هيباثيا السكندرية: سيرة حياتها ونشاطها التعليمي – ماري إيلين ويث

هيباثيا السكندرية: سيرة حياتها ونشاطها التعليمي – ماري إيلين ويث

opac-image-1هيباثيا السكندرية: سيرة حياتها ونشاطها التعليمي

ماري إيلين ويث

كانت الإسكندرية في القرن الرابع الميلادي مركز التقدم الفكري وخاصة التقدم العلمي والفلسفي في العالم الغربي. وكانت المسيحية تكتسب آنذاك سلطة سياسية وفكرية عظيمة بنفس القدر الذي كانت تفقد به الديانات الوثنية القديمة هذه السلطة. كما كانت الإسكندرية كذلك مركزًا لازدهار اجتماعي وسياسي وديني وأكاديمي عظيم, علاوة على أنها في عصر هيباثيا كانت قد اثبتت وجودها بوصفها المركز الرائد في الدراسة المتقدمة. وأصبح متحفها مركزًا للرياضيات والعلم, مزج فيه خلفاء بطليموس الطبيعيات والرياضيات والفلسفة بالفلسفة الطبيعية التطبيقية والميكانيكا, وبذلك نجحوا في ابتكار أدوات عملية دقيقة بها تم اختبار النظريات الميتافيزيقية والكوزمولوجية.

أما مكتبة الإسكندرية فقد ضمت الآفًا من نسخ المؤلفات العلمية, بما فيها أعمال الفلاسفة الوثنيين العظام: أفلاطون وكسينوفون وأرسطو. ولقد أقام بطليموس المنقذ, مدينة الإسكندرية كمركز فكري عظيم قبل ميلاد هيباثيا بسبعة قرون. وشهدت الإسكندرية خلال هذه القرون بعضًا من أهم الأحداث التي مرّت بها الحضارة الغربية: انهيار بلاد اليونان, وميلاد وتطور الفكر اليهودي العبري ومولد المسيحية واتساع رقعة الإمبراطورية الرومانية وإعلانها للديانة المسيحية ديانة رسمية لها, وأخيرًا ما حدث من اضطهاد روماني مسيحي لليهود والوثنين, بما فيهم معلمي الفلسفة الوثنية, وكانت هيباثيا الأعظم شهرة بين هؤلاء المعلمين.

 

سيرة حياتها:

عادة ما يؤرخ لمولد هيباثيا بين عامي 370 – 375 م. وإن كان هوخي يقرر أنه وفقًا لمعجم سويداس – الذي يحمل اسم دامسكيوس Damascius – يكون عام 375 ميلادي هو التاريخ الصحيح لميلادها. وإن كان هوخي يذكر أن كل من ماليوس وفيرنسدورف يرجحان أن ميلادها كان تقريبًا عام 350 م.

لقد عاشت هيباثيا إبان المواجهة الأخيرة بين الوثنية وبين الديانة المسيحية الوليدة, وجسدت هيباثيا بشكل شخصي ما كان من صراع بين العلم والفلسفة والرياضيات اليونانية الوثنية من جانب, وبين السلطة الدينية والسياسية المسيحية من الجانب الآخر. وعندما ولدت هيباثيا كانت النزعة الأفلاطونية المحدثة العلمية آخذة في الازدهار وقد كانت هذه النزعة قد اكتسبت بفضل أفلوطين صبغة الديانة اللاهوتية السرية, وشكلت مسائل معرفة الواحد وطبيعة العقل والنفس وإمكانية وجود الشر, وكذلك وجود العناية الإلهية؛ شكلت جميعًا جوانب الدين والميتافيزيقيا والكوزمولوجيا الأفلاطونية. وتركت أثرها القوي في أفكار فورفوريوس, وقد ظل هذا الأخير فيلسوفًا وثنيًا معاديًا أشد المعاداة للمسيحيين, على الرغم من أنه انتقد كذلك ما كان من سحر وشعوذة في الديانة الوثنية القديمة.

ولم تصل إلينا وثائق عن تعليم هيباثيا المبكر, رغم أن أغلبية المؤرخين يذهبون إلى أنها قد تعلمت ودرست في البداية على يد والدها الذي كان يقوم بتدريس الرياضيات والتنجيم في المتحف. ولما لم ترد الينا أي شهادة تؤكد على أن أباها ثيون قد درس الفلسفة, ولما كان من الثابت أن هيباثيا درست ثم بعد ذلك حاضرت في الفلسفة في المدينة الإسكندرية, فمن المرجح افتراض أنها تعلمت الفلسفة – على اقل تقدير- على يد فلاسفة من المدرسة الأفلاطونية المحدثة في الإسكندرية. أو أنها قد ثقفت نفسها بنفسها. ورغم أن معجم سويداس يذكر أن هيباثيا قد درست الفلسفة في أثينا فإنني أشارك هوخي في تشككه في صحة هذه الرواية, فهي لا تعبر في الواقع عن الحقيقة. ويفترض هوخي بدلًا من ذلك أنها قد درست على يد علماء الرياضيات في متحف الإسكندرية وكذلك على يد أساتذة آخرين -ربما كانوا من فلاسفة المكتبة- هناك, ومما يثير الشك في رواية معجم سويداس قوله: “إن علية القوم في أثينا قد سارعوا إلى زيارة هيباثيا عندما قدمت إلى أثينا” فلو كانت هذه المقولة صحيحة لكان معناها أنهم توجهوا بالزيارة إليها لأنها كانت فيلسوفة مشهورة في زيارة لمدينتهم – هذا إن كانت هيباثيا قد ذهبت فعلًا إلى هناك – وليس بوصفها تلميذه جاءت لتطلب العلم.

وإن كان هوخي يرى أن الرواية القائلة “إن علية القوم في أثينا قد قاموا بزيارتها” تعني فيما يرجح الكناية فحسب, يعني أن هيباثيا تعامل في الإسكندرية بنفس معاملة العظام في أثينا, فكما كان علية القوم يقومون بزيارة هؤلاء الفلاسفة, كان علية القوم في الإسكندرية يتوجهون بالزيارة إلى هيباثيا.

ويثبت هوخي بشكل مقنع أن هيباثيا قد تشيعت في فلسفتها لاتجاه مدرسة أفلوطين – الأفلاطونية المحدثة – عندما كانت هذه المدرسة في أوج ازدهارها عام 400م، وكانت هيباثيا آنذاك في الخامسة والعشرين، وربما في الثلاثين من عمرها. ويذكر هوخي أنه بينما كان من الثابت أن يظل التلميذ الوافد الجديد إلى الأفلاطونية المحدثة فترة طويلة في معية الأستاذ, فإن معجم سويداس يذكر أنها بعد فترة قصيرة قامت بالتدريس في هذه المدرسة آنذاك وكان أجرها يدفع من الأموال العامة مقابل ذلك. وهو قول يدعم افتراض فيرنسدورف القائل أن هيباثيا قد تم تعينها في هذا المنصب بواسطة المسئولين في الإسكندرية, وأنه كان يدفع لها راتب حكومي مقابل هذه المهمة. فإن كان ذلك قد حدث حقًا – كما يقول هوخي – فلم تكن له سابقة من قبل في أية واحدة من المدارس الفلسفية. ويرى هوخي بالتالي أن وظيفتها هذه كانت حتمًا شرفًا فريدًا واستثناءً عظيمًا. ولا سيما لو عرفنا أن النساء قديمًا لم تكن تخترن بشكل رسمي ولا بشكل غير رسمي لشغل الوظائف العامة, ويزداد ظهور تفرد وظيفة هيباثيا هذه عندما نعرف أن الحكومة التي كانت قائمة في الإسكندرية آنذاك كانت حكومة مسيحية في حين كانت هيباثيا لا تزال على وثنية اليونان. ويرى هوخي أنه لما كانت التعيينات في المتحف تتم بأمر الإمبراطور أو نوابه, فلا بد أن راتبها كان يدفع إليها من مخصصات المتحف, هذا رغم عدم وصول أي دليل إلينا على أنها كانت عضوة في هذه الهيئة. فآخر عضو معروف لدينا فيه كان أبوها ثيون.

معظم ما كُتب عن هيباثيا تركز حول حياتها الجنسية وحالتها الاجتماعية، فاختلف كثير من المؤرخين حول عفتها وطهرها. فعلى سبيل المثال ذكر توماس لويس أن هيباثيا كانت لها طريقة واثقة وجريئة في مواجهة الآخرين، تبلغ حد الوقاحة أحيانًا، دون أدنى اهتمام في أي مجتمع من الرجال. غير أنها كانت تحترم من الجميع لعفتها التي لا يمكن أن تقارن. ويسهب سويداس في الحديث عن عفتها ويخبرنا – كمثال على هذه العفة – عن شاب متأنق زير نساء ذهب إلى مدرستها وكان لديه رأي أفلاطوني عن العفة – وأخذ يغريها بكل الطرق لممارسة الفحشاء معه, ولكنها لم تستجب له, إما بسبب بغضها لشخصه وإما لأنها كانت مرتبطة من قبل مع أورستيس, حاكم المدينة من قبل الإمبراطور (والذي دائمًا ما كانت تعرج إلى زيارة منزله) ولم تستجب على الإطلاق لإغراءاته. ولم ييأس الشاب المتعاجب بنفسه وظل مؤمنًا رغم ذلك بقدراته الخارقة على إغراءها إليه, فواصل ملاحقاته لها بعد انتهائها من دروسها, ولكنها لما كانت امرأة ذات عفة وشرف ظلت على رفضها وثباتها, وفي النهاية وبعد أن بذلت كل المحاولات بوصفها فيلسوفة لرده عن ذلك لجأت إلى حيلة بارعه وعمل بالغ الفحش لدرجة أنني لن ألوث كتابي هذا, ولن أجرح مشاعر القارئ فأترجم له ما فعلته هيباثيا مع هذا الشاب!! هذه هي رواية توماس لويس للمسألة, وأما سويداس فيروي القصة في كتابه “المعجم” بقوله (راح شاب يضايقها بمطارداته لها في حين أنها لم تكن مهتمة معه سوى بدراسة الفلسفة, وأخيرًا وضعت هيباثيا حدًا لهذه المطاردة بأن ألقت على وجهه قطعة من القماش كانت في القرن الخامس تعادل ما تستعمله المرأة الآن عندما تحيض, بعد أن استعملتها وصاحت: “إن ما تشغل عقلك هي المتع الجنسية وليست المتع الفلسفية”.

ووفق لكلام تولاند “أن واحدًا من تلاميذها هام بحبها, وحاولت هيباثيا أن تعالج هواه بنظريات الفلسفة، غير أن الفتى المتعاجب ظل يطاردها بإلحاح, في وقت تزامن مع حيضها, فأخذت منديلًا سبق أن استعملته في حيضها وقذفته في وجهه قائلة : هذا هو ما تحب أيها الشاب الأحمق؟ إنك لا تحب شيئًا جميلًا”.

وذلك أن الفلاسفة الأفلاطونيين كانوا يعتقدون أن الخير والحكمة والفضيلة وغير ذلك من تلك الأمور تحمل في داخلها قيمتها, إنها الأشياء الوحيدة الجميلة حقًا، والتي تتمتع بصفات الكمال والتناسق الإلهي والجمال, ومن ثم فإن الناس ترغب فيها لذاتها. وأعظم شيء جمالًا بين الناس في هذه الحياة ليس سوى محاكاة ناقصة للحقيقة. لقد كانت هيباثيا تدرس لتلاميذها بهذا المفهوم الصحيح عن الحب الأفلاطوني. ونستطيع بهذه الطريقة أن تصل بطالب من دارسي الفلسفة في الإسكندرية إلى مرحلة يشعر فيها بالخجل من نفسه وكانت هذه أفضل طريقة لعلاجه.

أما أورستيس الذي ذكره لويس من قبل فكان حاكم مصر من قبل الإمبراطور, وكثيرًا ما كان يلجأ إلى طلب مشورة هيباثيا في المسائل السياسية والفلسفية, وقد ألف أورستيرس حزبًا سياسيًا يعادي أسقف مدينة الإسكندرية المسمى كيرلس. وأخذ هذا الأخير يدبر المؤامرات وأشكال الاضطهاد لكل من حالف أورستيس وأوعز – كما يروى سقراط الاسكولاتي, وهو مؤرخ معاصر لهيباثيا – أوعز بشكل علني إلى مجموعة من رهبان وادي النطرون “فتربصوا بهيباثيا حتى واتتهم الفرصة عندما كانت في عربة الحاكم, فهاجمتها هذه المجموعة وانتزعوها من العربة, وألقوا بها إلى كنيسة قيصرون, وتقدمت مجموعة منهم بتجريدها من ثيابها كلها حتى أصبحت عارية تمامًا, ثم أخذوا بسلخ جلدها, وتمزيق اللحم من العظم بمحار حاد الأطراف, إلى أن انقطع النفس من جسمها تمامًا, فقاموا بتقطيع أوصالها إلى أشلاء ثم أخذوا أشلاء جثتها إلى مكان يسمى سينارون, فأوقدوا نارًا عظيمة وألقوا بأشلائها في النار حتى تحولت إلى ذرات من رماد”.

mort_de_la_philosophe_hypatie

 

أنشطتها التعليمية:

وصلت إلينا معلومات من مصادر متنوعة –بما فيها مصادر بعض تلاميذها المشهورين– عن الأعمال والأنشطة التعليمية التي قامت هيباثيا بها. فيخبرنا دمسكيوس أنها كانت تحاضر في علم الهندسة والرياضيات. في حين يذكر فيلوستجوريوس أنها فاقت والدها ثيون – والذي كان أعظم عالم رياضيات في متحف الإسكندرية – في الرياضيات. ويروي هسيخيوس أنها بارعة في علم الفلك مثل والدها تمامًا . ولقد تأكدت شهرتها في هذه المجالات كلها في الرسائل التي تبادلتها مع تلميذها سينسيوس, والذي كان قد تلقى تعليمًا منها لم يحدث أن فاز به على الإطلاق أحد غيره. ومن خلال هذه الرسائل نعلم أن هيباثيا قامت في دروسها بتعليم فلسفات أفلاطون, وأرسطو, والأفلاطونية المحدثة وأسرارها .كما قامت كذلك بتعليم الفلك, والميكانيكا, والرياضيات. ونعرف منها كذلك أن سينسيوس قد تعلم الأفلاطونية المحدثة – وهي فلسفة دينية “وثنية” انتقائية معارضة للفلسفة المسيحية – من هيباثيا نفسها . وكانت هذه الفلسفة تمثل المرحلة الأخيرة في الانتقال الفكري من الفلسفة اليونانية الوثنية إلى المسيحية .

ومن ثم قادت دراسة سينسيوس لأفلوطين على يد هيباثيا – قادته إلى اعتناق المسيحية ثم أصبح بعد ذلك أسقفا لمدينة بطليمية . ونعلم من رسائل سينسيوس أن هيباثيا لم تكن تعد فحسب في عصرها الشارح الأعظم الباقي للفلسفات الافلاطونية والأرسطية والافلاطونية المحدثة والرياضيات, بل كان التلاميذ يفدون إليها من أقصى المدن للدراسة على يديها. إذ نعرف من رسالة أرسلها سينيوس إلى هيوكوليانوس عام 390م، أن شابّين سافرا من قورنائية إلى الإسكندرية للدراسة على يد “.. امرأة بالغة الشهرة, شهرتها كانت شيئًا لا يمكن بلوغه. لقد رأينها نحن بأنفسنا واستمعنا إليها وهي تتربع بشرف عظيم على عرش الإحاطة بأسرار الفلسفة”. ومع عام 393م أضحى سينسيوس نفسه تلميذًا لهيباثيا وقد وفد من مدينة بنتا بوليس إلى الإسكندرية ليدرس على يد الفيلسوفة ذات الشهرة الواسعة والتي كانت مع ذلك لا تزال في الثالثة والعشرين من عمرها (هذا لو كانت تقديرات هوخي وغيره من المؤرخين لميلادها تقديرات صحيحة). وفي هذا الوقت بالضبط الذي ذهب فيه ستيسيوس إلى الإسكندرية للدراسة على يد هيباثيا، كان الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس قد منع ممارسة الشعائر الوثنية في مصر. حيث كانت أعمال الشغب قد انتشرت بالفعل آنذاك بين الوثنيين وبين المسيحيين. ورغم هذا الاضطراب والشغب ظل شائعًا آنذاك إيمان العامة بالقوى السحرية والسرية بين الوثنيين وبين المسيحيين على حد سواء. وظل يلقي بظلاله ايضًا على الثقافة والفلسفة الغربية. حقًا كانت النزعة الوثنية قد خمدت نيرانها, ولكن ظل باقيًا قوي الاعتقاد في إمكانية التنبؤ بالمستقبل ومعرفة مشيئة الله المستقبلية من خلال تفسير الأحلام والرموز . وقد جسد سينسيوس هذا الإيمان العبراني الإغريقي والمسيحي بالتنجيم في مؤلفين له بعنوان “ديون” وكتاب “عن الأرق”.

وفي عام 404م قام سينسيوس بإرسال هذين المؤلفين إلى هيباثيا, والتي كانت في ذلك الوقت قد تقلدت منصب رئيسة مدرسة الأفلاطونية المحدثة في الإسكندرية، وطلب منها سينسيوس في رسالة أرفق معها مراجعة كتابية والتعليق عليهما. ويذكر بعد ذلك مباشرة أنه لما كان كتاب “عن الأرق” في الأصل ثمرة للوحي الإلهي فسوف ينشره مهما كان ما تعتقد هيباثيا فيه. فلا يمكن إذن أن نفترض بناء على رسالة سينسيوس هذه أن آراء هيباثيا (المعرفية) كانت تنكر اتخاذ الوحي الإلهي مصدرًا لمعرفة الحقيقة, وإنما يبدو أن هيباثيا لم تتناقش معه في الأسس التي قام عليها هذا الكتاب. أما كتاب “ديون” فالرسالة تشير إلى أن سينسيوس لن ينشره إلا بعد ما تراجعه هيباثيا وتصرح له بنشره . ولما كان قد تم نشر كتاب “ديون” فعلًا فيجب افتراض أن هيباثيا قد اتفقت مع النظريات الواردة فيه ولاقت رضى واستحسانًا منها.

كان كتاب ديون دفاعًا وضعه سينسيوس عن الفلسفة في وجه المدعيين من الخطباء الذين يعتبرون أنفسهم فلاسفة, فيدافع فيه عن الأفلاطونية المحدثة التي كانت تعلمها هيباثيا, تلك الأفلاطونية التي لا تنظر إلى الله على أنه مفارق فحسب – مازجه التصوف بالكلبية هنا- بل وتعتبره واحدًا أيضًا, ولا يمكن لبشر أن يعرفه معرفة مباشرة إلا عن طريق الإلهام. ويفيض عن هذا الأول المتعالي عقل كون ما لديه من أفكار هي المثل الأفلاطونية, صور المعرفة الحسية. ومن العقل نفسه تفيض المادة ماهية الكون المادي, والعلة المباشرة للكون ولموجوداته الحسية. ولما كانت المادة شرًا والعقل هو المقدس السامي, ولما كان الإنسان ماديًا في جزء منه وفي الجزء الآخر, روحي/عقلاني, فإن الإنسان في جانب منه شرير وفي الجانب الآخر روح خيرة سامية. وفي استطاعة الإنسان من خلال ضبط النفس, والإخضاع الكامل للحواس, أن يصبح قادرًا على تلقي الوحي الإلهي المباشر بالحقيقة الإلهية من العقل الكوني . ومن الواضح أن هذه الفلسفة ذات الإبستمولوجيا الدينية هذه قد قاربت الحدود بين هيباثيا وبين سينسيوس, فهي تتفق تمامًا مع وثنية هيباثيا وفي الوقت نفسه مع مسيحي سينسيوس.

ويذكر سويداس في معجمه أن هيباثيا قد كتبت شرحًا لكتاب ديوفانتس المسمى “علم الحساب”, كما أنها وضعت طائفة من النظريات الفلكية كانت تمثل جزءًا من شرحها على كتاب بطليموس “المركب الرياضي”. كما وضعت شرحًا على كتاب أبولونيوس البرجي المسمى “قطوع المخروط”. وعلى الرغم من أن سويداس يروي أن الكتب الثلاثة قد فقدت, وعزى الباحثون المتأخرون هذا الضياع إلى حريق مكتبة الإسكندرية, فإن هناك دليلًا دامغًا على أن شرحها على كتاب ديوفانتس “علم الحساب” لا يزال باقيًا سليمًا محشوًا في النسخة الأصلية للكتاب. كما لا يزال شرح هيباثيا على الكتاب الثالث من مؤلف بطليموس “المركب الرياضي” وما اقترن به من نظريات فلكية وضعتها عليه باقيًا إلى الآن.

 

 


المصدر: تاريخ النساء الفلاسفة في العصرين اليوناني والروماني. تحرير: ماري إلين ويث – ترجمة: محمود السيد مراد – مراجعة: محمد فتحي عبدالله / دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر- الإسكندرية (2000م).

error: المحتوى محمي