهتزاز والسمع والبصر، أي المجموعة التي نعتبرها إدراك الحواس الخارجية.

والشرط اللازم للحركة والاستشعار لتحقيق أفضل المزايا هو أن تكون سياسة الاستجابة شبيهةً بخطة عمل شاملة تحدد بشكل ضمني الشروط التي تسترشد بها السياسة. وهذا بالضبط ما يفعله التخطيط المتوازن الذي نجده لدى مخلوقات من جميع مستويات التعقيد مكوناً من: مجموعة من إرشادات التشغيل التي يجب اتباعها حتى يحقق الكائن أهدافه. وجوهر هذه الإرشادات بسيط للغاية: إذا كان هذا موجوداً، فافعل ذاك.

 

عندما يستكشف المرء أداء مراحل التطور، فسوف يصاب بالذهول بما حققه من منجزات. خذ بعين الاعتبار، على سبيل المثال، التطور الناجح للعينين، ليس فقط العيون التي تشبه عيوننا ولكن أيضاً أنواع أخرى من العيون التي تؤدي وظيفتها باستخدام وسائل مختلفة قليلاً. ومن حالات التطور المثيرة للدهشة أيضاً أعجوبة تحديد الموقع بالصدى، والتي تسمح للخفافيش وبوم الحظيرة بالصيد في الظلام الدامس عبر الاسترشاد بالتوجيه شديد الدقة للصوت في الفضاء ثلاثي الأبعاد. إن تطور سياسة الاستجابة القادرة على قيادة الكائنات الحية إلى حالة التوازن ليست أقل إثارة للدهشة من تلك.

 

إن الغاية والسبب وراء وجود سياسة استجابة هو تحقيق هدف التوازن. ولكن كما أشرت سابقاً، حتى مع وجود هدف واضح، ثمة حاجة إلى شيء آخر لتنفيذ سياسة الاستجابة بشكل فعال. فمن أجل تحقيق عمل معين على وجه السرعة وبشكل صحيح، يجب أن يكون هناك منبه بحيث يصبح من الممكن في ظروف معينة تفضيل أنواع محددة من الاستجابات على غيرها. لماذا؟ قد تعاني بعض الأنسجة الحية من ظروف وخيمة لدرجة أنها تتطلب تصحيحاً عاجلاً وحاسماً، وتطبيق تصحيح سريع جداً بكل معنى الكلمة. وبالمثل، قد تكون بعض الفرص مواتية للغاية لتحسين الأنسجة الحية بحيث يصبح من الضروري اختيار الاستجابات الداعمة لتلك الفرص والانخراط فيها بسرعة. وهنا نكشف خيوط اللعبة التي تكمن وراء ما نعرفه من وجهة نظرنا كبشر باسم الثواب والعقاب، اللاعبين الرئيسيين في مسرحية الاستكشاف المحفز. لاحظ أن أيا من هاتين العمليتين لا يتطلب عقلاً، ناهيك عن عقل واعي. لا يوجد “شخص” فعلي داخل أو خارج كائن حي يلعب دور “مانح الثواب” أو “مانح العقاب”. ومع ذلك، يحدد “الثواب” و “العقاب” بناءً على تصميم أنظمة سياسة الاستجابة. إن العملية برمتها عمياء وتفتقد إلى صانع القرار تماماً مثلما هي شبكات الجينات. إن غياب العقل والذات متوافق تماماً مع “الغاية” و”الغرض” التلقائيين والضمنيين. تتمثل “الغاية” الأساسية للتخطيط في الحفاظ على الهيكل والحالة، ولكن يمكن بناء “الغرض” الأكبر من مثل هذه الغايات المتعددة وهو: البقاء على قيد الحياة.

 

ما أقترحه، إذن، هو أن الآليات المنبهة ضرورية لتحقيق التوجيه الناجح للسلوك، والذي يرتقي بدوره إلى التنفيذ المادي الناجح لخطة عمل الخلية. وأفترض أيضاً أن الآليات المنبهة والتوجيهات لم تنشأ عن التخطيط الواعي والتفكير. لم يكن هناك معرفة واضحة ولا ذات مفكرة.

