أساطير عن اللغة العربية: فأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ – تشارلز فيرجسون / ترجمة: حمزة بن قبلان المزيني

أساطير عن اللغة العربية: فأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ – تشارلز فيرجسون / ترجمة: حمزة بن قبلان المزيني


من المحتمل أن نجد في كل جماعة لغوية بعضَ المواقف والاعتقادات الشائعة عن لغة تلك الجماعة وعن اللغات الأخرى وعن اللغة عمومًا كذلك. وبعض هذه المواقف والاعتقادات صحيحة، أي أنها تتماشى بشكل دقيق مع الواقع الموضوعي، ويَدخل في بعض منها بعضُ الأحكام العامة الجمالية أو الدينية التي لا يمكن استقصاء صحتها بالطرق البحثية العلمية، كما يبدو بعضها كأنه يتصل بوقائع زائفة جزئيًّا أو كليًّا. وسأُسمي هذه المواقف والاعتقادات كلها هنا، بغض النظر عن صحتها، بـ”الأساطير”[1]. ويتناول هذا البحث مجموعة من الأساطير الشائعة بين متكلمي العربية الآن عن اللغة العربية . وسأحاول هنا تقديم صورة كاملة تقريبية تشمل الأساطير المهمة كلها سواء أكانت صحيحة أم زائفة أم غير محدَّدة.

        وتكاد تكون هذه الأساطير عن اللغة [العربية] متماثلة عبْر الجماعة اللغوية [العربية] رغم الضخامة العددية لهذه الجماعة وانتشارها على مساحات شاسعة جدًّا. وربما يمكن تلخصيها بشكل دقيق بغض النظر تقريبًا عن التنوعات [اللغوية العربية] المحلية[2]. ويمكن مناقشتها بشكل ملائم تحت أربعة عناوين، هي: تفوق العربية، والازدواجية اللغوية بين اللغة الفصحى والعاميات[3]، وتقييم العامية، ومستقبل العربية[4]. وهذه العناوين اعتباطية جزئيًّا إلى حد بعيد، وتمثل هذه الأساطير عن العربية، بغض النظر عن عدد قليل من النقاط غير المهمة، مجموعًا واحدًا من المواقف والاعتقادات مترابطًا بشكل حاسم.

تَفوُّق العربية

والفكرة العامة عن أن لغة المرء تتفوق على اللغات الأخرى فكرةٌ واسعةُ الانتشار وربما يمكن النظر إليها على أنها مكوِّن “مألوف” من مكوِّنات الأساطير عن اللغة في أي جماعة لغوية[5] على رغم أن ثَمَّ تنوَّعًا عاليًا شيئًا ما في إضفاء التفوق الذي يَشيع في أقطار مختلفة. فربما ينظر متكلمو لغة ما، مثلاً، إلى لغتهم بأنها أكثر منطقية، أو أنها أفضل في الغناء، أو أنها الأقدم، أو أنها الأكثر تطورًا، إلى ما هنالك، في ما يمكن أن يَنظر متكلمو لغة أخرى إلى لغتهم على أنها الأجمل، أو أنها لغة الآلهة، أو أنها الأكثر تعقيدًا، أو أنها الأسهل نُطقًا. ومن هنا، فمما يستحق أن نحدِّده تحديدًا دقيقًا تلك المعايير التي يَقوم عليها شعورُ العرب بأن لغتهم متفوقة.

        والأمر الأول أن العرب يشعرون بأن لغتهم جميلة، وهو ما يجعلها الأوفق بصورة طبيعية لإلقاء الشعر العربي الفصيح والخطابة الرسمية أو القريبة من الرسمية. ولا تخطئ العين التأثرَ العاطفي الذي يبدو على من يلقي الشعر أو المتحدث أو السامع في هذه المناسبات. وقد [أشار فيليب حتي][6] إلى أنه كثيرًا ما يبدو أن العرب يُضفون مزيدًا من التبجيل الأعمق للموسيقى والرمزية الصوتية في اللغة العربية الفصحى في هذه المناسبات أكثر مما يبجِّلون المضمونَ الدلالي للشعر أو الكلام. ومن السهل المبالغة في هذه النقطة في العربية، أو التقليل من أهميتها في اللغات الأخرى، لكن ثَمَّ ما يَشهد بأنه لا يمكن أن يُجادَل في صحتها. بل إن الفلاح غير المتعلم نفسَه سوف يفضِّل لِدواعٍ كثيرة العربيةَ ذات المستوى الأدبي العالي جدًّا القريبة من الفصحى التي لا يفهمها فهمًا كاملاً على اللغة العربية المستخدمة استخدامًا خالصًا في الحديث اليومي التي يفهمها فهمًا خالصًا. فجمال اللغة مهمُّ من حيث اعتقاد العربي بتفوق اللغة العربية ، بغض النظر عن أي شيء آخر[7]. والسِّمَة الأخرى لتفوق العربية التي يَشعر بها متكلموها، ويشعر بها آخرون من غير متكلميها (كمتكلمي الفارسية، مثلاً) هي الاطراد النحوي و”منطقية” بِنيَتها. ومن سماتها الأخرى التي تُشعِر بفخر حقيقي بها نظامُ الأوزان الصرفية، لا سيما صيغ الفعل المشتقة مع ما يترتب على ذلك من نتائج دلالية للاختلافات الصيَغية بينها، وقدرة العربية على توفير الكلمة الملائمة جدًّا لأي مفهوم، مجردًا كان أم متحقِّقا. وثَمَّ قَدْر من عدم الرضى في بعض الدوائر العربية الآن من بعض الآليات النحوية التفصيلية في اللغة العربية الفصحى، ومن بعض تراخي الشعور بكفاءتها مع أن الإعجاب ببنيتها المطردة إلى حدود بعيدة جدًّا واطراد نظامها التصريفي لا يزالان قويّين. ولا يعبِّر الأمِّيون [من العرب] عن هذه المسألة بوضوح، أما المتعلمون أو شِبه المتعلمين فأكثر دقةً في التعبير عنها. والكلمة المفتاحية التي تَظهر في مناقشة هؤلاء [للعربية الفصحى] هي “الاشتقاق”، بمعناه المحدَّد في اللغات السامية.

        وثَمَّ جانب آخر لهذه الصورة قلَّما يلاحَظ. ذاك هو أن العرب واعون بنظام الفعل [في اللغة العربية الفصحى] والمصادر والمشتقات الاسمية المرتبطة به ويتفاخرون بذلك، لكنهم يبدون غير واعين بما يصل إلى حد الفوضى في نظام الاسم في العربية. فهم ربما لا يلاحظون حقيقةً أنه لا يمكن للمرء أن يَعرف، بالنظر إلى شكل [الاسم] وحده، إن كان اسمٌ ما مفردًا أو اسمَ جمع أو صيغةَ جمعٍ، ولا يعرفون حقيقةَ أنه لا يمكن للمرء أن يَعرف أبدًا ما إذا كان لاسمٍ مفردٍ صيغةُ جمع واحدة أم صيغ عدة، أو ألا يَكون له صيغةٌ مطلقًا، أو أكثر من صيغةِ جمعٍ واحدة، أو إن كان سيترتب على ذلك اختلافاتٌ في المعنى بين هذه الصيغ ــــ ولا يُلاحِظ العربيُّ هذه الحقائق حتى يَعمل في تدريس لغته لمتكلمٍ يتكلمُ لغةً أخرى. وكثيرًا ما أُجيب، بعد أن أستمع إلى ثناء عاطفي قوي على منطق العربية النحوي واطرادها، بإيراد بعض التعليقات القليلة على الطبيعة الاعتباطية “غير المنطقية” لفصائل الجنس والعدد في الاسم، ثم أشاهد أثر هذا التعليق على وجه العربي حين يكتشف تلك الحقائق، وهو ما يعبِّر عن انتباهه إلى مظهر كاملٍ للغته لم يفكِّر فيه بطريقة واعية صريحة من قبل[8].

         والفكرة العامة الأخرى التي تتصل شيئًا ما بالفكرة السابقة هي فكرةُ اتساع المعجم العربي وغناه. وتَقفز كلمةُ “واسع” في بداية أيِّ نقاشٍ تقريبًا عن مناقب اللغة العربية ، . . . . فيشعر العربي بأن للغته رصيدًا معجميًّا غنيًّا جدًّا، ولا يمكن الإحاطة به أساسًا ـــ إذ يمكن أن يقضي المرء سنوات طويلة في الدراسة ولا يصل إلى أَقاصيه. أما أنَّ هذا [الاتساع] ربما يكون نتيجة طبيعية لاستعمال اللغة العربية الفصحى لقرون، وأن غناها المستمر يأتي من الاستعارة من اللهجات ومن المفردات الحديثة أو، وهو الأسوأ، أن اتساع المفردات هذا، إن كان صحيحًا، ربما يكون مُضرًّا باللغة احتمالاً، فقلَّما يُلقى إليه بال[9].

        وختامًا، يجب أن نلحظ، تحت عنوان تفوق اللغة، بعض المظاهر الدينية للمواقف من اللغة العربية . فيشعر المتكلمون في بعض الجماعات اللغوية أن للغتهم الرئيسة، أو لنوعية مفروضة منها لغةً نموذجية أدبية، أو إلى نوع لهجي أو لغوي شعائري، طبيعةً مقدسة تميزها عن اللغات الأخرى كلها. ويصح هذا أكثر ما يصح حيث تُستخدم اللهجة أو اللهجة المعينة حاملاً لنصوص مقدسة، أو تَكون لغة للشعائر والصلوات الرئيسة. وتبرز المظاهر اللغوية للقرآن في العالم الإسلامي دائمًا بشكل عال جدًّا ـــ ذلك أن المعجزة الوحيدة التي ذكَر النبي [صلى الله عليه وسلم] أنها برهان على صدق الإسلام وصدق الوحي إنما هي جمال لغة القرآن وبيانها المعجِز. وقد ظلت لغة القرآن، تبعًا لذلك، على مدى ألف ومائتي عام نموذجًا للغة الفصحى. ويمثِّل هذا الربط بين اللغة العربية والدين عائقًا أحيانًا في طريق الجهود التي تسعى إلى إحداث تغييرات في استعمال اللغة الفصحى في العصر الحاضر.

        ومن السهل أن نتخيل حججًا لا يمكن الإجابة عنها في ما يتصل بتفوق أي لغة مقدسة على اللغات الأخرى كلها. فيمكن، مثلاً، أن تصاغ حجةُ تفوُّقِ العربية بالطرق التالية: فالله هو العالِم بكل شيء، وهو المهيمن على كل شيء؛ وهو العالم باللغات كلها ويمكن أن [يُنزِل الوحي] بأيٍّ واحدة منها؛ لكنه اختار اللغة العربية حاملاً لرسالته الأخيرة إلى العالم؛ ويوجب هذا أن تَكون اللغة العربية ، بمعايير مهمة، أفضلَ من اللغات الأخرى. وقلما يكون المحتجُّ بهذه الحجة واضحًا في التعبير عنها، ومع هذا فهذا الشعور موجود، بل إني لم أسمع قط، في الأقل، أي مسلم تقي ـــ مهما كانت لغته الأولى ـــ يشكك في أن العربية هي لغة الجنة، وهي كلام الله والملائكة.

        وربما يُتوقع ألا يشارك العرب المسيحيون واليهود العرب في هذا الشعور بتفوق العربية انطلاقًا من أسباب دينية، بل إن بعض النصوص الأدبية المسيحية واليهودية في العصور الوسطى تنحرف عن اللغة العربية الفصحى انحرافًا بيِّنا، وهو ما يشهد بضعف المحاولة للتمسك بالنمط المعتبر [للغة القرآن]. أما الأعجب من ذلك فهو أن المسيحيين المعاصرين يشعرون غالبًا، في الأقل، بشيء من التماهي الديني مع تفوق اللغة العربية . فقد وجدتُ العربَ في بعض الحالات القليلة يشيرون إلى التميُّز اللغوي لترجمات المسيحيين الإنجيلَ [إلى اللغة العربية ] على أنه دليل على التفوق النوعي لهذه اللغة ـــ هذا مع أن ترجمات الإنجيل إلى العربية ليست معروفة بجودة الأسلوب الأدبي.

تصنيف اللهجة من حيث القيمة

رأينا في ما سبق أن متكلم العربية ينظر إلى اللغة العربية الفصحى على أنها الأفضل، أو، بمعنى ما، أنها هي اللغة الحقيقية وكفى. [والسؤال الآن هو]: ما موقف متكلم العربية هذا نحو أي لهجة عربية أخرى في مقابل اللهجة التي يتكلمها هو؟ والإجابة واضحة لا غموض فيها ــــ إنه يفضِّل لهجتَه هو ويرى أنها الأقرب إلى اللغة العربية الفصحى، والأسهل للتعلُّم، وأنها أكثر لهجة عربية يمكن أن يَفهمها متكلمو اللهجات العربية الأخرى. وقد ظل العرب ـــ والعلماء الأوروبيون الذين يهتمون بالعربية ـــ منشغلين بالسؤال عن أي شكل من اللهجات العربية المتكلمة هو الأقرب إلى مستوى الفصحى المثالي. وثَمَّ إجابتان شائعتان عن هذا السؤال عمومًا، فإما أن يُنظر إلى لهجة البدو أو لهجة قبيلة معينة على أنها الأفضل، أو أن يُنظر إلى لهجة [الباحث العربي نفسه الذي يَبحث هذه المسألة] على أنها كذلك. ويبدو أنه كان يُنظر إلى لهجة البدو في العصور الإسلامية المبكرة على أنها الأكثر تفضيلاً، إلا أن الإجابة الثانية صارت هي المفضلة مع تزايد عدد متكلمي العربية لغة أولى. أما في العصر الحاضر فلم يبق إلا أثرٌ غامض ضئيل لتفضيل لهجة البدو. فقد صار العرب من سكان الحواضر يَشعرون عمومًا بأن لهجاتهم المحلية هي الأفضل، لكنهم سوف يستمرون في بعض السياقات المحدَّدة على القول بأن لهجات البدو هي الأفضل. ومع هذا فلا يعدو هذا التفضيل العالي للهجات البدو أن يكون كلامًا متزيِّدًا، إذ يبدو واضحًا في أي مقامِ اختبارٍ أنَّ المتكلم يَشعر حقيقة ًبأن لهجته هو هي الأفضل.

        وهذا الموقف قوي جدًّا حتى إني حين اختبرتُه بسؤال بعض متكلمي العربية من مختلف الأقطار واللهجات طوال خمسة عشر عامًا لم أجد إلا عربيين اثنين (إضافة إلى عدد من العرب الذين يدرسون اللسانيات) يتنصَّلان من هذه الفكرة بشكل حاسم. وقد حاولت مرارًا، على شكل تجربة عملية، أن أَعرِف القطرَ الذي جاء منه أي عربي بسؤاله عن المنطقة التي يُتكلم فيها أفضل نوع من العربية قبل أن أسأله عن المنطقة التي جاء منها. وتنجح هذه التجربة في كل مرة أُجريها حتى الآن. إذ يُجيب عربيُّ ما، مثلاً، بأن أفضل نوع من العربية هو الذي يُتكلم في دمشق؛ وحين يُسأل بعد دقائق من أين جاء هو يتبين أنه جاء من “دمشق”.

        والسؤال عن أي اللهجات هي الأقرب للعربية الفصحى، بعد ذلك كله، من الأسئلة التي يقررها البحث العلمي المستَقصي. إذ يمكن أن تُدرس بنيةُ اللهجات المختلفة ثم تقارَن باللغة العربية الفصحى. ومن الصعب أن نضع معايير لاكتشاف قيمة المظاهر المختلفة للغة ــــ أي، الصوت والصيغ والمعجم، والأنظمة الفرعية فيها كذلك ـــ بل سيكون من الصعب جدًّا، حتى باستخدام نظامٍ وزنيٍّ مَرْضيٍّ، أن نَصنف اللهجات العربية من حيث القيمة بميزان خَطِّيّ[10] للقرب من اللغة الفصحى. ذلك أن اللهجة الأقرب نِسْبيًّا إلى الفصحى في مظهرٍ معين ربما تَكون بعيدة جدًّا عنها في مظاهر أخرى.

        ومن مؤشرات قوة شعور المتكلم بقرب لهجته من الفصحى من حيث النوعية، يمكن أن أورد تجربتي حين شاركتُ في إحدى الندوات عن مشكلات اللغة. إذ قضيت ساعتين تقريبًا أناقش هذا السؤال المحدَّد بقدر من التفصيل مع طلاب دراسات عليا من العرب في جامعة أمريكية، وبدا لي أني أوضحت المشكلة الأساسية المتعلقة بصعوبة تصنيف اللهجات من حيث القيمة وأنه هذا التصنيف ليس عملاً مهمًّا من وجهة نظر اللساني. لكن أحد أولئك الطلاب لاحَظ في نهاية النقاش أنه: “صحيح أن أكثر ما قلتَه صحيح إلى حد بعيد، لكن اللغة العربية المتكلمة في الأردن هي الأقرب للفصحى من اللهجات الأخرى حقيقةً”[11]. أما الطلاب الآخرون الذين جاءوا من أقطار عربية أخرى فقد اكتفوا بالابتسام. وأميل إلى الاعتقاد بأنهم إنما ابتسموا لأنهم رأوا عدم جدوى إصدار مثل هذا الحكم بطريقة منهجية دقيقة، لكني أظن أن سبب ابتساماتهم هو اطمئنانهم المُريح إلى أن كل واحد منهم لا يزال يشعر بأن لهجته هو هي الأقرب للفصحى حقيقةً.

مستقبل اللغة العربية

كثيرًا ما تعتقد مجموعة لغويةٌ ما ببعض الأساطير المحدَّدة التي تتصل بمستقبل [لغة] هذه الجماعة. لكن كثيرًا من الجماعات طوَّرت، مع نمو الشعور القومي الحديث والأفكار المتصلة بدور اللغة في الأمة، منظوماتٍ صريحة من المواقف والاعتقادات عن مستقبل مكانة لغتها، والعرب مثال جيد لهذا.

        ويتضمن المثالُ الأعلى عند القومي عن الوضع اللغوي في بلاده الأفكارَ التالية، إذا استخدمنا في حديثنا مصطلحاتٍ عامة متغافلين عن الاستثناءات والتحويرات التي ربما ينبغي ملاحظتها في بعض الحالات الخاصة:

1ـــ أمةٌ واحدة لغةٌ واحدة.

2ــ اتخاذ شكل نموذجيّ واحد من اللغة على أنه الشكل المعتَبر لأغراض الحديث والكتابة، ويشمل ذلك هجاءً مُنَمذجًا (مع تفضيل نظامِ كتابةٍ فريد للأمة غالبًا).

3ــ تطوير مصادر معجمية وأسلوبية كافية من أجل استعمال اللغة القومية في أنواع الكتابة الرسمية كلها، مثل: الشعر والكتابة الصحفية والكتابة العلمية المتخصصة، وغير ذلك.

ومن الواضح، حين نتفحَّص هذه الأوضاع المثالية، أن حالة اللغة العربية بعيدة جدًّا عن التوافق معها، وأن لدى كثير من العرب، لا سيما قادة الرأي العام المتعلمين، اعتقادات راسخة عن التطورات المستقبلية في اللغة. فيُنظر إلى هذه [الأوضاع المثالية] على أنها تطورات “مرغوبة”، وستتحقق عن طريق التخطيط الواعي؛ ويُنظر إليها في أوقات أخرى على أنها تطورات حتمية بشكل أو آخر. وقلَّما يوجد وعي واضح بالفرق بين وجهتي النظر هاتين.

        فيبدو كأن معظم العرب يشعرون بأن اللغة العربية في المستقبل ستكون موحَّدة ومُنَمذجة[12] وستكون [هذه اللغة الموحدة والمنمذجة] اللغةَ السائدة في العالم العربي للحديث والكتابة، وستكون ملائمةً لأنواع الكتابة الأدبية والتقنية كلها. والأكثر لفتًا للاهتمام هو طبيعة هذه العربية المثالية المستقبلية، من حيث الطريقة التي ستتحقق بها هذه الحالة اللغوية الجديدة، والمدى الزمني اللازم الذي سيكون كافيًا لتحقُّقها.

        وثَمَّ إجماع على النقطة الأولى. فلن تكون العربية المستقبلية شكلاً من أشكال العامية العربية. وستكون “معاصِرةً” مشتقةً من اللغة الفصحى مع اختلافات قليلة، وستكون نقية من المفردات المحلية كلها، أو من المفردات الأجنبية الكثيرة جدًّا كلها، وسيُتسامح مع [الخروج عن] بعض دقائق النحو العربي التقليدي وتفصيلاته.

        أما عن النقطة الثانية فيشعر [العرب] بأن انتشار التعليم وزيادة استخدام الراديو[13] والزيادة الكبيرة في تَنقُل العرب [من مناطقهم إلى مناطق جديدة] على أنها هي العوامل الفاعلة المؤثرة [في تحديث العربية وتحديد مستقبلها]. ويشيع الشعور بأن المتعلمين من العرب قد تبنَّوا فعلاً في بعض الجماعات شكلاً من هذه العربية المثالية المستقبلية، وأنها ستكون عاملاً في الوحدة القومية.

