ليبيا ضد نفسها: الثورة الليبية و ما بعدها – نيكولا بلهام / ترجمة: إيمان لوكيلي

ليبيا ضد نفسها: الثورة الليبية و ما بعدها – نيكولا بلهام / ترجمة: إيمان لوكيلي

 ليبيا ضد نفسها

إسلام سياسي معتدل؟

هاهو ذا المهدي الحاراتي يحتسي شاي الليمون في مقهى في الهواء الطلق بالأروقة الإيطالية الكبرى بميدان الجزائر في طرابلس.  يبدو أنه غير رسمي ليكون إما جهاديا دوليا أو رئيس بلدية منتخبا في عاصمة بلد يفترض أنه تحرر من العقيد معمر القذافي، ودخل في حرب أهلية. لا يزال الحاراتي، هو نفسه على الرغم من أنه يفضل أن يطلق على نفسه قائد ثورة ليبيا؛ فمنذ توليه منصب رئيس البلدية في العام الماضي، حسب ما قال لي، استدعى نظراءه في دبلن وروما للانضمام إلى حكامها الجدد -الجماعة التي تسمى فجر ليبيا. كما أنه قد اتخذ خطوات أخرى لمواجهة فجر ليبيا لسمعة الإسلام السياسي. يتحدث عن جهوده لحشد دعم وتأييد الكتاب والفاعلين المحليين لمهرجان الفنون الذي أعد له خطة من أجل الرفع من شأن طرابلس كعاصمة عالمية للثقافة بالبحر الأبيض المتوسط.

يعد الحاراتي خطة من أجل إعادة فتح دور السينما التي أغلقها القذافي إبان ثورة سابقة.    وحسب ما قال، فإن رجاله قاموا بحماية المتحف الوطني المملوء عن آخره بتماثيل وثنية قديمة. سيفتح فندقا جديدا فخما للنساء. نعم، وكما قال لي، فالمهرجان الذي يعد له سيشمل النساء كما الرجال، الفنانات والمتفرجات؛ فالعاصمة آمنة –يقولها وهو ينظر بثقة إلى كتفه و إلى اثنين من حراسه-.

يعود انتساب الحاراتي إلى ائتلاف فجر ليبيا إلى اجتياح العاصمة بعد ستة أسابيع من قصف الصيف الماضي. فالعديد من قادته هم رجال ميليشيات سابقة انضووا تحت الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، وهي الحركة الجهادية التي وجهت بنادقها ناحية القذافي وجيشه، بعدما كانوا يقاتلون غير المؤمنين مساندين بذلك أسامة بن لادن في أفغانستان. لكن التحالف معهم هو على الأرجح كتحالف مع غير رفاقهم، كتجار من مصراتة -ميناء يطل على البحر الأبيض المتوسط يعتمد على التجارة مع أوربا- والأمازيغ، أو البرابرة المجددين، تحت زعامة إما علمانيين أو أتباع طائفة إصلاحية صغيرة -الطائفة الإباضية- التي يرجع تاريخها إلى العقود الأولى من الإسلام، والتي عارضت سيادة قبيلة النبي محمد العربية، واختارت قادة جددا.

وكما في عهد القذافي، فالكلمات والواقع في ليبيا ما بعد الثورة، غالبا ما يبدوان أنهما يقيمان في مكانين منفصلين. فقبل أن تهبط النساء العائدات من مصر في طرابلس بعشرين دقيقة، قمن بثني شعرهن المتلألئ وسراويل الجينز المصممة من القماش الأسود. فذهبت النساء لمراقبة جوازات السفر، والرجل المسؤول عن الهجرة كان هو صاحب اللحية الكثيفة. داخل المدينة، يقوم الثوار المسلمون بتطهير العاصمة من الصور التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية. وبعد وقت قصير من الاستيلاء على العاصمة في أغسطس، أطلقوا قذيفة من خلال بطن عروس البحر، وهو تمثال لحورية بحر عارية الصدر تتشابك مع غزال لطيف كان بمثابة خلفية لصور الزفاف منذ العصور الإيطالية. وفي الشهر الماضي، قاموا بسرقة التمثال نفسه. لكن الحاراتي استطاع أن يسترجعه بفضل الكاميرات التي اقتفت أثر اللصوص، وهي الكاميرات التي كان القذافي قد أخفاها في الأشجار على جانب الطريق في العاصمة. في الوقت الراهن، كما يقول، من الأفضل أن تبقى طي الكتمان كي تكون في أمان.