لقد أصبحت إرشادات الآليات المنبّهة معروفة بشكل تدريجي للكائنات الحية العاقلة والواعية مثلنا. يكشف العقل الواعي ببساطة ما كان موجوداً منذ فترة طويلة كآلية تطورية لتنظيم الحياة. لكن العقل الواعي لم يخلق تلك الآلية. القصة الحقيقية تشكك في حدسنا. وينعكس التسلسل التاريخي الفعلي.

 

 

تنامي الدوافع

كيف تتطور الدوافع؟ بدأت الدوافع لدى كائنات بسيطة للغاية لكنها واضحة جداً لدى الكائنات الحية ذات الأدمغة القادرة على قياس شدة الحاجة إلى إجراء تصحيح معين. لكي يحدث القياس، يطلب الدماغ تمثيل (1) الحالة الراهنة للأنسجة الحية، (2) الحالة المرغوبة للنسيج الحي الموافق للهدف المتوازن، و (3) مقارنة بسيطة. لقد طوّر نوع من المقاييس الداخلية لهذا الغرض، مما يدل على مدى ارتباط الهدف بالحالة الراهنة، وفي حين اعتمدت جزيئات كيميائية يسرّع وجودها من استجابات معينة من أجل تسهيل التصحيح. ما زلنا نستشعر حالاتنا ككائنات حية بناء على هذا المقياس، وهو شيء نفعله دون وعي على الرغم من أن عواقب القياس تصبح واعية تماماً عندما نشعر بالجوع أو الجوع الشديد أو عدم الشعور بالجوع على الإطلاق.

 

وما صورناه على أنه مشاعر للألم أو المتعة، أو الثواب والعقاب، يتوافق مباشرة مع الحالات المتكاملة للأنسجة الحية داخل الكائن الحي، حيث تساعد بعضها البعض لضمان نجاح العمليات الطبيعية لتنظيم الحياة. إن تعيين الدماغ لخرائط الحالات التي تنحرف فيها معلمات الأنسجة بشكل كبير عن نطاق التوازن في اتجاه لا يفضي إلى البقاء على قيد الحياة، يكون متمرساً بحالة نوعية أطلقنا عليها اسم الألم والعقاب. وبالمثل، عندما تعمل الأنسجة في أفضل جزء من نطاق التوازن، فإن رسم الدماغ لصور الحالات ذات الصلة يكون متمرساً بحالة نوعيةٍ أطلقنا عليها في النهاية اسم المتعة والثواب.

 

تُعرف العوامل المشاركة في تنظيم حالات الأنسجة هذه بالهرمونات والمعدلات العصبية وكانت موجودة بالفعل بوفرةٍ لدى الكائنات البسيطة من وحيدات الخلية. نحن نعلم كيف تعمل هذه الجزيئات. فمثلاً، لدى الكائنات الحية التي تمتلك دماغاً، عندما تتعرض سلامة نسيج ما للخطر بسبب انخفاض خطير بمستوى المغذيات، فإن الدماغ يكشف ويقيّم درجة الحاجة والإلحاح الذي يستوجب تصحيح التغيير بموجبه. يحدث هذا عادةً دون وعي، ولكن لدى الدماغ الذي يتمتع بالعقل والوعي، يمكن أن تصبح الحالة المرتبطة بهذه المعلومات حالة واعية. وعندها يعاني الفرد من شعور سلبي ما بين الانزعاج والألم، سواء ارتبطت العملية بوجود الوعي أو غيابه، فسوف يعقب الأمر سلسلة من الاستجابات التصحيحية الكيميائية والعصبية، وبمساعدة جزيئات تعمل على تسريع العملية. ولكن في حالة الأدمغة الواعية لا تقتصر نتيجة العملية الجزيئية على مجرد تصحيح الخلل بل أيضاً الحدّ من التجارب السلبية، كالشعور بالألم، وتجربة الشعور بالسعادة (أو الثواب). وينبع هذا جزئياً من الحالة المواتية للحياة التي تمكنت النسج من تحقيقها بالنتيجة. في النهاية، من المرجح أن يؤدي العمل المجرد للجزيئات المنبهة إلى وضع الكائن الحي ضمن التكوين الوظيفي المرافق للحالات المثيرة للسعادة.

 

كان من المهم أيضاً ظهور البنى الدماغية القادرة على كشف التوصيل المحتمل “لمنبهات الخير” أو “الشر والخطر” إلى الكائن الحي. وبالتحديد وبعيداً عن استشعار النواحي الخيّرة أو التهديدات منها وعليها، بدأت الأدمغة باستخدام الإشارات أو التلميحات للتنبؤ بولادة الحالة. فقد تشير إلى قرب حدوث الأمور الجيدة عبر تحرير جزيء، مثل الدوبامين أو الأوكسيتوسين؛ أو إلى قرب حدوث تهديدات سيئة عبر الهرمون المحرر للكورتيزول أو البرولاكتين. وسيؤدي تحرر الهرمون بدوره إلى تحسين السلوك المطلوب للحصول على العامل المنبه أو تجنب إيصال العامل المنبه. وبالمثل، فإنها تستخدم الجزيئات للإشارة إلى خطأ (خطأ في التنبؤ) وتتصرف وفقاً لذلك؛ حيث تفرق بين ظهور عنصر متوقع وعنصر غير متوقع حسب درجة إثارة العصبونات ودرجة تحرير الجزيء المقابلة (مثل الدوبامين). كما أصبح الدماغ قادراً على استخدام نمط من العوامل المنبهة- على سبيل المثال، تكرار أو تناوب العوامل المنبهة، للتنبؤ بما قد يحدث بعد ذلك. عندما يتحرر اثنان من العوامل المنبهة بالقرب من بعضهما البعض، فإن ذلك يدل على احتمال ظهور عامل منبه ثالث.

 

ما الذي حققته هذه الآلية؟ أولاً، استجابة أكثر أو أقل إلحاحاً تبعاً للظروف – وبعبارة أخرى، استجابة تفاضلية. ثانياً، حققت الاستجابات المحسنة من خلال القدرة على التنبؤ.

 

إن التصميم المتوازن وأدوات التنبيه والتنبؤ المرتبطة به عملت على الحفاظ على سلامة الأنسجة الحية داخل الكائن الحي. من الغريب أن الكثير من مثل تلك الآلية اعتمدت لضمان انخراط الكائن بالسلوكيات الإنجابية المواتية لنقل الجينات. ومثال ذلك حالات الانجذاب الجنسي والرغبة الجنسية وطقوس التزاوج. وظاهرياً، أصبحت السلوكيات المرتبطة بتنظيم الحياة والتناسل مستقلة، ولكن الهدف الحقيقي هو نفسه، وبالتالي ليس من المستغرب تقاسم الآليات.

 

ومع تطور الكائنات الحية، أصبحت البرامج التي يقوم عليها التوازن أكثر تعقيداً من حيث الظروف التي تحفّز مشاركتها وحسب نطاق النتائج. وتتحول هذه البرامج الأكثر تعقيداً بالتدريج إلى ما نعرفه اليوم باسم المحفزات والدوافع والعواطف (انظر الفصل الخامس).

 

باختصار، يحتاج التوازن إلى مساعدة من الحوافز والدوافع التي تمنحها الأدمغة المعقدة بوفرة، وتنشرها بعد التنبؤ بها وتطبق من خلال استكشاف البيئات. من المؤكد أن البشر لديهم نظام تحفيزي أكثر تطوراً، يكمله فضول لا حدود له، ودافع استكشافي عنيد، وأنظمة تحذير متطورة فيما يتعلق بالاحتياجات المستقبلية، وكلها تهدف إلى إبقائنا على الجانب الجيد من مسارات الحياة.

 

ربط الاتزان والقيمة والوعي

 

 

ما توصلنا إلى منحه صفة القيّم من حيث الفوائد أو الأفعال، يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بإمكانية الحفاظ على نطاق متوازن داخل الكائنات الحية. ونحن نعلم أن بعض القطاعات والتكوينات داخل نطاق التوازن ترافق تنظيم الحياة الأمثل، في حين أن القطاعات الأخرى أقل كفاءة، والبعض الآخر لا يزال أقرب إلى منطقة الخطر. ومنطقة الخطر هي تلك التي يدخل فيها المرض والموت. من المنطقي اعتبار الفوائد والأفعال التي ستؤدي في النهاية إلى التنظيم الأمثل للحياة بطريقة أو بأخرى، هي الأكثر قيمة.9

 

إننا نعلم أساساً كيف يشخص البشر القطاع الأمثل ضمن نطاق التوازن دون أي حاجة إلى قياس المعلمات الكيميائية للدم في المختبر الطبي. لا يتطلب التشخيص أي خبرة خاصة، بل يتطلب فقط عملية الوعي الأساسية: تعبّر النطاقات المثلى عن نفسها من خلال العقل الواعي باعتبارها مشاعر ممتعة؛ ودرجات من الخطورة، أو مشاعر مزعجة أو مؤلمة حتى.

 

هل لك أن تتخيل نظام كشف أكثر شفافية من هذا؟ إن الأداء الأمثل للكائن الحي والذي يؤدي إلى حالات عيشٍ فعالة ومتناغمة، يشكّل الركيزة الأساسية لمشاعرنا البدائية المتمثلة في سلامة العيش والسعادة. إنها أساس الحالة التي نسميها: السعادة. وفي نقيض ذلك، فإن حالات الحياة غير المنظمة وغير الفعالة وغير المتناغمة، وتوقع المرض وفشل أجهزة الجسم، تشكل الركيزة للمشاعر السلبية، والتي تضم تشكيلة لا نهائية من الآلام والمعاناة، ناهيك عن الاشمئزاز، والخوف، والغضب، والحزن، والعار، والشعور بالذنب، والازدراء. وهذا ما ذكره تولستوي حين لاحظ بدقة شديدة أن أصناف المشاعر السلبية أكثر بكثير من الإيجابية.

 

كما سنرى، إن الجانب المحدد لمشاعرنا العاطفية هو القراءة الواعية لحالات أجسادنا حسبما شكلتها العواطف، ومن هنا يمكن اعتبار المشاعر بمثابة مقاييس مرجعية لتنظيم الحياة. ولهذا السبب أيضاً لم يعد مستغرباً أن المشاعر لطالما أثرت على المجتمعات والثقافات وعلى جميع نتاجها وأعمالها منذ أن أصبحت معروفة للبشر. لكن في الواقع قبل بزوغ فجر الوعي وظهور المشاعر الواعية بزمنٍ طويل وحتى قبل بزوغ فجر العقول على هذا النحو، كان تكوين البارامترات الكيميائية يؤثر فعلياً على السلوكيات الفردية لدى الكائنات البسيطة التي لا تمتلك أدمغة لتمثيل تلك المعلمات. وهذا أمر منطقي؛ فقد تعين على الكائنات غير العاقلة الاعتماد على البارامترات الكيميائية لتوجيه الأفعال اللازمة للحفاظ على حياتهم. يشمل هذا التوجيه “الأعمى” سلوكيات معقدة إلى حد كبير. تعمل هذه البارامترات على توجيه نمو أنواع مختلفة من البكتيريا في المستعمرات ويمكن حتى وصفها بالاستعارة من المصطلحات الاجتماعية كالتالي: تمارس مستعمرات البكتيريا عادةً نظام “استشعار النصاب Quorum Sensing” وهو نظام تنبيه واستجابة داخل مجموعتها وتشارك حرفياً في الصراع من أجل التمسك بالأرض والموارد. وهي تقوم بذلك حتى داخل أجسادنا حين تتصارع مع المحيط من أجل الحصول على حيز مكاني لها في حناجرنا أو في أحشاءنا. ولكن حالما يظهر الجهاز العصبي البسيط إلى الوجود، تصبح السلوكيات الاجتماعية أكثر وضوحاً. كما هو الحال لدى الديدان الخيطية نيماتودا، وهو اسم جذاب علمياً لنوع من الديدان يتمتع بسلوكيات اجتماعية متطورة جداً.