        أما عن النقطة الثالثة فتختلف الآراء. إذ يعتقد بعض العرب أن [[نمذجة العربية] ربما تستغرق عشرات السنوات، ويقدِّر بعضٌ آخر أن [الزمن اللازم لتحقيق هذه النمذجة] ربما يستغرق خمسين عامًا. وأنا لم أسمع قط تقديرًا أعلى من هذا.


*نُشرت هذه المقالة أول مرة في كتاب دوري عن اللغات واللسانيات في جامعة جورج تاون في العاصمة الأمريكية، واشنطن:

Ferguson, Charles, 1959b. “Myths about Arabic“, Georgetown University Monograph Series on Languages and Linguistics 12. 75-82.

ثم أعيد نشرها في منشورات أخرى [المترجم].


(فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ*):

اللغة العربية معيارًا للمجتمع العربي

نشرتُ في سنة 1959م ثلاث مقالات عن اللسانيات العربية، وهي: “الازدواجية” و”أساطير عن اللغة العربية” و”اللغة العربية العامية المشتركة”[14]، لكني لم أصل في نشاط النشر إلى ذلك المستوى مرة أخرى في مجال اللسانيات العربية. وتمثلتْ ردود الأفعال الإجمالية على تلك المقالات بالثناء، وإن كانت المقالة الأولى أكثرَهن من حيث سوء فهمِ ما كنت أقصده فيها، وكانت المقالة الثالثة أكثر ما يُختلف معي فيه دائمًا حتى إن فُهمتْ. أما المقالة الثانية فهي ما أهتم به أكثر من غيره لأن ما سوف أتحدث عنه في ورقتي هذه يسير في الاتجاه الذي ظهرتْ به.

        وكنت ألقيتُ “أساطير عن اللغة العربية” في إحدى الندوات في جامعة جورج تاون [في واشنطن، العاصمة الأمريكية] وما يزال ذلك الحدث يرن في ذاكرتي. وكنت أحاول أن أصف [فيها] ـــ بطريقة ظننتها موضوعية محايدة ـــ عددًا من المواقف التي يبدو أن العرب يتخذونها تجاه لغتهم. وحاولت أن أصوغ [وصفَ تلك المواقف] بطريقة لا تَظهر فيها تحيزاتي الخاصة كثيرًا، وألا أُغضب الآخرين الذين يتخذون مواقف أخرى. وخُصص وقت للنقاش بعد إلقائي الورقة. فأُعطيت الكلمة لأستاذ [جامعي] عربي؛ فوقف، ومضتْ دقائق من الصمت [قبل أن يتكلم]، وكان من الواضح أن مداخلته لن تكون في صالح الورقة. ولم يَزد عن أنْ قال، بقدر من الحزن أكثر مما هو من الغضب: “كنا نظن أنك من أصدقائنا”. ومن هنا فمن الواضح أنه حتى إن حاولتُ صياغةَ ما أقوله بما أظن أنه طرق محايدة أو لطيفة، فربما لن يُستَقبل دائمًا على ذلك الوجه. وأرجو أن تُبقينا ملحوظاتي التي سوف أُدلي بها هنا أصدقاء.

            وربما لاحظ بعضكم عنوان ورقتي. وهو جزء من الآية 23، على ما أعتقد [هكذا!]، من سورة البقرة. ونَصُّها: }وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ[15]{. وتَرِد هذه الرسالة مرتين في موضعين آخرين في القرآن في الأقل، كما يعرف بعضكم أكثر مني؛ ومن هنا فهي ليست رسالة هامشية يمكن تجاهلها[16]. وتستمر الآية الثانية في القول: }قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا{[17]. وتحوي الكتب الدينية المقدسة غالبًا ـــ وربما نقول دائمًا تقريبًا ـــ نوعًا من التسويغات لصدق ما تدعو إليه أو البراهين على صدقه، لذلك ربما لا تكون الرسالة [القرآنية المتضمنة في تلك الآيات] مفاجِئة جدًّا. أما هذه الرسالة على وجه خاص فكانت لها أهمية خاصّة في العالم العربي لقرون عدة، وهذا ما أريد مناقشته هنا. ولست أرغب في العودة إلى القرون الماضية للبحث عن الكيفية التي أُوِّلت بها تلك الرسالة احتمالاً، لكني أود أن أتحدث، في ضوء هذه الرسالة، عن حال اللغة العربية ودراستها قبل أربعين عامًا ودراستِها في الوقت الحاضر. وآمل ألا تؤاخذوني إن تلوَّنتْ ملحوظاتي بقدر قليل من طعْم ذكريات رَجلٍ مُسِن عن الفترات المبكرة [من نشاطه البحثي عن اللغة العربية ].

        وأود، أولاً، أن أوضِّح بشكل لا لبس فيه أني لا أُؤوِّل هذه الرسالة [القرآنية التي تعبر عنها الآية] على أنها تعني أن اللغة العربية ، بما أنها عربية، أعظمُ اللغات جميعًا. فلا أظن أن في تلك الرسالة ما يعني أن أصوات العربية أو نحوها أو صيغ التعبير فيها، أو مظاهرها الأخرى أفضلُ بشكلٍ ما من اللغات الأخرى. وربما يرى بعض المؤِّولين هذا التأويل، أو يرى بعضٌ آخر أن ذلك ما توحي به تلك الرسالة، أما أنا فلا أرى أنها تعني شيئًا من ذلك. فأنا لا أفهمها على أنها تعني وجود شيء فَريد عن مضمون الوحي القرآني وحسب؛ وربما يكون ذلك صحيحًا، لكني لا أظن أن هذا هو ما تشير إليه الرسالة. أما ما يبدو أنها تعنيه فهو أن هذا الجمع الرائع الفريد بين الشكل اللغوي والمضمون يَتجلى على درجة لا يمكن مجاراتها، وأن هذه الحقيقية نوع من البرهنة على صدق الوحي كلِّه. وسوف أعود إلى رسالة تلك الآية مرارًا قبل أن أختم ورقتي.

        وقد أمضيت أربعين عامًا متصلة بشكل ما بالعالم العربي، وبـ اللغة العربية ، وبمتكلميها ومستعمليها، وبدراسة اللغة العربية وتدريسها. وهذا ما جعلني أختار مقارنةَ [أوضاع العربية ومتكلميها] قبل أربعين عامًا بالأوضاع نفسها في الوقت الحاضر. وقد حدثتْ، بالطبع، كثير من التغيرات [منذ ذلك الحين]. وربما قرأ بعضكم في “مجلة الشرق الأوسط” Middle East Journal تعليقَ كارل براون، أستاذ التاريخ في جامعة برنستون [الأمريكية]، الذي مفاده أن التغيرات في الشرق الأوسط ــــ ويمكن أن نقول في “العالم العربي” ـــــ خلال الأربعين عامًا  الماضية ربما تفوق التغيُّرات التي حدثت فيه طوال الأربعمائة عام السابقة، أو ربما أطول. وأظن أن هذا صحيح. بل ربما نجد شواهدَ على [صحة تعليق براون] في أي إحصاءات يمكن الحصول عليها  أو أيِّ نوع من الصفات الوصفية [لذلك الماضي] أو المواقف [منه]. فيمكن أن نتكلم عن السكان، أو عن نسبة الدَّخْل الفردي، أو نسبة الأطفال الذين يؤمُّون المدارس، أو عن أنماط تنقُّلِ العرب من قُطر [عربي] إلى قطر [عربي آخر]، أو عن عدد كبير من الطرق التي تغيَّر بها العالم العربي خلال الأربعين عامًا الماضية. كما علَّق ريتشارد باركر، في عدد المجلة نفسه، بما يشبه تعليق براون عما أسماه “انفجار النَّشْر”. فقد زعم أنه في عام 1947م كان بإمكان أي فردٍ يتحلى بما يَكفي من النشاط والهمة أن يقرأ ما يُنشر [عن العالم العربي] من البحوث الجادة باللغة الإنجليزية كلَّه. أما الآن فيَجعل نشرُ 2000 كتاب تقريبًا و250 نشرة دورية بالإنجليزية عن “الشرق الأوسط” من غير الممكن لأي فرد أنْ يفكِّر حتى بإمكان الإحاطة بما يُنشر. ويمكن أن يُعلَّق بتعليق مماثل عن التغيرات في وضع اللغة العربية ووضع دراستها قبل أربعين عامًا وعنهما الآن. بل إني لأجده أمرًا مخيِّبًا للأمل أن قضية اللغة العربية لم تُذكر في عدد المجلة [المشار إليه]. إذ لا نجد فيها أي بحث يقول فيه كاتبُه: “لقد كان وضع اللغة [العربية] كما تعرفون، مختلفًا جدًّا قبل أربعين عامًا، كما كانت دراستها مختلفة جدًّا كذلك”. ومن المحزن أن هذا ما يَفعله المتخصصون في العلوم الاجتماعية عمومًا، كالمؤرخين والمتخصصين في العلوم السياسية، والآخرون الذين قلَّما يَذكرون اللغة أو يذكرون دراستها. فهم يعترفون بوجود اللغة، لكنهم يفشلون غالبًا في النظر إليها على أن لها شأنًا مهمُّا في المجتمع.

        فيتمثل ما أود أن أتناوله، إذن، في وصف وضع اللغة العربية ودراساتها قبل أربعين عامًا، ثم أُعلق بعد ذلك على وضعهما الآن. وحين أتكلم عن الأربعين عامًا الماضية فأنا أتكلم بصفتي خبيرًا إلى حدٍّ ما، فقد اهتممتُ بالعالم العربي؛ وكنت أحاول تعلُّم اللغة العربية ، وبدأت في تحليل بعض مظاهرها من منطلقات لسانية. إلا إني انصرفت، بعد فورة من النشاط البحثي قبل سنوات [في هذا المنحى]، إلى نشاطات أخرى[18]، مع الأسف، وهو ما أدى إلى تراجع معرفتي بـ اللغة العربية في السنوات الماضية الأخيرة وإلى تناقص ارتباطي بمجال البحث فيها. ومن هنا، فربما يكون وصفي لما كانت عليه الأوضاع قبل أربعين عامًا أفضل مما يمكن لي أن أقوله عن الأوضاع نفسها في الوقت الحاضر. لكن إن كنت بعيدًا جدًّا عن الصورة المعاصرة، فأنا متأكد أنكم ستصوِّبون ما أقوله، فأنتم أكثر وعيًا مني بالوضع كما هو الآن؛ ومع هذا فسوف أتكلم عن انطباعاتي [عن الوضع اللغوي العربي]. دعني أبدأ بالإشارة إلى عدد قليل من سِمات الوضع اللغوي العربي ودراسة اللغة العربية قبل أربعين عامًا. وربما لا تكون النقاط التي سأوردها غريبة على بعضكم ممن عاصر تلك الأوضاع في ذلك الماضي؛ لكن ما سأقول سيبدو لمعظمكم كأنه ماض مجهول.

        فقد كان هناك، أولاً، ما سُمّي “نِسبة التعلُّم المقصورة” أو “نسبة تعلُّم النخبة” أو حتى “نسبة التعلُّم الشرقية”. ويعني ذلك أن العالم العربي كان في تلك الفترة مجتمعًا شبيهًا بمجتمعات كثيرة في آسيا حيث ظل قدر من التعليم والاشتغال بالأدب موجودًا لقرون في المجتمع لكن المجتمع كان أميًّا بصورة تكاد تكون كلِّية: إذ لم تكن توجد إلا طبقة ضيقة من العلماء التقليديين ومن الناس [العاديين] الذين يستعملون في حياتهم اليومية ما حصَّلوه من التعلُّم في لغتهم. وكان هذا هو الوضع السائد في العالم العربي قبل أربعين عامًا.

        وثانيًا، كانت توجد في العالم العربي لغاتُ المستعمِرين ـــ أي الإنجليزية والفرنسية ولغات أخرى. وأدت هذه اللغات دورًا خاصًّا جدًّا. إذ وُجد عدد من العرب الذين تعلموا، لا سيما في مستوى الدراسات العليا، إحدى هذه اللغات بصفتها وسيطًا [لتعلُّمهم] إلى درجة أنها تركت أثرًا تكوينيًّا [دائمًا] على حيواتهم، وعلى نشاطهم العلمي، وعلى الطريقة التي يفكرون بها. وكانت لغات المستعمرين أدوات “للتحديث” أو “التغريب”، كما نتج عنها نوعٌ من الحيرة بل نوعٌ من انقسام الشخصية، على الأفراد وعلى المجموع. ونوع الظاهرة هذا معروف، لا في العالم العربي وحسب، بل في بلدان ما سمي بالعالم الثالث أيضًا. فلم يكن لدينا قبل أربعين عامًا طبقة ضيقة من العلماء التقليديين في العالم العربي وحسب بل كان لدينا أيضًا طبقة ضيقة أخرى من الذين قام تكوينهم الأساس على الإنجليزية أو الفرنسية، وكانت هذه طبقة مختلفة عمومًا إلى حد بعيد.

        وثَمَّ سمة ثالثة إغراء وأكثر وَعدًا. فقد شهدت اللغة العربية نهضة إحيائية؛ إذ [ازدهرت فيها] ثقافةٌ أدبية كانت اللغة [العربية] حاملَها، بعد أنْ كانت تعاني ركودًا في ما بين القرنين الثالث عشر والثامن عشر الميلاديين. وإذا كان بيننا هنا خبير بتلك الفترة [يعرف أفضل مني عن ذلك]، فأنا أعتذر؛ لكني أرى أن تلك الفترة [الطويلة] لم تشهد قدرًا كبيرًا من النشاط في اللغة العربية والأدب العربي. لكن القرن التاسع عشر شهد نهضة رائعة في استعمال اللغة العربية بصفتها لغة كبرى وبصفتها وسيطًا لثقافة عالِمة وأدبية. وأظن أننا نغفُل غالبًا الآن عن [أهمية] هذه المعجزة أو نتجاهلها. وكثيرًا ما يشير الباحثون إلى معجزة إحياء اللغة العبرية التي كان إحياؤها حدثًا عظيمًا ورائعًا. لكن إحياء اللغة العربية كان يتنامى [في الفترة نفسها] بقدر مماثل من الروعة، كما يذكِّرنا [المستعربُ اليهودي جاشوا] بلاو. وكانت ثَمَّ اختلافات بين الإحيائيْن، بالطبع. فلم يكن للعبرية جماعة لغوية تتخذها لغة أولى، مثلاً، فيما كان العالم العربي كله يتكلم تنوعات من اللغة العربية لغةً أولى. أما بمعنى وجود لغة أدبية فكان ذلك يمثل جزءًا لا يتجزأ من اهتمام متكلمي العربية؛ فقد كانت ثَمَّ نهضة، وكان ثَمَّ إحياء للغة، وكان ثَمَّ تجديد لِلُغةٍ لم تكن حية تمامًا.

        وهذه السمات الثلاث لافتة للنظر، وتقود مباشرة إلى سمة رابعة. فيمكن أن نتفق جميعًا هنا على أن الوضع اللغوي [في العالم العربي] يتصف بالازدواجية اللغوية. ذلك أن اللغة الأدبية التي أحييت واللهجات اليومية المتكلمة وضعان وظيفيان مختلفتان من حيث الاستعمال في العالم العربي، ويمكن وصفهما، بمعنى مفهوم الازدواجية في اللسانيات الاجتماعية، بالنوعية العليا والنوعية الدنيا. ولن أحاول هنا تسويغ مفهوم الازدواجية أو الدفاع عنه، فنحن جميعًا نعرف الظواهر التي تتصل به في العالم العربي حتى إن كنا ربما لا نتفق على بعض القضايا النظرية المتصلة به[19].

        وما كان يهمني [قبل أربعين عامًا]، ويهمني الآن، ليس السمات البنيوية الدقيقة للنوعية العليا واستعمالاتها، والسمات البنيوية للنوعية الدنيا واستعمالاتها ــــ ذلك مع أني أحبِّذ كثيرًا أن يناقِش اللسانيون تلك القضايا في مناسبات أخرى. فأنا أكثر اهتمامًا بالمواقف ذات الصلة بذلك الانقسام بين البنية والاستعمال. ويجب أن نعترف، بالطبع، بأن مواقف العرب قبل أربعين عامًا لم تكن فريدة تمامًا. فقد نشأت الأوضاع الازدواجية في أجزاء كثيرة من العالم في فترات مختلفة، كما أن المواقف من اللغة [في العالم] متشابهة بطرق كثيرة. لكنَّ بعض مواقف العرب من اللغة تلفت النظر بشكل واضح. إذ قامت بعضُ تلك المواقف، بالطبع، على [تأويل] تلك الآيات بأنها تُعلي من أشكال اللغة العربية الفصحى المتكلمة والمكتوبة وعلى مضامينها. أما ما يلفت نظري أكثر من ذلك، بصفتي [غير متكلم للغة العربية لغة أولى]، فهو الموقف من اللهجات، أي من الأشكال التي يتكلمها الناس في حياتهم اليومية. وكنت أواجَه أينما توجَّهتُ، حين تخصصت في الدراسات العربية، ببعض الأحكام التي تنفي وجود هذا النوع من اللغة العربية [اللهجات] نفيًا قاطعًا؛ أو بأنه يجب ألا يوجد؛ إن كان موجودًا، أو [يقول متكلم عربي] “إني لا أستعمل [هذا النوع من اللغة] إطلاقًا”؛ أو ببعض التنوعات من مدى واسع من المواقف التي تقلِّل من قيمة اللهجات أو تجحد وجودها. وبما أننا جميعًا أصدقاء، أو [إلى حد هذه النقطة من النقاش في الأقل]، دعوني أورد شواهد قليلة [على ذلك] مما احتفظت به الذاكرة سنين طويلة.

        والشاهد الأول أني ذهبت إلى بيروت لأول مرة، سنة 1947م، واتفقت مع معلِّم (ويسميه اللسانيون “راويةً” محليًّا) ليعلمني اللغة العربية ـــ أي اللغة العربية العامية. وبيَّنت له بأقصى ما أستطيع من الوضوح، وكررتُ ذلك عليه مرات، أن ما كنت أريد أن أتعلمه هو الطريقة التي يتخاطب بها هو مع متكلمي العربية العاديين، وليس شكلاً من العربية التي تستعمل في مناسبات مخصوصة [أي الفصحى]. ويبدو أنه فهم قصدي ووافق على أن يساعدني. وقال لي في ذلك اليوم نفسه إنه يَستعمل دائمًا في حديثه اليومي مع الناس جمعَ المذكر السالم [في حالة الرفع] (ـــون) لا (ــــين) [المستعمل في اللهجات غير المعرَبة]، وهو ما شككت فيه يقينًا. ثم قال لي إن [اسم الإشارة للقريب] في كلامه هو “هذا” دائمًا. هذا مع أني سمعتُه ينطق الشكل المحلي [في اللهجة اللبنانية] “هايدا”، وهو ما يعني أن كلامه ليس صحيحًا. ومن الواضح أنه كان يبذل جهده كي يساعدني. وكان عضوًا في هيئة التدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهو ما يعني أنه ليس غبيًّا أو أميًّا. واستغرق الأمر أسابيع عدة حتى أقمنا علاقة يمكن له فيها أن يفعل ما يريده هو فعلاً وأن يفعل ما أريد أنا أن يَفعله فعلاً. ومع هذا لم نصل قط إلى حدٍّ يمكن عنده أن نتكلم [نحن الاثنين] بسهولة عن أنه يَستعمل أكثر ما يستعمل [اسم الإشارة] “هايدا، فعلاً، وأنه يستعمل أحيانًا “هازا”، و”هذا” أحيانًا كذلك. ويمثل هذا كله طرفًا من بنية الموقف المتصل بالوضع الازدواجي في العربية.

