عقل جميل: حياة جون ناش (الفصل الثاني) – سيلفيا نصار / ترجمة: حنين الهطلاني

عقل جميل: حياة جون ناش (الفصل الثاني) – سيلفيا نصار / ترجمة: حنين الهطلاني

0525_john-nash

حياة جون ناش

الفصل الثاني من كتاب عقل جميل

ترجمة حنين حمد الهطلاني


معهد كارنيجي للتكنولوجيا  يونيو 1945 – يونيو 1948

   إن القليل جدًا من الناس واتتهم الفرصة لأن يصبحوا علماء رياضيات عظماء في تلك الأيام. فقد كان الأمر من الصعوبة بمكان كما لو أن عازف بيانو مغمور تمكن من العزف في حفل ضخم.

– راؤول بوت, 1995

    انتقل ناش إلى بيتسبورغ ليصبح مهندسًا كيميائيًا, ولكن شغفه بدأ ينمو تجاه عالم الرياضيات. ولم تمر فترة طويلة حتى تخلى عن زيارة المعمل متجهًا لحل بعض المعضلات الرياضية, إلى أن انغمس بدراسة مسألتي شريط موبيوس ومعادلة ديفونتيه.

شريط موبيوس وسير النملة عليه:

    وفي مدينة بيتسبورغ كانت الغارات الجوية العنيفة والفياضانات تحدث بكثرة, وذلك بسبب كثرة معامل الصهر فيها, ومحطات توليد الطاقة الكهربائية, وكذلك بسبب أنهارها الملوثة, وتلك الأكوام الضخمة من نفايات المعادن الموجودة في كل مكان. كذلك تسبب الضباب الكبريتي الكثيف جدًا فيها بأن جعل وسط المدينة شبه مختفٍ عن الأنظار لدرجة أن المسافرين إذا وصلوا إليه بالقطار كثيرًا ما يتساءلون ما إذا كانت ساعة منتصف الليل قد حانت, رغم أن النهار لم ينته بعد. أما معهد كارنيجي للتكنولوجيا فقد كان جاثمًا في منطقة بين تلة سكويريل وبين جحيم وسط المدينة هذا. أما مبانيها المشيدة من الطوب ذو اللون العاجي فقد أصبحت مغطاة باللون الأسود والأصفر وكما يقول التلاميذ فقد صُممت ليتم تحويلها إلى مصانع في حال فشل مشروع أندرو كارنيجي لإنشاء المدرسة. وبالنسبة لأزقتها فقد كانت مغطاة بطبقة من كرات سخام بحجم الحصى. وبسبب هذه الأحوال السيئة كان الطلاب يُجبَرون على مسح طبقة رماد الفحم من دفاترهم, حتى قبل أن يمر نصف وقت المحاضرة. كذلك كان الشخص في عز الظهيرة من يوم صيفي حار, يستطيع بكل بساطة أن يحدق إلى الشمس دون أن يرف له جفن.

    أما معهد كارنيجي فقد كان منبوذًا ومحاربًا من قبل النخبة المحلية الحاكمة في ذلك العصر, مما استدعى إرسال طلابه شرقًا إلى جامعتي هارفارد وبرينستون. وقد قال ريتشارد سايرت, ذلك الرجل الذي انضم لطاقم تدريس معهد كارنيجي بعد انتهاء الحرب وحتى أصبح رئيسًا له, “عندما قدمت أول مرة كان هذا المكان مترديًا ورجعيًا جدًا”. فقد كانت كلية الهندسة بما فيها من تلاميذ يفوق عددهم الألفي تلميذ, لا تزال متطابقة في أذهان أبناء وبنات الكهربائيين والبنائين مع كلية التجارة, وكل هذا حدث في مطلع هذا القرن.

    ومثل ما حدث من تغييرات لبقية الكليّات في فترة ما بعد الحرب, حصلت بعض التغييرات كذلك في نظام معهد كارنيجي. فقد قام رئيسه في تلك الفترة روبرت دوهرتي باستغلال كل الفرص الممكنة مستفيدًا من الدراسات التي ناقشت فترة الحرب وحاول تطبيقها, وعلى إثر ذلك قام بتحويل كلية الهندسة إلى جامعة حقيقية. كذلك استثمر بعض العقود الدفاعية وإمكانية زيادة عدد المسجلين مما تسبب بإحداث دفعة حقيقية للعلوم, فقد كانت هذه الدفعة سببًا جوهريًا لتبني مواهب كل أولئك الباحثين الشباب العباقرة في مجالات الرياضيات والفيزياء والاقتصاد. ويقول الرياضي ريتشارد دوفين عن هذا “كانت العلوم النظرية تشق طريقها بصعوبة شديدة, فدوهرتي كان يحاول دفع العلوم في تلك الفترة الذهبية.”

    كذلك قامت بعض الشركات العملاقة كشركة ويستينجهاوس والتي كان مسقط رأسها في بيتسبورغ بتوفير منح دراسية كاملة بسخاء شديد لغرض اغراء الشباب الموهوبين وتشجيعهم ليلتحقوا بمعهد كارنيجي. ومن بين المستفيدين من هذه المنح الذين انضموا إلى معهد كارنيجي سنة 1945 الكثير من الشباب الموهوبين من أمثال الفنان آندي وارهول, وغيره من الشباب الذين تخلوا في آخر الأمر عن الهندسة متوجهين نحو مجالات العلوم والرياضيات, وناش كان أحد هؤلاء الشباب.