تختفي معالم أثرية أخرى في العاصمة أيضا. كما تم تحطيم مقابر العثمانيين المتصوفين الثلاثة التي كانت تزين مدخل مسجد أحمد باشا القرمانلي الذي بني في القرن الثامن عشر، وحلت محلها رقعة مكسوة بالعشب. وقام الإسلاميون بتقطيع النقوش القرآنية العتيقة في المساجد الأخرى القديمة بالسوق مخافة أن تقود المؤمنين إلى الشرك من خلال تعظيم الزخرفة بدلا من الله وحده.

يلقي مسؤولو فجر ليبيا باللوم على قصف الأتباع المحليين للطالب السعودي ربيع المدخلي الذي يعمل، حسب قول مسؤول، لصالح الاستخبارات السعودية التي تسعى إلى الإطاحة بسمعة الجماعات الإسلامية غير الموالية للعقيدة السعودية المتشددة أو بالأحرى سياساتها. ويقترح البعض الآخر أن مساعدي دولة الخليفة أبو بكر البغدادي الإسلامية يجدون موطئ قدم بفضل المقاربة غير الرسمية للمتطرفين الإسلاميين. لقد فشلت في إيجاد دليل عن أطر الدولة الإسلامية الذين تم التبليغ عنهم في طرابلس، لكن تم تفخيخ المقاهي التي يرتادها العشاق والسفارات بالسيارات المفخخة. وبعد أن غادرت طرابلس بيومين، قام رجل مسلح بقتل امرأة غير محجبة تسوق سيارة إلى البيت بالقرب من وسط المدينة. ومخافة التحقيق مع أحدهم، داهمت فجر ليبيا اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في منتصف نوفمبر تشرين الثاني، واستولت على قاعدة بياناتها وأغلقت أبوابها. يمكن لسكان طرابلس المضطربين أن يرحبوا بأي شخص يقنعهم بما يشبه النظام، بما في ذلك شبح القذافي. لكن  بعد ثلاثة أشهر، تلاشى حكم فجر ليبيا. مرت ليلتي دون أي انفجارات. كانت فجر ليبيا قد أرسلت رسائل نصية إلى هواتف السكان النقالة لحظر إطلاق النار والألعاب النارية. ولكن في الليلة الموالية، بدأت أركسترا بارود طرابلس تصعيدها المعتاد. فبدأت العصابات الإجرامية، التي كانت قد توغلت تحت الأرض بشكل كبير بعد ما استولت فجر ليبيا على السلطة، لتجرب حظها مرة أخرى.

تم القبض علي في تبادل لإطلاق النار على ميليشيا إسلامية محلية –لها علاقة بفجر ليبيا- اصطدمت مع بارونات المخدرات المحلية. وحينما كنت أقود السيارة عائدا إلى المدينة بعد اجتماع في مقهى دي روما -منتجع شعبي في ضاحية فاخرة- تابع الشبان مشاهدة كرة القدم المتلفزة في مقهى مجاور في الهواء الطلق، حيث كان إطلاق النار شائعا جدا، فيما واصل الأزواج تسوقهم، وانتظر قائدو السيارات في مكان إشارات المرور بلياقة  تقريبا مبالغ فيها.

يشعر الليبيون بعزلة أكثر مما كانت عليه الأمور، عندما فرضت الأمم المتحدة عقوبات على القذافي. أما المجتمع المدني الذي ظهر لفترة وجيزة بعد سقوط العقيد فقد اختفى. وكل ناشط استطاع أن يخربش أسماء زملائه بسرعة وسهولة، قتل بالرصاص أو اختطف، غالبا من طرف إسلاميين. قالت صديقة لي من مقهى دي روما، وهي عالمة اقتصاد، أن زوجها يكره  البنادق، و تعهد أنه لن يحصل على واحدة. “الأسبوع الماضي ولأول مرة، أحضر واحدة معه”. وجدلا  فالمنفيون الذين قاموا بسذاجة بإعادة بناء نظام ما بعد القذافي الجديد، تخلوا عن كل شيء تقريبا. كثيرون تمنوا لو أنهم ذهبوا معهم في وقت لم تكن كل قنصليات أوروبا انسحبت ومعها كل أمل في الحصول على تأشيرة. يغلق جيران ليبيا حدودهم بشكل دوري. كما أن الرحلات الجوية من ليبيا في خطر (محيق) بعدما بدأت الجماعات المسلحة المتقاتلة استهداف مطار البلاد. ليبيا يجب أن تكون واحدة من الدول الأكثر ثراء في العالم، لكن العديد من المرافق ومحطات توليد الطاقة تم إشعالها بالنار بسبب معارك فجر ليبيا للسيطرة على محطات النفط على طول ساحل خليج سرت.