        أما المثال الآخر فيحتمل، وإن لم أكن متأكدًا، أن شخصًا ما في هذه القاعة كان حاضرًا الحدث الذي سأرويه. فقد كنا مجموعةً نخطِّط لإقامة ندوة صيفية عن لغات الشرق الأوسط. وكنا نجلس حول طاولة مستديرة في مكتب أحد الأساتذة [العرب]، وكنا نناقش تصميمَ مواد تدريسية عن اللغة الفارسية واللغة التركية و اللغة العربية النموذجية المعاصرة. واقترح أحدنا أن تخطيطنا يمكن أن يشمل مادةً تدريسية عن إحدى اللهجات العربية كاللهجة المصرية، مثلاً. و[فجأة انطلق صوتٌ يقول:] “لا”. وكان المتكلِّم هو الأستاذ العربي الذي يستضيفنا في مكتبه. وهو لم يكن أستاذًا للغة العربية لكنه كان عالمًا متميزًا [في تخصصه] وناشطًا في تخطيطنا. وكان يقصد بقوله “لا” أنه ليس من حاجة لأن يشمل تخطيطنا مادة عن اللهجات العربية، لأن الطلاب [الأمريكيين الذين سيدرسون العربية] ليسوا بحاجة إلى لغة الشوارع. ثم أضاف عند نقطة معينة من النقاش: “إني لم أستعمل قط ذلك النوع من العربية. فأنا لا أستعمل إلا اللغة العربية النموذجية”، إلا أنه لم يستعمل كلمة “النموذجية”، بل قال: “أنا لا أستعمل إلا النوع الصحيح من العربية”. ثم قضينا بعد ذلك وقتًا في محاولة إقناعه بأنه إذا تعلَّم الطلاب الأمريكيون اللغة العربية الفصحى النقية وأجادوا قراءتها وكتابتها ثم قابلوا شخصًا [عربيًّا] لا يتكلم بتلك الطريقة فمن الأفضل لهم أن يكونوا قادرين على فهم القليل [مما يقوله ذلك الشخص] وربما يستطيعون التعبير عن أنفسهم بشكل مفهوم. لكنا لم ننجح في إقناعه بحججنا[20]. ثم تركنا الموضوعَ في نهاية الأمر وبدأنا في ناقش موضوع آخر. وبعد دقائق قليلة رن الهاتف. وكنا، كما قلتُ في مكتب [ذلك الأستاذ]، فذهب ليُحادث المتصلَ. ولم أسمع [من كلامه في الهاتف] إلا كلمة واحدة هي “شلونكي” [كيف حالِك؟]، وهي من لهجة [عربية] محليةٍ ما. واستمرت المحادثة الهاتفية، واستمررنا نحن نتحادث بأصوات خافتة. ولما انتهت المحادثة الهاتفية بعد دقائق وأخذ الأستاذ مكانه [حول طاولة] الاجتماع، لم أستطع مقاومة الرغبة في التعليق فقلت له: “كنتَ قلت إنك لا تستعمل أبدًا أي نوع من اللهجات العربية”. فقال: “لا، أنا لم أفعل ذلك قط” [لا أتكلم أبدًا بأي لهجة عربية]. فقلت له: “أنت تعرف أنه كانت ثَمَّ محادثة هاتفية قبل دقائق هنا وأنا سمعتك تقول كلمة “شلونكي””. فهز رأسه [علامة الموافقة]، فقلت: “ألم تكن تلك الكلمة نوعًا من الكلمات اللهجية؟” فأجاب: “آه، كنت أتكلم مع زوجتي”، ثم ظل رأيه [بعدم تقديم مادة تدريسية في اللهجات العربية] كما هو. فلم يكن ثَمَّ حاجة بالطبع لأي مادة عن أي نوع من الكلام العربي اليومي [كما يرى]. وأنا لا أنتقد ذلك الأستاذ. فهو باحث جيد، وكان يبذل قصارى جهده في التخطيط [معنا لتلك الندوة]. لكن [حالته] مثالٌ جيد لأنواع المواقف المألوفة في تلك الفترة عن اللغة العربية المحكية، ويشمل ذلك الحديث مع المتعلمين من العرب.

        وربما كان الموقف الأكثر أهمية عندي هو الموقف الذي لاحظتُه عن مستقبل اللغة العربية . وكنت حين أتحدث مع عربي متعلم وأثير مسائلَ مثل نسبة الأمية العالية جدًّا والمستوى المتدني للتعليم، أجد الطريقَ مُمَهدًا لأسأله: “ما الذي سيحدث للغة العربية، في رأيك؟” ووجدت إجماعًا لافتًا للنظر إلى حد بعيد [في الإجابة عن هذا السؤال]. فقد كانت الإجابات كلها متماثلة، مع اختلافها في التفاصيل والتمثيل. ولم يفكر أحد، بالطبع، في أن احتمال أنَّ واحدة أو أكثر من اللهجات المحلية  ربما تفوز [بأن تصبح مستعملة في الأغراض التي تستعمل لها العربية الفصحى أو النموذجية]، لكن الجميع تقريبًا يعتقدون أن [نوع اللغة الذي سيفوز مستقبلاً] ربما لن يكون اللغة العربية الفصحى النقية، بل نسخة مبسطة ومعمَّمة بشكلٍ ما منها. وربما يقول شخصٌ إن أشكال ضمائر المثنى وجمع المؤنث السالم ربما تختفي، أو ربما يُبسَّط نحو الأعداد، لكنهم كانوا يشعرون جميعًا بشكل أساسي أن شكلاً من اللغة الفصحى سوف يَسود. ثم أسألهم، بعد [تلك الإجابات]، عن متى سيَتحقق ذلك. وكانوا يجيبون بأن ذلك ربما يستغرق، نتيجة لانتشار التعليم وانتشار وسائل الإعلام وغيرها، من 25 ــــــ 30 عامًا، وربما سيتحقق بعد عشرة أعوام، وربما أطول قليلاً؛ لكن كان ثَمَّ قدر عال من التفاؤل بالنتيجة.

        ويذكِّرني ذلك الموقف بالتفاؤل الذي كانوا يعبِّرون عنه في الفترة نفسها عن الوحدة العربية. فلم يكن يوجد، في سنة 1947م، إلا دولتان عربيتان مستقلتان[21]، هما العراق ومصر، إضافة إلى عدد من المناطق المستعمرة. أما الآن فيوجد 20 دولة عربية تقريبًا[22]. وكان العرب قبل أربعين عامًا يؤكدون لي أنه لن تمضي عقود قليلة حتى تحقِّق الدولةُ العربية الواحدة إنجازاتٍ ثقافية واقتصادية وسياسية واضحة. أما ما حدث فهو أنه على الرغم من التغيرات السياسية كلها التي مرت بها الأنظمة [العربية] وللسياسات العربية فما تزال الحدود بين [الدول العربية] قائمة وراسخة طوال الأربعين عامًا الماضية.

        دعوني الآن أتحدث عن دراسة اللغة العربية قبل أربعين عامًا. فما نوع الدراسة العلمية البحثية المطردة التي كانت موجودة آنذاك؟ [وجواب ذلك أنه] لم تكن الصورة مبشِّرة جدًّا في سنة 1947م. فقد كان ثَمَّ باحثون تقليديون يُصدِرون بحوثًا قليلة في مجالات تقليدية من دراسة العربية. وكان بعض العرب قد درَسوا في فرنسا أو بريطانيا أو غيرهما واكتسبوا قدرًا من المعرفة باللسانيات، وكان بعضهم يشتغلون ببعض البحوث اللسانية حين يعودون إلى الجامعات في بلدانهم أو يتبوؤون بعض المناصب فيها. وكان أغلب ما أنجزه أولئك من بحوث لسانية بحوثًا تاريخيَّة عن طبيعة اللهجات في العصور الإسلامية المبكرة. وكان عدد قليل وحسب منهم يدرسون كلام الناس اليومي، ولم يشتغل أحد منهم قط بالبحث في ما يسمى اللغة العربية النموذجية المعاصرة. والمؤكد أنه لم يشتغل أحد منهم قط في وصف مدى التنوع المهم بين اللهجة “الخالصة” واللغة النموذجية “الخالصة”.

        وكان هذا الوضع يماثل بطرق عدة ما كانت عليه الدراسات المحلية عن اللغات الآسيوية الأخرى. [والسؤال الآن هو]: ما التطورات المتوقعة في مجالات البحث اللغوي حين يتعرض التعليم “المقصور” للتأثير الخارجي القوي الذي بدأ يُحدِث بعض التحوُّلات في المجتمع؟ وأظن أن أول ما نتوقعه هو استمرار الاشتغال بالدراسات البحثية التقليدية. كما نتوقع أن نجد بعد ذلك ما يمكن أن نسميه بحثًا [تقليديًّا من نوع آخر] حيث يبدأ الباحثون يعملون في إطار مرجعية جديدة [لسانية] اكتشفوها، ثم ينجزون بحوثًا أصيلة حقيقيّة في الإطار المرجعي الجديد. وما يحدث بعد ذلك هو أن الباحثين سيبدؤون في إنجاز مثل هذه الأعمال الجديدة التي تُرغم الناس على تعديل النماذج البحثية الأحدث التي يستعملونها ويستخدمونها في تقديم نماذج من صُنعِهم هم. وسوف يتحرك مجتمع [الباحثين] في هذا الإطار الأخير ليتقدم الصفوف في البحث اللغوي وسيأخذ مكانه الذي يستحقه بين جماعة الباحثين في العالم. هذه هي سلسلة الأحداث التي نتوقعها، وهي سلسلة الأحداث التي تحققت في اللسانيات العربية تمامًا.

        وتسهم كثير من العوامل في بلوغ المرحلة الأخيرة من البحث الأصيل خارج النماذج المعهودة، ومنها النوعية العالية للعقول الفردية وعدد المؤسسات التي تهتم بدعم هذا المشروع. وأحد العوامل المهمة لنا هو طبيعة اللغة المعينة وطبيعة الجماعة اللغوية المعينة. ولكي أورد مثالاً واحدًا فقط، [أقول إنه]، ونتيجة للبحث اللساني المعهود الآن الذي يشتغل به عدد من اللسانيين اليابانيين عن بعض السمات الخاصة باللغة اليابانية، كالسمات الفريدة لتركيبها، ونظام النبر فيها، ومستويات صيَغ التأدب فيها التي تحوَّل إلى صيغ نحوية، وما أشبه ذلك، صار ذلك كله جزءًا من مكونات المعرفة في بعض فروع اللسانيات العامة، وهو ما كان أساسًا لصياغة نماذج جديدة في التحليل اللساني. ومن هنا ربما نسأل أنفسنا: وماذا عن اللغة العربية التي ربما تكون حافزًا لإنجاز بحوث جديدة أصيلة في اللسانيات العامة واللسانيات العربية على السواء؟ دعوني أبدأ بسِمة [لغوية في اللغة العربية ] بسيطة جدًّا لأصِل إلى ما أرى أنه سِمة أكثر أهمية.

         فهناك، أولاً، قضية الرُّتْبَة [الترتيب الأساس لمكونات الجملة] التي تناولتْها بعض الأوراق التي أُلقيت اليوم. فالعربية، بعد كل شيء، إحدى اللغات التي تتبع نمط الرتبة: فعل ـــ فاعل ـــ مفعول [ف فا مف]، كما يُقال، وهو النمط الأقل شيوعًا بين أنماط الرُّتَب الثلاث الرئيسة[23] في لغات العالم. وربما يتساءل بعضكم عن الرتبة الأساس في العربية عمومًا أو في بعض التنوعات المعينة فيها، لكننا ربما نتفق جميعًا بطريقة مهمةٍ ما على أن العربية تتبع الرتبة (ف فا مف). ويترتب على هذا أن في العربية، لاتسامها بهذه الرتبة، عدد من السمات التي تجعلها مفيدة للسانييِن الذين يتكلمونها لغة أولى لهم حين يَعمدون إلى استقصاء بعض المظاهر المحدَّدة في النظرية اللسانية. فالعربية إحدى اللغات العشر الكبرى التي تتصف بهذه الرتبة. ومن هنا، يمكن لمتكلميها لغة أولى أن ينضمُّوا إلى [الباحثين من] متكلمي اللغات السِّلْتية[24] ومجموعات لغوية أخرى قليلة تبدأ الجملة فيها بالفعل ويمكن أن يتحدثوا بثقة في المناقشات النظرية عن نحوية عدد كبير جدًّا من التراكيب [اللغوية]. ومع أن هذه النقطة قليلة الأهمية إلى حد بعيد، فالمؤكد أن الرتبة تمثل أحد المجالات التي تجعلنا نتوقع بقدر من المعقولية أن يسهم اللسانيون العرب فيها بإسهامات مهمة. و[السمة] الأكثر من ذلك أهمية، وهي أكثر وضوحًا، نظامُ الجذور والأوزان الصرفية في العربية. إذ تتصف اللغة العربية واللغات التي تنتمي إلى أسرة اللغات الإفريقية الآسيوية، لا سيما الفرع السامي منها، والعربية على وجه أخص، بهذا النظام جزءًا أساسيًّا من الصرف للتداخل بين الصوامت والصوائت، بخلاف أكثر اللغات في العالم. فليس مفاجئًا، إذن، أن تُناقش اللغةُ العربية الآن في البحوث المتقدمة عن النماذج التنظيرية للصواتة والصرافة[25]. ولن يكون مفاجئًا لي أن أرى نماذج تنظيرية للصواتة والصرافة أكثر واقعية وشمولاً تَبرز إلى الوجود في العقد القادم تقوم على بنية اللغة العربية والبحوث التي ينجزها باحثون عرب.

        والسمة التالية لبنية للغة العربية من السمات المفضَّلة عندي. وهي التي تتصل ببنية الجذر والوزن، ولم نسمع عنها اليوم [في الندوة] إلا قليلاً كذلك. وأعني بها طبيعة جموع الأسماء. ولست بحاجة لأن أقول للذين يدرِّسون اللغة العربية منكم أن هذه السمة تمثل مشكلة خاصة. وأنا لا أعرف أي لغة أخرى تحوي من تنوِّع صيغ الجموع والعلاقات المعقدة بينها ما تحويه العربية منها. وقد بيَّنتْ [طرفًا من ذلك] رسالةُ ماجستير أُنجزت في [إحدى جامعات] النمسا دَرست الجموعَ في اللهجة العربية المصرية وكيف يكتسبها الأطفال. فقد وجدتْ الدراسة أن الأطفال يصلون إلى سن الحادية عشرة وهم لا يُنتجون [صيغ الجموع] بالطريقة التي يُنتجها بها البالغون. إذ يصوغ هؤلاء الأطفال أنماط الجموع بطرقهم الخاصة، وهي التي يجدها البالغون معقدةً، في بعض الحالات. ويجب أن يَعرف الأفراد القليلون الحاضرون [في الندوة] من غير المتخصصين في دراسة اللغة العربية أن الاسم فيها ربما لا يكون له صيغةَ جمعٍ، أو له صيغة جمع واحدة، أو صيغتان، أو ثلاث صيغ، أو أكثر من ذلك؛ وربما تختلف الجموع المتنوعة هذه في المعنى أو لا تَكون؛ وربما تَظهر في بعض التركيبات النحوية أو لا تَظهر، إلى آخر ذلك. ويتنوع النظام كله من لهجة إلى أخرى، ومن فترة تاريخية للعربية إلى أخرى، كما يتنوع بين اللغة العربية النموذجية المعاصرة واللهجات. ومع ذلك، فحين يتكلم الناس العربيةَ لا يتوقفون ليقرروا إن كان عليهم أن يستعملوا صيغة الجمع هذه أو تلك. فهم يستخدمون الصيغة الملائمة بشكل تلقائي. ويعني هذا أن ثمَّ منظومة من العوامل التي تقود إلى اختيار صيغة معينةٍ ما من هذه التنوعات. أي لا بد أن تَكون ثَمَّ اطرادات يمكن اكتشافها ووصفها ثم تُدخَل، طال الزمن أو قصر، في نموذج تنظيريٍّ ما يُسهم إسهامًا ذا قيمة في فهمنا لطبيعة اللغة البشرية.

        وآتي الآن إلى الموضوع الذي أفضِّله حقيقةً. وهو “المطابقة”[26] التي عرضتُ لها باختصار في ما سبق. وكنا عَقدنا مؤخرًا مؤتمرًا في جامعة ستانفورد [الأمريكية] عن المطابقة النحوية في اللغات الطبيعية. ودعونا لسانيِّين يمثلون نماذج تنظيرية لسانية مختلفة. وكان لكل واحد من المشاركين في المؤتمر نموذجه التنظيري الخاص به، وذلك مما لا يَصعُب على بعض المتخصصين هذه الأيام الإتيانُ به. وتناوَل كلُّ مشارك تقريبًا لغةً مختلفة يهتم بها أو مجموعةً من اللغات المختلفة. يضاف إلى ذلك أن المشاركين كانوا يهتمون بمظاهر مختلفة للمطابقة. ووجد اللسانيون المشاركون في المؤتمر أنهم مضطرون إلى أن يحاول كل واحد منهم فهْم النموذج التنظيري الذي يقترحه لساني آخر والمادةَ التي يقدِّمها لأنهم جميعًا كانوا صادقين من حيث الاهتمام بظواهر المطابقة أكثر من اهتمامهم بتقديم نظريةٍ ما أو إطْلاع الآخرين على بعض العجائبيات اللافتة للنظر في بعض اللغات المعينة. ووجدتُ ذلك المؤتمر مُبْهجًا للغاية، وسبب ذكري له الآن أني لم أسمع فيه ما يجعلني أغيِّر رأيي بأن في أنماط المطابقة في العربية الكثير مما يمكن أن نتعلَّمه. فتتنوع أنماط المطابقة غير المألوفة المعقدة في العربية بطرق عجيبة عبر الأزمان والأماكن المختلفة، كما يقدِّم أيُّ وصف تزامني[27] لأي واحدة من التنوعات [اللغوية العربية] وأيُّ وصف للتغيرات التعاقبية[28] [فيها] تحديات لأي نموذج نظري سائد الآن وللنظريات عن التغير اللغوي كذلك. ومن المحتمل جدًّا أن تَكون المطابقة النحوية [في العربية] المجالَ الذي سوف يسهم به اللسانيون العرب إسهامًا فريدًا ومهمًّا.

        وختامًا، فَثَمَّ نقطة أشرت إليها في ورقة ألقيتُها في مؤتمر في [جامعة] جورج تاون تتصل بمسألة الازدواجية القديمة[29]. تلك هي أن اللغة العربية تمر بعمليةِ نمذجة[30]. وكثير من اللغات [في العالم] ليس منمذَجًا: إذ توجد جماعات لغوية كبيرة الحجم أحيانًا، ولكل منطقة أو مجموعة اجتماعية طريقتها الخاصة في الكلام في غياب أيِّ تنوُّع يُنظر إليه عمومًا على أنه بشكلٍ ما أفضل من التنوعات الأخرى، كما الحال في اللغات المنمذجة. ومع هذا توجد عملية النمذجة في كثير من الجماعات اللغوية. ومن المعروف جدًّا أن مئات من اللغات قد نُمذجتْ. إذ تطورت إحدى نوعياتها لتصير مقبولة بشكل واسع على أنها أفضل من التنوعات الأخرى للوفاء بأكثر الأغراض، بل يَنظر إليها كذلك حتى الذين لا يتكلمونها. فكيف يَحدث هذا؟ وكيف تُنجز النمذجة؟ ولمْ يجب أحدٌ عن هذين السؤالين إجابة جيدة جدًّا. ولدينا بعض التفسيرات التاريخية عن عدد من اللغات المختلفة لكن لم يقدِّم أحد نموذجًا تنظيريًّا وافيًا لهذه العملية، ولا يوجد غالبًا أي وصف لعملية النمذجة في أثناء عملها.

        وكان الباحثون يفترضون قبل أربعين عامًا أن بالإمكان دراسة التغير اللغوي في الماضي أما دراسته في أثناء عمله فغير ممكنة. وهذا ما عُلِّمتُه حين كنت طالبَ دراسات عليا. أما الآن، بالطبع، فقد وَجد لابوف[31]وزملاؤه ودارسو التنوعات اللغوية واللسانيات الاجتماعية أن من الممكن والمفيد البدء فورًا بدراسة التغيرات الصوتية في أثناء حدوثها. وأود أن أقترح هنا أن بإمكاننا دراسة النمذجة اللغوية في أثناء عملها [كذلك]. وتَعمل النمذجةُ الآن في أجزاء كثيرة من العالم، وهي عملية تلفت النظر إلى حد الإبهار وإن لم تُفهم فهمًا جيدًا لا من حيث التشبيك الاجتماعي ولا من حيث شقها اللغوي. وتمر العربية الآن بعملية نمذجة بطريقة واسعة جدًّا، وفي وضع لغوي غير عادي. فلا يتوقف الأمر على وجود الازدواجية [في العالم العربي]، بل يتوقف كذلك على وضع [لغوي] ازدواجي في غياب مركز يمكن أن يكون قاعدة طبيعيّة تَسمح بظهور نوعية منمذجة وانتشارها. إذ يتصف معظم الأوضاع التي تتغير فيها الازدواجية إلى نموذج لغوي واحد في وضع [لغويٍّ] تنوعيٍّ بوجود مركز ــــ سواء أكان ذلك المركز ثقافيًّا أم اقتصاديًّا أم سياسيًّا أم اتصاليًّا أم جمعًا بين هذه كلها ـــــ يصير المصدرَ الرئيس للنوعية المنمذجة. والبديل الآخر، بالطبع، أن تنفصل اللغة في نهاية الأمر إلى عدد من النوعيات المنمذجة كما حدث للاتينية واللغات الرومانثية[32]. وقد زعم عدد من الملاحظين أن شكلاً [لغويًّا] جديدًا مُتَعارَفًا عليه [مقبولاً] عابرًا للهجات من عربية المثقفين المتكلمة آخذ في الانتشار، كما وثَّق عدد آخر من الملاحظين بعضَ التوجهات الواضحة نحو نماذج لغوية [عربية] إقليمية مختلفة. وهذا هو الوقت الملائم لدراسة هذه التوجهات المتصارعة، وهي إسهام رئيس في فهم عمليات النمذجة في العربية و[تلك العمليات في اللغات الأخرى] بصفة عامة.