أندي وارهول

    وصل ناش إلى مدينة بيتسبورغ مستقلًا القطار في شهر يونيو من عام 1945؛ فقلة توفر البنزين جعلت من مسألة السفر بالسيارة مسألةً غير عملية أبدًا. وكان معهد كارنيجي للتكنولوجيا لا زال يعمل وفق السياسة التي فرضتها فترة الحرب: فالفصول لا تزال مفتوحة على امتداد السنة, وأغلب نشاطات الحرم الجامعي لا تزال ملغاة, وكذلك بقيت أغلب التجمعات الأخوية التي تختص بمناقشة مجال معين مقفلة. وفي أقناء تلك السنة كان الحرم الجامعي يعج بطلبة من السنوات الأخيرة, كذلك كانت الفصول مملوءة بأولئك الطلبة الكبار. ولكن عندما حل شهر يونيو من عام 1945, وقبل الانتهاء الرسمي للحرب بشهرين, أصبح الحرم الجامعي مكتظًا بالطلاب الجدد وبطلاب السنة الثانية. وقد كان الطلبة ذوي المنح الدراسية مجتمعين في سكن مبنى ويلتش, كذلك كانوا يقومون بحضور حصصهم الدراسية معًا – وقد تم اختيار الصفوة من الأساتذة لتدريس الطلاب الجدد, فبعضهم كانوا علماء من الطراز الأول. فعلى سبيل المثال, قام إيمانويل إيسترمان بتدريس ناش مادة الفيزياء في المرحلة الأولى, وكان هذا المعلم عالمًا فيزيائيًا عظيمًا قام بإجراء التجارب العلمية التي جعلت الفيزيائي الألماني أوتو ستيرن يفوز بجائزة نوبل للفيزياء في عام 1943.

    ولكن طموح ناش لأن يصبح مهندسًا كان قد مات قبل أن ينهي فصله الدراسي الأول, وكان هذا بسبب عدم قدرته على اتقان الرسم الميكانيكي للمخططات, وقد كتب عن هذا: “لقد كانت ردة فعلي على أساسيات الهندسة الصارمة سلبيةً جدًا.” لذلك تحول إلى الكيمياء, ولكن هذا التخصص الجديد لم يناسب ميوله واهتماماته. فقد عمل كمساعد مختبر لأحد أساتذته ولكنه تورط في مشكلة عندما حطم إحدى أجهزة المختبر. كذلك كان يشعر بالضجر أثناء عمله الصيفي في معمل ويستنجهاوس لدرجة أنه أمضى قرابة شهرين يصنع بيضًا نحاسيًا ثم يقوم بطلائه مستخدمًا ورشة المعمل. أما الشعرة التي قصمت ظهر البعير فقد كانت عندما حصل على تقدير (C – جيد) في الكيمياء الفيزيائية بعد أن تورط بخوض جدال عنيف مع أحد أساتذته حول افتقار منهج الرياضيات للدقة والصرامة. يقول ديفيد لايد, “كان ناش يرفض حل المسائل بنفس الطريقة التي يتوقعها منه الأستاذ.” أما ناش فقد عبر عن اعتراضه الأكبر في تخصص الكيمياء وقال: “إن الكيميائيين لا يهتمون بمدى كفاءة الشخص الفكرية.. ولكن ما يهمهم هو مدى مقدرته على حمل غليونه بينما يقوم بأداء عملية معايرة كيميائية في المختبر.”

    وبالرغم من نضاله في المختبر, كان ناش قد بدأ بتفقد العباقرة من الوافدين الجدد لمعهد كارنيجي. ففي السنة الثانية لناش في المعهد, وبعد تطبيق نظام دوهرتي لتطوير العلوم النظرية, انضم جون سينغ ابن أخ الكاتب المسرحي الإيرلندي جون ميلينغتون سينغ إلى المعهد, وشغل منصب رئاسة قسم الرياضيات. وبغض النظر عن مظهر سينغ الملفت والمروع – كان يضع قطعة قماشية على إحدى عينيه كقرصان, بالإضافة إلى مصفاة هوائية تراها بارزة من إحدى منخريه – فقد كان رجلًا ساحرًا مما جذب إليه بعض الأساتذة الشباب مثل ريتشارد دوفين, وراؤول بوت, والمهاجر الأوروبي أليكسندر وينستاين الذي قام آينشتاين مرة بطلبه ليصبح متعاونًا في الجامعة. وعندما قدم عالِم الطوبولوجيا من جامعة برنستون ألبرت تاكر والذي قام بعمل مبتكر فيما يخص إدارة البحوث العملية إلى معهد كارنيجي ليحاضر في تلك السنة, أصابه الذهول من عمق المواهب الرياضية للطلاب في معهد كارنيجي, مما جعله يقر بأنه قد أحس بأن عمله هناك لم يكن ضروريًا ولم يشعر بأنه قد أتى بجديد على الطلاب.

    أما ناش فقد أذهل أساتذته منذ البداية؛ حتى أن أحدهم كان يسميه بـ “غاوس الصغير”. فقد درس مواضيعًا مكثفة مثل الموتِّرات المستخدمة في علم التفاضل والتكامل – تلك الأداة الرياضية التي استخدمها آينشتاين في صياغة نظرية النسبية العامة – ودرس النسبية كذلك على يد سينغ. وقد كان سينغ مذهولًا من مدى إبداع ناش وأصالته, وشهيته المتلهفة دومًا لحل المسائل المعقدة. حتى بدأ هو ومجموعة معه بإقناع ناش بأن يتخصص في الرياضيات ويفكر بامتهان التدريس أكاديميًا. ولكن شكوك ناش حول مدى إمكانية علماء الرياضيات من تكوين ثروة يستطيعون بها تحقيق حياة كريمة أخذت منه زمنًا حتى تمكن من التغلب عليها. ولكن ناش كان قد كثف تركيزه على الرياضيات بشكل أكبر في منتصف سنته الدراسية الثانية. مما جعل المسؤولين عن تقديم المِنح الدراسية من واستنجهاوس مستائين بسبب قرار ناش بتغيير تخصصه إلى دراسة الرياضيات, ولكن بمجرد أن علموا بهذا كان القرار قد تم تنفيذه.