 

يحتوي دماغ الدودة الخيطية مثل الربداء الرشيقة C. elegans، على 302 خلية عصبية منظمة على شكل سلسلة من العقد – أي تكوين بسيط للغاية. وكأي كائن حي آخر، تحتاج الديدان الخيطية إلى تغذية نفسها من أجل البقاء. واعتماداً على ندرة أو وفرة الغذاء والتهديدات البيئية، يمكن أن تهبط إلى الحضيض، كما كان الحال، أو أن تنجو بشكل أو بآخر. فهي تتغذى عادة بمفردها إذا كان الطعام متاحاً والبيئة هادئة؛ ولكن إذا كان الطعام شحيحاً أو إذا اكتشفت وجود تهديد في محيط البيئة (مثل، نوع معين من الرائحة)، فسوف تجتمع ضمن مجموعات. وغني عن القول، أنهم لا يعرفون حقاً ما يفعلونه، ناهيك عن السبب. لكنهم يفعلون ما يفعلونه لأن أدمغتهم البسيطة للغاية، مع غياب الحد الأدنى من الوعي، تستند إلى إشارات من البيئة تستجيب لها عبر نوع أو آخر من السلوك.

 

تخيل أنني قد وصفت حالة الربداء الرشيقة في الملخص السابق، وأوجزت الظروف والسلوكيات ولكن مع التغاضي عن حقيقة أنها كانت ديداناً، ومن ثم تخيل أنني طلبت منك أن تفكر كعالم اجتماع وتعلق على الموقف. أظن أنك سوف تكتشف دليلاً على وجود تعاون ما بين الأفراد، وربما تكون قد لاحظت نواحي الإيثار والغيرية أيضاً. وقد تعتقد أنني كنت أتحدث عن كائنات معقدة من البشر الأوائل ربما. في المرة الأولى التي قرأت فيها وصف كورنيليا بارجمان لهذه الاكتشافات فكرت في النقابات العمالية وفرضية السلامة بالأرقام (safety in numbers).

  • لكن الربداء الرشيقة هي مجرد دودة.

 

ومن المعاني الأخرى التي تنطوي عليها حقيقة أن حالات التوازن المثالية هي الحيازة الأكثر قيمة للكائن الحي، أن الميزة الأساسية للوعي، على أي مستوى من مستويات هذه الظاهرة، تنبع من تحسين القدرة على تنظيم الحياة في بيئات أكثر تعقيداً.11

لقد تحققت القدرة على الاستمرار على قيد الحياة في منافذ بيئية جديدة بفضل الأدمغة المعقدة بما يكفي لصنع العقول، وهو تطور يستند، كما أوضح في الجزء الثاني، إلى إنشاء الخرائط والصور العصبية. وبمجرد انبثاق العقل يتحسّن تنظيم الحياة عفوياً وإن لم يكن مشبعاً بعد بوعي تام. لقد وفرت الأدمغة التي أنتجت الصور المزيد من التفاصيل عن الظروف داخل الكائنات الحية وخارجها، وتمكنت بذلك من توليد استجابات أكثر تمايزاً وفعالية من تلك التي تولدها الأدمغة التي تفتقر إلى العقل. ولكن عندما أصبحت عقول الأنواع غير البشرية عقولاً واعية، اكتسب التنظيم العفوي حليفاً قوياً، وسيلة لتركيز مصاعب البقاء على الذات الناشئة التي باتت تدافع الآن عن الكائن الحي المتعثر. وأصبح هذا الحليف أكثر قوة لدى البشر بالطبع، في ظلّ تداخل الوعي مع الذاكرة والمنطق للسماح بالتخطيط والتفكير العقلاني.

 

ومن المدهش أن تنظيم الحياة القائم على الذات يتعايش دائماً مع آلية تنظيم الحياة العفوية التي توارثها أي مخلوق واعٍ من ماضيه التطوري. وهذا صحيح جداً لدى البشر. يستمر معظم نشاطنا التنظيمي دون وعي، وهو أمر جيد أيضاً. لن ترغب في إدارة جهاز الغدد الصماء أو جهاز مناعتك بوعي لأنه لن يكون لديك أي وسيلة للتحكم في التذبذبات الفوضوية بالسرعة الكافية. ففي أحسن الأحوال يشبه الأمر قيادة طائرة ركاب حديثة يدوياً وتلك ليست مهمة تافهة بل تتطلب إتقان جميع الحالات الطارئة وجميع المناورات اللازمة لمنع المماطلة في الاستجابة. وفي أسوأ الأحوال، سيكون الأمر أشبه باستثمار الصندوق الاتئماني للضمان الاجتماعي في سوق الأسهم. لن ترغب حتى في التحكم المطلق في شيء بسيط مثل تنفسك، فقد تقرر السباحة تحت الماء، وتحبس أنفاسك، وتخاطر بالتعرض للموت أثناء ذلك. لحسن الحظ، إن أدوات التوازن العفوي التي نملكها لن تسمح أبداً بمثل تلك الحماقة.

 

لقد حسّن الوعي القدرة على التكيف وسمح للمستفيدين بإيجاد حلول جديدة لمشاكل الحياة والبقاء في أي بيئة يمكن تصورها تقريباً وفي أي مكان على الأرض، في الهواء وفي الفضاء الخارجي، وتحت سطح الماء، وفي الصحاري والجبال. لقد تطورنا بالشكل الذي يتيح لنا التأقلم مع عدد كبير من البيئات ونحن قادرون على تعلم التكيف مع عدد أكبر حتى. لم تظهر لدينا أجنحة أو خياشيم، لكننا تمكنا من اختراع آلات لها أجنحة أو إطلاق صواريخ عبر طبقات الجو العليا، الستراتوسفير، ونقطع المحيطات أو نغوص على عمق عشرين ألف فرسخ في عمق تلك المحيطات. لقد اخترعنا الظروف المادية للعيش في أي مكان نتمنى. لكن المتحول الأميبي لا يمكنه ذلك ولا الديدان، أو السمك، والضفدع، والطائر، والسنجاب، والقط، والكلب، أو حتى ابن عمنا الذكي للغاية، الشمبانزي.

 

عندما بدأ الدماغ البشري ببناء العقل البشري الواعي تغيرت قواعد اللعبة جذرياً. لقد انتقلنا من التنظيم البسيط الذي يركز على بقاء الكائن الحي إلى تنظيم إرادي أكثر عقلانية بالتدريج استناداً إلى عقل مجهز بالهوية والشخصانية ويسعى الآن بقوة ليس فقط إلى البقاء على قيد الحياة بل إلى تحقيق نطاقات معينة من الرفاهية وسلامة العيش، وتلك قفزة كبيرة على صعيد الاستمرارية البيولوجية وإن كانت تراكمية كما نرى إلى الآن.

 

لقد هيمنت الأدمغة على التطور لأنها قدمت دفعاً أكبر لتنظيم الحياة، وسادت أنظمة الدماغ التي قادت إلى بناء عقول واعية لأنها وفرت أوسع إمكانيات التكيف والبقاء مع نوع من التنظيم قادرٌ على الحفاظ على رفاه العيش.

 

بإيجاز، إن الكائنات وحيدة الخلية ذات النواة لديها إرادة غير عقلانية وغير واعية للعيش وتنظيم الحياة بشكل مناسب بما فيه الكفاية ما دامت بعض الجينات تسمح لها بذلك. وقد وسعت الأدمغة من إمكانات تنظيم الحياة حتى عندما لم تعمل على بناء العقول، ناهيك عن بناء العقول الواعية. لهذا السبب سادت الأدمغة أيضاً. وفي الوقت الذي أضيف فيه العقل والوعي إلى هذا المزيج، توسعت إمكانات التنظيم أكثر من ذلك وأفسحت المجال لنوعية التنظيم الذي لا يحدث فقط داخل كائن واحد ولكن عبر العديد من الكائنات الحية داخل المجتمعات. لقد مكّن الوعي البشر من تكرار فكرة تنظيم الحياة من خلال مجموعة من الأدوات الثقافية – التبادل الاقتصادي والمعتقدات الدينية والاتفاقيات الاجتماعية والقواعد الأخلاقية والقوانين والفنون،

والعلوم والتكنولوجيا. ومع ذلك، فإن نية الاستمرار على قيد الحياة لدى خلية حقيقية النواة ونية الاستمرار على قيد الحياة لدى الإنسان الواعي هي نفسها.

 

وراء الصرح الناقص ولكن المثير للإعجاب الذي شيدته الثقافات والحضارات لنا، يظل تنظيم الحياة هو القضية الأساسية التي نواجهها. وبنفس القدر من الأهمية، يكمن الدافع وراء معظم الإنجازات في الثقافات والحضارات الإنسانية في قلب هذه القضية الدقيقة إلى جانب الحاجة إلى إدارة سلوكيات البشر المنخرطين في معالجة هذه القضية. إن تنظيم الحياة هو أصل الكثير من المسائل التي تحتاج الشرح في علم الأحياء بشكل عام وفي العلوم الإنسانية بشكل خاص: وجود الدماغ؛ ووجود الألم والمتعة والعواطف والمشاعر؛ والسلوكيات الاجتماعية، والأديان الاقتصادات وأسواقها ومؤسساتها المالية؛ والسلوكيات الأخلاقية؛ والقوانين والعدالة؛ والسياسة؛ والفن والتكنولوجيا والعلوم – قائمة متواضعة للغاية، كما يرى القارئ.

 

إن الحياة والظروف التي تشكل جزءاً لا يتجزأ منها (المهمة التي لا يمكن كبحها للبقاء على قيد الحياة والأعمال المعقدة لإدارة قدرة البقاء على قيد الحياة لدى الكائن الحي ذي الخلية الواحدة أو تريليونات الخلايا) هي السبب الجذري لظهور وتطور الأدمغة، أجهزة التنظيم الأكثر تعقيداً التي تكونت عبر مراحل التطور، وكذلك السبب الجذري لكل شيء تلا تطور الأدمغة الأكثر تعقيداً، داخل أجسام أكثر تعقيداً، تعيش في بيئات أكثر تعقيداً.

 

عندما يفكر المرء في أي جانب من جوانب وظائف الدماغ من منظور أن الدماغ موجود أساساً لتنظيم الحياة داخل الجسم، فسوف تتلاشى الغرابة والغموض الذين يعتريان بعض التصنيفات التقليدية لعلم النفس (كالعاطفة، والإدراك، والذاكرة، واللغة، والذكاء، والوعي). إذ إن تلك الوظائف تؤسس قابلية التفكير العقلاني الواضح والمنطق الحتمي المحبب. كيف لنا أن نختلف عن بعضنا البعض، يبدو أن هذه الوظائف تُطلب طلباً بحسب المهمة التي يجب القيام بها؟

يمكنك قراءة الفصل الأول على هذا الرابط