        ويشير وضعُ العربيةِ اللغوي إلى ضعف أحد أدوات التحليل اللساني [في البحث فيها]، وهو الاعتماد على الأحكام النحوية[33] للمتكلم الأصلي للغته. إذ لا يَمتلك متكلمو العربية غالبًا أي حدس[34] واضح عن استخدامها الشفهي، كما تَجعل التنوعاتُ المتوسطة والمترددة بين اللغة العربية النموذجية المعاصرة واللهجة [المحلية] الخالصة من الأحكام النحوية مشكلةً بأي حال. وعدم الوثوق والدقة بحدوس متكلمي اللغة ليسا مقصورين على اللغة العربية ، فحدوس النرويجيين [عن لغتهم] مثال واضح [لعدم دقة الحدس والثقة به]. إذ يوجد شكلان نموذجيان للغة النرويجية، ويعرف كل نرويجي الشكلين كليهما إلى حدٍّ ما، إضافة إلى لهجة محلية غالبًا. ومما يوقِع في شَرَك الخِدعة إلى حد بعيد أن تقرِّر أيَّ [الأشكال الثلاثة] مقبول أو غير مقبول، وإن كانت كلها [موجودة] في لهجةٍ ما أو في لهجة أخرى، أو في النوع اللغوي النموذجي أو في غير النوع اللغوي النموذجي. وربما كانت الأوضاع في [ما يسمى] “اللغة المولَّدة” مثالاً أكثر تطرفًا؛ وهي [الأنواع اللغوية] التي يستخدمها [الباحثان] لي بيج وتابوريه ـــــ كيللرLePage and Tabouret-Killer  نموذجًا أساسيًّا لعملية نمذجة اللغة. وسأنظر إلى وضع اللغة العربية على أنه فرصة للسانيات العربية لكي تمهد الطريق لنماذج تنظيرية جديدة أفضل للغة البشرية، بدلاً من كونه عائقًا أمام البحث اللساني.

        وأود أن أؤكد أني لا أقترح، في تعداد سمات اللغة العربية هذه وسمات الوضع اللغوي العربي بصفتها عاملاً في تطوير اللسانيات العربية، أنه يلزم اللسانيين العرب أن يقصروا عملهم على اللسانيات العربية. فلدي أمل كبير بأننا ربما نرى عددًا أكبر من اللسانيين العرب وهم يهتمون بقضايا النظرية اللسانية، ويسهمون فيها إسهامًا مباشرًا بغض النظر عن صلة بعض تلك القضايا باللغة العربية ، كما أود أن أرى اللسانيين العرب يبحثون في لغات أخرى غير العربية وفي تدريس تلك اللغات أيضًا. وكنت التقيت، حين زرت إثيوبيا قبل سنوات، لسانيًّا يابانيًّا يشتغل ببحث ميداني [لغوي] مع لسانيين إثيوبيين، ورأيت في مناسبة أخرى لسانيًّا يابانيًّا يشتغل ببحث ميداني في اليونان عن اللغة اليونانية. وأملي أنه لن يمر وقت طويل حتى نجد باحثين عربًا يشتغلون ببحوث ميدانية مماثلة في لغات أخرى.

        دعوني أعود إلى الآية [التي بدأت بها ورقتي] لأقدِّم تأويلي الخاصّ لها. فأود أن أفكِّر بأن يعمل اللسانيون العرب وتعمل اللسانيات العربية في إطار التحدي الذي تصوره الآية، بمعنى أن يحاولا بجد العمل على تحقيق جمْعٍ مؤثِّر جدًّا بين الشكل والمضمون في إنجاز بحوث لسانية تماثل الإنجازات التي حققها النحويون والمهتمون [العرب] القدماء باللغة والتراث. وأن تتماشى [هذه الإنجازات] مع أفضل البحوث التي تُنجَز في اللسانيات المعاصرة في العالم. وإذا احتل اللسانيون العرب واللسانيات العربية مكانيهما في المجموعة العالمية من دارسي اللغة البشرية فمن المؤكد أنَّ ذلك سيكون تأويلاً جزئيًّا لرسالة تلك الآية ربما يرضى حتى النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] تأويلاً جزئيًّا لتلكم الآية. ومهما كان الأمر، فنحن نرى تأويل هذه الآية ماثلاً في ما يجري [في هذه الندوة]. فقد استمعت اليوم إلى إحدى عشرة ورقة جيدة عن اللسانيات العربية، وهو خلاف ما كنت أسمعه في اجتماعات المتخصصين [في اللغة العربية ودراستها] قبل أربعين عامًا، وأعتقد أن تسعًا منها قدَّمها متكلمون للعربية لغة أولى، وتناولتْ تلك الأوراق عددًا متنوعًا من الموضوعات اللافتة للنظر. فنحن [بذلك] لا نأتي [في بحوثنا] بسورة بعد سورة “من مثله” بل نأتي بورقة بحثية بعد ورقة بحثية وبكتابٍ بعد كتاب، إضافة إلى برامج للتدريس والبحث، كلُّها في إطار روح تلك الرسالة.


مراجع:

Barlow, Michael & Charles A. Ferguson, eds, 1988. Agreement in Natural Languages: Approaches, Theories, Descriptions. Stanford: Center for the Study of Language and Information.

Blau, Joshua. 1981. The Renaissance of Modern Hebrew and modern Standard Arabic: Parallels and Differences in the Revival of Two Semitic Languages. Berkeley: University of California Press.

Ferguson, Charles A. 1959a., “Diglossia”, Word 15. 325-340.

——- . 1959b. “Myths about Arabic”, Georgetown University Monograph Series on Languages and Linguistics 12. 75-82.

——. 1959c. “The Arabic Koiné”, Language 35. 616-630.

—— 1987. “Language Standardization as a Form of Language Spread”, GURT 1987, 119-132.

Kasem, Christine, 1987. Die Bildung des internen Plurals im Ägyptish-Arabischen als Tellaspekt des Spracherwerbs. Vienna: Diplomarbeit, Universitat Wien.

LePage, Robert. B. & Andrée Tabouret-Keller, 1985. Acts of Identity: Creoles-based Approaches to Language and Ethnicity. Cambridge: Cambridge University Press.

*نشر هذا المقال في:

Perspectives on Arabic Linguistic I, Edited by Mushira Eid, Current Issues In Linguistic Theory 63, Amsterdam/Philadelphia: John Benjamins Publishing Company, 1990, Pp.39-51.

ملحوظات

كُتب عدد من البحوث عن هذه “الأساطير” عند متكلمي اللغة العربية بعد نشر مقالة فيرجسون هذه. ومنها مقال زينب إبراهيم، الأستاذة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعنوان Myths About Arabic Revisited “عودة إلى أساطير عن العربية” (Al-cArabiyya (2000) 33: 13-28). وذكرتْ فيها بعض البحوث السابقة التي تؤيد ملحوظات فيرجسون. أما هي فوجدت أن ملحوظات فيرجسون دقيقة إلى حد بعيد لكنها بحاجة إلى بعض التوضيحات والتعديلات.

        وكتب جون إيزيل، الأستاذ في جامعة أكسفورد  JOHN EISELE مقالة نقديّة طويلة لمقالة فيرجسون بعنوان:

 Myth, values, and practice in the representation of Arabic,” International Journal of the Sociology of Languages. 163 (2003), Pp. 43-59.

أشار فيها إلى أن: “كل واحدة من النقاط التي ذكرها [فيرجسون] كانت، وما تزال، معيارًا مهمًّا جدًّا للمواقف نحو العربية. . .”

Each one of the points that he mentions was, and still is, a very important

barometer of Arabic language attitudes, (p.44)

وناقش في مقالته تلك النقاط بتوسع، وانتقد بعض المظاهر المنهجية والتحليلية في مقالة فيرجسون.

كما نشر إيزل فصلاً بعنوان:

Whither Arabic? From possible worlds to possible futures

“العربية إلى أين؟ من العوامل الممكِنة إلى [اتجاهات] مستقبلية محتمَلة”، نشر في كتاب:

Applied Linguistics in the Middle East and North Africa. Current

practices and future directions.

Edited by Atta Gebril.

© 2017. John Benjamins Publishing Company

“اللسانيات التطبيقية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: الممارسات الحالية والاتجاهات المستقبلية”، 2017م.

وقد كتبت قبل يومين رسالة للدكتور جون إيزل بطلب السماح لي بترجمة المقال والفصل. فأذن لي مشكورًا بذلك. وأرجو أن أتمكن من ذلك قريبًا.

أود أن أذكر هنا أني أرسلت قبل أكثر من شهر لأحد محرري الكتاب الذي نُشرت فيه مقالة فيرجسون أستأذنه في ترجمتها، لكنه لم يرد حتى اليوم.

 

تشارلز ألبرت فيرجسون (6 يوليو 1921 ـــ 2 سبتمبر 1998م). لساني أمريكي معروف كان عضو هيئة التدريس في جامع ستانفورد الأمريكية. وهو أحد مؤسسي  تخصص “اللسانيات  الاجتماعية”، وله أعمال كثيرة عن الأوضاع اللغوية في العالم واكتساب اللغة. وكتب عددًا من البحوث عن  اللغة العربية .

ونشرت بعض بحوثه عن العربية في مجلد بعنوان:

Structuralist Studies In Arabic Linguistics: Charles A. Ferguson’s Papers, 1954-1994 (eds.) T. Kirk Belnap and Niloofar Haeri, Leiden- New York-KÖln: Brill, 1997.

كما نشرت بعض أبحاثه الأخرى في:

The Fergusonian impact: in honor of Charles A. Ferguson on the occasion of his 65th birthday. Joshua A. Fishman, et al. (eds.) Berlin; New York: Mouton de Gruyter, c1986, 2 volumes.

 

وختامًا، أرجو من القراء الأعزاء أن يتفضلوا عليَّ مشكورين بما يرونه من ملحوظات على الترجمة من حيث اللغة وعليها من حيث الوفاء للأصل [المترجم].

[1] ــ يُضيف هذا الاستعمال [لمصطلح “أسطورة”] معنى آخر لهذا المصطلح الذي استُهلِك في [دراسات] الفلكلور، وهو مصطلح تبيَّن أـنه مفيد في النقاشات الدراسية [الأكاديمية والتدريسية]. وربما نستمر في استعماله إلى أن يَقترح أحدٌ مصطلحًا أكثر دقة.

[2] ــــ اكتشفتُ المواقف والاعتقادات الموصوفة هنا من خلال ارتباطي التخصصي بالعرب طوال أكثر من خمسة عشر عامًا في ما يخص مشكلات اللغة. وقد حاولتُ الحصول على بعض ردود الفعل الخاصة باللغة بسؤال المتكلمين [العرب] مباشرة، لكن أغلب الأمثلة [التي أوردتُها هنا] أتت من ملاحظاتي خلال التعامل اليومي [مع العرب]. ومن الواضح أن هذا الحقل [من الدراسة] يتطلب بعض تقنيات البحث الأكثر دقة التي يمكن أن يصوغها المتخصصون في علم الاجتماع وعلم النفس، ومع هذا أشعر بدرجة عالية من الثقة بأن تقنيات البحث الدقيقة ستؤكد، في الأقل، الصورةَ التي أُقدمها هنا.