 

يوهان فريدريك جاوس الذي لقب ناش تيمنًا به:

         كانت فترة الدراسة الجامعية هي الفترة التي اكتشف فيها الكثير ممن يرون أنفسهم أشبه بالبطة السوداء, أنهم بجع أبيض ساحر, ولم يقتصر هذا الاكتشاف على الناحية الفكرية فقط بل شمل الناحية الاجتماعية كذلك. ولأن أغلبية طلاب المعهد وخصوصًا أولئك الذين يقيمون في مبنى ويلتش – تلك الفئة من الطلاب التي تسبق أوانها ولكنها تفتقر للنضج – يتفقون بميولهم؛ فقد وجدوا أخيرًا ذلك الوسط الذي يتشاركون فيه اهتماماتهم مع الجميع, إذ تسنى لهم العيش وسط أشخاص يشبهونهم, حتى أنهم لمسوا قدرًا كبيرًا من القبول كانوا قد افتقدوه بشدة في المرحلة الثانوية. يقول هانز وينبيرقر: “عندما كنا ندرس في المرحلة الثانوية كان الجميع ينظر إلينا على أننا لسنا أكثر من أشخاص غريبي الأطوار ومنعزلين ومهووسين بالمذاكرة أما الآن فقد أصبح بإمكاننا التحدث والتحاور مع بعضنا البعض بأريحية.”

    أما ناش فلم يكن محظوظًا, فبالرغم من أن أساتذته قد أجمعوا أنها ليست أكثر من مسألة وقت حتى يبرز ناش ويصبح عالمًا نجمًا وبارزًا, إلا أن زملاءه رأوا فيه شخصية تميل إلى الغرابة والحمق والانعزال. يقول عنه زميله من قسم الفيزياء روبرت سيجل: “كان ناش ابن مدينة ساذجًا وبسيطًا جدًا حتى بالنسبة لمعاييرنا كأبناء قرى”, كذلك ذكر روبرت عن ناش أنه لم يسبق له أن حضر حفلًا موسيقيًا تُعزف فيه إحدى السيمفونيات من قبل. كذلك كان يتصرف بغرابة, ويعزف على وتر واحد في البيانو مرارًا وتكرارًا, ويجعل البوظة تذوب على ملابسه المهلهلة عندما يكون جالسًا في الردهة, كذلك كان يسير فوق جسد زميله في الغرفة وهو نائم فقط ليطفيء المصباح, وكان كثيرًا ما يتجهم ويعبس عندما يخسر في لعبة الجسر.

 

ناش وأخته مارثا:

    ونادرًا ما كانت تتم دعوته لحضور الحفلات الموسيقية أو للخروج وتناول الطعام في أحد المطاعم مع بعض الرفاق. وقد تطوع بول وايفيل المحترف في لعبة الجسر لتعليم ناش قواعد اللعبة, لكن تجهم ناش المتكرر وعدم انتباهه لتفاصيل اللعبة جعل منه لاعبًا فاشلًا فيها. يقول عنه وايفيل “لم يكن أي شيء يثير اهتمامه إلا النقاشات حول العلوم والقواعد النظرية.” كذلك مكث ناش مع زميله وينبيرقر وتشاركا غرفة واحدة لفترة ليست بالطويلة, ولكنهما كانا يتشاجران باستمرار – ففي إحدى المرات قام ناش بدفع وينبيرقر بقوة لينهي الشجار – مما أدى به للانتقال للعيش في غرفة خاصة تقع آخر الرواق. يقول سيغل عنه: “لقد كان ناش وحيدًا للغاية.”

    وفي وقت لاحق وعندما تضاعفت إنجازات ناش بشكل ملفت, كان من المفترض على زملائه أن يكونوا أكثر سماحة ولطفًا معه. ولكن العكس هو ما حدث في كارنيجي, فقد كان الطلاب يضايقون ناش على مدار الساعة, حتى أصبح هدفًا لكل من يريد أن يصب جام غضبه على أحدهم. لكن بفضل بنيته القوية ومزاجه الحاد لم تكن تنمرات الطلاب عليه كثيرة, كذلك لم تكن مسألة إغاظته سهلة نظرًا لأنه منعزل عنهم. يقول جورج هينمان الذي كان طالب فيزياء في ذلك الوقت: “كان ناش العنوان الرئيسي لكل نكتة في ذلك الوقت, وأظن أن سبب هذا يرجع لكونه مختلفًا جدًا عن البقية.” كذلك اعترف وايفيل عندما قال: “كان ناش شخصًا متخلفًا اجتماعيًا, ويتصرف بطريقة توحي بأنه أصغر من عمره. مما يغريك بأن تفعل كل ما باستطاعتك لتجعل حياته بائسة. فقد كنا نغيظ جون المسكين ونضايقه بشدة وكنا غير لطفاء معه؛ مما جعلنا أشخاصًا بغيضين في نظره. كذلك كنا نظن أنه يعاني من مشكلة في عقله.”

    وعندما حل فصل الصيف لأول مرة على ناش في معهد كارنيجي, أمضى هو وبول وايفيل وزميل ثالث لهما ظهيرة ذلك اليوم في تفقد تلك المتاهة السرية لأنفاق البخار الواقعة تحت معهد كارنيجي. كان الظلام يلفهم في تلك المتاهة, فقال ناش فجأة ودون أن يفكر بكلامه: “يا إلهي, ماذا سيحدث لنا لو لم نستطع النفاد من هذه المتاهة وبقينا هنا إلى الأبد؟ أظن أننا سنصبح مثليين.” وقد استغرب وايفيل الذي لم يكن قد بلغ السادسة عشر من عمره كلام ناش بشكل كبير. ولكن عندما حل عيد الشكر وبات جميع الطلاب في إجازة من الدراسة, وفي تلك الغرفة التي كان يمكث فيها ناش مع زميله وايفيل, تسلل ناش إلى سرير وايفيل بينما كان الأخير نائمًا وقام بمداعبته.

    ويبدو أن البعد عن الوطن والعائلة, والعيش وسط أولئك المراهقين قد جعل ناش يكتشف أنه يميل بعض الشيء إلى الصبية الآخرين وينجذب إليهم. لهذا كان يتحدث ويتصرف بطريقة تبدو عقلانية وطبيعية بالنسبة إليه, ولكنها تسببت بفضحه حتى أصبح محط ازدراء الآخرين واحتقارهم. حتى بدأ وايفيل وبقية الفتيان بمناداته بـ “الشاذ”. يقول جورج سيجل عن هذه الحادثة: “بمجرد ما اتضح هذا الأمر للجميع لم يستطع ناش تبرئة نفسه.. ولقد قاسى الكثير بسبب هذا.” ولا شك أن جوني قد تألم وأحس بالمذلة حينما كان يجد تلك الأوراق التي يقوم بلصقها الأولاد الآخرون على ظهره, ولكن هؤلاء الأولاد لم يشعروا بأي شيء مما كان يعتمل فؤاده, وأقصى ما عرفوه هو مقدار الغضب الذي كان يظهر على محياه في مثل تلك المواقف.

    كذلك كان صبية المعهد يدبرون المقالب ويؤلفون النكت بغرض إغاظة ناش على وجه الخصوص. ففي إحدى المرات, استخدم واينبيرقير بمساعدة صبية آخرين صندوق الأحذية الحديدي الضخم, وقاموا بضرب باب غرفة ناش بقوة مستخدمين الصندوق كي يحطموه. وفي مرة أخرى, قام وايفيل وبعض الصبية بإعداد آلة تقوم بتدخين علبة سجائر كاملة وتجمع الدخان داخلها, وذلك لأنهم كانوا مدركين لمدى كره ناش الشديد لرائحة دخان السجائر. ويقول وايفيل معقبًا على تلك الحادثة: “كنا مجتمعين حول باب غرفة جون, ثم بدأنا بإفراغ ما في الآلة من دخان عبر فتحة باب الغرفة, ولم تمر إلا ثوانٍ قليلة حتى امتلأت غرفة ناش بدخان السجائر عن آخرها.” فخرج ناش وانفجر غضبًا. ويكمل وايفيل: “خرج من غرفته مزمجرًا وغاضبًا بشدة, فقام بإمساك جاك واكمان ورميه على السرير وتمزيق سترته ثم قام بعضِّ ظهره. ثم خرج راكضًا من الغرفة.”

    وفي مرات أخرى, كان ناش يدافع عن نفسه بالطريقة الوحيدة التي كان يعرفها. فلم يكن بارعًا بذم الآخرين أو التهكم عليهم والسخرية منهم, لذلك كان أقصى ما يستطيع فعله هو ازدراء هؤلاء الصبية بأسلوب طفولي. يقول سيجل: “كان ناش كثيرًا ما ينعتنا بالغباء والحمق. كذلك كان يحتقر من هم أقل من مستواه الفكري بشدة, وكان يُظهر هذا الاحتقار بكل وضوح. فقد كان يقول لنا بكل صراحة “أنتم جاهلون”. وبعد أن مرت سنة على ناش في المعهد, واشتهر عند الجميع بكونه عبقريًا في الرياضيات, بدأ باستقبال المعجبين في قاعة سكيبو التي كانت مركز تجمع الطلبة. ومثلما كان الساحر يجلس على كرسيه حاملًا سيفيه أثناء تأدية أحد عروضه, كان ناش يجلس على كرسي ويتحدى الطلبة بأن يأتوا بمسألة لا يستطيع حلها. ولهذا كان الطلبة يأتون إليه ليقوم بحل واجباتهم اليومية. حتى أصبح نجمًا لامعًا, ومع ذلك بقي بعيدًا نوعًا ما عن الجميع.

    وفي أحد الأيام, وقف ناش أمام لوحة الإعلانات مكفهر الوجه ومحدقًا إلى ذلك الإعلان المثبت على اللوحة خارج مكتب قسم الرياضيات من قاعة الإدارة التي كانت حالكة الظلام دومًا, حتى في أكثر الأيام إشراقًا, كما لو كانت داخل نفق لينكولن. لكن ناش وقف أمام اللوحة طويلًا, عندما علم أنه لم يكن أحد الخمسة الأوائل.

 

من اليمين فرجينيا, جون الابن, جون الأب, مارثا

    ولهذا انهارت كل آمال ناش في إثبات مجده وتألقه الذي ناله سريعًا. ولكن أوان منافسة ويليام لويل بوتنام الرياضية كان قد حان, تلك المنافسة المحلية والقيِّمة التي تستهدف شريحة الطلاب الذين لم يتخرجوا بعد, والتي تم تمويلها بواسطة عائلة بوسطن المعروفة ضمن رؤساء جامعة هارفرد وعمدائها. وإن هذه المنافسة تجتذب اليوم أكثر من ألفي مشترك. ولكن في مارس من عام 1947 كان قد مر عقد من الزمان على إنشائها, ولم يفز بها إلا 120 شخصًا. ولكنها كانت أفضل فرصة يمكن لأحدهم فيها أن يسرق الأضواء من زملائه وأن يثبت وجوده ومكانته في عالم الرياضيات.

    إن قواعد المنافسة لم تتغير, فكما تنص قوانينها الآن يُعطى كل متسابق اثنتا عشرة مسألة ليقوم بحلها في فترة زمنية لا تتعدى نصف ساعة لكل متسابق. وإن هذه المسائل المختارة بالغة الصعوبة. وفي كل سنة, يظهر أن أغلب درجات المتسابقين التي تبدأ من 120 درجة كانت صفرًا. وهذا يعني أن نصف المتسابقين على الأقل لم يستطيعوا كتابة خطوات الحل التي تُظهر مقدار معرفتهم بطريقة تفكيك المسألة ثم حلها لأيٍ من المسائل المعطاة, هذا بغض النظر عن أن هؤلاء المتسابقين كان قد تم اختيارهم بواسطة أساتذتهم ليمثلوا القسم كاملًا في المنافسة. ولكي يستطيع أحد المتسابقين الفوز – أو حتى نيل أحد المراتب الخمسة الأولى – يجب على هذا الرياضي الشاب أن يكون سريعًا جدًا أو حاذقًا بحل المسائل. أما الجائزة فهي عبارة عن مبلغ مالي زهيد, إذ يتم إعطاء كل متسابق من العشرة الأوائل مبلغًا يتراوح بين عشرين وأربعين دولارًا, وكذلك يتم إعطاء كل فريق من الذين نالوا أحد المراتب الخمسة الأولى مبلغًا يتراوح قدره بين مئتين وأربعمئة دولار, ولكن الفائزين يصبحون مشهورين ومعروفين في عالم الرياضيات بشكل سريع جدًا وكذلك يتم التأكيد على انضمامهم إلى أعلى وأفضل برامج الجامعات التي تهتم بشؤون الخريجين. ومع أن برامج الخريجين هذه تختلف درجة اهتمامها بمسألة الفوز بجائزة تونام, إلا أن جامعة هارفارد تعيرها قدرًا كبيرًا وكبيرًا جدًا من الأهمية. فقد تعهدت هارفارد في تلك السنة بأن تمنح أحد الفائزين منحة دراسية كاملة بقيمة خمسة عشر ألف دولار.

    ولهذا انضم ناش للمنافسة عندما كان طالبًا مستجدًا وثم عاود الانضمام إليها عندما انتقل للسنة الثانية. وفي محاولته الثانية استطاع أن يكون بين العشرة الأوائل ولكنه لم يحقق مركزًا بين الخمسة الأوائل. ورغم هذا فقد أصبح مغرورًا بعض الشيء. وفي عام 1946 قَدِم أستاذ يدعى موسكوفيتس ليقوم بتدريب فريق معهد كارنيجي على المنافسة مستخدمًا مسائلًا مأخوذة من اختبارات السنة الماضية لمنافسة تونام. وتمكن ناش من حل هذه المسائل رغم أن موسكوفيتس والآخرون لم يتمكنوا من ذلك. ولكنه أصيب بصدمة كبيرة عندما علم أن جورج هيرمان تمكن من أن يكون ضمن الخمسة الأوائل في منافسة جائزة بوتنام لسنة 1964 بينما لم يتسنَّ له ذلك.

    ولو كان مثل هذا الحدث قد حصل لشاب آخر يبلغ التاسعة عشر من عمره؛ لنسي كل تلك الخيبة التي شعر بها بسبب عدم فوزه بالجائزة, خصوصًا إذا كان هذا الشاب قد سبق له تغيير تخصصه من قسم الهندسة الكيميائية إلى قسم الرياضيات الذي تم استقباله فيه بأذرع مشرعة وبترحيب بالغ وإشادة عظيمة من أساتذة الرياضيات الذين أخبروه بكل صراحة أن أمامه مستقبلًا باهرًا ومشرقًا في عالم الرياضيات. ولكن بالنسبة لشاب مراهق كان قد تحمل صنوف الرفض من أقرانه طوال حياته, فمثل هذه الإشادات والمديح المغرق من أساتذته الكبار من أمثال ريتشارد دوفين وج. ل. سينغ لم تكن كافية بل كانت مبتذلة ومتأخرة جدًا. فناش يتوق للحصول على شكل أشمل وأكبر من التقدير والإحترام, فهو يتوق إلى تقدير يواكب معاييره الخاصة حول مدى القبول الذي يريد أن يشعر به ضمن الآخرين, وليس إلى تلك المعايير المفعمة بالعاطفة والمبنية على العلاقات الشخصية. قال هارولد كون عن هذا منذ وقت قريب: “كان ناش يولي مسألة موقعه الحالي من الآخرين اهتمامًا شديدًا”. كذلك ألمح ناش بنفسه إلى هذا قائلًا: “إنه من المهم دومًا أن تكون ضمن فريق أو مجموعة ” وقد قال هذا بعد عقود من حدث جائزة بوتنام, وحتى بعد أن اكتسب شهرة واسعة حول براعته وعبقريته في مجال الرياضيات البحتة, وبعد فوزه بجائزة نوبل في الاقتصاد, فإنه ما زال يتألم كلما تذكر جائزة بوتنام, فهي تذكره دائمًا بأن الفشل كان حاضرًا بشكل واضح في سيرته كطالب دراسات عليا في معهد كارنيجي. حتى أن ناش بات يشير إلى الرياضيين بقوله, “أوه, هذا فلان الذي نال جائزة بوتنام ثلاث مرات.”

    وفي خريف 1947 كان ريتشارد دوفين واقفًا أمام السبورة بثبات شديد وملامح عابسة. فقد كان مدركًا تمام الإدراك لمبدأ فضاء هيلبرت الذي كان الموضوع الأساسي لمحاضرته في ذلك اليوم, لكنه كان مستعجلًا بتحضيره لهذه المحاضرة, مما أدى لوقوعه في مأزق عندما كان يحاول كتابة البرهان على إحدى المسائل لمبدأ فضاء هيلبرت, حتى علق ولم يستطع إكمال البرهان. ومثل هذه المواقف كانت تحدث طوال الوقت.

    وفي تلك الأثناء كان طلبة الدراسات العليا الخمسة من ذلك الصف المتقدم مرتبكين. فالنمساوي واينبيرقير, كان قادرًا على شرح النقاط الرئيسية من كتاب فون نيومان المعنون بـ “الأسس الرياضية لميكانيكا الكم”, كذلك كان دوفين يستخدم هذا الكتاب كمرجع له. لكن واينبيرقير كان عاجزًا أيضًا أمام هذه المسألة وغير قادر على حلها. وبعد لحظات التفت الجميع إلى ذلك الأخرق من السنة الأولى, والذي كان يتحرك كثيرًا في كرسيه, حتى قال له دوفين: “حسنًا يا جون, تعال هنا ولنرى إن كنت قادرًا على إخراجي من هذا المأزق.” فقفز ناش ومشى بخطى سريعة وكبيرة باتجاه السبورة وقام بحلها وسط دهشة الجميع.

    يقول بوت عن ناش: “كان ناش يفوقنا ذكاءً على الدوام, فقد كان يستطيع استيعاب النقاط وفهم المسائل بنفسه وبشكل طبيعي. فعندما يتورط دوفين في حل مسألة ما, كان ناش يهب لحلها بسهولة. بينما نكون نحن جاهلون بالطريقة التي يجب تطبيقها لحل هذه المسائل.” ويقول عنه طالب آخر: “كان ناش قادرًا دومًا على ضرب أمثلة سهلة وواضحة لنا وعلى الإتيان بأضدادها بكل سهولة بغرض توضيح بعض المسائل.”

    وبعد زمن طويل, وبالتحديد في سنة 1995, قال دوفين وقبل وفاته بوقت قصير: “إن بإمكاني التحدث إلى ناش, فأنا أتذكر أنه في فترة ما بعد المحاضرة من أحد الأيام, كان ناش يتحدث عن نظرية براور للنقطة الثابتة. فقد تمكن من إثباتها بشكل غير مباشر عن طريق استعماله لمبدأ التناقض الذي ينص على أن الافتقار لشيء ما لا بد أن يؤدي إلى توقع حدوث نتيجة مروعة. وفي ذلك الوقت كنت لا أعلم إن كان ناش قد سمع ببراور من قبل أم لا.”

    درس ناش على يد دوفين في سنته الثالثة والأخيرة في معهد كارنيجي. وعندما بلغ التاسعة عشر من عمره أصبح مختص رياضيات متكاملًا وناضجًا. يقول دوفين عنه: “كان ناش يقوم باختزال المسائل إلى أشياء ملموسة. وكان يحاول ربط المسائل ببعضها وفقًا لما يعرفه عنها. كذلك كان يحاول استشعار حدسه تجاه المسألة قبل أن يبدأ بحلها. وقد حاول أن يحل بعض المسائل البسيطة بوضع بعض الأرقام فيها. وهذه كانت طريقة رامانوجان الذي ادعى أن الأرواح هي التي كانت تهمس إليه بالنتائج التي استطاع التوصل إليها. أما بوانكاريه فقد قال أنه بدأ يفكر بنظريته العظيمة عندما كان ينزل من الحافلة.”

    كان ناش يحب حل المسائل العامة والشائعة. ولم يكن جيدًا بحل الألغاز البسيطة. يقول بوت: “كان جون شخصًا حالمًا, فقد كان يستغرق وقتًا طويلًا في التفكير. وأحيانًا كنا نراه فنعرف مباشرة أنه مستغرق في التفكير بينما يكون الآخرون غارقين في قراءة كتبهم.” أما واينبيرقير فيقول: “إن ناش كان على علم بأشياء لم يكن أحد غيره عالمًا بها بيننا. فقد كان يعمل على مسائل ومواضيع لا يفهمها أيٌ منا. وهذا بسبب امتلاكه لقدر هائل من المعرفة جعله يكتشف نظرية الألعاب.” وسيغل يقول عن ناش: “كان ناش شغوفًا بمعادلات ديفونتيه, وبينما كان هو يعشقها لم يكن أي منا على دراية بأي شيء عنها. ولكنه كان يعمل على حلها.”

    وكل هذه الحكايات تبيّن لنا كيف أن اهتمامات ناش التي رافقته طوال حياته كمختص رياضيات – مثل نظرية الأعداد, والمعادلات الديفونتية, ومكانيكا الكم, والنسبية – كانت قد بدأت تجذبه مذ كان مراهقًا. ولكن القصص تختلف حول ما إذا كان ناش قد توصل إلى نظرية الألعاب أثناء دراسته في معهد كارنيجي أم لا. حتى أن ناش نفسه لا يتذكر هذا. ولكنه كان على كل حال قد درس مقررًا عن التجارة الدولية, وهذا المقرر هو المقرر الرسمي والمنهجي الوحيد الذي درسه ناش في مجال الاقتصاد قبل أن يتخرج من معهد كارنيجي. فأثناء دراسة ناش لهذا المقرر بدأت أولى الرؤى الأساسية تقفز إلى عقله حتى أدت في النهاية إلى فوزه بجائزة نوبل.

    وفي حلول ربيع 1948 – وهذه السنة كانت سنة تخرج ناش من معهد كارنيجي – تم قبول ناش في كل من جامعة هارفارد, وجامعة برينستون, وجامعة شيكاغو, وكذلك ميتشيجن, وهذه الجامعات الأربع كانت الأفضل فيما يخص برامج الرياضيات للدراسات العليا على مستوى الدولة كلها. وكان القبول بأحدها شرطًا أساسيًا للحصول على منصب أكاديمي جيد ومرموق.

    وقد كانت جامعة هارفارد هي اختياره الأول. فقد أخبر الجميع بأنه على يقين بأن جامعة هارفارد تضم أفضل طاقم من أساتذة الرياضيات. كذلك أغرته مكانة هارفارد ومنزلتها الإجتماعية. وكجامعة, فقد كانت هارفارد ذائعة الصيت محليًا, بينما لم تملك جامعتي شيكاغو وبرينستون سمعة كبيرة لأن أغلب طاقم التدريس فيهما كانوا من جنسيات أوروربية. لهذا كانت كفة هارفارد راجحة في نظره, ومجرد تفكيره بأنه بات بإمكانه أن يكون منضمًا إليها وأن يكون أحد أعضائها كانت تشعل الحماسة في نفسه.

    ولكن واجهته مشكلة وهي أن جامعة هارفارد تنوي دفع مبلغ أقل مما ستدفعه برينستون له لو انضم إليها. وسبب ذلك يرجع لأدائه في منافسة بوتنام والذي تعتبره هارفارد أداء سيئًا ودون المتوقع, لذلك اتخذ ناش قراره وقرر بأن هارفارد لا تناسبه وليست متحمسة لانضمامه بشكل كبير. ولذلك رفض عرضها ولم ينضم إليها. وبعد خمسين سنة, وفي مقالته الذاتية لجائزة نوبل, اتضح أن عدم اهتمام جامعة هارفارد بناش وبانجازاته لا زال يضايقه, لذلك قال: “لقد تم عرض الزمالة علي لكل من جامعتي هارفارد وبرينستون لأنضم إلى أحدهما كطالب دراسات عليا. ولكن زمالة برينستون كانت سخية جدًا معي رغم مسألة عدم فوزي في منافسة بوتنام.”

    أما طاقم جامعة برينستون فقد كان في أوج الحماسة واللهفة. فمنذ الثلاثينيات وصاعدًا, أصبحت جامعة برينستون ذات إدارة أقوى وأحسن بكثير من غيرها, حتى أنها نالت نصيب الأسد في انضمام أفضل الخريجين إليها. ويرجع هذا نتيجة لكون برينستون تفوق هارفارد في مسألة انتقاء الطلاب واختيارهم, فهي تضم عشرة مرشحين مختارين بعناية كل سنة, بينما تضم هارفارد خمسة وعشرين مرشحًا أو نحوها. كذلك لم يحفل طاقم برينستون بجائزة بوتنام, ولا بأنواع الاختبارات مهما كانت, ولا حتى بالتقديرات والدرجات. ولكنهم ركزوا اهتمامهم بمدى عبقرية الآراء والأفكار التي يقوم طلبة الدراسات العليا من مختصي الرياضيات أولئك بعرضها والتي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار نظرًا لأهميتها. لذلك كانت تسعى بكل ما لديها من قوة لتجتذب المتميزين من طلبة الدراسات العليا لأن ينضموا إليها.

    وقد حاول كل من دوفين وسينق دعم جامعة برينستون قدر استطاعتهما. وذلك لأنها جامعة مليئة بالمختصين بمجالات الرياضيات البحتة – مثل علم الطوبولوجيا, وعلم الجبر, وأيضًا المختصين بنظرية الأعداد – مما جعل دوفين يرى بأن هذه البيئة هي أنسب بيئة لناش, فهي توافق اهتماماته وميوله, خصوصًا وأن قبوله فيها سيجعله يشغل مهنة أكاديمية في وسط الرياضيات التجريدية هذا الذي يلبي متطلباته بشكل كبير جدًا. لذلك قال دوفين: “أعتقد أن ناش سيصبح عبقريًا ومختصًا في مجال الرياضيات البحتة, ولأن جامعة برينستون هي الأولى في علم الطوبولوجيا, أردت بشدة إرساله إليها.” ولأن كل ما كان يعرفه ناش عن جامعة برينستون هو أن آينشتاين وجون فون نيومان كانا عضوين فيها, جنبًا إلى جنب مع الكثير من المهاجرين الأوروبيين. فقد جعله هذا الوسط الرياضي والمتعدد اللغات والمتنوع – الذي يضم الكثير من الأجانب واليهود واليساريين – يرى أن جامعة برينستون لم تكن بديلًا جيدًا لهارفارد.

    وعندما استشعر سولومون ليفشيتز رئيس مجلس جامعة برينستون, أن ناش كان مترددًا بعض الشيء فيما يخص اختياره لجامعة برينستون, كتب له رسالة وألح عليه فيها أن يختار برينستون. حتى أنه عرض عليه الزمالة المكفولة من قبل جون س. كينيدي. التي تمتد لسنة كاملة والتي كانت تعتبر أعظم شيء يمكن لإدارة برينستون أن تقدمه, إذ كانت تشترط القيام بالتدريس لفترات قليلة فقط, رغم أن عدم التدريس أيضًا لا يلغيها, كذلك كانت توفر للطالب غرفة في سكن جامعة برينستون المخصص لطلاب الدراسات العليا. وقد أظهرت هذه الزمالة مقدار تلهف طاقم برينستون إلى ضم ناش إليهم. فمقدار المبلغ الذي تمنحه هذه الزمالة يبلغ 1,150 دولار, مما يغطي تكاليف الرسوم الدراسية التي تبلغ 450 دولارًا وكذلك كانت كافية لاستئجار غرفة في سكن طلاب الدراسات العليا والذي يبلغ 200 دولارًا, كذلك كانت تغطي تكاليف رسوم العشاء التي تبلغ 14 دولارًا في الإسبوع, بالإضافة لتغطيتها لمستلزمات المعيشة الأخرى.

سولومون ليفشيتز:

    وكانت هذه الزمالة هي ما حسم المسألة في عقل ناش وهي ما جعلته يتخذ قراره النهائي. فلم يحفل ناش حقيقة بمسألة الاختلاف ضمن ما تنوي كل جامعة تقديمه له, ولم يرغب بطلب عوائد أكبر بأي حال من الأحوال. ولكن وحتى في مواقف أخرى من حياته, كانت مثل هذه الفروقات المالية التافهة نسبيًا هي ما يحسم قراراته. فمن الواضح أن ناش اعتبر كرم جامعة برينستون معه مقياسًا لمدى سمو قيمته لديهم. فمطالبة ليفشيتز له بشكل شخصي, مع إشادته بعبقريته رغم صغر سنه حسمت قراره. كذلك جملة ليفشيتز التي قال فيها: “إننا نطمح في جامعة برينستون إلى ضم الشباب الواعد, واسعي الآفاق ومنفتحي العقول المتحررين” ضربت وترًا حساسًا عند ناش.

    ولكن كان هناك شيء آخر يشغل عقل ناش في ذلك الربيع الأخير له في معهد كارنيجي. فكلما اقترب موعد تخرجه يصبح أكثر قلقًا من فكرة أن يتم تجنيده. فقد كان خائفًا من أن تدخل الولايات المتحدة في حرب أخرى, فينتهي به الأمر لأن يصبح في صفوف جند المشاة. وذلك لأن الجيش لا يزال ضعيفًا وأعداد الجند كانت قليلة, فبعد ثلاث سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية, ورغم كل النوايا والرغبات انتهى مشروع التجنيد إلى الاصطدام بعقبة كبرى, ولم يستطع ناش أن يشعر بالأمان بعد معرفته لهذا الخبر. فالجرائد كانت مليئة بأخبار تشير إلى إمكانية اشتعال الحرب مرة أخرى, مثل خبر الحصار الروسي لبرلين, والذي استلزم بريطانيا وأمريكا أن تقوم بإرسال المؤن جويًا في ذلك الربيع, مما جعل ناش يظن أن تلك الحرب الباردة قد بدأت تسخن شيئًا فشيئًا. ولكنه كان يمقت أي فكرة تجعله يفكر بأن مستقبله الشخصي يمكن أن يصبح مرهونًا بقوى خارجية تستطيع التحكم به بسهولة, كذلك كان مهووسًا باكتشاف طرق تعينه على أن يدافع عن نفسه ضد أي تهديد يمكن أن يعكر صفو استقلاله الذاتي أو خططه.

    ولهذا تنفس ناش الصعداء عندما عرض ليفشيتز أن يساعده في الحصول على مهنة صيفية مع فريق المشروع البحثي البحري. وتم عقد هذا المشروع بمدينة وايت أوك من ولاية ماريلاند, وكان المشرف عليه طالب سابق درس على يد ليفشيتز يدعى كليفورد أمبروس تروزديل. وعلى إثر ذلك كتب ناش إلى ليفشيتز في مطلع شهر إبريل:

    بالطبع يلزمني تقديم يد العون نظرًا لإمكانية دخول الولايات المتحدة في حرب جديدة, وإني أفضِّل أن أساهم بالعمل على مشروع بحثي بدلًا من أن أنضم لصفوف الجيش. فقضاء هذا الصيف في العمل على بحث ترعاه الحكومة, قد يمهد لي الطريق في الحصول على امتيازات جيدة ومرغوبة بشكل أكبر.

    ورغم أن ناش لم يبد أي اشارات تدل على مدى كربه ومحنته, إلا أن خيبات الأمل ومشاعر القلق التي عايشها في ذلك الربيع كانت قد ألقت بظلالها على ذلك الصيف الذي حل مع ميعاد تخرجه من معهد كارنيجي وإلتحاقه بجامعة برينستون.

    وتعتبر مدينة وايت أوك إحدى ضواحي مدينة واشنطن العاصمة. وفي صيف 1948, كانت هذه الضاحية ذات طقس ممطر مما جعل المستنقعات تملأ المكان, كذلك كانت تغطيها الأشجار ويكثر فيها حيوان الراكون والأبوسوم والثعابين. كذلك كان مختصو الرياضيات في تلك الضاحية خليطًا من الأمريكيين الذين كان بعضهم يخدم في القوات البحرية في منتصف فترة الحرب, وغيرهم من الألمان الذي كانوا سجناء في فترة الحرب. أما ناش فقد استأجر غرفة من ضابط شرطة تقع في وسط واشنطن العاصمة. لذلك كان في كل يوم يتجه بسيارته إلى ضاحية وايت أوك وبصحبته رفيقين ألمانيين.

    وقد تطلع ناش بشوق كبير لذلك الصيف. فقد وعده ليفشيتز أن العمل كله سيكون ضمن الرياضيات البحتة. أما مختص الرياضيات الحاذق تروزديل, فقد كان مشرفًا متساهلًا إذ قام بتشجيع مختصي الرياضيات الذين كانوا تحت إشرافه بأن يؤدوا بحوثهم وفق ما يوافق شغفهم. حتى أنه أعطى ناش مطلق الحرية منذ البداية, فلم يذكر له أية تعليمات وكان جل ما أخبره هو أنه يأمل بأن يقوم ناش بكتابة بحث قبل أن يغادر في نهاية الصيف. ولكن ناش واجه مشكلة في العمل. فلم يستطع تحقيق أي تقدم يُذكر ضمن أي من المسائل التي عرضها على تروزديل في بداية الصيف, ولهذا لم يقم بتسليم ورقة واحدة. وفي نهاية الصيف, تحتم على ناش أن يقوم بالاعتذار من تروزديل لأنه لم يفعل أي شيء عوضًا عن تضييع الوقت.

    وعندما كان هناك, أمضى ناش أغلب أيامه بالسير في أنحاء الضاحية دون أي هدف, إذ كان غارقًا في أفكاره. وتقول عنه شارلوت تروزديل, زوجة تروزديل والمسؤولة عن المشروع في أيام الجمعة, أن ناش كان يبدو كطفلٍ صغيرٍ جدًا, تقول “كنت أظنه في السادسة عشر من عمره” كذلك كان لا يتحدث لأي أحد. وفي إحدى المرات سألته شارلوت بماذا يفكر, فرد عليها ناش قائلًا: “ألا تظنين أنها ستكون مزحة رائعة لو قمت بوضع ثعبان حي على كرسي أحد مختصي الرياضيات.” تقول شارلوت: “لم ينفذ ناش هذه المزحة, لكنه كان يفكر فيها كثيرًا.”

 

 

لقراءة مقدمة كتاب (عقل جميل) اتبع الرابط التالي:

مقدمة كتاب A Beautiful Mind (عقل جميل) – سيلفيا نصار/ ترجمة: حنين الهطلاني

 

لقراءة الفصل الأول من كتاب (عقل جميل)، اتبع الرابط التالي:

مقدمة كتاب A Beautiful Mind (عقل جميل) – سيلفيا نصار/ ترجمة: حنين الهطلاني