“تعهد قادة الثورة أننا سنصبح مثل دبي”، يقول موظف حكومي ضاعف لسائق سيارة أجرة لتغطية نفقاته. “لكن الفنادق الخاصة التي فتحها القذافي في السنوات الأخيرة قد أغلقت أبوابها. لا يوجد عمل. وحيث، من قبل، كانت لدينا عائلة واحدة تسرق. أما الآن، فلدينا المئات”. وتماما مثل القذافي،  يفرح حكام ليبيا بالاستيلاء على السلطة. وعلى الرغم من أن الحاراتي انتخب خلال الانتخابات المحلية، فإن حركته -فجر ليبيا- تتكون من الفصائل التي أخفقت بشكل سيء في انتخابات يونيو حزيران العامة للبرلمان الليبي -مجلس النواب-  وأخذت بعد ذلك طرابلس بالقوة.

 

فجر ليبيا مقابل الكرامة

بعد التهجير، فر الفائزون في الانتخابات إلى شرق ليبيا البعيد. وعلى مسافة قصيرة منعزلة من الحدود مع مصر، بدوا أنهم على استعداد لمواجهة أخيرة. ومن مقاعدهم في الحكومة في قمة التل بمدينة البيضاء، يجلس الوزراء خلف مكاتبهم الفارغة. في حين أن محافظ البنك المركزي -بخزائنه الفارغة- يوقع التصريحات من أجل دولتهم البوتمكينية (Potemkin). عند موقع من المواقع، حصل البرلمانيون على اللجوء بمعبر معتمد في طريق طبرق  -بلدة ساحلية قريبة من حدود مصر-.

لكنهم ومن خلال تقديم قضيتهم كصراع من أجل البقاء ضد جهاديي الإسلام، فقد وجدوا حلفاء في الداخل والخارج. وأقاموا تحالفا مع فلول القوات المسلحة الذين قاتلوا الإسلاميين في الشرق تحت زعامة القذافي، وشنوا هجوما مضادا أسموه عملية الكرامة. “هناك برنامجان متصارعان على السلطة في ليبيا”، قال لي محمد بزازه، الناطق باسم قوات أمن الكرامة في البيضاء: “الدولة الإسلامية و الدولة المدنية، إن لم تكن ردة فعل من جانبنا في الوقت الراهن، فإن إرهابيي [ليبيا] سيأتون عبر البحر الأبيض المتوسط إلى مكان قريب منك”. قال في السنة الماضية، إن أنصار الشريعة -الجماعة نفسها التي قتل أتباعها السفير الأمريكي- كريستوفر ستيفنز، في الذكرى الحادية عشرة لهجمات تنظيم القاعدة في أمريكا، قتلوا والده، وقائد الأمن في بنغازي، عاصمة المقاطعة في الشرق ومهد ثورة 2011. وضعت المجموعة قنبلة في سيارته، وبعد ذلك ومن سخرية القدر، فجرت قنبلة أخرى في جنازته.

يشن الإسلاميون هجمات مماثلة على طول ساحل ليبيا على البحر الأبيض المتوسط. تابع بإصرار، وهو يخلط بين كل الجماعات من دون تمييز بدءا من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم القاعدة. ففي درنة -حامية عثمانية قديمة على الساحل تحت البيضاء-. وقد أعلن بعض رجال الميليشيات ولاءهم لدولة البغدادي الإسلامية، ويقومون بقطع الرؤوس بتفويض منه. (في الواقع، هذا ليس سوى جزء من الذين قتلوا من طرف الحليف الغربي القوي -المملكة العربية السعودية- الذي أعلن عن ضرب أعناق ثلاثة أشخاص هذه السنة وحدها. وكقائد لهجوم الكرامة المعاكس، قام القائد العسكري الشاب -خليفة حفتر- بمساعدة القذافي في شن انقلابه عام 1969. وبعد قيادة قوات ليبيا في حرب كارثية على التشاد، فر إلى الولايات المتحدة.

خمسة وعشرون سنة بعد ذلك، وضع خليفة حفتر يده على ثورة 2011 كفرصة للعودة من جديد. ورغم أنه ينتمي إلى قبيلة بدوية صغيرة نسبيا، حاول استمالة قبائل أكبر إلى جانبه.   وفي العام الماضي، قام بالاستيلاء على ما تبقى من جيش القذافي، واتجه إلى القوى المعادية للإسلاميين في المنطقة للحصول على الدعم.

عرض الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي أطاح بالإسلاميين المنتخبين في مصر ونصب نفسه رئيسا للبلاد، على قوات حفتر تزويدهم بكل من السلاح والتدريب. فيما قامت الإمارات العربية المتحدة -الدولة الخليجية بدفع المال-. وهكذا حصل الاثنان على دعم دولي. ففي أول زيارة له إلى أوربا كرئيس، حذر السيسي من “قواعد الجهاديين البالغة الخطورة” في ليبيا، ودعا القوى الغربية إلى تزويد الجنرال حفتر بالإمدادات كجزء من حربهم على الإرهاب، رغم الحظر المفروض على أسلحة الأمم المتحدة. “الإعانات والمعدات والتدريب”، قال: “يجب أن يتم إرسالها إلى [الكرامة المكافحة لفجر ليبيا].

أطلق حفتر العملية الأولى من الكرامة في مايو في بنغازي -المدينة المستعصية الثانية- حيث تنافس الجهاديون الإسلاميون -رجال القبائل و الطلاب و الثوار- من أجل السيطرة.    في البداية، كانت النتائج ضئيلة. اتفق مع القناصة عبر قصف المباني السكنية حيث كانوا يطلقون النار. جاءت الخطة بنتائج عكسية بخلق معارضين أكثر مما قتلت الجهاديين. لكنه عندما حصل على قطع غيار للطائرات المقاتلة الضاربة في القدم، بدأت خطوط المعركة في التحول. ساعدته الغارات الجوية في الاستيلاء على جزء كبير من بنغازي و إبراز قوته بعمق في غرب البلاد. فقد قضى بشكل متقطع على مخارج فجر ليبيا بقصف المعبر البري المؤدي إلى تونس و قصف مطار طرابلس، حيث كان الركاب يستعدون لركوب الطائرات.

بغضب و انزعاج، التحق رئيس حكومة فجر ليبيا في طرابلس عمر الحاسي، الذي كان أستاذا للجغرافيا قبل الحرب، إلى جانب خصوم حفتر في الشرق -أنصار الشريعة و قتلة كريستوفر ستيفنز- ووصفهم بالثوار اللطفاء. ففي ردهة فندق طرابلس، حيث قام بتنصيب حكومة الفجر ووزرائه، اجتمع قادته لحث رجال الميليشيات على وضع المزيد من السيارات المفخخة. وفي الواقع، على بعد مئات الأميال من الشرق، غطى الزجاج موقف سيارات القصر الملكي السابق في البيضاء، الذي يستخدم الآن مقرا للمجلس الدستوري.    وعندما تم استدعاء رئيسه الجريء -علي ترهوني- قال إنه نجا من أربع عشرة محاولة اغتيال. وعلى بعد مسافة قصيرة بسيارته، يطل نائب رئيس وزراء الكرامة من نافذته بارتباك على كتل نفايات الفحم المرتفعة كل عشر ياردات (تسعة كيلومترات) أو نحو ذلك تحت مكتبه. أصبحت تتخذ هذه الإجراءات الأمنية منذ أن انفجرت سيارة ملغومة قبل أسبوع من لقائنا. “سيجد الإرهابيون دائما طريقا ما” قال وهو كالح الوجه. وفي نفس الوقت، تقدمت قوات فجر ليبيا شرقا في اتجاه حلفائهم المحاصرين، تطوقهم قوات حفتر في بنغازي أثناء حثهم على إطلاق النار على محطات النفط الرئيسية بالبلاد، وذلك على طول خليج البحر الأبيض المتوسط لسرت. انبعثت أعمدة سوداء من حرق النفط من أكبر محطة بالبلاد في السدرة في اتجاه أوربا على مدى أكثر من سبعين ميلا.

ومع ارتفاع المخاطر، فإن جهود مبعوث الأمم المتحدة برناردينو ليون للتوسط قصد إيجاد حل وسط استعصت بصورة متكررة. ووفقا لعدد ضحايا ليبيا التي تستخدم التقارير الصحافية للحفاظ على عدد جميع الوفيات منذ يناير كانون الثاني عام 2014، تم قتل 2.500 شخص فقط في الأشهر الستة الماضية من القتال. فحجم الرعب والدمار يتجاوز بكثير سنوات القذافي الماضية. يتساءل المرء كيف أن العديد من الغربيين الذين هللوا بالحرب ضده اعترفوا بذلك.

 

الانقسام العرقي؟

لم يكن الأمر واقعيا، كي نتوقع من الليبيين التحول بين عشية وضحاها بعد أربعة عقود من الدكتاتورية الغريبة إلى دولة المؤسسات الديمقراطية. قدمت القوى الغربية الدعم العسكري للإطاحة بالعقيد، لكنها لم تقدم الدعم المدني من أجل إدارة قابلة للتطبيق في مكانه. وعندما حاول مدنيون إقامة دولة حديثة (بأنفسهم)، تجاوز أمراء الحرب من مختلف مناطق ليبيا الانتخابات التي جرت، واستولوا على السلطة بدعوى أي سبب من أجل كسب الدعم. يبرر كذريعة، بعض قادة الميليشيات اللجوء إلى حمل السلاح، بمعركتهم ضد الإسلاميين الجهاديين أو ضد فلول نظام القذافي. ويدعي آخرون حملهم السلاح للدفاع عن أية مجموعة: قبلية أو دينية أو عرقية، قد تمكنت من الفوز في دوائر الانتخابات المحلية. لقد حاولوا إحياء الخرافات التقليدية سعيا لولاءات جديدة.  في هذه العملية، انقسم مجتمع متجانس نسبيا مرة واحدة إلى جماعات مسلحة و مشاحنات متعددة.

يعد ارتفاع القوى المتنازعة المتعددة في ليبيا التي يصعب السيطرة عليها واحدة من معضلات ثورة عام 2011. فعندما ثار الليبيون لأول مرة، من بركاتهم كانوا يعدون أن لديهم القليل من الانقسامات الطائفية والعرقية التي قسمت دولا عربية أخرى. فمن خلال المصاهرة، والترحيل من أجل العمل، وتشويش القذافي المتعمد للجماعات العرقية، كان لدى الليبيين العديد من الجماعات التي تغطي مناطق شاسعة في البلاد.

أظهر التصنيف الذي جمعه المحللان البريطانيان، بيتر كول و براين ماكوين، في تقريرهما “الثورة الليبية وتداعياتها” أن الكيمياء الليبية أقدم من مختبر القذافي المبدع. لم يقتف الكتاب أثر نهاية العقيد فقط، كما فعل الكثيرون،  بل أيضا المظهر الخارجي لملامح الوجه الأقل شهرة. ولكون التقرير كتب بالكامل تقريبا من قبل خبراء أجانب، بعضهم له معرفة بمختلف الفصائل بشكل وثيق، فإنه يعد التقرير الأكثر تفصيلا ، الذي قرأته، عن القوى القديمة المشكلة لليبيا الجديدة. فالكتاب يحلل، فصلا بفصل، كل الهويات الوطنية الفرعية التي تتصارع على النفوذ و القصص الطائفية التي يستخدمها ممثلوها لتعزيز ادعاءاتهم. وهي تضم كلا من إسلاميي ليبيا، تجار مصراتة، القبائل البدوية العربية المتركزة في الجبال الخضراء شرقا، الأمازيع القدامى (مثال: البرابرة) غربا، و المجموعتان العرقيتان من جزء صحراء ليبيا –التوارك و التبو-.

إن ليبيا في شكلها الجديد و بنائها الهش، أنشئت خلال الغزو الإيطالي عام 1911، وتحديدا قرنا قبل الربيع العربي، فقد تم كسرها و جمع شملها منذ ذلك الحين. كما أن عجزها عن التغلب على القبائل البدوية العربية في الشرق، دفع الموجة الأولى من المستعمرين إلى القبول بإنشاء إمارة برقة المستقلة. و في سنة 1929، حاول بنيتو موسوليني مرة أخرى النجاح في سجن عشرات الآلاف من البدو في معسكرات الاعتقال، حيث توفي نصفهم. وبعد الحرب العالمية الثانية، دعم البريطانيون إحياء الإمارة البرقية المشبعة بالملك إدريس الأول. لكن اكتشاف النفط الذي قلصت حقوله وخطوط أنابيبه من الحدود، رسم محافظات ليبيا المتفاوتة إلى اتحاد أوثق من أي وقت مضى. في عام 1951، أنشأت برقة فيدرالية مع منطقة فزان في الجنوب حتى اليوم تحت الهيمنة الفرنسية وطرابلس في شمال غرب البلاد، كذلك تحت سيطرة البريطانيين. أضاف الملك إدريس خطا أخضر و آخر أحمر أسفل وأعلى علمه الأسود مع إضافة هلال أبيض. وفي عام 1963، في عهد الملك إدريس، ألغت ليبيا الفدرالية و أعلنت نفسها دولة واحدة موحدة.

القذافي الذي سمى نفسه الدوتشي بإيحاءات من موسوليني قمع هذه الهويات المستقلة لمدة اثنين وأربعين عاما. لكن بعد سقوطه، تحول الليبيون، الذين فقدوا بعض وسائل الحماية، إلى عشائرهم القريبة. وفي طرابلس، قام كل حي في المدينة بجمع جناحه المسلح. نظم الإسلاميون مجموعات ضد الرذيلة، و أنشأ الأمازيغ “قوات الانتشار السريع” لدعم الأحياء المتركزة بالبربر. أحيا وأثار سماسرة السلطة الجديدة في ليبيا الشكاوى القديمة لتعزيز سيطرتهم.

في جوف تحت قمة الجبال الخضراء تقع مدينة القيروان، وهي مدينة هيلينية تبعد بحوالي 130 ميل شرقا من بنغازي. في حالة خراب منذ القرن السابع عشر، أطلق عليها في ما مضى اسم أثينا الإفريقية بسبب العديد من فلاسفتها القدماء. في القيروان، من الممكن أن تنسى الحرب الزاحفة في وقت قصير.  تجد الأسر النازحة بسبب القتال ارتياحا بتقاسم نزهة وسط العظمة المفقودة للمدينة. يغوص الأولاد في حمامات أبولو، حيث استمال القيصر كليوباترا قديما. ينزلق العشاق، مع النساء في مقتبل العمر محجبات بالكامل في بعض الأحيان، في الظلام بين أعمدة معبد ميثرا، وهم يمسكون أيادي بعضهم. واستمتاع الأساتذة من بلدة المرتفعات القريبة -البيضاء- بعضهم البعض بالشعر الجاهلي، وهو تقليد جاهلي يلعنه الإسلاميون، بينما يحتسون شرابا مسكرا يصنع بالبيت، أحد موروثات الاستعمار الإيطالي الأكثر ثباتا. “لقد حاولت تضميد آلام حبي، لكن الجرح يزداد عمقا”، ينشد صلاح، المحاضر في مجال التخطيط الحضري الذي يساعد جنرالات حفتر في رسم خرائط معاركهم.

وفي طريق عودتنا إلى البيضاء، طرح المحاضر، وهو في حالة سكر واضحة، فكرة أن الصراع هو بين إسلاميي فجر ليبيا و الموالين لأمن الكرامة القدماء. “لا أحد هنا يعتقد ذلك، لدينا إسلاميونا ولهم إسلاميوهم. إسلاميونا كانوا أول من اعتمد الشريعة بشكل رسمي، بعد مقتل القذافي”. في المطعم التركي بالبيضاء، قدمني إلى أصدقائه-مديري البنوك، نوابي مجلس الكرامة الدستوري، أساتذة جامعيين آخرين، الذين وعلى الرغم من مهنهم المختلفة، يقرؤون كلهم أشعار العصر الجاهلي بافتخار. يصرون على أن الصراع الحالي، هو في المقام الأول صراع ملحمي قديم قدم الإسلام بين قبائل الرحل العربية البدوية، من جهة، والليبيين الذين يعيشون على الساحل من جهة أخرى. في الوقت الذي يحتفلون بالشعراء المتجولين و المتبارزين بالسيوف من أسلافهم البدويين، فإنهم يستخفون بمنافسيهم على الساحل الذين التحقوا بفجر ليبيا. المحام الذي حمل السلاح لعنهم، لأنه أثبت عدم شرعيتهم من خلال اختلاطهم مع البربر الأصليين المقيمين في الغرب ومع موجات من المستعمرين الذين جرفتهم الأمواج فوق شواطىء ليبيا، وأحالتهم إلى عاجزين، دافعي ضرائب متمدنين.

خلال قراءتهم من السيرة الهلالية، وهي عبارة عن رد شاعر عربي على نشيد رولاند، تحدثوا عن بني هلال و بنو سليم، الذين جاءوا من الجزيرة العربية في القرن الحادي عشر و اندفعوا بقوة إلى جانب البورجوازية في برقة و خارجها. واستقر بنو هلال في الشرق. في حين أقام بنو سليمان في الغرب.

عند اندلاع ثورة ليبيا عام 2011، شهد العرب البدو فرصتهم للمجيء مرة ثانية. انضم مدير البنك إلى القبائل البدوية العربية من الجبال الخضراء. ومع حمله للسلاح في صندوق سيارته الرياضية متعددة الأغراض، تسابق في اتجاه بنغازي. في حين أحكم نظراء العرب البدو في الزنتان -بلدة بدوية تقع في جبال نفوسة- سيطرتهم على العاصمة طرابلس التي تبعد بخمسة و ثمانين ميلا شمالا على الساحل. لكن البعض الآخر إلى جانب العرب البدو، طلبوا حصتهم كذلك. وفي مايو الماضي، انضمت الميليشيات المتباينة من المدن الساحلية، والمدن البربرية، والحركات الإسلامية المتمركزة غربا إلى القوات بخلق ائتلاف فجر ليبيا، وأجبرت القبائل البدوية على التقشف.

مرة أخرى في البيضاء، حلم صلاح -خبير التخطيط الحضري- وأقاربه العرب بإحياء الهيمنة التي كانوا يتمتعون بها، عندما كانت برقة إمارة تحت سيطرة الملك وقادت القبائل العربية جيشه. يحلمون بإعادة تشكيل مثل هذه القوة تحت سيطرة حفتر والنظر إليه لكسر تمرد المستوطنين غير العرب على الساحل الأدنى.

ومن التبسيط، طبعا، اختصار الصراع في ليبيا إلى معركة بين القبائل البدوية العربية    والليبيين من المجموعات العرقية الأخرى المعربة على مدى قرون. شغل بعض البدو مناصب عليا في فجر ليبيا، ويمكن العثور على البربر، وهم يقاتلون من أجل الكرامة.     ولكن على نحو متزايد، يرسم الوضع و الملف من كلا الجانبين الصراع بألوان عرقية صارخة. يرفض الأستاذ البدوي صلاح وكثيرون مثله خصومهم في الشرق كمستوطنين من الغرب جاء بهم المستعمرون على مر القرون لإضعاف القبائل العربية، أشار بسخرية إلى مجيء عائلة وسام بن حميد -زعيم ميليشيا تقاتل قوات الكرامة بزعامة حفتر في بنغازي-.

يرى بشكل متزايد أربعون ألفا من عرب الزنتان أنفسهم كمجموعات بدوية مهمشة و مهملة على أطراف جبال النفوسة في الغرب، وهم محاطون بمدن البربر. وبشكل سريع، قاموا بإسقاط التحالف القائم مع جيرانهم البربر للإطاحة بالقذافي في الأشهر التي شهدت العنف سنة 2011، وتحالفوا مع العرب البدو وقواتها المسلحة في الشرق. وبمساعدة دولة الإمارات المتحدة، صد عرب الزنتان هجوما لمدة شهرين من قبل ميليشيات فجر ليبيا التي خططت لها المدن الغربية عشرات المرات أضعاف حجمها. قال لي شاب من الزنتان “نحن نشعر أننا نخوض معركة وجودية”. البربر، كما يقول، لم يغفروا للعرب قتل ملكتهم البربرية اليهودية-كهينة- عند امتداد الجيل الأول من المسلمين خارج الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي.

يصور البربر المجددون كذلك صراعهم كسلسلة حروب قديمة ضد ألف و أربعمائة عام من التعريب. فقد تحولوا إلى البربر في الجزائر المجاورة وأيضا إلى مجتمعات الشتات الكبيرة في أوربا لمكافحة العروبة. “بينما نحن ننظر إلى المغرب [شمال غرب إفريقيا] وينظر العرب إلى المشرق [الشرق الأوسط]، يقول وائل -ناشط بربري في طرابلس- الذي يلومني بشدة عندما أتحدث عن الربيع العربي. “ربيع شمال إفريقيا” يصحح لي.

اللجوء إلى السياسة بتأليب الجماعات الدينية والعرقية ضد بعضها البعض يزرع الانقسام تجاه أراضي ليبيا الشاسعة. يطالب الكونغرس الأمازيغي (أو البربري) بحقوق الأقليات   والحكم الذاتي في الغرب.

في الوقت نفسه، قام المسؤولون في البيضاء- الذين همسوا خلسة بالدعم من أجل الفيدرالية قبل سنة- بفتح موضوع إمكانية التقسيم. وفقط مع ثلث سكان ليبيا، ثلثي حقولها النفطية، ومعظم مياهها الجوفية، ومناجم الذهب بالبلاد على الحدود مع مصر، يحلم الانفصاليون البرقيون بالثروات التي لا تعد ولا تحصى التي تنتظرهم إذا انفصلوا عن الغرب.          وسيضمن التحالف مع قبيلة الجبارنا -اتحاد قبائل عربية أخرى تحتضن خليج السدرة- السيطرة على محطات النفط الرئيسية في البلاد. يقول أحد ممثلي الكرامة في البيضاء الذي يقوم بصياغة دستور جديد، أن برقة “هي جزء من المغرب العربي [أي شمال إفريقيا]. تاريخيا، ليس هناك شيء كهذا كما في ليبيا”.

ينهض مقاتل من فرقة الزنتان المناهضة للإسلاميين، وهو يشاهد الدخان بعد الهجمات الصاروخية على خزان الوقود في طرابلس، أغسطس 2014.

 

تسوية الخلاف؟

لا شك أنني في المرة القادمة التي سأزور فيها ليبيا، ستكون خريطة التحالفات فيها قد تحولت مرة أخرى. فقبائل البدو الذين ثاروا ضد القذافي في الشرق قد تعبوا من إنتاج محصول جديد من الزعماء لتحكمهم. قرار الأمم المتحدة على القائمة السوداء للحركات الإسلامية الأكثر راديكالية في ليبيا، قد يدفع البربر وعامة الناس من مصراتة إلى الانسحاب من تحالفهم مع فجر ليبيا. فالصراعات الطائفية التي تبدو غير قابلة للحل عندما يستمع المرء إلى الإهانة على التلفزيونات الفضائية لمنافسه لها شكل غريب في التلاشي عند بدء الحوار.

يتذكر برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، كيف كان حذرا للفصل بين الأطراف المتفاوضة، قبل بدء النقاش الذي قام بتنظيمه على الحدود الجزائرية في سبتمبر الماضي، إلا أنه فوجىء حينما التقوا بعضهم بعضا في ردهة الفندق بالعناق والتقبيل.      ويشير إلى الالتزام الذي تلقاه من مختلف المتحدثين الليبيين الذين سيدفعون لأكثر من ستة آلاف من قوات حفظ السلام الملزمين بإنجاح الاتفاق على وقف إطلاق النار محليا وعلى النظام الدستوري للحكومة من أجل ليبيا الجديدة. للأسف، يبدو أنه من الراجح أنه يتوقع ارتفاع الرسوم على الثروة والحياة البشرية في ليبيا ثانية قبل ثأر المنافسين بتشويه صورة الهويات الدينية والعرقية لبعضهم البعض، واللجوء إلى الدعم الخارجي لمواجهة الإسلام المتشدد الذي فقط يرسخ تطرف الفصائل ويعمق الحرب الأهلية في ليبيا.


 

error: المحتوى محمي