[3]ــــ وبما أني سبق أن ناقشتُ الازدواجية في بحث آخر، فلن أناقشها هنا بصورة مقصودة. انظر: “Diglossia”, World Vol. 15, no. 2 (1959).

[ترجم الدكتور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن القعود هذا البحث في كتابه: الازدواج اللغوي في اللغة العربية ، 1417ه/1997م، ص ص 193 ــــ 231 [المترجم]].

[4]– وأنا أضيف أسطورة أخرى؛ وهي أن العرب كانوا جميعًا يتكلمون “اللغة العربية الفصحى” حتى اختلطوا بـ”الأعاجم” الذين أفسدوها مما اضطر العرب لوضع النحو لحمايتها من “الفساد” الذي أدخله “الأعاجم” عليها.

وتخالف هذه الأسطورة ما تقوله بعض المصادر العربية القديمة، ومنها ما يقوله ابن النديم: “ولكل قبيلة من قبائل العرب لغة تنفرد بها وتؤخذ عنها وقد اشتركوا في الأصل”، ابن النديم، الفهرست، ج1، المقالة السابعة، ص14 (المكتبة الشاملة) (وهو ما أشار إليه جوناثان أوينJonathan Owen  في كتابه: A linguistic History of Arabic, Oxford: Oxford University Press, 2006, p. 168. “تاريخ لسانيٌّ للعربية”) [المترجم].

[5]ــــ وثَمَّ جماعات لغوية، بالطبع، تنظر إلى لغتها الرئيسة على أنها أدنى من حيث الأهمية من لغة أخرى أو من لغات أخرى. إذ ينظر كثير من متكلمي لغة البربر [الأمازيغية] إلى لغتهم المحلية بأنها أدنى من العربية بمعايير كثيرة.

ـــ[6] P. K. Hitti, History of The Arabs (London: MacMilan, 1940).

[فيليب خليل حتي (22 يونيو ـــ 24 ديسمبر 1978م) مؤرخ وأستاذ جامعي أمريكي من أصل لبناني. ونَصُّ فيليب حتي هو:

 “والعرب يفوقون شعوب الأرض بأجمعهم باستحسانهم التعبيرَ اللفظي والكتابي وإعجابهم به وبإثارة الكَلِم لنفوسهم. وقد لا تكون هناك لغةٌ تضاهي العربية في تأثيرها في نفوس متكلميها. ففي مجالس بغداد ودمشق والقاهرة اليوم يُحِسُّ السامعون بانفعالات داخلية شديدة عندما يُصغون إلى قصيدة أو خطبة بالعربية الفصحى وإن لم يعقلوا الكثير منها. فالوزن والقافية والموسيقى تولِّد في النفس شعورًا وتسحرها بما يسمونه “السحر الحلال”. فيليب حتي، العرب: تاريخ موجز، (ط4) بيروت: دار العلم للملايين، 1968، ص ص 31 ــ 32 [المترجم]].

[7]ــــ ومرة أخرى، فمما يستحق الاستقصاء النظرُ في الطبيعة الدقيقة لخاصية إثارة اللغة للإعجاب. فما تلك السمات الصوتية المحدَّدة التي ترتبط بصفة الجمال هذه؟

[8] والسمة الأخرى للتعقيد الاعتباطي الذي يوصف بأنه “غير منطقي” هي نحو “الأعداد الأصلية”Cardinal Number  [أي تذكير التمييز مع المعدود المؤنث وتأنيثه مع المعدود المذكر]. وتتصف ردود الفعل حين يشار إلى هذه النقاط بمزيج قوي من الاستياء والعداء، مقارنة بردود الفعل على مهاجمة نقاطٍ محدَّدة للبنية “المنطقية” الشائعة في الأساطير الموجودة في بعض الجماعات اللغوية (مثل الأفعال غير المطردة في الفرنسية، أو أشكال الأعداد الأصلية في السنسكريتية).

[9] وربما يكون مهمًّا تحديدُ الجماعات اللغوية التي تجد هذه السمة واضحة في لغتها وأن ترى ما الذي يرتبط بها في البنية المعجمية الواقعية للغة، إن كان ثَمَّ شيء من هذا.

[10] Linearأي على مستوى واحد [المترجم].

[11] من الموافقات العجيبة في ما يخص كلام هذا الطالب الأردني ما حدث معي حين كنت أعمل ملحقًا ثقافيًّا في السفارة السعودية في تايوان سنة 1986م. فقد أقامت وزارة التعليم التايوانية حفل عشاء تكريمًا لوكيل وزارة التعليم الأردنية الذي كان يزور تايوان آنذاك ودعتني إليه. وكانت اللغة العربية من الموضوعات التي تناولها النقاش على العشاء. وتحدث وكيل وزارة التعليم الأردني باستفاضة عن اللغة العربية وتاريخها. ومما قاله بكل جدية إن اللهجة الأردنية أقربُ اللهجات العربية المعاصرة للغة العربية الفصحى. وتذكرت عند ذلك مقولة فيرجسون هنا. وحاولت أن أبين أمام الصينيين عدم دقة كلام الضيف لكنه كان مندفعًا فأقصرتُ حتى لا تنشأ عن ذلك أزمة دبلوماسية بين قطرين عربيين شقيقين في بلد أجنبي بسبب اللغة! فهل هذا الأمر مصادفة؟! [المترجم].

[12]Standardized، أي مقنَّنة من حيث الأنظمة الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية لتكون لغة مشتركة يتكلمها الجميع ويتماثلون فيها [المترجم].

[13]ـــــ ويمكن أن نتحدث الآن عن وسائل الاتصال الحديثة الكثيرة التي جدتْ منذ 1959م [المترجم].

[14] ترجمتُ هذه المقالة ونُشرت في كتابي “دراسات في تاريخ اللغة العربية”، عمّان: دار كنوز المعرفة، (ط 2)، 1435ه/2014) [ط1، 2000م]، ص ص 95 ــــ125 [المترجم]

[15] – سورة البقرة، الآية 23 [المترجم].

[16] – وردت الرسالة في الآيات الكريمة التالية =

=          البقرة: ٢٣

يونس: ٣٨

هود: 13

الطور:34

[17] ربما يقصد فيرجسون هذه الآية: سورة الإسراء، الآية 88.

[18] من أهم النشاطات التي انصرف إليها فيرجسون بعد ذلك دراسات اكتساب اللغة والوضع اللغوي في جنوب شرق آسيا [المترجم].

[19] كُتبت بحوث كثيرة عما يسمى بـ”الازدواجية” عمومًا. وقد رصد فيرنانديز:

 Ferna´ndez, M. (1993). Diglossia: A Comprehensive Bibliography 1960–1990. Amsterdam: Benjamins.

    ــــ كما يقول ALAN HUDSON في مقالة بعنوان:

 Int’l. J. Soc. Lang. 157 (2002), pp. 1–48 Outline of a theory of Diglossia,

       أكثر من 3000 عنوان عن الازدواجية. ويتضمن ذلك الرصد، كما يقول المستعرب الهولندي كيس فريستيغ، 287 تقريبًا عن “الازدواجية” في اللغة العربية . انظر مراجعته لكتاب فيرنانديز:

(Word, Volume 47, Number 2(August, 1996)

 =ومن البحوث المهمة عنها في اللغة العربية مقالة جاشوا بلاو “نشأة الازدواجية اللغوية في العربية: دراسة في أصول اللهجات العربية” (1977م)، وقد ترجمتُها ونُشرت في كتابي “دراسات في تاريخ اللغة العربية”، ص ص126ــ172. انظر كذلك:

   The Oxford Handbook of Arabic Linguistics, Oxford: Oxford University Press, 2013

    الذي يتضمن عددًا من البحوث التي تناولت هذه القضية وغيرها من القضايا المهمة عن اللغة العربية ، وصفًا وتاريخًا [المترجم].

[20] لا يمل بعض الباحثين الغربيين في قضايا اللغة العربية من تكرار هذه الحجة دعمًا لتدريس اللهجات العربية للأجانب بدلاً من اللغة العربية الفصحى القديمة أو الشكل المعاصر منها. لكنهم قلما يلتفتون إلى التناقض بين هذا القول ودراسة الطلاب الأجانب للغة الإنجليزية أو الفرنسية. ذلك أن ما يعلَّم لهؤلاء من اللغتين إنما هو الشكل النموذجي منهما، ثم يجد كثير من الطلاب الذين يذهبون للدراسة في تلك البلدان أنهم وإن أجادوا ذلك النموذج فقلما يفهم عنهم الناس “في الشوارع”[المترجم]!

[21] كانت المملكة العربية السعودية واليمن مستقلتين أيضا في تلك الفترة [المترجم].

[22] المعروف أنها 22 دولة في سنة إلقاء فيرجسون هذه الورقة! [المترجم].

[23] والرتب الثلاث التي يشير إليها فيرجسون هي: ف فا مف، فا ف مف، فا مف ف [المترجم].

[24]Celtic Languages ، ومنها اللغة الآيرلندية والويلزية والاسكتلندية [المترجم].

[25] “الصواتة” Phonology، “الصرافة” Morphology [المترجم].

[26] Agreement  وهي أن تتبع كلمةٌ كلمةً أخرى في الإعراب والتذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع [المترجم].

[27] Synchronic وهو وصف اللغة في فترة زمنية معينة [المترجم].

[28] Diachronic وهو وصف اللغة تاريخيًّا [المترجم].

[29] يقصد بها: مقالته التي ذكرها في مراجع هذه المقالة: “نمذجةُ اللغة بصفتها شكلاً من انتشار اللغة” “Language Standardization as a Form of Language Spread”. GURT 1987 119-132.  [المترجم].

[30] Standardization انظر الهامش 12 أعلاه [المترجم].

[31] William Labov وليم لابوف (4 ديسمبر 1927م ــــــ )، اللساني الأمريكي المعروف الذي درس بعض اللهجات الأمريكية المعاصرة، لا سيما لهجات نيويورك. ويُعد المؤسسَ لنظرية التغيرات اللغوية في أثناء حدوثها، وتقنيات البحث المباشر في الظواهر اللغوية الحية[المترجم].

[32] Romance Languages وهي التي تشمل الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية أساسًا [المترجم].

[33] Native speaker’s Judgement ، وهي الإجابات التي يُدلي بها متكلم اللغة عن قبول الجُمل أو عدم قبولها في لغته [المترجم].

[34] ــــ Intuitionـــ، وهو شعور المتكلم بصحة التركيبات النحوية في لغته الأولى أو عدم صحتها [المترجم].

error: