أمام القانون – فرانز كافكا / ترجمة: إبراهيم قيس جركس

أمام القانون – فرانز كافكا / ترجمة: إبراهيم قيس جركس


أمام القانون يجلس حارس البوّابة. يأتي إلى هذا الحارس رجلٌ من الريف يطلب منه الدخول على القانون. لكنّ حارس البوّابة يقول إنه لايستطيع منحه حقّ الدخول في الوقت الحالي. يفكّر الرجل في الأمر، ثم يسأله عمّا إذا كان سيسمح له بالدخول في وقتٍ لاحق.

((هذا ممكن)) يقول حارس البوّابة، ((ولكن ليس في الوقت الحالي)).

بوّابة القانون مفتوحة أمامه، كما هو حالها دائماً، وحارس البوابة يسير جانباً. لذلك ينحني الرجل من أجل أن يرى عبر البوّابة نحو الداخل. وعندما ينتبه حارس البوّابة إلى ذلك، يضحك ويقول له: ((إذا كان الأمر يغريك إلى هذا الحدّ، جرّب الدخول بالرغم من ممانعتي. ولكن انتبه. أنا قويٌ للغاية. أنا حارس بوّابة متواضع فحسب. ولكن ما بن غرفة وأخرى يوجد حًرّاس بوابة، كلٌ واحدٍ منهم أقوى من الآخر. لايمكنني تحمّل نظرة واحدة فقط من الحارس الثالث)).

لم يتوقّع الرجل الريفي مثل هذه الصعوبات: من حقّ الجميع الوصول إلى القانون، ويجب أن يكون ذلك سهلاً وفورياً، كما يعتقد، ولكن نظراً لأنّه كان الآن ينظر عن كثب إلى حارس البوّابة في معطفه من الفرو، وإلى أنفه المُدَبّب ولحيته الطويلة والنحيلة والسوداء التتارية، قرّر أنه من الأفضل له الانتظار ريثما يحصل على تصريح بالدخول. يعطيه حارس البوّابة مِقعَدَاً ويدعوه للجلوس بجانبه أمام البوّابة. هناك يجلس الرجل لأيام وسنوات. يقوم بعدّة محاولات للسماح له بالدخول، مُقلِقاً حارس البوّابة بطلباته. وغالباً ما كان حارس البوّابة يسأله ويستجوبه لفترات وجيزة، يسأله بشأن وطنه وأمور أخرى كثيرة، لكنها أسئلة فاترة، تلك الأسئلة التي يطرحها رجلٌ طيب، وفي النهاية يخبره مرةً أخرى أنه لا يستطيع الدخول بعد. الرجل الذي جهّز نفسه بالكثير من الأشياء لرحلته، يكرّس كل شيء، مهما كانت قيمته، للتغلّب على حارس البوّابة. وهذا الأخير كان يأخذ كل شيء ولكنه كان يقول، كما يفعل دوماً: ((أنا آخذ هذا فقط حتى لاتعتقد أنك فشلتَ في فعل أي شيء)). وخلال السنوات العديدة، ظلّ الرجل يراقب حارس البوّابة باستمرار تقريباً. لقد نسي حُرّاس البوّابة الآخرين، حتى بدا له هذا الحارس على أنه العَقَبَة الوحيدة في طريقه إلى الداخل. إنه يلعن حظه وظرفه السيئ، خلال السنوات الأولى بدون تفكير وبصوتٍ عالٍ، أمّا لاحقاً، وهو يكبر، صار يتمتم بينه وبين نفسه. لقد أصبح طفولياً، ولأنه تعلّم خلال سنوات انتظاره الطويلة دراسة حارس البوّابة لدرجة أنه عَرَفَ البراغيث المعشّشة داخل ياقته الصوفية، حتى أنه طلب من البراغيث أن تساعده في إقناع الحارس. وأخيراً، صعف بصره، وبات لايعرف ما إذا كانت الأشياء أعتم من حوله أو ما إذا كانت عيناه تخدعانه. لكنه أصبح يعرف الآن في العتمة نوراً يخترق الظلام منبعثاً من بوّابة القانون. والآن لم يعد أمامه الكثير من الوقت ليعيش. وقبل وفاته، يستجمع في رأسه مجمل تجاربه طوال الوقت في سؤال واحد لم يطرحه بعد على حارس البوّابة. يلوّح له، لأنّه لم يَعُد قادراً على رفع جسده المتصلّب. كان على حارس البوابة أن ينحني فوقه، إذ أنّ الفارق الكبير قد غيّر الأمور ضدّ مصلحة الرجل. يسأله حارس البوّابة:

((ما الذي ماتزال تريد أن تعرفه إذن؟، أنت لا تشبع)).

يجيب الرجل: ((الجميع يسعى وراء القانون، إذن لماذا لم يأتي إلى هنا أحدٌ غيري؟، لماذا لم يطلب أحدٌ الدخول سواي؟)).

يرى حارس البوّابة أنّ الرجل يحتضر وعلى وشك الموت، ومن أجل أن يُسمِعَه ما سيقول له بسبب سوء سمعه، يصرخ فيه قائلاً: ((هنا، لايمكن لأشي شخصٍ آخر الدخول، هذا المدخل مخصّص لك أنت وحدك، وسأقوم بإغلاقه الآن))

تعقيب على القصة:

والآن، لابد أنّك عزيزي القارئ تتساءل عن معنى هذه القصة والقصيرة والمغزى منها. ما الذي يمثّله القانون هنا؟ في معظم دول العالم الثالث وحتى في بعض الدول الأوروبية، هناك حكومات لا تسمح للإنسان العادي الوصول إلى القانون وأن يكون جزءاً منه إلا إذا كسر القواعد أو انتهك القوانين. فالنظام العدلي غير موجود بالنسبة للإنسان العادي.

حارسو البوابة يمثلون المستويات المختلفة للحكومة. من السلطة المحلية إلى أعلى مستويات نظام الحكم، يتحوّل حرّاس البوابات إلى أقونات لاشخصية وأكثر صرامةً في مراقبة القوانين والقواعد التي تضعها السلطة.

إنّ أهمّ سمة من سمات هذه القصة هي أنّ الإنسان لا يسعه انتظار أن يأتيه القانون على رحليه. لايمكنه القُعود على أمل أن يصبح قادراً في أحد الأيام أن يصبح جزءاً من النظام القانوني العدلي. كل إنسان مهما كان نسبه أو مقامه له الحق بالعدالة. الإنسان العادي يجب أن تكون لديه الإرادة للقتال أو الوقوف من أجل حقوقه المدنية والقانونية وفعل كل ما هو ضروري لمطاوعة النظام القانوني من أجل صالحه.

الرجل يقعُد سنوات منتظراً أن يكون قادراً على أن يصبح جزءاً من القانون. وهناك أشخاصاً ليست لديهم الإرادة لتحدي النظام خوفاً من تداعيات ذلك على نفسه وعلى عائلته وأصحابه وعلى مَن حولَه. فمن دون الإرادة للولوج عبر البوابة تحت مسؤوليته الخاصة، يضيّع الإنسان حياته منتظراَ حدوث أمرٍ ما.

عندما تكون حكومة ما غير ديمقراطية، فإنها تعتني عادةً بأولئك أصحاب الامتيازات أو سطوة أو أصحاب الأموال والقوة. الإنسان العادي ليس له أي تمثيل حتى يتّحد مع الآخرين أو مع أقرانه. وهذا هو سبب الحروب الأهلية.

بأية حال، إنّ العدالة أو النظام القضائي يجب أن يكونا متوفرين للجميع بغضّ النظر وضع الإنسان الاجتماعي أو المالي. وخير مثال عن ذلك جدار برلين العازل الذي وضعته الحكومة التي لم تكن تفكّر بمصلحة مواطنيها. كان الناس يتسلّلون من برلين الغربية إلى الشرقية ويعودون. فقط الأفراد حاولوا تحدّي السلطة. وقد لزم الأمر سنوات عديدة من العزلة قبل أن تسمح الحكومة بهدم الجدار.

البشر، أمثال ذلك الرجل الريفي من حكاية كافكا، غير قادرين بالمرة على مواجهة النظام أو السلطة وتحدّيهما. إنّهم نتظرون العدالة كي تأتيهم على رجليها، إنّهم ينتظرون الإذن للسعي إليها، بدلاً من الوقوف على أقدامهم والتصرّف وتحرير أنفسهم.

error: