عن الديموقراطية – كارل بوبر / ترجمة: إبراهيم جابر أبوساق

عن الديموقراطية – كارل بوبر / ترجمة: إبراهيم جابر أبوساق

220px-karl_popperكارل بوبر – عن الديموقراطية

ترجمة: إبراهيم جابر أبوساق


نظريتي في الديموقراطية بسيطة جدا ومتاحة للجميع كي يفهمها . لكن مشكلتها الأساسية أنها مختلفة جدا عن النظرية القديمة التي يسلم بها الجميع ، يظهر ان هذا الفرق عصي على الادراك لسهولة النظرية . انها تتجنب تلك الكلمات الرنانة التجريدية مثل ( الحكم ) و ( الحرية ) و ( العقل ) . انا بالفعل أؤمن بالحرية والعقل ، ولكني لا أعتقد أن أحدا يقدر على استخراج نظرية عملية ومثمرة من هذه الكلمات . انها موغلة في التجريد وقابلة لسوء الاستخدام ، ولا فائدة مرجوة على الاطلاق من تعريفها . هذه المقالة مقسمة الى ثلاثة أقسام رئيسية ، القسم الأول يتناول باختصار ما يسمى بالنظرية التقليدية للديموقراطية ، أي نظرية حكم الشعب لنفسه . القسم الثاني سيكون عرضا مختصرا لنظريتي الأكثر واقعية . القسم الثالث ، في الاغلب ، يتضمن عرضا للتطبيقات العملية لنظريتي في إجابة على سؤال : ” ما هي الفروق العملية التي تصنعها هذه النظرية الجديدة ؟ “

 

النظرية التقليدية

هذه النظرية التقليدية ، باختصار ، تقول بان الديموقراطية هي حكم الشعب ، وأن الشعب له حق الحكم . لإثبات أن للشعب هذا الحق ، تم تقديم العديد من الأسباب ، ولكن لن يكون ضروريا الخوض في تلك التفاصيل هنا . عوضا عن ذلك ، سأعرج على الخلفية التاريخية لهذه النظرية والمصطلح .

افلاطون كان أول منظر يضع نظاما مستنبط من الفروقات بين ما كان يراه أشكالا للحكومات. كان يفرق بين : (1) النظام الملكي ،أي حكومة الرجل الصالح ، وبين الاستبداد ، أي النسخة المشوهة للملكية . (2) الارستقراطية ، أي حكومة الرجال الصالحين ، وبين حكومة الأقلية الصادرة عنها . (3) الديموقراطية ، أي حكومة الأكثرية . لم يكن هنالك شكلين للديموقراطية . لأن الأكثرية كانت من الغوغاء ، ولذلك فالديموقراطية بحد ذاتها كانت مشوهة .

اذا نظر أحد بتمعن الى هذا التقسيم ، وسأل نفسه عن المشكلة التي كانت في رأس أفلاطون ، لوجد أن الجواب لا يجيب فقط عن تقسيمات ونظرية أفلاطون فقط ، بل أيضا عن كافة النظريات الاخرى . منذ أفلاطون وحتى كارل ماركس وغيرهم ، كانت المشكلة الرئيسية هي : من الذي يجب أن يحكم ؟ ( أحد نقاطي الرئيسية ستكون عن وجوب استبدال هذا السؤال بآخر مختلف بالكلية ) . إجابة أفلاطون كانت بسيطة وساذجة : أفضل القلة ، الأرستوقراطيين . ولكن بالتأكيد ليس الأكثرية ، الغوغاء والعوام .

كان التطبيق في أثينا ، حتى قبل ولادة أفلاطون ، على العكس من ذلك تماما . فالعوام كانوا هي من يحكمون . جميع القرارات السياسية المهمة كقرارات الحرب والسلم كانت تتخذ عن طريق مجلس يضم كافة المواطنين ،و هذا ما يسمى الآن بالديموقراطية المباشرة .  لكن يجب ألا ننسى أن المواطنين كانوا أقلية ضمن الشعب . من هذا المنطلق ، كان الديموقراطيون الأثينيون يرون ديموقراطيتهم هذه على أنها بديل عن الاستبداد وحكم التعسف . في الحقيقة كانوا يعلمون أن قائدا شعبيا قد يكون محملا بقوى استبدادية عبر التصويت العام . لذا علموا أن التصويت العام قد يكون عنيدا وصلفا حتى في تناول أهم الأمور وأخطرها . ( العرف القائل بالنفي كان يعي هذا ، فالشخص المنفي كان يطرد كإجراء محاكماتي فقط ، كان لا يخضع لمحاكمة ولا يتم اعتباراه مذنبا ) . الناس في أثنيا كانوا محقين ، القرارات الناتجة عن عملية ديموقراطية ، بل وحتى القوى التي تحصل عليها حكومة ما جراء انتخاب ديموقراطي ، قد تكون خاطئة . من الصعب ، بل من المستحيل بمكان ، بناء دستور يحمي نفسه بنفسه من الأخطاء . هذا أحد أقوى الأسباب خلف إيجاد ديموقراطية تقوم على هذا المبدأ العملي لمنع الاستبداد عوضا عن الحق الشرعي المقدس للشعب في أن يحكم نفسه .

مبدأ الشرعية ( الفاسد في نظري ) يلعب دورا كبيرا في التاريخ الأوروبي . فبينما كانت الجيوش الرومانية في أوج قوتها ، كان القياصرة يسندون قوتهم الى المبدأ القائل بأن الجيش هو مصدر شرعية الحاكم . لكن ومع انحدار الإمبراطورية ، فإن مشكلة الشرعية أصبحت ملحة . هذا ما شعر به Diocletian حين حاول دعم التشكيل الجديد لأيديولوجية ” الله- القيصر ” عبر اعتبارات دينية تقليدية وكذلك بالألقاب المختلفة : Augustus ، Herculius   و Jouvius ( نسبة الى Jupiter المشتري ) . ومع ذلك ، يبدو أنه لا زالت هناك حاجة الى شرعية  أكثر سلطوية وأعمق دينيا . ففي الجيل التالي ، كانت عقيدة التوحيد المتجسدة في المسيحية ( التي انتشرت الى حد بعيد رغم عدد الموحدين المتوافرين آنذاك ) قد قدمت نفسها الى Constantine كالحل المثالي لتلك المشكلة . ومنذ ذلك الحين ، كان الحاكم يحكم بمباركة الرب – الواحد والأوحد عالميا . النجاح الكامل لنظرية الشرعية هذه يوضح الروابط والتوترات بين القوى الدنيوية والروحية التي أصبحت تعتمد على بعضها البعض ومن ثم تتنافس فيما بينها البين خلال القرون الوسطى .

إذا ، في القرون الوسطى ، فإن إجابة سؤال ” من يجب أن يحكم ؟ ” أصبحت هي المبدأ : الله هو الحاكم ، ويحكم عبر ممثليه البشريين الشرعيين . لقد كان هذا المبدأ ذاته هو ما تصدت له بقوة ولأول مرة حركة الإصلاح البروتستانتي ومن ثم الثورة الإنجليزية 1648-1649 التي اعلنت حق الشعب المقدس في أن يحكم . ولكن في تلك الثورة تم استخدام ذلك الحق المقدس مباشرة لتأسيس دكتاتورية Oliver Cromwell . وبعد وفاته ، كانت هناك عودة الى الشكل الأقدم للشرعية وكان ذلك خرقا وتعديا على الشرعية البروتستانتية على يد الملك جيمس الثاني مما أدى الى ” الثورة المجيدة ” عام 1688 وتطور الديموقراطية البريطانية عبر تدعيم تدريجي للقوى البرلمانية والتي بدورها أوصلت William  و  Mary الى الشرعية والحكم . السمة الفريدة في ذلك التطور كانت هي الخبرة بان المشاجرات اللاهوتية والفكرية حول من يجب أن يحكم لا تؤدي إلا إلى الكوارث . عمليا ، كان لا زال هنالك حكما ملكيا ولكنه ذا شرعية مشكوك بها بفضل البرلمان والقوى البرلمانية المتزايدة بثبات . البريطانيون أصبحوا متشككين بخصوص تلك المبادئ التجريدية . والسؤال الأفلاطوني ” من يجب أن يحكم ؟ ” أصبح غير ذي أهمية حتى أيامنا هذه .

كارل ماركس الذي لم يكن سياسيا بريطانيا ، كان لا زال محكوما بالسؤال الأفلاطوني الذي رآه على أنه : ” من الذي يجب ان يحكم ؟ الطيبون أم الأشرار ؟ العمال أم الرأسماليين ؟ ” . حتى الذين رفضوا فكرة الدولة بالكلية باسم الحرية ، لم يستطيعوا تحرير أنفسهم من أغلال المشكلة القديمة ، فهم يسمون أنفسهم أناركيين : أي معادين لكل أشكال الحكم . يمكن لأحدنا أن يتعاطف معهم في محاولتهم الفاشلة في الهروب من السؤال القديم ” من يجب ان يحكم ؟ “

 

نظرية أكثر واقعية

اقترحت في ” المجتمع المفتوح وأعدائه ” ان مشكلة جديدة كليا يجب الاعتراف بها كالإشكال الرئيسي في النظرية السياسية . المشكلة الجديدة المفارقة للمشكلة القديمة ” من يجب أن يحكم ؟ ” هي كالتالي : كيف يمكن للدولة أن تحكم بطريقة يخلع بها الحكام السيئين بلا عنف وإراقة للدماء ؟ على العكس من السؤال القديم ، هذا السؤال أكثر نجاعة عمليا وتقنيا . وما يسمى بالديموقراطيات الحديثة هي جميعها أمثلة جيدة للحلول العملية لهذه المشكلة ، حتى وان كان ذلك الإشكال غائبا عن الوعي حين تم بناؤها . لأنها جميعا تبنت الحل الأبسط للمشكلة الجديدة وهو المبدأ القائل بأن يمكن خلع الحكومة عبر تصويت الأكثرية . لكن نظريا ، هذه الديموقراطيات الحديثة لا زالت مبنية على ذلك الإشكال القديم ، وكذلك على الأيديولوجية الغير عملية إطلاقا  بأن الشعب ، السكان البالغين جميعا ، هم الحكام الشرعيين بإطلاق . ولكن بالتأكيد ، لم يسبق للشعب أبدا أن حكم في أي مكان . الحكومات هي من تحكم ( وللأسف ، يحكم أيضا البيروقراطيون ، خدامنا المدنيون – أو الأسياد غير المدنيين كما يسميهم ونستون تشرشل – الذين من الصعوبة بمكان إن لم يكن مستحيلا ، محاسبتهم على أفعالهم ) .

ماهي عواقب نظرية الحكومة هذه البسيطة والعملية ؟ طريقتي في وضع المشكلة وحلي البسيط لها  بالتأكيد لا تتعارض مع عمل الديموقراطيات الغربية ، كالدستور البريطاني غير المكتوب وغيره من الدساتير المكتوبة التي اتخذت البرلمان البريطاني بشكل أو بآخر نموذجا لها . إنه هذا التطبيق العملي ( وليس نظريتهم ) هو ما تحاول نظريتي – السؤال الذي وضعته والجواب عنه – أن تصفه وتتكلم عنه . ولهذا السبب ، أعتقد أنه يمكن لي تسميتها بنظرية ” ديموقراطية ” رغم أنها بالتأكيد ليست نظرية ” حكم الشعب ” ، ولكن عوضا عن ذلك ، حكم القانون الذي يفرض خلعا غير دموي للحكومة عبر تصويت الأغلبية .

نظريتي تتفادى بسهولة معضلات وإشكاليات النظرية القديمة .  على سبيل المثال ، المشكلات من قبيل ” ما الذي يجب فعله إن صوت الشعب لإنشاء دكتاتورية ؟ ” بالتأكيد هذا مستبعد الحدوث إن كان التصويت حرا ، ولكنه حدث من قبل . وما الذي سيحدث ان حدث فعلا ؟ أغلب الدساتير في الحقيقة تشترط أكثر من مجرد أصوات الأغلبية لتعديل أو تغيير المبادئ الدستورية ، ولهذا قد تشترط نصابا ، ربما ثلثي أو ثلاثة أرباع الأصوات ” المؤهلة ”  للتصويت ضد الديموقراطية .  لكن هذا الاشتراط يظهر الاستعداد لهكذا تغيير ، وفي نفس الوقت عدم التوافق مع مبدأ أن إرادة الأغلبية ” غير المؤهلة ” هي المصدر المطلق للقوة – أن الشعب ، عبر اصوات الأغلبية ، له حق الحكم .

