كريم عبد الجبار: قراءة في كتابين حول الهوية الإسلامية / ترجمة: أسماء السكوتي

كريم عبد الجبار: قراءة في كتابين حول الهوية الإسلامية / ترجمة: أسماء السكوتي

 

Kareem_Abdul-Jabbar_May_2014

كريم عبد الجبار


رسائل إلى شاب مسلم – عمر سيف غباش

الملحد المسلم؛ رحلة من الدين إلى العقل – علي ريزفي

في سنة 1784، عبّر صديق توماس جفرسون، السيناتور المقبل ريتشارد هنري لي، عن آرائهما المشتركة حين أكد في رسالة إلى جايمس ماديسون يشير فيها إلى المسلمين والهندوس بأن “الحرية الحقة تشمل المحمديين والجنتو كما تشمل الديانة المسيحية على حد سواء”. وفي سنة 1777، كانت مملكة المغرب المسلمة أول دولة في العالم تقبل رسميا الولايات المتحدة كدولة ذات سيادة. أما في سنة 1786، وحين كانت الولايات المتحدة في حاجة للحماية من قراصنة شمال إفريقيا الذين كانوا يسرقون السفن ويستعبدون من فيها، جرت معاهدة طرابلس، التي قضت بأن “حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لم تتأسس، في أي حال من الأحوال، على العقيدة المسيحية. كما أن ليس لها أي عداء أو اعتراض على قوانين أو دين أو سلام المسلمين”. قبل ذلك بسنة، أي في 1785، أعلن جورج واشنطن ترحيبه بكافة العمال المسلمين في ماونت فيرنون. وفي 1786، انتصر جيفرسون في دعوته لإرساء حرية عَقدية في فرجينيا، بإقناعه الهيئة التشريعية بأن ترفض بشكل قاطع شمل المسيح كمرجعية دينية للتشريع. ليعلن جيفرسون فيما بعد أن ذلك كان واحدا من أعظم ثلاثة إنجازات حققها في حياته.

من الجلي أن بعضا من أباءنا المؤسسين لم يروا أي غضاضة في توسيع الحرية الدينية لتشمل الإسلام. وهو ما يجب أن يكون، خاصة وأن الإسلام لم يظهر بين عشية وضحاها في أمريكا كسائح فضولي، بل كانت أمريكا نفسها هي من استورده حين جاءت بعبيد إفريقيا الذين كان قرابة العشرين في المائة منهم مسلمين. هذا لا يعني أن مؤسسينا الإمبرياليين شجعوا انتشار الإسلام، خاصة وألا أحد ممن يعتنق ديانة بعينها يرغب بمنافسة كتلك أن تزدهر، فالتسامح ليس تشجيعا. ولكن، على الرغم من ذلك، بزغت روح ضمنية عملت على قدم وساق في هذه الدولة الجسورة والشابة لتجعل المسلمين، من حيث المبدأ، يشعرون بالأمان والترحيب.

ومن الآمن القول بأن العلاقة بين أمريكا والإسلام، بدأت تنحدر منذ ذلك الحين.

يمكن أن يعيننا لنعود إلى الأيام المجيدة حين لم يكن الأمريكيون بعد مرعوبين ولم يزل بإمكانهم رؤية العالم كشيء يتجاوز ثنائية نحن ضد هُم، كتابان صدرا حديثا حول ما يعنيه أن يكون المرء مسلما في عالم اليوم المتسم بالتقلب – كتاب عمر سيف “رسائل إلى شاب مسلم” وكتاب علي ريزفي ” الملحد المسلم؛ رحلة من الدين إلى العقل”-. إنها لمهمة أساسية وملحة، خاصة بعد ما خلفته الانتخابات الرئاسية الأخيرة من قلق مبرر في نفوس المسلمين الأمريكيين؛ هذا القلق الذي لم يقف فقط عند الخوف على حريتهم الدينية، بل تجاوزه إلى الخوف على سلامتهم الجسدية، خاصة بعد التزايد الحاد لخطابات وجرائم الكراهية ضد المسلمين الأمريكيين. ففي بداية ديسمبر، كتب 300 أو أكثر من قادة المسلمين الأميركيين البارزين رسالة مفتوحة للرئيس المنتخب ترامب، طالبين منه التراجع عن بعض من انتقاهم للانضمام إلى إدارته، لما يشهد به “تاريخهم الموثّق من تعصب صريح ضد المسلمين، أو دفاع عن عدم أحقية المسلمين لامتلاك حقوق كتلك التي يملكها مواطنوهم الأمريكيين”.

يتبع كتاب غباش “رسائل إلى شاب مسلم” التقليد الأدبي القائم على تمرير شخص بالغ من العائلة رؤاه لشخص أصغر منه في الجيل اللاحق، وقد كان المرسل في هذا الكتاب يتوجه بكلامه لابنيه المراهقين، بالإضافة إلى شبات وشباب مسلمين آخرين. وظف تا-نيسي كوتس Ta-Nehisi Coates بدوره هذه المقاربة في كتابه المذهل الصادر سنة 2015 والمعنون بـ “بين العالم وشخصي” Between the world and me، حيث سبر أغوار الدلالات المختلفة لما يعنيه أن يكون الإنسان أسودا في أمريكا. تأثر كوتس بدوره بنص “رسالة إلى ابن أخي حول الذكرى المائة للانعتاق”، وهو عبارة عن مقال لجيمس بالدوين، في كتابه “النار في المرة القادمة” The Fire Next Time، باعتباره طفلا ترعرع ضمن جماعة محتَقَرة ومهانة بشكل قاسي، ليسأل في النهاية: “لماذا يكرهوننا بهذا القدر؟”. تضيف المواربة الأدبية في الإجابة على هذا السؤال بشكل مباشر بعدا صادقا يستشعره الفؤاد إلى الكتابة ويُخزي أولئك الذين كانوا سببا في نشأة هذا السؤال في المقام الأول.

غباش مؤهل بشكل خاص كي يأخذ على عاتقه هذه المهمة، فبالإضافة إلى دراسته في أكسفورد وجامعة لندن وكونه سفير الإمارات في روسيا، هو شغوف بالقوة الثقافية للأدب كما يتضح من مشاركته في العديد من الجوائز الأدبية، خاصة الجائزة المرموقة المان بوكر. هذا التركيز والذكاء يضيئان كلماته، كما أن التعاطف والتواضع النابعين من إيمانه كفيلان بأن يلهما قراءه؛ سواء أكانوا شبابا مسلمين باحثين عن أجوبة، أم غير مسلمين طامعين في فهم أفضل للدين.

لا يعتذر غباش باسم الإسلام لأن لا حاجة لذلك. هو يفترض بأنه يمكن للعقلانية والدين أن يتواجدا معا، لأن من المفترض أن نستخدم ذكاءنا للإعراض عن التأويلات المتلاعبة والقاصرة للنصوص Scriptures. فمن حيث المغزى، هو يقترح حلا وسطا بين الإيمان الأعمى والقضم على ثمرة شجرة معرفة الخير من الشر. يحوي الكتاب على تعاليم سماوية نسقية معينة، ولكن على المتابعين أن يكونوا متيقظين أبدا بألا تحيد على يد أناس يملكون طموحات شخصية أو سياسية، يكتب غباش: “أريد لجيل أبنائي من المسلمين أن يدرك بأن له الحق في التفكير بين ما هو صواب وما هو خاطئ، ما هو إسلامي وما هو خارج حدود الدين. ويقع على عاتقهم حمل القرار الذي سيتخذونه”.

إن أصعب قضية يصعب على غير المسلمين فهمها هي كيف يمكن لمسلمين مسالمين أن يتواجدوا جنبا إلى جنب مع مسلمين إرهابيين، وهو نفس الإشكال الذي كان على كل من الكاثوليك والبروتستانت واليهود أن يخوضوه على مدى قرون، حيث المتمسكين بأي من تلك الديانات استخدموا العنف ليمرروا هدفا ما. يفسر غباش الفروقات الفاصلة بين المسلمين بوصف الإسلام كهرم: “المتشددون Fondamentalist، والمختزلون للنص القرآني Reductive، ثم الأصوليون Authentic Muslims الذين يتربعون على القمة بأصواتهم العالية وخططهم الواضحة. ولكن كيف سيأثر هذا عليكم؟ حسنا، لتبدأوا بالتفكير في كيف يستخدم الناس بشكل عام السلطة وفيما يستخدمونها. ربما من المبكر قليلا التفكير بتلك الأشياء، ولكن هناك الكثير من السلطة والنفوذ على المحك. خاصة وأن السلطة تغوي”. يحذر الكاتب القارئ بألا يقلل من شأن أثر الأقليات المتشددة على الـ 70 في المائة من المسلمين الأميين، والـ 100 مليون عربي الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، والـ 28 في المائة منهم الذين لا يملكون وظيفة.

في النهاية، يحث غباش القارئ على اختيار درب عصري وتنويري يحتضن التنوع، ليس ضمن الإسلام فحسب لكن في كل الديانات، يقول: “إذا ما بدأت في تقبل التنوع الفردي للمسلمين أمثالك، فمن المرجح أنك ستفعل الشيء ذاته مع العقائد الأخرى كذلك “. إن هذا النوع من الحكمة هو ما يخلق أملا في عالم حيث أناسه من الذكاء والعقلانية الكافيين لكي يعملوا في خدمة الصالح العام، ولا ينشبون أظافرهم في بعضهم البعض، بينما تبتلعهم الرمال المتحركة ببطء.

أما أخصائي مرض السرطان علي ريزفي فهو في موقف لا يحسد عليه كونه ينتمي لمجموعتين دينيتين تقعان في آخر المراتب للأمريكيين وفقا مركز الأبحاث Pew سنة 2014: الإسلام والإلحاد. يعد كتابه تماما بما يشي به عنوانه: “الملحد المسلم؛ رحلة من الدين إلى العقل”، ألا وهو نظرة قريبة لرحلة ريزفي بدءا من تنشئته الإسلامية، وصولا إلى رفضه للإسلام وغيره من الديانات. الحجج فيه تأملية وواضحة وموثقة جيدا ومنطقية وسهلة للوصول عبر العديد من الحكايات الشخصية والاستشهاد بالثقافة الشعبية.

يشير الوزير الأمريكي والمؤلف نورمان فانسنت بييل Norman Vincent Peale إلى أن “مشكلة أغلبنا، هو تفضيلنا لخرابنا بالمدح، على نجاتنا بالنقد”. يصدق هذا القول تماما حين يكون أحدهم جريئا بما يكفي كي ينتقد الدين. من الجلي بأن ريزفي يريد انقاذ العالم من دمار التفكير اللاعقلاني الذي يُحِل مختلف أشكال العنف والهدم. إذ يقارب الكاتب موضوعه بنوع من العقلانية العلمية التي قادت خطى عصر العقلانية، إلا أنه يفعل ذلك بشغف على الإنسانية ملهم. فبالرغم من أن معظم الحجج التي يقدمها ضد الدين مألوفة، من مقال برنارد راسل المشهور “لماذا لست مسيحيا” إلى الكتب المعروفة للملحدين المعصرين كريستوفر هيتشنز وريتشارد دوكنز، بيد أن شخصية ريزفي المنفتحة وجدتيه وإخلاصه في تناول الموضوع تضفي على الكتاب الكثير من الإثارة بحيث تصيره إلى دوكنز أو هيتشنز في نظر جيل هذه الألفية.

إن نقد ريزفي التفصيلي لأرثوذكسية الإسلام حسب ما فهمه من القرآن يبدو دقيقا في تفاصيله، إذ يحيل الكاتب للعديد من الشواهد التي تبين مفارقة النص أو عبثية مضامينه في العالم المعاصر. إلا أن هذا ليس مربط الفرس، إذ نعلم بأن الكتب المقدسة لأغلب الأديان تملك نفس نقاط الضعف هذه. ذلك أنه كلما زاد عمر هذه الكتب، أثبتت أنها نتاج زمن معين وأنها مثقلة بأزمات ونوائب العهد الذي خرجت فيه للوجود. إن وصف ريزفي للطوائف الإسلام التاريخية وصراعاتها الواحدة ضد الأخرى مستنير على وجه الخصوص. إذ يخلص في النهاية إلى أن الخلاف الحالي “ما كان ليمثل إشكالا لو أن عواقبه لم تكن مميتة. إذ أن الخلاف في حقيقة الأمر شبيه بفريقين يتحاربان حول أي الحصانين ذو القرن الوحيد Unicorn [كائن خرافي] الأزرق أم الأخضر هو الصحيح”.

كيف لشخص مؤمن، كغباش، أن يرد؟ إن الإيمان ليس في نهاية الأمر سوى اعتقاد في شيء ليس لنا برهان قطعي على صحته، وبذلك فطلب حجة على وجود الإله يتعارض مع المبدأ الجوهري للإيمان، الذي يحتم على الإنسان أن يتفكر في باطن العالم عوض الانشغال بأي شيء خارج حدوده. ولكن الإيمان لا يعيق المنطق. يسمح لنا اختيار الإيمان بالخير الإنساني المطلق، رغم كل الدلائل التي تشير بالعكس، باعتناق تعاليم دينية معينة. ولكنه لا يعفينا من مسؤولية اختيار أي التعاليم تعبر عن الإيمان والاعراض عما دونها. كلا المؤلفين يتفقان على هذه النقطة، وهذا كفيل بأن يبعث الأمل فينا جميعا.

 

المصدر

error: المحتوى محمي