فلسفة شوبنهور – د. زكي نجيب محمود

فلسفة شوبنهور – د. زكي نجيب محمود

مجلة الرسالة / فبراير 1935م


سادت في أوروبا روح التشاؤم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتملك النفوس يأس قاتل، وارتفعت بذلك أصوات الشعراء والفلاسفة في كل ناحية من نواحيالقارة: بيرون في إنجلترا، ودي موسيه في فرنسا، وهيني وشوبنهور في ألمانية. ولقد يقف المرء امام هذه الظاهرة العجيبة وقفة لا تطول كثيراً حتى يجد اسباب ذلك في طبيعة ذلك العصر وظروفه التاريخية: فقد انفجرت الثورة في فرنسا ودوت في أرجاء أوروبا دوياً اهتزت من حوله عروش، وكان لصوتها صدى في كل الصدور وأثر عميق في كل النفوس، فمن أشراف ناقمين ساخطين، إلى زراع يهللون لها ويكبرون. . . ثم كانت واقعة وترلو فخفت ذلك الصوت الداوي، وعزل نابليون على صخرة سنت هيلانة الصامتة الموحشة في عرض المحيط، وعاد (البوربون) إلى ملكهم في فرنسا، وعاد في ذيلهم أشراف الإقطاع يطالبون بأملاكهم، وانتشرت في أوربا حركة رجعية تعمل على طمس معالم الثورة والتجديد.

كم من ملايين الشباب زهقت نفوسهم عبثاً، وكم من عامر الأرض بات خراباً بلقعاً. . . فكنت لا ترى على وجه أوربا إلا آثاراً خربة وأنقاضاً هنا وهناك، ذلك لأن الجيوش النابليونية الجرارة من ناحية، وأعداءها من ناحية أخرى، أخذت تروح وتجيء اكثر من عشرين سنة قضت فيها على الأخضر واليابس، وخلفت القرى والمدائن ينتابها فقر مدقع وبؤس شامل. ماتت الثورة الفرنسية وكأنما انتزعت معها روح الحياة من أوربا، لأن قلوب الشباب الطامح في كل بقعة من بقاعها كانت قد صغت إلى الجمهورية الناشئة وعاشت في ظلال الأمل الوارفة حيث أملت في مستقبل ذهبي سعيد، فما هي إلا أن وقعت الواقعة في وترلو حتى تحطمت كل هذه الآمال وتبدلت بمأساة سنت هيلانه ومؤتمر فينا فدبت في النفوس روح اليأس التي ملكت على الناس شعب الحياة، وأثَّر ذلك في النزعة الدينية أثرين مختلفين: أما الطبقة الفقيرة الجاهلة فقد التجأت إلى الدينتجد في كنفه السلوى والعزاء، وأما الطبقة المفكرة فطغت على قلوبهم موجة إلحادية، ولم تعد عقولهم تسيغ أن يكون ثمة مدبر أعلى لهذا الكون. فأما فريق العقيدة والدين فقد أقتنع بأن هذه النكبات ليست إلا إذلالاً للنفوس جزاء وفاقاً بما نزعت إليه من الإعتزاز بحكم العقل ونبذ العقائد وراء الظهور. وأما فريق الإلحاد فقد ارتأى أن اضطراب أوربا ينهض دليلاُ قوياً على فوضى الحياة وعبثها، وعلى رأس هؤلاء بيرون وهينيوشوبنهور.

 

فلسفته:

1- العالم فكرة
يرى شوبنهور أن الوساطة الوحيدة بين الإنسان والعالم الخارجي هي الحواس والمشاعر، فأنت إذا رأيت شجرة انطبعت صورتها في ذهنك، وهذه الصورة إنما انتقلت عن طريق عدسة العين، فقد تكون مطابقة لحقيقتها الخارجية وقد لا تكون، وقل مثل ذلك في كل معلوماتك عن أجزاء الوجود، فالصورة التي كونهاذهنك عن هذه الدنيا هي فكرة خلقتها حواسك ولا يتحتم أن يكون لها حقيقة واقعة مطابقة لها وإذن فالإنسان كما يقولون دنيا نفسه، وأن في الوجود من الدنى بمقدار ما فيه من عقول بشرية.
يخلص شوبنهور من هذا بأن الواجب الأول هو دراسة العقل قبل البدء بدراسة المحسوسات، لأن في دراسة العقل المفتاح الذي نصل به إلى حقائق الوجود الخارجي.

 

2 – العالم إرادة
يكاد يجمع الفلاسفة على أن كنه العقل وجوهره هما الشعور والفكر، إلا أن شوبنهور يرفض ذلك رفضاً، ويقول بأن الشعور إن هو إلا قشرة خارجية لعقولنا لا يعرف على وجه الدقة ما تحويه في باطنها، فهذا الغلاف المفكر يخفي وراءه إرادة لا شعورية، لا يخمد لها نشاط، ولا تنتهي لها رغبات وآمال، وهي التي تملك زمام الإنسان في كل حركاته وأعماله، أما هذا المنطق الذي نحتكم إليه في كثير من شئوننا، والذي يخيل إلينا أنه نابع من العقل الواعي، هو في الواقع ملجم بهذه الإرادة الباطنية، فنحن لا نريد الشيء لأن هناك من الأسباب المنطقية ما يدفعنا إلى ذلك، ولكننا نخلق الأسباب خلقاً إذا كنا نريده إرادة لا شعورية. فالأسباب نتيجة لا مقدمة!! بل نستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا الزعم فنقول: إننا إنما نخلق الفلسفات ونبتدع الديانات لنخفي في طياتها رغباتنا الخفية. ابحث في كل نواحي النشاط الإنساني، تجد دوافعه مشتقة من الإرادة اللاشعورية، لا من العقل والشعور. فهذا التنافس والتناحر على أسباب العيش من طعام ولذات، إنما ينبع من (إرادة الحياة) التي يبطنها كل كائن في طوايا نفسه، حتى شخصية الفرد لا تتكون من أعماله العقلية ولكن من نزواته اللاشعورية التي يندفع اليها بإرادته الخفية؛ ومن هنا كانت الديانات على اختلافها تعد الجنة للإرادة الطاهرة (أي القلوب) ولكنها لا تعترف بالعقول الكبيرة ولا تحسب لها في جناتها حساباً.

وليست سيطرة الإرادة مقصورة على الحياة الفكرية، بل تتعداها إلى الدائرة الفسيولوجية. فإرادة الحياة خلقت أوعية يجري فيها الدم، وإرادة المعرفة خلقت مخاً يصل إلى شتى المعارف، وإرادة القبض على الأشياء خلقت الأيدي، وهكذا نشأ كل عضو بعد نشوء إرادة وظيفته، فحركات الجسم هي في الواقع إرادات مجسمة بل الجسم كله إرادة متبلورة. إذن فالارادة، لا العقل، هي كنه الإنسان بل كنه الكائنات الحية جميعاً، هذه الإرادة التي نتحدث عنها هي رادة الحياة، وليس الحياة أياً كان لونها، ولكن (إرادة الحياة الكاملة). وليست هذه الإرادة مقسمة بين الأفراد، أعني ليس لكل فرد إرادته المستقلة تعبث به كيف شاءت، ولكنها إرادة واحدة تتناول الحياة بأسرها كتلة واحدة وشيئاً لا يقبل التجزئة، فالفرد ليس حقيقة في ذاته ولكنه ظاهرة لحقيقة، فهو جزء من كل متماسك، ومحتوم عليه بحكم إرادته أن يسير في طريق مرسوم حتى لا يضطرب نظام ذلك الكل المتحد. ومن هنا نشأت رغبة التناسل مثلا، فهي ليست رغبة فردية، ولكنها رغبة الحياة بأسرها وهي وحدها التي تسخر الأفراد لصالحها بل أن هؤلاء الأفراد الصورة المحسة التي تظهر فيها إرادة الحياة.

يقول سبينوزا: لو أن حجراً ألقي في الهواء وكان لديه شعور وإدراك لظن أنه إنما يتحرك بمحض إرادته الحرة وأنه هو الذي يختار الزمان والمكان اللذين يقع فيهما. وما أشبه الإنسان في حياته بذلك الحجر الملقى: كلاهما تدفعه قوة خارجية وكلاهما يتوهم أنه حر لا سلطان على إرادته. نعم، إرادة الحياة في عمومها حرة التصرف لأنه ليس هناك إرادة تحد تصرفها ولكن كل قالب من قوالب الحياة، أي كل جسد مادي يدب فيه جزء من الحياة، محدود ولا ريب بتلك الإرادة الكلية سواء أكان ذلك القالب الحي نوعاً أم فرداً أم عضواً من فرد.

 

3 – العالم شر
ما دامت الإرادة أساس الحياة فالحياة شر كلها. ذلك لأن الإرادة مبعث لسلسلة من الرغبات لا تنقطع. والرغبة عادة تمتد إلى أكثرمما يستطيع الإنسان تحقيقه: وهكذا يظل الإنسان مدفوعا في حياته بآلاف الدوافع من الآمال التي إن تحقق بعضها فمعظمها خائب فاشل، وهو أمام هذا الفشل الذي يغمره في كل خطوة يخطوها يستحيل عليه أن يتذوق في حياته سعادة مطلقة، ثم هو لا مناص له من هذه الرغبات التي يسوق بعضها بعضاً، لأن جوهر الإنسان إرادة كما بينا، فإذا هو تخلص من إرادته فقد تخلص من نفسه؛ ولابد لهذه الإرادة أن تعيش وتتغذى، وهذه المطامع المستمرة في حياة الفرد هي الوقود الذي تخلقه الإرادة لنفسها. والحياة كلها شر كذلك، مادامت الآلام هي طبيعة مادتها التي تتكون منها، وليست السعادة إلا حالة سلبية يقف فيها تيار الآلام. وما اصطلحنا على تسميته بالسعادة إنما هي الحالة التي ينعدم فيها وجود الألم، أعني أن ليس ثمة سعادة إيجابية. وقد أشار أرسطو إلى هذه الحقيقة بقوله أن الحكيم لا يجوز له أن يبحث عن السعادة، بل يجب عليه أن يسعى وراء التخلص من آلامه.

وفوق هذا كله، فالحياة شر كلها لأنها عراك دائم، فأينما سرت صادفت تناحراً وتنافساً وجهاداً، فكل نوع يقاتل في سبيل المادة والزمان والمكان. نعم لا ريب أن الحياة قاسية مؤلمة، وليس يعجب شوبنهور إلا من متفائل يبتسم لهذا العالم ويقول لو أن أشد الناس تفاؤلا طاف بالمستشفيات والسجون وساحات الحروب ليشهد ألوان الألم والعذاب، ولو أنه رأى البؤس الذي يتوارى خجلاً في اركان الأكواخ المظلمة. نعم لو أبصر هذا وذاك وما هو شر من ذلك جميعاً لأنقلب متشائماً يئوساً على الفور. وإلا فحدثني بربك من أين اشتق دانتي صورة جحيمه إلا من هذا العالم الذي نعيش فيه، ومع ذلك فقد كونها صورة ما أهولها من صورة!! ثم انظر كيف اصطدم بمشكلة سقطت أمامها عبقريته عجزاً وإعياء عندما أراد أن يصور جنة سعيدة لأنه التمس من الحياة أجزاء الصورة التي يريد فعز عليه المثال!!

 

4 – الفلسفة
رأينا كم يدفع المرء من الشقاء ثمناً باهضاً لأنفاسه! وعلمنا أن الحياة بما تحوي من شر تجارة خاسرة لا تساوي ثمنها!!. ولكن ألا نستطيع أن نرسم طريقاً للسعادة؟ ذلك ميسور إذا تغلب جانب العقل والمعرفة على جانب الإرادة والرغبة من الإنسان. فأنت عاجز عن إدراك السعادة إذا تملكت الإرادة منك الزمام، وأنت عاجز عن إدراك السعادة بالمال والجاه، وهي على قاب قوسين منك إذا أسلمت قيادك إلى العقل واستطعت أن تضغط على الإرادة حتى تحصرها في حيز ضئيل. ويعتقد شوبنهور أن الإعجاز لا يكون في إخضاع العالم بأسره بقدر ما يكون في إخضاع الإرادة. . . . . . إذن فالفيلسوف وحده هو الذي يستطيع أن يتغلب على شقاء الحياة. لأنه صورة من المعرفةغير المقيدةبالإرادة، وإذا استطاع الفكر أن يتخلص من قيود الرغبة والهوى أمكنه أن يرى الأشياء على حقيقتها المجردة. فالفلسفة هي عبارة عن النظر المجرد عن الارادة، هي إنكار الذات عند النظر إلى مظاهر الوجود واعتبارها حقائق في ذاتها دون أن تربطها بالحياة البشرية.

 

5 – الفن
نحن إذن ننشد تحرير المعرفة من استعباد الإرادة، ننشد إنكار الشخص لنفسه عند نظره للأشياء، وليس هذا المنشود إلا الفن في أصح معانيه. فالفنان العبقري يحاول أن يرى الأشياء من وجهة صفاتها العامة لا يعبأ كثيراً بالأشباح المادية التي تمثل تلك الصفات فموضوع الفن هو تجسيد الكلي العام في جزئي من الجزيئات والصورة الفنية يجب أن تكون المثل الأعلى للشيء المصور، ومعنى ذلك أن صورة البقرة مثلاً لكي تكون من آيات الفن الرفيع، يجب أن يتجمع فيها كل مميزات هذا النوع وما يتعلق به من صفات، كأن نوع البقرة كله قد تركز في هذه البقرة الواحدة. وصور الأشخاص يجب أن تقصد لا إلى الدقة الفوتوغرافية، بل إلى عرض كل ما يمكن عرضه من صفات الإنسان عامة في ملامح الشخص المصور، إذ الواقع أن الفنان سيصور صفات، وليست الأجسام إلا وسائل فقط لإبراز تلك الصفات.

ولنوجز هذا في عبارة أخرى: نقول أن الصورة الفنية لشيء ما يجب أن تكون عبارة عن (المثل الأفلاطوني) لذلك الشيء، وبقدر ما تقرب الصورة من ذلك المثل الخيالي تكون قيمتها الفنية. فطربنا لجمال الطبيعة أو الشعر أو التصوير إنما يصدر عن تأمل الأشياء في حقيقتها الواقعة دون أن يمتزج ذلك التأمل بوجهة النظر الشخصية. فسواء لدى الفنان أن يرى غروب الشمس من قصر منيف أو من كوة في سجن مظلم. فالفن يمحو بؤس الحياة وعللها بأن يعرض علينا صوراً خالدة من وراء هذه الصور الفردية الزائلة.

 

6 – الدين
وإذا كانت الفلسفة وسيلة لاتقاء شرور الحياة بما تستطيعه من إخضاع الشهوة لحكم العقل، وإذا كان الفن عاملاً من عوامل السعادة لأنه لا يعبأ بالأشباح المادية التي تتحرك أمامنا وإنما يعنى بحقائق هذه الأشياء الخالدة، فالدين طريق ثالث يؤدي إلى سعادة النفس وطمأنينتها لأنه بدوره عبارة عن إخضاع الإرادة لحكمة العقل، فالصيام الذي تفرضه الأديان جميعاً يقصد منه تدريب النفس على قهر إرادتها أو شهوتها.

 

7 – حكمة الموت
وبعد، فما أعجب أن تكون الحياة كما هي شروراً وآلاماً، ومع ذلك تتخذ لها من أنفسنا عوناً على الانتشار والذيوع!! يصيح شوبنهور بأعلى صوته أن الحياة سوء وشر ويجب أن نقضي عليها قضاء مبرماً. ولكن كيف؟ الحل عنده بسيط وهو أن نهجر النساء هجراً جنسياً لأنهن أس البلاء بما يقدمن للرجال من فتنة وأغراء. وهو يتساءل: إلى متى تدفعنا الحياة أمامها دفع الخراف وهي لا تحوي إلا شقاء وعناء؟ متى نستجمع كل ما نملك من قوة وشجاعة لنصيح في وجهها أن الحياة أكذوبة وخدعة. أن نجاة الإنسان وخلاصه إنما هو الموت!