يمكن تجنب جميع هذه الإشكالات النظرية اذا تخلينا عن سؤال ” من يجب أن يحكم ؟ ” واستبداله بالسؤال الجديد والعملي : كيف يمكننا بطريقة أفضل تجنب تلك المواقف حيث يسبب فيها حاكم سيء أضرار كثيرة ؟ عندما نقول بأن الحل الأفضل المعروف لدينا هو دستور يسمح للأغلبية بخلع الحكومة ، إذا نحن لا نقول بأن صوت الأغلبية سيكون دوما على حق . نحن لا نقول حتى  بأنه عادة سيكون على حق . نحن فقط نقول هذا الإجراء غير الكامل هو أفضل ما تم اختراعه حتى اللحظة . ونستون تشرشل قال مرة ساخرا بأن الديموقراطية أسوأ أشكل الحكومة – مع استثناء كافة الأشكال الأخرى المعروفة . وهذا هو مربط الفرس ، أي شخص عاش تحت حكومة دكتاتورية لا يمكن خلعها بلا سفك دماء سيعلم أن ديموقراطيةُ ،غير كاملة ، تستحق القتال لأجلها ، وأعتقد حتى الموت لأجلها . لكن هذا هو اعتقادي الشخصي . يجب ألا أطرحه على أنه الصواب كي أقنع الآخرين به .

 يمكننا وضع نظريتنا كلها هكذا ، أنه لا يوجد سوى خيارين وحيدين : إما الدكتاتورية أو بعضا من الديموقراطية . ونحن لا نضع خياراتنا بناء على خيرية الديموقراطية التي يمكن التشكيك بها ، ولكن فقط على الشر في الاستبداد والدكتاتورية الذي لا يمكن الشك به أبدا . ليس فقط لأن المستبد مطبوع على الاستخدام السيء لقوته . ولكن لأن الحاكم المستبد ، وإن كان عادلا ، إلا أنه يمكنه سلب مسؤوليات الآخرين ، ومن ثم حقوقهم الإنسانية وواجباتهم . هذا مبرر كافي لتفضيل الديموقراطية – التي هي حكم القانون الذي يمكننا من التخلص من الحكومة . ولا اغلبية ، مهما كانت كبيرة ، يمكنها أن تكون مؤهلة للتخلي عن حكم القانون هذا .

 

التمثيل التناسبي

تماما  كالفروقات النظرية بين النظريات القديمة والحديثة . على سبيل المثال على الفرق العلمي بين النظريات ، أقترح فحص مسألة التمثيل التناسبي . النظرية القديمة والاعتقاد بأن حكم للشعب ، عن طريق الشعب ، ولأجل الشعب يؤسسان حقا طبيعيا ومقدسا مستمدا من الخلفية التاريخية نفسها لصالح التمثيل التناسبي . لأن الشعب يحكم عن طريق ممثليه ، وبأصوات الأغلبية . لذلك من الضروري أن يكون التوزيع العددي للآراء لدى الممثلين عاكسا قدر المستطاع لتلك التي لدى المصدر الحقيقي للشرعية : أي الشعب ذات نفسه . ما سوى ذلك لن يكون فقط غير عادل ، بل مخالف تماما لكافة مبادئ العدالة . هذه الحجة تتهاوى ان تخلينا عن النظرية القديمة ، لكي نرى ، بلا عاطفة وتحيزات ، العواقب التي لا مفر منها ( وربما غير المقصودة ) جراء التمثيل التناسبي . العواقب المدمرة !

أولا ، هذا التمثيل التناسبي يضع ، وإن بطريقة غير مباشرة ، الأحزاب السياسية في منازل دستورية لا تملكها . لأنه لم يعد بإمكاني  اختيار الشخص الذي اثق به لكي يمثلني ، أنا اختار حزبا فقط . والأشخاص الذين يمثلون هذا الحزب يتم اختيارهم عن طريق ذلك الحزب فقط . وفي الوقت الذي يجب فيه اعطاء الشعب وآرائه كل الاحترام ، فإن الآراء التي تتبناها الأحزاب ( التي هي أدوات تقليدية لخدمة الأغراض الشخصية ولكسب القوة ، مع كل الدسائس التي يمليها هذا الغرض ) لا يمكن وصفها بأنها افكار بشرية اعتيادية . إنها ايديولوجيات .

في دستور لا يحتوي على تمثيل نسبي ، فإن الأحزاب لا تحتاج لأن تُذكر أبدا . إنها لا تحتاج إلى إضفاء صفة رسمية عليها . الناخب في كل دائرة يرسل ممثله الى المجلس . ما إذا كان سيقف وحيدا هناك أم أنه سينضم إلى آخرين من نفس الحزب ، أمر متروك له . إنها علاقة ربما سيجب عليه أن يشرحها ويدافع عنها بين ناخبيه . واجبه هو أن يمثل مصالح أولئك الذين انتخبوه بأفضل ما يستطيع . هذه المصالح في أغلب الأحيان ستتطابق مع تلك التي لدى مواطني الدولة ، الأمة بأكملها . هذه هي المصالح التي يجب عليه أن يبحث عنها بكل ما يستطيع . إنه مسؤول بصفة شخصية عن أشخاص .  هذا هو الواجب الوحيد والمسؤولية الوحيدة للممثل التي يجب أن يعترف بها الدستور . فإن كان يعتقد أن عليه واجبا أخر تجاه حزب سياسي ، فإنه يجب ان يكون هذا الواجب واجبا فقط من خلال اعتقاده بأن علاقته بذلك الحزب ستحقق هدفه الرئيسي أفضل مما لو كان يعمل لوحده دون انتماء لذلك الحزب . نتيجة لذلك ، فإنه من الواجب عليه ترك ذلك الحزب في أي وقت يرى فيه بانه يمكنه تحقيق هدفه الرئيسي بطريقة أفضل بدون ذلك الحزب ، أو ربما مع حزب آخر . جميع هذا مفروغ منه إن ضمن دستور الدولة التمثيل التناسبي . لأنه طبقا لذلك ، فالمرشحين يبحثون عن الانتخاب فقط كممثلين لأحزاب ، مهما اختار الدستور من كلمات لوصف لذلك . فإن تم انتخابه ، فإنه تم انتخابه فقط ولمجرد كونه ينتمي إلى ويمثل حزبا محددا . لهذا ، فإن إخلاصه الرئيسي سيكون لحزبه ، وللأيديولوجية التي يتبناها ذلك الحزب ، وليس للشعب ( باستثناء ربما رؤساء الحزب ) . وتبعا لذلك ، فإنه لن يصوت أبدا ضد حزبه .

في الحقيقة ، فإن النظام الذي كان انتخابه عن طريقه يسلب عنه مسؤوليته الشخصية ، إنه يجعله مجرد آلة للتصويت بدلا عن كونه شخصا له إحساس وفكر . في رأيي الشخصي ، هذا بحد ذاته حجة بالغة ضد التمثيل التناسبي . لأننا نحتاج في السياسة إلى أفراد قادرين على الحكم على الأشياء من تلقاء أنفسهم ، أفراد مستعدين لتحمل مسؤولياتهم الشخصية . هكذا أفراد من الصعب العثور عليهم في أي حزب ، حتى بدون التمثيل التناسبي – ويجب الاعتراف بأننا لم نجد طريقا حتى الآن للقيام بذلك دون وجود أحزاب . ولكن إن كان لا بد من وجود أحزاب ، فإنه لا ينبغي بنا ، باسم دستورنا ، أن نساهم متعمدين في عبودية ممثلينا لآلة الحزب وأيديولوجيته عبر الاعتراف بالتمثيل التناسبي . النتيجة المباشرة من ذلك النظام أنها ستزيد عدد الأحزاب . قد يكون هذا مرغوبا به للوهلة الأولى ، أحزاب أكثر تعني خيارات أكثر وفرص أكثر ، صلابة أقل ونقدا أكثر . وأيضا تعني توزيعا أكبر للتأثير والقوة . ولكن هذا الانطباع الأولي خاطئ بالكلية . وجود العديد من الأحزاب يعني تكتلا حكوميا لا مفر منه . إنه يعني مشاكل وصعوبات في تشكيل أي حكومة جديدة ، وفي الحفاظ على الحكومة مترابطة لأي فترة من الزمن .

حكم الأقلية

بينما التمثيل التناسبي مبني على فكرة أن تأثير الحزب يجب أن يكون متناسبا مع قوته التصويتية ، فإن التكتل الحكومي يعني عادة أن الأحزاب الصغيرة تستطيع القيام بتأثير كبير – وأحيانا حاسم – على تشكيل الحكومة و إعفائها ، وكذلك على جميع قراراتها . الأهم من ذلك ، أنه يعني تلاشي المسؤولية . لأنه في الحكومة الائتلافية ، هناك مسؤولية أقل لجميع الشركاء في التكتل .

التمثيل التكافؤي – والعديد الكبير من الأحزاب كنتيجة – قد يكون له تأثير ضار على القرار الحاسم بالتخلص من الحكومة عن طريق التصويت ضدها ، الانتخابات البرلمانية على سبيل المثال . يتم اقتياد الناخبين للاعتقاد بأنه ربما لن يحصل أي حزب على أغلبية مطلقة . مع هذا الاعتقاد في مخيلتهم ، بالكاد يصوت الناس ضد أي حزب . نتيجة لذلك ، في يوم الانتخابات لا يتم اقصاء أي حزب ، لا حزب محكوم عليه ذلك اليوم . وفقا لذلك ، لا أحد يرى يوم الانتخابات كيوم الحساب . كيوم تقف فيه الحكومة المسؤولة لتحاسب على أعمالها وسقطاتها ، نجاحها وفشلها . كيوم تقف فيه المعارضة منتقدة هذا السجل وشارحة لما كان يجب على تلك الحكومة القيام به ولماذا . خسارة أحد الأحزاب لـ 5% أو 10% من الأصوات لا يراه المصوتين ” ذنبا ” . إنهم يرونه عوضا عن ذلك كتقلب وتأرجح مؤقت للشعبية . ومع مرور الوقت ، يعتاد الناس فكرة انه لا يمكن محاسبة الأحزاب السياسية ولا قادتها على قراراتهم التي فرضت عليهم عبر ضرورة تشكيل تكتل .

من وجهة نظر النظرية الجديدة ، فإنه يجب رؤية يوم الانتخابات كيوم للحساب . كما قال Pericles الأثيني عام 430 قبل الميلاد : ” رغم أن القلة قد تصدر نظاما ، إلا أننا جميعا نملك حق الحكم عليه ” . بالتأكيد قد نحكم عليه خطأ ، وفي الحقيقة نحن نفعل ذلك أغلب الوقت . ولكن إن عشنا مدة تمتع احد الأحزاب بالسلطة والقوة وعواقب ذلك ، فإننا نملك على الأقل بعض المؤهلات لكي نصدر حكما عليها . هذا يفترض أن الحزب الحاكم وقادته مسؤولين مسؤولية كاملة عما يفعلون ، وبالتالي يفترض حكومة أغلبية . ولكن مع التمثيل التناسبي ، حتى في حالة ان هناك حزبا حاكما بأغلبية مطلقة وتم إقصاؤه بأغلبية مماثلة عبر مواطنين تحرروا من سيطرة ذلك الحزب ، فإن الحكومة قد لا تتخلى عن الحكم . بل عوضا عن ذلك ستبحث عن أصغر حزب قادر بما فيه الكفاية على الحكم بمساعدتها .

لهذا السبب فإن القائد المكروه للحزب الأقوى كان ولا يزال مستمرا في قيادة الحكومة – في معارضة صريحة ومباشرة لأغلبية الأصوات بناء على المساعدة المتلقفة من أحد الأحزاب الصغيرة التي سياساتها ، نظريا ، قد تكون بعيدة كل البعد عن ” تمثيل إرادة الشعب ” . بالتأكيد لن يكون الحزب الصغير ممثلا بقوة في الحكومة الجديدة ، ولكن قوته ستكون كبيرة لأنه بإمكانه الإطاحة بالحكومة في أي وقت . جميع هذا يشكل خرقا كبيرا للمبدأ الذي نبت منه التمثيل التكافؤي : أي الفكرة القائلة بأن تأثير أي حزب يجب أن يتناسب مع عدد الأصوات التي يجمعها .

نظام الحزبين

لكي نجعل حكومة الأغلبية ممكنة ، نحتاج شيئا ما مقاربا لنظام الحزبين في بريطانيا والولايات المتحدة . ولأن تطبيق التمثيل التكافؤي يجعل ذلك الأمر صعبا ، فأنا اقترح أنه من مصلحة المسؤولية البرلمانية أن نقاوم أي إغراء أو ميل الى الفكرة القائلة بأن الديموقراطية توجب التمثيل التكافؤي . عوضا عن ذلك يجب أن نكافح لأجل وجود نظام الحزبين ، أو على الأقل شيئا مقاربا لذلك . لأن نظاما كذلك يشجع استمرارية ” نقد الذات ” لدى الحزبين . لكن رؤية كهذه قد تستثير اعتراضات معتادة لنظام الحزبين مفادها أن : ” نظام الحزبين يقمع تشكيل أحزاب أخرى ” . هذا صحيح ، ولكن هناك تغيرات وتطورات كبيرة تحدث داخل الحزبين المسيطرين في بريطانيا وأيضا في الولايات المتحدة . لذا فالقمع لا يجب أن يكون إنكارا للمرونة .

المهم هو انه في نظام الحزبين ، الحزب الخاسر مطالب بأن يحمل خسارته على محمل الجد . لذلك قد يضطر إلى إحداث تغييرات داخلية في أهدافه. إذا خسر الحزب مرتين أو ثلاث ، فإن البحث عن أفكار ورؤى جديدة قد يصبح محموما ، وهذا بدوره تطور صحي . هذا وارد الحدوث حتى وإن كانت الخسارة في الأصوات طفيفة .

أما تحت نظام الأحزاب الكثيرة والتكتلات ، فهذا نادر الحدوث . خصوصا عندما تكون خسارة الأصوات قليلة نسبيا . رؤساء الحزب ميالون الى القيام بالتغيير بشكل أكثر تحفظا . إنهم يرون ذلك جزءا من اللعبة – في ظل غياب مسؤوليات واضحة لدى أي حزب . الديموقراطية تحتاج أحزابا اكثر حساسية ، وإن لزم الأمر ، أن تكون دوما على أهبة الاستعداد . هذه هي الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن للأحزاب ان تكون ناقدة لذواتها . فعلى الجهة الأخرى ، فإن النزعة إلى نقد الذات بعد خسارة الانتخابات ظاهرة وجلية في الدول ذات نظام الحزبين أكثر منها في دول نظام الاحزاب المتعددة . عمليا إذا ، نظام الحزبين أكثر مرونة من نظام الأحزاب المتعددة ، خلافا لذلك الانطباع الأولي .

يقال بأن : ” التمثيل التكافؤي يمنح الفرصة لظهور حزب جديد ، بلا ذلك فإن الفرصة غير موجودة أبدا . وأن مجرد وجود حزب ثالث قد يطور بشكل كبير أداء الحزبين الكبيرين ” . قد يكون هذا هو الحال ، ولكن ماذا لو ظهرت لنا خمسة أو ستة أحزاب جديدة ؟ كما رأينا ، حتى الحزب الصغير قد يمتلك قوة غير تكافؤية إن كان في صدد اختيار أي الحزبين الكبيرين سينضم إليه لتشكيل تكتل حكومي . وأيضا يقال : ” نظام الحزبين يتعارض مع فكرة المجتمع المفتوح حيث التقبل للأفكار الجديدة وفكرة التعددية ” . الرد على ذلك : بريطانيا والولايات المتحدة كلتيهما منفتحتين جدا على الأفكار الجديدة . الانفتاح الكامل قد يكون مدمرا لذاته ، تماما كالحرية الكاملة . أيضا فالانفتاح الثقافي والانفتاح السياسي شيئين مختلفين . والأكثر أهمية حتى من الانفتاح أكثر وأكثر هو السلوك المناسب والتوجه نحو رؤية يوم حساب سياسي .

error: المحتوى محمي