كيف تصبح كاتبًا عظيمًا: جورج أورويل – هاري ستيد / ترجمة: الهنوف الحربي

كيف تصبح كاتبًا عظيمًا: جورج أورويل – هاري ستيد / ترجمة: الهنوف الحربي


حياة يقودها الفضول يعقبها عالم من الجرأة

جورج أورويل الكاتب الذي أثّر فيني كثيرًا، عرفته من خلال قراءتي لروايته الشهيرة (1984) والتي قراءتها بغرض أنّه يجب عليّ قراءتها. أورويل أحد رواد الثقافة ليس فقط على نطاق انجلترا بل العالم أجمع، شعرت بالذنب لأنني لم أقرأ له كلمة واحدة قبل عدة سنوات ولكن بعد ذلك قرأت العديد من أعماله وما تبقى قراءته فقط هي رواية ‘A Clergyman’s Daughter وبعض من المقالات الغامضة، لم يكن هناك كاتب له مثل الأثر العميق الذي يشعرني به جورج أورويل لذلك كتبت هنا بعضًا من الدروس التي استخلصتها من كتاباته.

ولد جورج أورويل، والذي كان اسمه الحقيقي (إيريك آرثر بلير)، في الهند البريطانية سنة 1903 حيث كانت عائلته ثرية لحد ما على غرار وصف أورويل نشأته بـ “الطبقة المتوسطة” وقد كتب منذ الصغر عن ملاحظته لعائلته الفقيرة مقارنة بأقرانه من الأطفال الآخرين في كلية إيتون.

لم يكن بوسع عائلة أورويل التكفّل بمصاريف إرساله للجامعة لذلك قرر الانضمام إلى الشرطة الإمبراطورية، والتي كانت تسبق مديرية الشرطة الهندية حيث وقع عليها الاختيار لتكون في بورما، يعود قراره لافتتانه بالشرق، أيضًا كانت لأعمال الكاتب (روديارد كبلينغ) الأثر الكبير عليه.

في سنة 1922 بدأت مغامرات أورويل منذ اللحظة التي سافر فيها على متن سفينة (إس إس هيرتفوردشاير) عابرًا قناة السويس وما وراء سيلان للانضمام إلى الشرطة الإمبراطورية الهندية في بورما.

يظهر أورويل مرتديًا زيًا عسكريًا في الصف الخلفي الثالث من اليسار، أثناء فترة التدريب في شرطة بورما عام 1923. تصوير: Georgeorwellnovels.com

أمضى أورويل خمسُ سنوات ونصف في بورما، كتب عن تجاربه في روايته (أيام البورمية Burmese Days) عام 1934 حيث كانت هذه الرواية انعكاس لهلاك الإمبراطورية البريطانية، كانت مجرد تجربة شخصية للمكافحة من أجل التعايش مع روتين الطبقة المهنية.

أصبح أورويل يتحدّث اللغة البورمية بطلاقة بل أنّه أيضًا تأثر في بعض عاداتهم مثل وضع الوشوم على مفاصل اصابعه اعتقادًا أنّها تحمي من الثعابين، وقد شعر لاحقًا بتأنيب الضمير لمشاركته تحت الحكم البريطاني في الشرق وذلك الشعور كان واضحًا في روايته (أيام البورمية).

“يصدف أن تكون وحيدًا في غابة مليئة بجمال الطير والشجر والزهر، جمال يختبئ وراء كل تلك الكلمات في حال كانت هناك روح تشاركها، الجمال لا معنى له في الوحدة” – جورج أورويل (أيام البورمية)

إحدى مقالاته القصيرة والرائعة جدًا كناية عن الاستعمار البريطاني بعنوان (إطلاق نار على فيل) ذكر فيها تجربته حين قتل فيلًا كان متجهًا نحو المدينة التي يعيش فيها، حيث احتشد سكانها حوله ليجلب الفيل لهم بينما كان خائفًا ومترددًا ولكنّه لا يريد أن يظهر بصورة ضعيفة، شعر بالضغط حتّى لا يكون أحمقًا أمامهم وليثبت قوة أصحاب البشرة البيضاء.

عاد أورويل إلى انجلترا سنة 1927 وبدأ في استكشاف القرى الفقيرة، سافر متخفيًا ولم يبين وضعه المادي المتوسط وبقي في مسكن مشترك مع آخرين، في هذه المرحلة أدرك أورويل حقيقة الفقر وبدأ يتعاطف مع الفقراء والعوائل البسيطة.

“ومن الجدير بالذكر حال المتسولين ونظرة المجتمع لهم، ولو أننا أدركنا حقيقة أنهم بشر عاديون وأنّه لا يسع للمرء أن يختار مستوى معيشته”

– كتاب Down and out in London and Paris

كانت مغامرة أورويل التالية في باريس حيث انتقل للعيش في مناطق الطبقة العاملة وعثر على عمل في أحد المطاعم. في كتابه Down and out in London and Paris كان وصف لحال الفقر وكفاحه، كتب عن روتين واستعباد الفقراء الفرنسيين وعن مصادفة بعض الأشخاص غريبي الأطوار في أحياء باريس الفقيرة.

شارع دو كوك في المقاطعة الخامسة

في سنة 1929 مرض أورويل ونُقل إلى مستشفى في باريس وهناك كتب تقرير بياني (كيف يموت الفقراء) تحدّث فيها عن الموت والمرض في مستشفى فرنسي متهالك، أعجبت جدًا بهذه المقالة رغم أنّها كانت مروعة إلا أنّها حقيقية واقعية ومن ذلك يمكننا القول بأن مهارة الكتابة لدى أورويل خلقت من رحم المعاناة.

“يموت البشر هناك كالحيوانات لا أحد يهتم لهم ولا يقف بجانبهم أو حتّى يلاحظ موتهم إلى أن يحين صباح الغد”

عاد أورويل في ديسمبر سنة 1929 وبقي هناك حتّى سنة 1932 وخلال تلك الفترة أمضى وقته في كتابة المراجعات وعمل كمدرس خاص وشارك في العديد من الحملات السرية باعتباره مشردًا ليكتشف الوجه الآخر من انجلترا حتّى تم اعتقاله عن عمد ليقضي يومين في زنزانة السجن. ثم قضى العامين التاليين معلمًا في ثانوية هاوثورنس وبعدها التحق بأعضاء التدريس في جامعة فرايس ولكنه ترك مجال التعليم بعد إصابته بالالتهاب الرئوي لينعم بفترة نقاهة. بعدها أصبح يعمل مساعدًا بدوام جزئي في مكتبة مستعملة تدعى (ركن محبي الكتب Booklovers’ Corner) وهنا حيث كتب أورويل (Keep the Aspidistra Flying/ دع الدريقة تطير) وهي حكاية عن رجل يحاول التخلص من الضغوط المجتمعية للنظرة الطبقية والمكانية، وبعد سنوات من الفقر والحزن أصبح الرجل غني وتخلى عن مبادئه المثالية.

“الخطأ الذي ترتكبه لا يمكنك أن تراه كمن يعيش في مجتمع فاسد دون أن يفسد بذاته. في نهاية الأمر، ما الذي تحققه حين ترفض المال؟ أنت تتصرف كمن يعارض نظامنا الاقتصادي لكن ليس بيده حيلة، إمّا أن تغير النظام بأكمله أو تقف مكتوف اليدين، هناك شخص واحد بإمكانه إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح إن فهمت ما أعنيه”

_جورج أورويل (دع الدريقة تطير Keep the Aspidistra Flying)

خلال أوائل 1936 أمضى أورويل وقته في المناطق الصناعية لبريطانيا العظمى مثل ويغان ومانشستر وشيفيلد وبارنسلي، وهناك نشر كتابه (جسر ويغان / The Road to Wigan Pier) في سنة 1937 وهو عبارة عن توثيق لتحقيقاته في الظروف الاجتماعية شمال إنجلترا حيث عاش في مساكن رخيصة ودوّن ملاحظاته حول مستوى معيشة الناس في فترة كساد كبير وجد أن العديد كانوا في حالة من الفقر المدقع ومن هنا بدأ أورويل يرسّخ تشكيكه في نظام الاشتراكية.

ساشا

كان العمل في المناجم إحدى مغامراته في تلك الفترة حيث عمل في منجم فحم بريين هول في ويغان والتي كانت مذهلة حقًا من خلال وصفه تفاصيل لم تخطر في ذهني أبدًا عن الإرهاق والمعاناة التي تصيب عمّال المناجم وفي الحقيقة من خلال قراءتي لكتابه شعرت بالحنين لأن العديد من أسلافي كانوا عمّال في المناجم.

“لم أشعر بأن هناك شخص ما أقل منّي مكانة سوى عامل المناجم”

_جورج أورويل (جسر ويغان / The Road to Wigan Pier)

وضع مركز الاستخبارات أورويل تحت المراقبة وذلك بسبب كتاباته التي تميل للاشتراكية.

اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية في صيف 1936 حيث انطلق أورويل إلى برشلونة للانضمام إلى القوات الجمهورية وهناك حيث التقى بجيمس ماكنير وهو رجل سياسي اشتراكي بريطاني، لمتابعة أخبار الأزمة السياسية المستمرة في اسبانيا، واستشهد ماكنير بمقولة عن أورويل (أتيت لمحاربة حكم النازية)

سرعان ما تم ترقية أورويل لرتبة عريف وإرساله لجبهة أراغون حيث شهد هناك شهد ضغطًا من العمل لكنها غالبًا ما كانت منطقة هادئة.

الحرب الأهلية الاسبانية

في منتصف سنة 1937 أصيبت حنجرة أورويل برصاصة قناص كادت أن تصيب شريانه، هرع به إلى مستشفى في ليريدا غرب كاتالونيا حيث هناك كانت الصراعات الداخلية في ذلك الوقت تزداد في الجانب الجمهوري وأصبح الوضع السياسي متقلّب ولعدّة أسباب سياسية صعبة، حظر الشيوعيون المنظمات التي تخالف أيديولوجيتهم بما فيهم التروتسكيين و الأناركيين ولهذا أجُبر أورويل على الفرار من كاتالونيا. وفي كتابه (Homage to Catalonia 1938) ذكر تجاربه بما حدث له في كاتالونيا، أنصح بقراءته لمن هو مهتم بتاريخ الحرب الأهلية واضطراب الأوضاع السياسية في اسبانيا.

“لاحظت دائمًا أنّي لا أشعر بالخوف من الإصابة تحت القصف كما أشعر بالخوف أنّي لا أعلم أين ستصيبني الرصاصة وتطرحني أرضًا من شدة الألم” _جورج أورويل (Homage to Catalonia 1938)

آنذاك تدهورت صحة أورويل حيث قضى بقية حياته في إنجلترا يدوّن مراجعات للمنشورات الأدبية وينهي العديد من الروايات والمقالات وقد قضى فترة قصيرة في مراكش وكتب مقالًا مفصلًا عن حياة النّاس المسلوبة أرضهم من الاحتلال الفرنسي.

“أكثر النّاس المهمشين هم من يملكون حرفة بأيديهم حتى وإن بذلوا قصار جهدهم لا يزالون مهمشين” _جورج أورويل (مراكش)

 

خلال الحرب عمل في إذاعة البي بي سي BBC البريطانية ولاحقًا أصبح محرر أدبيًا في تريبيون. نشرت أكثر أعماله شهرة روايتي (مزرعة الحيوانات) و (1984) في سنة 1945 و1949 على التوالي، حيث كانتا ثمرة خبرات حياته من بداية تشرده حتّى محاربته لفرانكو في اسبانيا، تتجلى أفكاره بين النازية والشيوعية والفقر والامبريالية في روايتين رائعتين حظيتا بمكانة أدبية منذ ذلك الوقت حتّى يومنا هذا.

“أنت متعلم بطيء يا ونستون”

“كيف يمكنني مساعدتك؟ انظر امام عيني، اثنين واثنين يساوي أربعة”

“في بعض الأحيان يا ونستون يكون الناتج خمسة وفي بعض الأحيان الناتج ثلاثة، ومرات تظهر جميع النواتج عليك أن تبذل مجهود أكثر، ليس من السهل أن تصبح عاقلًا” _جورج أورويل (1984)

 

وفي سنة 1947 بدأت صحته تتدهور بسرعة حيث تم تشخيص حالته بمرض السل وأمضى معظم أيامه المتبقية في سرير المستشفى كتب “1984” في حالة صحية سيئة، كان أورويل مصمماً على إنهاء الرواية، انتهى منها في ديسمبر 1948 حيث ذكر الأطباء الذين كانوا يشرفون على حالة أورويل أنهم يسمعون صوت النقر على الآلة الكاتبة طوال اليوم.

وفي 21 يناير 1950 توفي جورج أورويل عن عمر يناهز (46 سنة) في مستشفى كلية الجامعة في لندن.

موت أورويل في أوج مسيرته الفنية هي خسارة أدبية كبيرة، أود تصديق أن هناك المزيد من أعماله لأنّي أعتقد انه كان سيقدّم الكثير للعالم، ورغم موته في سن صغير بقي حاضرًا في أذهاننا، فعمله لا يقل اطلاعا وبصيرة عمّا كانت عليه في ذلك الوقت.

أظن أن ذلك يندرج تحت فكرة شائعة، وهي أنه يتعين على المرء الموت في أوجّ عطائه لكيلا تشيخ أفكاره ويتلاشى من ذاكرة الناس. إنها فكرة تتّسم بالسوداوية ومع أني لا أملك ذرة شك بأنّ لوجودها سببًا، العديد من الشخصيات التاريخية العظيمة فارقوا الحياة في عمر صغير على سبيل المثال هنري الخامس لولاه لما حظينا بفرحة الانتصار على الجيش الفرنسي في معركة أجينكور.

الفضول هو من قاد أورويل لعالم من الجرأة والحكمة، لم يكن خائفًا من استكشاف أحلك أنحاء العالم حتّى أنّه أغرق نفسه في الفقر وحارب النازية، خسر في عديد من الخنادق حيث هناك ولدت قصص عظيمة، وذلك ما ينبغي أن يتحلّى به كل كاتب وفنّان دون أدنى شك أو خوف من الانغماس في أسوأ الظروف ليجيب على جميع الأسئلة ويقف محدّقًا أمام وجه الحقيقة المرّة.

المصدر

error: