عواقب التقشف الإقتصادي – أمارتيا سن / ترجمة: نواف النفجان

عواقب التقشف الإقتصادي – أمارتيا سن / ترجمة: نواف النفجان

عواقب التقشف الإقتصادي

أمارتيا سن

ترجمة: نواف النفجان

في الخامس من يونيو عام 1919، كتب (جون ماينارد كينز) لرئيس وزراء بريطانيا، (ديفيد لويد جورج)، “يجب أن أخبركم أنني لذت بالفرار في يوم السبت من ذلك المشهد الكابوسي. لا أستطيع فعل الكثير هنا.” وبالتالي إنتهى دور كينز كممثل رسمي من قبل وزارة الخزانة البريطانية في مؤتمر باريس للسلام. لقد أفلت كينز من التورط في معاهدة فرساي (كانت ستوقع في وقت لاحق من ذلك الشهر)، والذي كان شديد الإمتعاض منها.
لماذا إمتعض كينز من تلك المعاهدة التي أنهت حالة الحرب بين ألمانيا ودول الحلفاء والتي بالتأكيد كانت أمراً جيدا؟
بالطبع لم يكن كينز يتذمر من نهاية الحرب العالمية، ولا عن الحاجة إلى معاهدة لوضع حد لها، ولكن مشكلته الرئيسية كانت حول شروط المعاهدة – وعلى وجه الخصوص المعاناة والإضطرابات الإقتصادية التي أُجبر عليها العدو المهزوم، الألمان، من خلال فرض التقشف عليهم. يعتبر التقشف من أكثر المواضيع المعاصرة جذباً للإهتمام في أوروبا – وأود أن أضيف كلمة “للأسف” في مكان ما في الجملة.
لقد هاجم كينز المعاهدة في كتابه “العواقب الإقتصادية للسلام”، الذي كان إثباتاً على العواقب الإقتصادية من “التقشف المفروض”. فلقد خسرت ألمانيا الحرب بالفعل، وكانت المعاهدة حول ما سيكون مطلوباً على العدو المهزوم القيام به، مشتملة على ما ينبغي دفعه للمنتصرين. الشروط لمثل هذا السلام القرطاجي، كما رأه كينز (إشارة إلى معاملة الرومان للقرطاجيين المهزومين بعد الحروب البونيقية)، تضمنت فرض تعويضات غير معقولة على ألمانيا – المهمة التي لا يمكن أن تنفذها ألمانيا دون أن تجهز على إقتصادها. كما كان أيضاً لتلك الشروط الأثر لتعزيز العداء بين المنتصرين والمهزومين، بالإضافة إلى أنها كانت سبباً لأمور أخرى غير جيدة في باقي أوروبا، لم يكن لدى كينز سوى إحتقار قرار المنتصرين الأربعة (بريطانيا، فرنسا، إيطاليا والولايات المتحدة) الذين طالبوا ألمانيا بأمر كان مؤلم لها وغير مفيد للجميع.
إستخدم الخطاب الأخلاقي النبيل من أجل فرض التقشف القاسي على ألمانيا – الذي إشتكى منه كينز – أتى تحديداً من جون هاميلتون (لورد سمنير) وولتر كونليف (لورد كونليف)، ممثلين بريطانيا في لجنة التعويضات، الذين يفضل كينز نعتهم بـ “التوائم السماوية”. وفي رسالته الوداعية للويد جورج، أضاف كينز “تركت التوائم لتفرح بكارثة دمار أوروبا”.
وفي أيامنا هذه أصبحت برلين نفسها هي الأكثر ترديداً لذلك الخطاب العظيم حول أهمية فرض التقشف، وذلك لإجتثاث الآفات الإقتصادية والأخلاقية في اليونان وغيرها، وبطبيعة الحال ترافق ذلك مع تغير الدور الألماني في عالمنا اليوم، وستتوالى العواقب التي خشي منها كينز كنتيجة للتقشف الإلزامي الصارم والذي ظل معمول به لحد اليوم (مع التغير الجغرافي لمن يضبط الإستقامة الأخلاقية ولمن حاد عن جادّة الصّواب).
وبصرف النظر عن خوف كينز من الإنهيار الاقتصادي في أي بلد، وفي حالتنا هذه ألمانيا، من خلال جدولة عديمة الرحمة للدفعات المطلوبة، فقد قام أيضاً بتحليل العواقب الوخيمة لبلدان أوربية أخرى حالة حصول إنهيار إقتصادي لأحد شركائها. ففرضية الإعتماد الإقتصادي المتبادل – والتي كتب كينز عدة بحوث حولها، شهدت ظهورها الأول في كتابه الشهير ” النظرية العامة للتوظيف والفائدة والمال ” المنشور عام 1936″، في سياق نقده لمعاهدة فرساي.
يقول كينز “تواجهنا أوروبا غير الفعالة، العاطلة عن العمل، والغير منظمة “، ويضيف “ممزقة من الصراعات الداخلية والكراهية الدولية، والقتال، والجوع، والنهب، والكذب”. فلو أن بعض من هذه المشاكل مشاهدة في أوروبا اليوم (وأعتقد لحد ما أن بعضها موجود)، علينا أن نتساءل: لماذا يحدث هذا؟
في حقيقة الأمر، لا يمكننا القول بأن سنة 2015 هي ذاتها سنة 1919، بل إنهما لا يمتان بصلة لبعضهما البعض، ونتسأل هنا: لماذا نفس الكلمات – التي حُرفت عن سياقها الأصلي – تبدو في وقتنا الحاضر كأنها أو جزء منها على الأقل، موضوع في سياقها المناسب؟
لو كان التقشف يأتي بنتائج عكسية كما إعتقد كينز، فكيف إذن ساهم في تتويج بعض الأحزاب بالإنتصار في الإنتخابات، على الأقل في بريطانيا؟ تكمن الحقيقة في البيان التوضيحي في صحيفة فاينانشال تايمز، الذي بُث بعيد فوز المحافظين في الإنتخابات العامة، وأتى من مؤرخ رائد يدعى (نيال فيرغسون) (وينبغي هنا أن أشرح بأنه صديق مقرب ويبدو أن صداقتنا تنمو على خلافتنا المستمرة): “الواجب على حزب العمل لوم كينز لهزيمتهم في الإنتخابات”.
لو كانت وجهة النظر التي أذاعها فيرغسون على أسس صحيحة (وهذه القراءة يشترك فيها أيضاً العديد من المعلقين)، في كون التشقف المفروض الذي نمر به ليس كابوساُ عديم الفائدة (كما يجعلنا تحليل كينز نعتقد)، ولكنه، وكما يدعي دائماً مناصرين التقشف، يشبه لحد كبير التدريب الشاق من أجل مستقبل أكثر صحة. وبأنه كذلك المستقبل الذي إنجلى فعلياً في وقتنا الحاضر – على الأقل في بريطانيا – وهو موضع تقدير من قبل الناخبين الممتنين. عندها سيحق لنا أن نتسأل: هل هذه فعلاً القصة الحقيقة؟ وهل يمكن أن يكون “التوائم السماوية” محقين على الدوام؟
هناك العديد من الملامح المميزة للتجربة العالمية منذ أزمة سنة 2008، والتي إبتدأت في الولايات المتحدة الأمريكية. أحدها بداية الفشل الواضح والقريب لإقتصاد السوق (نمت من سوء تصرف المؤسسات المالية بشكل مخصوص) والتي بدا وكأنها مشكلة تفوق طاقة الدولة. الأزمة كانت مرتقبة بحق عند حلولها. فعندما فشلت المؤسسات المالية الخاصة في إستثماراتها، والتي قادت إلى تزايد المطالبات للرجوع لبعض أنظمة الدولة، لا سيما مايخص الأسواق المالية، بعد أن قضي عليها تدريجيا في الإقتصاد الأمريكي من خلال إستئصالها شيئاً فشيئاً (بدأت من عهد ريغان وإستمرت كذلك خلال الإدارات الديمقراطية التالية).
فقوضت لحد ما الأسواق المالية والأعمال التجارية بعد تراجعها الهائل وإنعدام الثقة فيها من خلال تدخل الدولة، خصوصاً في إستخدام التحفيز الإقتصادي، وغالباً ماتدفع الدولة عن طريق الإقتراض العام لأن من وظائفها التعامل مع الديون الكبيرة. إن أولئك المشككين بالخدمات العامة ومخصصات الدولة قد طالبوا فيما مضى بحكومة ذات صلاحيات محدودة، وفي الوقت الحاضر علو بأصواتهم وأصبحوا ينافسون السياسيين في إخافة العامة بفكرة أن الإقتصاد لن ينهار إلا تحت وطأة الدين العام.
وبالمثل، على المستوى الدولي، السقوط العالمي الحر في أعقاب أزمة 2008 تم كبح جماحه بالحركة المستمرة، ففي ظل القيادة الحكيمة لجوردون براون وجهوده في عقد إجتماع في لندن لحكومات دول مجموعة العشرين G20 المشكلة حديثاً وذلك في أبريل 2009، فالجميع وعد ببذل المزيد من الجهد وتحاشي تشجيع الهبوط الحلزوني. وهنا طويت صفحة من تاريخ الأزمة بنجاح، ولكن سرعان ما تغيرت القصة بتزايد المطالبات التي تحث الحكومات على النزوح عن الطريق قبل أن يجهزوا على الأنشطة التجارية السليمة.
نتحول إلى إدارة الديون، فكرة التقشف كمخرج للكساد والديون المثقلة أصبحت الأولوية المهيمنة للقادة الماليين الأوروبيين. فأولئك الذين لهم إهتمام بالتاريخ يستطيعون بسهولة رؤية ذلك في الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي حينما لاح في الأفق بأن تخفيض الإنفاق العام هو الحل المناسب أكثر من كونه مشكلة. من هنا، وبكل تأكيد، قدم كينز مساهمته الحاسمة في كتابة “النظرية العامة” في سنة 1936. فلقد توصل إلى أن الطلب مهم كعامل محدد للنشاط الإقتصادي، وأنه يفضل زيادة الإنفاق العام عوضاً عن تخفيضه لزيادة فرص العمل والنشاط في الإقتصاد الذي يعاني من الطاقة الغير مستغلة والقوى العاملة العاطلة. يمكن للتقشف أن يفعل القليل، لكنه يميل إلى زيادة العاطلين عن العمل، بما أن التخفيض في الإنفاق العام يضاف له عدم كفاية الدخل الشخصي والطلب في السوق. بطبيعة الحال، هناك المزيد عن نظرية كينز الكاملة، ولكن الخلاصة بديهية بما يكفي لتفيد بجوهر الفكرة.
إلا أن قراءة أخرى كانت لدى القادة الماليين الأوربيين عما نحتاجه فعلاً – بمعزل عن كينز وعن غيره من أصحاب الإقتصاد السائد – ولم يكن لديهم أي إستعداد لتغيير أرائهم. فمن الشائع جداً في هذه الأيام إلقاء اللوم على الإقتصاديين لفشلهم في رؤية العالم الحقيقي، وأود هنا أن أغتنم الفرصة لتسجيل ملاحظتي حول إقتناع بعض الإقتصاديين المدربين تدريباً مهنياً جيداً بالإتجاه الذي سلكته أوروبا بقرار من المسؤولين عن الشؤون المالية الأوربية. أظهرت الإنتكاسة الأوروبية أننا لسنا بحاجة إقامة الإقتصاديين لقداسهم في الوقت نفسه الذي يمكن للقطاع المالي أن يولد كارثته الدموية بقدر كبير من الأناقة والسهولة.
إذا كانت سياسة التقشف عمقت مشاكل أوروبا الإقتصادية، فإنها – علاوة على ذلك – لم تساعد في الوصول للغاية الموضوعية التي تهدف لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهي في الحقيقة عملت على العكس في بعض الأحيان. لو بدأت الأمور بالتغير، على مدى السنوات القليلة السابقة، حتى ولو بشكل بطيء، فإنها بالتأكيد بسبب بداية إنتهاج أوروبا لسياسة هجينة تجمع التقشف المالي الضعيف لحد ما مع التوسع النقدي. إذا كانت هذه لفتة فاترة الحماسة تجاه كينز، فإن النتائج فاترة الحماسة أيضاً.
هنالك الكثير من الأدلة والقرائن في التاريخ تشير إلى أن الطريقة الأكثر فعالية لخفض العجز هي مقاومة الركود والمزج بين إنخفاض العجز مع النمو الإقتصادي السريع. فالعجز الهائل بعد الحرب العالمية الثانية تمت السيطرة عليه بسهولة مع النمو الإقتصادي السريع في سنوات ما بعد الحرب (وسأعود إلى هذه المسألة في وقت لاحق). وقد حدث شيء مماثل أثناء الثماني سنوات التي رأس فيها بيل كلينتون الولايات المتحدة، وذلك حينما بدأ كلينتون رئاسته بعجز ضخم وأنهاها بالقضاء عليه، وذلك بفضل النمو الإقتصادي السريع. وفي نفس الحقبة، حدث إنخفاض للعجز من الميزانية السويدي – لقي الثناء – خلال سنوات 1994 وحتى 1998 في فترة نمو سريع نسبياً من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى الرغم من المآزق السياسية وعدم التوظيف الفعال للكونغرس فقد كانت الولايات المتحدة أكثر ذكاءاً بكثير من أوروبا في الإستفادة من هذا الفهم الجوهري، وتراجعت نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة بفضل النمو الاقتصادي، والذي بالطبع – بدلاً من التقشف – هو أفضل طريقة مجربة لتحقيق النتيجة المرجوة.
كان من الأفضل على قادة السياسات العامة في أوروبا (أصحاب النظرة الضيقة للأولويات المالية) أن يسمحوا بنقاش مفتوح في الأمور العامة، بدلاً من إتخاذ قرارات أحادية الجانب في دهاليز مالية منعزلة – عدم تشجيع أي نقاش عام – كان من الممكن أن تُمنع أخطاء السياسات العامة من خلال إجراءات تداولية قياسية، بالدقة والنقد. ومن الجدير بالملاحظة أن هذا لم يحدث في القارة التي أعطت للعالم الأفكار الأولية لديمقراطية المؤسسات. الفشل المعرفي الكبير وتجاهل الدروس المستفادة الماضي حول الإنتعاش والحد من العجز وزيادة النمو الإقتصادي ليست مسألة تحولات خاطئة إتخذها القادة الماليين، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي، ولكنها أيضاً نتيجة للعجز الديمقراطي في أوروبا اليوم. وليس العزاء في خسارة معظم الحكومات التي أقرت إستراتيجية التقشف في منطقة اليورو لمناصبها في الإنتخابات العامة التي أعقبت ذلك. ولكن كان حرياً على الديمقراطية أن تمنع الأخطاء من خلال المداولات القائمة على المشاركة، بدلاً من جعل الرؤوس تتطاير بعد وقوع أخطاء. هذا هو أحد الأسباب الذي جعل جون ستيوارت ميل يرى الديمقراطية بأنها “حكومة مناقشات” (وهي عبارة صيغت، بجانب خطوط ميليان لوالتر بيجهوت).

***
ينبغي أن نسأل: كيف يمكن أن تغيب الرؤى والتحليلات الكينزية الجوهرية أثناء صنع السياسات الإقتصادية الأوروبية التي نتج عنها فرض التقشف؟ كان لدى بعض الشخصيات المسيطرة في عالم المال الكثير من الشكوك منذ زمن طويل حول العلاقات الإقتصادية التي ركز عليها كينز والتي لم تنقح إلا في الوقت الحالي، بعد أن أخضعت لإختبارات واقعية ورصد لعواقب إهمالها، فالخطة الجريئة من قبل الرئيس الجديد للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي – والتي لدينا كل الأسباب للترحيب بها – رمت إلى تقديم تريليون يورو من “التسهيل الكمي” (لا تختلف عن التوسع في المعروض من النقود)، وما ذلك إلا نتيجة للإعتراف المتأخر بأفكار كينز والتي ساهمت بتغيير بطيئ في البنك المركزي الأوروبي: وما يحتاج إليه الإقتصاد هو التوسع لا الإنكماش.
إذا كان الفشل في فهم بعض العلاقات الكينزية الجوهرية هو جزء من تفسير ماحدث، فإن هناك قصة أخرى أيضاً أكثر مكراً وراء الإقتصاد المضطرب من التقشف. فلقد كان هناك خلط عجيب في التفكير بالسياسات العامة ما بين الحاجة الحقيقية للإصلاح المؤسسي في أوروبا والحاجة المتصورة للتقشف – وهما شيئين مختلفين تماماً. من الممكن أن يكون هناك بعض الشكوك حول حاجة أوروبا للعديد من الإصلاحات المؤسسية الخطيرة. من إبطال التهرب الضريبي وتحديد أعمار أكثر معقولية للمتقاعدين إلى ساعات عمل واقعية مروراً بالقضاء على الجمود المؤسسي، بما في ذلك أولئك الموجودين في أسواق العمل. لكن قضية الإصلاح المؤسسي الحقيقي والقوي لابد أن تميز عن القضية المتصورة للتقشف العشوائي، تلك القضية (التقشف العشوائي) لا تقوم بشيء للنظام الإقتصادي سوى إلحاق الأذى الكبير به. فمن خلال الجمع بين الإثنين كما يحصل مع المركبات الكيميائية، أصبح من الصعب جداً الدعوة للإصلاح بدون تخفيض للإنفاق العام في كل مكان في ذات الوقت، وهذا لا يخدم قضية الإصلاح على الإطلاق.
هذه هي النقطة بكل بساطة، والمثير للدهشة مدى صعوبة البرهنة للوصول لتلك النتيجة، ولا بد لي من الإعتراف بتواضع عن فشلي في التأثير على صناع القرار عند مخاطبتي للمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية، والإجتماعات المشتركة بين البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية، منذ صيف 2009.
بالإمكان أن يساعدنا القياس على جعل النقطة أكثر وضوحاً، فعندما يخلط مضاد حيوي مع سم فئران لشخص مصاب بالحمى، فإنه من غير الممكن تناول المضاد الحيوي بدون تناول سم الفئران معه. نحن في المقابل قيل لنا يجب أن تحمل التشقف الإقتصادي إذا أردنا الإصلاح الإقتصادي، على رغم من أنه لا يوجد أي سبب على الإطلاق يفسر لما يوضعان في ذات المركب الكيميائي. على سبيل المثال: وجود أعمار معقولة للمتقاعدين – بعكس معظم الدول الأوربية (التي هي بحاجة ماسة لإصلاحات مؤسساتية) – لا يطابق بأي حال من الأحوال تخفيض المعاشات الصرام، والذي تعتمد عليه معيشة الفقراء (المفضل من قبل دعاة التقشف). التركيبة من الإثنين – وليس أقلها في المطالبات المفروضة على اليونان – جعلت من الصعب كثيراً مواصلة الإصلاحات المؤسسية. بالإضافة إلى أن الإنكماش الإقتصادي اليوناني الذي تأثر بشكل كبير من التقشف، خلق “ظروف غير مواتية” للعمل على الإصلاحات المؤسسية الجريئة.
بحسب الأسباب الكنيزية، العاقبة الوخيمة الأخرى لسياسة فرض التقشف كانت فقدان الطاقة الإنتاجية – وكذلك فقدان المهارة عبر مرور الوقت – بسبب إستمرار البطالة بين الشباب، وهو ما يلمس اليوم في العديد من البلدان الأوروبية. فأكثر من نصف الشباب اليوناني لم تتح له بعد الفرصة للحصول على وظيفة. فالنهج الممارس لتشكيل قدرات الإنسان والتي ركز عليها آدم سميث كمحرك حقيقي لنجاح الإقتصاد والتقدم الإنساني، أسيء التعامل معها للغاية من خلال ربطها تعسفياً بالتقشف (الذي لا يحتاجه أي بلد) مع الإصلاحات الضرورية (التي تحتاجها البلدان الأوربية).
منذ أكثر من 200 عام، حدد آدم سميث بوضوح كبير في كتابه “ثروة الأمم” كيفية الحكم على حسن سير الإقتصاد الموظف بشكل جيد. إحتج سميث بأن الإقتصاد السياسي الجيد عبارة عن “كائنين متمايزين”: “أولاً، إما لتوفير عائدات وفيرة أو لإعاشة للناس، أو بصيغة أصح إما لتمكينهم من توفير مثل هذه الإيرادات أو إعاشة أنفسهم. وثانياً، لتزويد الدولة أو الأمة بالإيرادات الكافية للحصول على الخدمات العامة”.
الأب للإقتصاد الحديث، والبطل الرائد لنظام السوق، ليس لديه شكوك عن التكامل التوافقي بين دور الدولة والمطالبات بمجتمع صالح. فعلى مدار أجيال برر المنطق العام ودعم كثيراً رؤية آدم سميث. هناك أسباب وجيهة للإعتقاد أنه بالإمكان فعل الشيء نفسه اليوم، بإعطاء الفرصة المناسبة للحوار العام المفتوح والواعي، بدلاً من إستبعاد ذلك بالتفوق المزعوم لقرارات القادة الماليين – الذين يملكون وجهة نظر ضيقة للمجتمع البشري وإهتمام ضعيف في المطالب بالديمقراطية التداولية.

***
من المؤكد أنه روج لسياسة التقشف على أنها المتسبب بالنجاح النسبي للإقتصاد البريطاني. لكن مقارنة ببريطانيا وقعت أوروبا في حفرة أكبر، بفرض أكثر قوة للتقشف، بخاصة في بعض البلدان (اليونان هي بالطبع مثالاً صارخاً على ذلك – مع الإنكماش الكبير في إقتصادها، بدلاً عن نموه). وإذا نظرنا خارج أوروبا، فالنمو الإيجابي نسبياً في السنوات الأخيرة لا يجعل التجربة الكلية للنمو في بريطانيا خلال فترة التقشف مثيرة للإعجاب. ليس فقط لأن السعر المعدل للناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في بريطانيا اليوم لا يزال أقل مما كان عليه قبل الأزمة في عام 2008، ولكن أيضاً للإرتفاع البطيء جداً للناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في المملكة المتحدة عما كان عليه في الولايات المتحدة واليابان (ناهيك عن بعض الإقتصادات الآسيوية سريعة النمو) في أثناء فترة التعافي من أدنى مستوياته سنة 2009.
بعد كل ذلك، هل يمكن أن تغيب القصة الحقيقية عن الناخبين البريطانيين؟ لو أفترضنا ذلك، فإن أرقام التصويت تشير للعكس تماماً، فهي لا تظهر أبداً أي موجة عارمة من التأييد لصالح التقشف. ليس هناك من شك أن حزب العمل أدى إنتخابات سيئة للغاية، وفقد قاعدته الشعبية، ليس فقط في اسكتلندا، لذا أصبح من الواجب عليهم إعادة النظر في تحديد أولوياتهم فضلاً عن تغيير إستراتيجتهم بشكل جذري.
بعد تجربة التقشف، حصلت الأحزاب التي تشكل الحكومة الإئتلافية – المحافظين والديمقراطيين الليبراليين – على تأييد أكثر من 59 في المائة من مجموع الأصوات في الإنتخابات قبل الماضية في عام 2010 (أي قبل مباغتة الشعب البريطاني بالتقشف)؛ في حين تمكنت الأحزاب الإئتلافية من الحصول على حوالي 45 في المائة فقط في هذه الإنتخابات، وهو ليس نجاحاً كاسحاً يثبت القدرة على أخذ أصوات الناخبين الراضين بالتقشف. تمكن المحافظون من الحصول على أغلبية واضحة للمقاعد البرلمانية (ولديهم أسباب وجيهة للإحتفال بهذه النتيجة)، ولكن جاء هذا الإنجاز بـ 37 في المائة من الأصوات فقط. والنجاح هنا مشابه لما حصل مع حزب (بهاراتيا جاناتا) المنحاز للهندوفوا في الهند في إنتخابات العام الماضي، عندما صوت له 31% من الناخبين لكنه أخذ الأغلبية كبيرة من المقاعد البرلمانية. وقبل أن نبدأ في الوصول إلى نظرياتنا الإقتصادية من قراءة نتائج الإنتخابات، علينا أن ندقق أكثر في الرسالة التي تأتي من خلال من الأصوات والمقاعد في الأنظمة الانتخابية القائمة على الدوائر الإنتخابية والتي حصلت في المملكة المتحدة وبعدها الهند.
مع ذلك ومما لا يشك فيه أن عامة الناس في بريطانيا بعد أزمة 2008 أصبحوا قلقين جداً من حجم الدين العام، وأيضاً من نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي. فما تم التغاضي عنه التالي: بينما تتعدد تكاليف الدين العام (وليس ذعراً مواصلة زيادته) والتي يغلب إستحقاقها لشخص ما داخل الدولة، فإنه لا يمكن أن يماثل ديون الفرد والتي تستحق لشخص آخر في الإقتصاد ذاته (شخص مختلف تماماً). وقد تبدوا أرقام الدين العام كبيرة لتخويف العامة مع سرد بعض القصص الخيالية من إحتمالية إبادة الأجيال القادمة، لذا بدلاً من الإعتماد على القياس المضلل لمديونية القطاع الخاص؛ علينا تحليل متطلبات الدين العام بشكل عميق.
ولابد لنا هنا من أن نفصل بين موضوعين. أولاً، إذا أردنا تخفيض الدين العام بسرعة، والتقشف ليس الوسيلة الفعالة لتحقيق ذلك (ما تؤكده تجارب بريطانيا وأوروبا). فنحن بحاجة للنمو الاقتصادي؛ والتقشف كما لاحظ كينز يكافح النمو. ثانياً، ما هو مهم ملاحظته أنه من السهل إثارة الذعر المبني على الوهم. وليس بأهمية أقل، لم تكن الجماهير دائماً خائفة من حجم الدين العام. فقد كانت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ضخمة جداً في بريطانيا في كل عام لمدة عقدين من الزمن، منذ منتصف 1940s إلى منتصف 1960s، مما كانت عليه في أي وقت منذ أزمة عام 2008. مع ذلك لم يكن هنالك أي ذعر يذكر (عندما كانت بريطانيا تنشئ بثقة دولة الرفاه)، بعكس ما يحصل الآن من قلاقل وتخويف مدبر، الذي يبدو أنه إرهاباً للبريطانيين وكسراً لشوكتهم، جاعلاً التقشف يبدوا وكأنه أنجع الحلول.
عندما أرادت بريطانيا المضي في بناء دولة الرفاه وإنشأ هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وإستحداث نواحي لتوسيع دائرة الخدمات العامة – كان من بينها إفتتاح الزعيم العمالي (انيورين بيفان) لمستشفى بارك في مانشستر يوم 5 يوليو عام 1948 – كانت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أعلى من 200 في المائة، أي أكثر بالضعفين من أي وقت في السنوات الأخيرة. فلو كان الرأي العام البريطاني الحالي – والذي رُوع بنجاح – الرأي العام نفسه في تلك الحقبة لما ولدت هيئة الخدمات الصحية الوطنية ولا حتى حضينا بموطئ قدم في التجربة العظيمة لدولة الرفاهية في أوروبا (تعلم من تجربتنا الصين وكوريا وسنغافورا والبرازيل والمكسيك وجميع أنحاء العالم). بعد عقد من الزمان، عندما قال رئيس الوزراء الجديد والمنتشي حينها (هارولد ماكميلان) للشعب البريطاني في يوليو 1957 أنه لم يسبق لحجم الدين الوصول لهذا الرقم الجيد، فإن حجم الدين الحكومي وقتها أكثر من 120 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي – أي أعلى بـأكثر من 70 في المائة مما هو عليه في 2010 عندما أُتهم (جوردون براون) بوضع مستقبل بريطانيا على شفى حفرة بسبب إسرافه الكبير!
لم يكن هناك أية مخاوف من أواخر الأربعينيات وحتى الستينيات، سواء مع حكومات العمال أو حكومات المحافظين، ربما لأنه كان هناك القليل من الأشخاص الذين يرعبون الناس في ذلك الحين. ففي أثناء إنشائها لدولة الرفاه ومجموعة كبيرة من الخدمات العامة الجديدة، خفضت بريطانيا بثبات نسبة ديونها إلى الناتج المحلي الإجمالي من خلال النمو الإقتصادي، متسلحة بالخدمات العامة الجيدة وإقتصاد سوق مزدهر.
المعرفة العامة والفهم هما الأداتين المركزيتين لتمكين الحكومة الديمقراطية من صنع السياسات جيدة. وقد خُتم كتاب “الآثار الإقتصادية للسلام” بالإشارة للعلاقة بين نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) والسياسة، والإحتجاج بأنه يمكننا أن نحدث فرقاً في العالم بـ “دفع تلك القوى من توجيه وخيال والتي تغير الرأي” – الجملة الأخيرة في الكتاب أكدت أمله “لتشكيل الرأي العام في المستقبل أهدي هذا الكتاب”. في ذلك التفاني، هناك التنوير وكذلك التفاؤل، وكلاهما ما نحتاج اليوم بشدة.

هذه نسخة معدلة من محاضرة ألقاها أمارتيا سين في مهرجان تشارلستون في فيرل، شرق ساسكس، يوم 23 مايو 2015.

 

 


المصدر

أشار هابرماس في أحد مقالاته لنفس الموضوع (نشر في صحيفة الحياة)

http://www.alhayat.com/m/opinion/9705794

error: المحتوى محمي