ذرات المكان والزمان – لي سمولين

ذرات المكان والزمان – لي سمولين

 

 لي سامولين، باحث في معهد پيرمتر للفيزياء النظرية بواترلّو (كندا) وأستاذ منتدب للفيزياء في جامعة واترلّو

لي سمولين، باحث في معهد پيرمتر للفيزياء النظرية بواترلّو (كندا) وأستاذ منتدب للفيزياء في جامعة واترلّو

مجلة العلوم (أغسطس – سبتمبر2004 / المجلد 20)


نرى المكان متصلا وندرك الزمان على نفس النحو؛

ولكن إذا صحت النظرية الغريبة حول الثقالة الكمومية العروية،

فإن الزمان والمكان هما في واقع الأمر مكونَان من قطع متفردة.

<L. سمولين>

 

قبل ما يزيد على نحو مئة سنة كان معظم الناس ومعهم معظم العلميين يظنون أن المادة متصلة. ومع أن بعض الفلاسفة والعلميين قد تكهنوا منذ قديم الزمن بتكون المادة من ذرات دقيقة نصل إليها إذا ما قسمت المادة إلى أجزاء صغيرة بما فيه الكفاية، فقد تناقص عدد من كان يعتقد بإمكانية إقامة الدليل على ذلك. ولكننا اليوم نستوعب وجود ذرات فردية وندرس الجسيمات التي تتكون منها. ولم يعد أحد يستغرب تكوُّن المادة من حبيبات.

في العقود الأخيرة، تساءل الفيزيائيون والرياضياتيون عما إذا كان الفضاء أيضا مؤلفا كالمادة من قطع متفردة. هل الفضاء متصل كما تعلمنا في المدارس أو أنه أشبه بقطعة من القماش محبوكة من ألياف صغيرة منفصلة؟ أتُرى إذا استطعنا استكشاف قياس الأجسام البالغة الصغر، فهل سنرى «ذرات» يستحيل اختزالها أو تجزئتها إلى ما هو أصغر منها؟ وماذا عن الزمان: هل تتغير الطبيعة على نحو متصل أو أن الكون يتطور بتسلسلٍ من المراحل الدقيقة جدا وهو في ذلك أشبه ما يكون بحاسوب رقمي؟

شهدت السنوات ال16 الماضية تقدما كبيرا في هذه الموضوعات، إذ تتنبأ نظرية تحمل اسما غريبا هو «الثقالة الكمومية العروية»(1) بأن الفضاء والزمان مكونان من أجزاء متفردة. وتكشف لنا الحسابات المجراة في إطار هذه النظرية عن صورة بسيطة وجميلة في آن واحد. فقد عمقت النظرية فهمنا لظواهر محيرة ترتبط بالثقوب السوداء وبالانفجار الأعظم. وأفضل ما في الأمر أن هذه النظرية قابلة للاختبار، وتتنبأ بتجارب يمكن إجراؤها في المستقبل القريب تتيح الكشف عن ذرات الفضاء في حال وجودها.

 

نظرة إجمالية/ الزمكان الكمومي(**)

▪ لفهم بنية الفضاء في السلالم البالغة الصغر، علينا التوجه نحو نظرية كمومية للثقالة. ويتأتى تدخل الثقالة في هذا الموضوع من نظرية النسبية العامة لآينشتاين التي تبين أن الثقالة ناتجة من تشوه الزمان والمكان.

▪ إن التوفيق المتأني بين المبادئ الأساسية للميكانيك الكمومي والنسبية العامة هو الذي قاد الفيزيائيين لوضع نظرية «الثقالة الكمومية العروية». ويبدو أن الحالات الكمومية المسموح بها للفضاء في هذه النظرية مرتبطة بمخططات مكونة من خطوط ونقاط تسمى شبكات السپين. ويقابل الزمكان الكمومي مخططات مماثلة تسمى زبد السپين.

▪ تتنبأ الثقالة الكمومية العروية بأن الفضاء مكون من قطع منفصلة، حجم أصغرها نحو طول پلانك مكعب، أي 99-10 سم3. ويجري الزمن بدقات متفردة هي نحو 43-10 ثانية. ويمكن رؤية المفاعيل الناتجة من هذه البنية المتفردة (المتقطعة) في تجارب تجرى في المستقبل القريب.

الكمات(***)

لقد قمت وزملائي بتطوير نظرية الثقالة الكمومية العروية في وقت كنا نتصارع فيه مع مسألة مهمة مطروحة في الفيزياء منذ زمن طويل: هل يمكن وضع نظرية كمومية للثقالة؟ ولشرح أهمية هذه المسألة ـ وعلاقتها بحبيبات الفضاء والزمان ـ يجب أن أتحدث قليلا عن النظرية الكمومية وعن نظرية الثقالة theory of gravity.

لقد صيغت النظرية الكمومية في الربع الأول من القرن العشرين وارتبطت صياغتها ارتباطا وثيقا بالبرهنة على أن المادة تتكون من ذرات. فمعادلات الميكانيك الكمومي تؤدي إلى ظهور بعض القيم، مثل طاقة الذرة على سبيل المثال، على شكل وحدات متقطعة محددة. وقد نجحت النظرية الكمومية في التنبؤ بخواص الذرات وسلوكها، وكذا بخواص وسلوك الجسيمات الأولية والقوى المكونة لها. ولم يحدث في تاريخ العلوم أن حققت نظرية ما نجاحا أعظم مما حققته النظرية الكمومية، فعليها يقوم فهمنا للكيمياء وللفيزياء الذرية وما تحت الذرية وللإلكترونيات وحتى للبيولوجيا.

وفي نفس الفترة التي صيغ فيها الميكانيك الكمومي طرح آينشتاين نظريته العامة في النسبية وهي نظرية الثقالة. وتظهر قوة التثاقل في نظريته بسبب انحناء المكان والزمان المكونين معا «للزمكان»(2) الناتج من وجود المادة. ولتقريب الصورة للأذهان، يمكننا مقارنة ذلك بكرة بولينگ موضوعة على صفيحة مطاطية ومعها كرة من المرمر تتدحرج بالقرب منها. يمكن تمثيل الشمس والأرض بالكرتين والصفيحة بالفضاء. تتسبب كرة البولينگ بتضاريس عميقة في الصفيحة المطاطية ويؤدي انحدار التضريس إلى انعطاف الكرة المرمرية نحو الكرة الأكبر وكأنها قد دفعت في هذا الاتجاه بفعل قوة ما (الثقالة). وعلى نفس النحو تشوه أي قطعة من المادة أو أي تجمع للطاقة هندسة الزمكان مسببة انعطاف الجسيمات الأخرى والأشعة الضوئية نحوها وهي الظاهرة التي نسميها الثقالة gravity.

عززت التجربةُ النظريةَ الكمومية ونظرية النسبية العامة لآينشتاين، كلا على حدة بشكل مدهش. إلا أنه لم تجر أي تجربة مفاعيل effects مهمة تتنبأ بها كل من النظريتين. ويُردّ ذلك إلى أن المفاعيل الكمومية تبرز أقصى ما يكون في الأبعاد الصغيرة جدا، في حين تتطلب مفاعيل النسبية العامة كتلا كبيرة، وهكذا لا بد من ظروف غير عادية للجمع بين هذين الشرطين.

وهناك إلى جانب هذه الثغرة في البيانات التجريبية مسألة عويصة تتعلق بالمفاهيم. فنظرية آينشتاين في النسبية العامة نظرية تقليدية تماما، أي إنها ليست كمومية. إلا أنه لكي تبقى الفيزياء علما متسقا لا بد من توحيد الميكانيك الكمومي والنسبية العامة. وتسمى هذه النظرية التي نبحث عنها منذ أمد طويل الثقالة الكمومية quantumgravity. ولما كانت النسبية العامة تتعامل مع هندسة الزمكان، فعلى نظرية الثقالة الكمومية أن تكون نظرية كمومية للزمكان.

لقد طور الفيزيائيون مجموعة من النهج والطرائق الرياضياتية لتحويل نظرية تقليدية إلى نظرية كمومية. وعمل العديد من الفيزيائيين النظريين والرياضياتيين على تطبيق هذه التقنيات على النسبية العامة. وكانت النتائج الأولى مثبطة؛ إذ يبدو أن الحسابات التي أجريت في الستينات والسبعينات من القرن العشرين أظهرت أن محاولة التوفيق بين النظرية الكمومية والنسبية العامة لن يكتب لها النجاح؛ ومن ثمّ كان لا بد من طرح متطلبات أساسية جديدة، مصادرات poslulates أو مبادئ لا تتضمنها النظرية الكمومية والنسبية العامة، أو جسيمات جديدة وحقول، أو نوع آخر من الكائنات الجديدة. ولعل إضافة من هذا القبيل أو لعل بنية رياضياتية جديدة تتيح لنا تطوير نظرية شبه كمومية تنجح في أن تكون النسبية العامة على وجه التقريب في النظام غير الكمومي. ثم إنه من الضروري أن تبقى هذه الإضافات الدخيلة في النظرية الإجمالية خافية عن التجارب كي لا تضر بالتنبؤات الناجحة للميكانيك الكمومي والنسبية العامة وألا تتبدى إلا في الظروف غير الاعتيادية، حيث يتوقع أن يكون لكلتا النظريتين مفاعيل كبيرة. وقد أجريت محاولات عديدة في هذه الاتجاهات أطلقت عليها أسماء مختلفة مثل نظرية اللاوي twistor، الهندسة غير التبديلية والثقالة الفائقة.

SCI2004b20N8-9_H10_00892تتمتع إحدى المقاربات ـ وهي نظرية الأوتار ـ بشعبية كبيرة عند الفيزيائيين، وهي نظرية تفترض أن للفضاء ستة أو سبعة أبعاد ـ حتى الآن لم يُرصد أي منها على الإطلاق ـ إضافة إلى الأبعاد الثلاثة المعهودة. كما تتنبأ نظرية الأوتار بوجود عدد كبير من القوى والجسيمات الأولية الجديدة، إلا أنه لم يقم أي دليل بالرصد على وجودها حتى اليوم. ويعتقد بعض الباحثين أن نظرية الأوتار متضمنة في نظرية تسمى الأغشية (Mtheory) [انظر: «النظرية التي كانت تسمى أوتارا»، مجلة العلوم، العدد 12(1998)، ص 34]، إلا أنه لا يتوافر حتى الآن أي تعريف دقيق لهذه النظرية المخمنة. وهكذا فإن كثيرا من الفيزيائيين والرياضياتيين مقتنعون بوجوب دراسة بدائل أخرى. ونظريتنا للثقالة الكمومية العروية هي أفضل البدائل المطورة.

 

ثغرة كبيرة(****)

في منتصف الثمانينات، قرر عدد منا إعادة تفحص مسألة إمكانية التوفيق بشكل متسق بين الميكانيك الكمومي والنسبية العامة باستعمال التقنيات المعتادة. وكان منهم <A. آشتكر> [وهو الآن في جامعة ولاية پنسلڤانيا] و<T. جاكوبسون> [من جامعة مريلاند] و<C. روڤلّي> [وهو الآن في جامعة البحر المتوسط بمرسيليا]. وكنا نعلم أن ثغرة مهمة أدت إلى النتائج السلبية في السبعينات: كانت جميع الحسابات التي أجريت تفترض أن هندسة الفضاء متصلة وملساء أيا كانت دقة فحصنا لهذا الفضاء، وذلك على غرار ما كان الناس يتصورون المادة قبل اكتشاف الذرة. وقد بين لنا بعض أساتذتنا والمشرفين علينا أنه لن يكون من الممكن الاعتماد على الحسابات القديمة لو تبين أن هذه الفرضية خاطئة.

وهكذا بدأنا بالبحث عن طريقة لإجراء الحسابات من دون أن نفترض أن الفضاء أملس ومتصل، وعمدنا بإصرار إلى عدم وضع أي فرضية تتجاوز ما اختُبر جيدا من مبادئ النسبية العامة والنظرية الكمومية. واحتفظنا على وجه الخصوص في صلب الحسابات التي أجريناها بمبدأين أساسيين في النسبية العامة.

المبدأ الأول، هو المبدأ المعروف باستقلال الخلفية(3). وهو ينص على عدم ثبات هندسة الزمكان، وأنها عوضا عن ذلك هندسة متطورة، أي إنها مقدار ديناميكي. ولكي نجد هذه الهندسة يجب حل بعض المعادلات المتضمنة لجميع مفاعيل المادة والطاقة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأوتار في صياغتها الحالية لا تتمتع باستقلال الخلفية؛ فالمعادلات التي توصف الأوتار مبنية في زمكان تقليدي (أي غير كمومي) معين مسبقا.

والمبدأ الثاني، المعروف بالاسم المهيب: مبدأ لا تغيّر التماثل التفاضلي diffeomorphism invariance، هو وثيق الصلة باستقلال الخلفية. ويقتضي هذا المبدأ حرية الاختيار في النسبية العامة ـ على خلاف النظريات التي سبقتها ـ لأي جملة إحداثيات نستعملها في الزمكان لكتابة المعادلات. فما يُعرِّف نقطة ما في الزمكان هو فقط ما يحدث فيها فيزيائيا، وليس موقعها بالنسبة إلى جملة إحداثيات خاصة (لا توجد إحداثيات خاصة). إن هذا المبدأ بالغ القوة في النسبية العامة وذو أهمية أساسية فيها.

وبالتوفيق بدقة بين هذين المبدأين والتقنيات المعهودة في الميكانيك الكمومي، قمنا بتطوير لغة رياضياتية سمحت لنا بإجراء حسابات لتحديد ما إذا كان الفضاء متصلا أو متفردا (متقطعا)؛ وسعدنا بملاحظة أن هذه الحسابات كشفت أن الفضاء مكمم quantized. وهكذا وضعنا أسس نظريتنا للثقالة الكمومية العروية.

ونشير هنا إلى أن المصطلح «عروة» loop قد أُدخل لاحتواء الحسابات في النظرية على عرى صغيرة محددة في الزمكان.

الحالات الكمومية للحجم والمساحة(*****)

إن التنبؤ المركزي لنظرية الثقالة الكمومية العروية مرتبط بالحجوم والمساحات. لننظر إلى غلاف كروي يُعرّف الحدود B لمنطقة من الفضاء ذات حجم ما (أعلاه). حسب الفيزياء التقليدية (غير الكمومية) يمكن للحجم أن يقدر بأي عدد حقيقي موجب. إلا أن نظرية الثقالة الكمومية العروية تقول بوجود حد أدنى مطلق للحجم يغاير الصفر (نحو مكعب طول پلانك، أي99-10 سنتيمتر مكعب)، بحيث تقتصر مجموعة الحجوم الكبيرة على متتالية متقطعة من الأعداد. وبالمثل، يوجد حد أدنى للمساحات يغاير الصفر (نحو مربع طول پلانك، أي 66-10 سنتيمتر مربع) ومتتالية متقطعة من المساحات الكبيرة المسموح بها. ويشبه الطيف المتقطع للمساحات المسموح بها (في اليمين) وللحجوم (في الوسط) إلى حد كبير مستويات الطاقة الكمومية المتقطعة لذرة الهدروجين (في اليسار).

SCI2004b20N8-9_H10_00893

لقد أعاد إجراء الحسابات عدد من الفيزيائيين والرياضياتيين بتطبيق طرائق متعددة. وعلى مر السنين منذ ذلك الحين، نمت نظرية الثقالة الكمومية العروية لتصبح مجال بحث مفيدا، يسهم فيه العديدون من أنحاء العالم؛ وقد جعلتنا الجهود المتضافرة نثق بصورة الزمكان التي سأقوم بوصفها.

إن نظريتنا هي نظرية كمومية لبنية الزمكان في التدريجات الأصغر قَدًا، لذا فإنه لشرح كيف تعمل النظرية، نحتاج إلى الأخذ في الاعتبار تنبؤاتها من أجل منطقة صغيرة أو حجم صغير. ومن الأمور الأساسية في تعاملنا مع الفيزياء الكمومية هو التحديد الدقيق للمقادير الفيزيائية المراد قياسها. لهذا سندخل في اعتبارنا منطقة ذات حدود، B[انظر الشكل في هذه الصفحة]. يمكن تعيين الحدود بمادة ما، كما يمكن تعريفها بهندسة الزمكان نفسه، كما في أفق الحدث(4) لثقب أسود (وهو سطح تحدده شدة جاذبية الثقب الأسود بحيث لا يفلت من داخله شيء بما في ذلك الضوء(5).)

ما الذي يحدث عندما نقيس حجم المنطقة؟ وما النتائج التي يسمح بها كل من النظرية الكمومية ومبدأ لاتغير التماثل التفاضلي؟ فإذا كانت هندسة الفضاء متصلة فمن الممكن عندئذ أن يكون للمنطقة أي قدّ، وأن تكون نتيجة القياس أي عدد حقيقي وأن يكون قريبا من الصفر بقدر ما نريد. أما إذا كانت الهندسة حبيبية، فستكون نتيجة القياس مجموعة من الأعداد المتفردة والتي لا يمكن لها أن تكون أصغر من حد أدنى للحجم. والسؤال هنا شبيه بالسؤال عن طاقة الإلكترونات المحيطة بنواة الذرة. فالميكانيك التقليدي يتنبأ بإمكانية أن يكون للإلكترون أي قدر من الطاقة وذلك خلافا للميكانيك الكمومي الذي لا يسمح إلا بطاقات محددة (ويستحيل أن يكون للإلكترون طاقة تقع بين طاقتين من هذه الطاقات المحددة). فالفرق هنا يماثل الفرق بين قياس شيء ما يتدفق بشكل متصل، مثل الماء بمفهوم القرن التاسع عشر، وبين شيء يمكن عدّه، مثل عد الذرات في ذلك الماء.

تتنبأ نظرية الثقالة الكمومية العروية بكون الفضاء مثل الذرات: توجد مجموعة متقطعة من الأعداد تعطيها تجارب قياس الحجوم. فالحجم يظهر على شكل قطع متميزة. يمكن كذلك قياس مساحة الحدود B، وهنا أيضا تعطي الحسابات المجراة في نطاق النظرية نتيجة لا لَبْس فيها: إن مساحة السطح هي أيضا متفردة. أو بعبارة أخرى إن الفضاء غير متصل. ويظهر على شكل وحدات مكمّمة معينة للمساحة وللحجم.

 

كيف نتمثل حالات الحجم الكمومية(******)

يستعمل الفيزيائيون في دراسة نظرية الثقالة الكمومية العروية مخططات تسمى شبكات السپين، وذلك لتمثيل حالات الفضاء الكمومية في المقاييس الصغيرة جدا. يقابل بعض هذه المخططات حجوم كثيرات الوجوه. وعلى سبيل المثال، يتكون المكعب (a) من حجم تحيط به ستة وجوه مربعة. تحتوي شبكة السپين المقابلة له (b) على نقطة، أو على عقدة، تمثل الحجم وعلى ستة خطوط تمثل الوجوه الستة. وتحتوي شبكة السپين على عدد عند العقدة يشير إلى حجم المكعب وعلى عدد على كل خط يشير إلى مساحة الوجه الذي يقابله. والحجم هنا هو 8 مكعب طول پلانك، ومساحة كل وجه هي 2 مربع طول پلانك [إن قواعد الثقالة الكمومية العروية تقصر الحجوم والمساحات المسموح بها على قيم معينة: لا يسمح إلا بتوافقات معينة للأعداد على الخطوط والعقد].

وإذا أقمنا هرما على وجه المكعب العلوي (c)، فإن الخط الذي يمثل هذا الوجه في شبكة السپين سيصل بين عقدة المكعب وعقدة الهرم (d). أما الخطوط المقابلة للوجوه الأربعة الخارجية للهرم ولوجوه المكعب الخارجية الخمسة، فتنطلق بالترتيب من عقدتي الهرم والمكعب [لم نضع الأعداد للتبسيط].

كمصةرمر

بصورة عامة يُمثَّل كمّ المساحة في شبكة سپين بخط واحد (e)، في حين تمثل مساحة مؤلفة من عدة كمات بعدة خطوط (f). وكذلك يمثَّل كم الحجم بعقدة واحدة (g) في حين يمثل الحجم الأكبر بعدة عقد (h). وإذا كان لدينا منطقة من الفضاء محددة بغلاف كروي، فإن الحجم داخل هذا الغلاف يعطى بمجموع العقد داخل الغلاف وتعطى مساحة السطح بمجموع الخطوط التي تخترقه.

إن شبكات السپين أساسية أكثر من كثيرات الوجوه: يمكن تمثيل أي نسق من كثيرات الوجوه بشبكة سپين على هذا النحو، ولكن بعض شبكات السپين الصحيحة تمثل توافيق لحجوم ومساحات لا يمكن رسمها مثل كثيرات وجوه. تحدث أمثال شبكات السپين هذه في حالة انحناء الفضاء، بفعل حقل تثاقل قوي أو عندما تحدث تأرجحات كمومية لهندسة الفضاء في سلم پلانك.

منىقلخر

تقاس القيم الممكنة للحجم وللمساحة بوحدات من مقدار يعرف باسم طول پلانك(6)، وهو طول مرتبط بشدة الثقالة وبقدّ الكمّات(7) وبسرعة الضوء. وهو يقيس الأبعاد التي لم تعد فيها هندسة الفضاء متصلة. وطول پلانك صغير جدا: 33-10 سنتيمتر؛ وهكذا فإن أصغر مساحة ممكنة مغايرة للصفر هي تقريبا مربع طول پلانك، أي 66-10 سم2. وأصغر حجم مغاير للصفر ممكن هو تقريبا مكعب طول پلانك، أي 99-10 سم3. وهكذا تتنبأ النظرية بوجود 1099 ذرة حجم في كل سنتيمتر مكعب من الفضاء. إن كمّ الحجم صغير إلى حد يجعل عدد كمات الحجم في السنتيمتر المكعب الواحد أكبر بكثير من عدد السنتيمترات المكعبة في الكون المرئي (1085).

 

شبكات السپين(********)

ثم ماذا تعلِّمنا أيضا نظريتنا عن الزمكان؟ وبداية كيف تبدو هذه الحالات الكمومية للحجوم والسطوح؟ هل يتألف الفضاء من مجموعة كبيرة من المكعبات أو الكرات؟ الجواب كلا، فالمسألة ليست بهذه البساطة. ومع ذلك من الممكن رسم مخططات تمثل الحالات الكمومية للحجم والمسافة. وهذه المخططات تبدو جميلة للعاملين منا في هذا المجال لارتباطها بفرع أنيق من فروع الرياضيات.

ولكي نرى كيف تعمل هذه المخططات، لنتصور قطعة من الفضاء على شكل مكعب، كما في الشكل أعلاه. نرسم هذا المكعب في مخططنا كنقطة تمثل الحجم ويتفرع منها ستة خطوط يمثل كل منها أحد وجوه المكعب. وعلينا أن نكتب عددا في جوار النقطة لتعيين مقدار الحجم، ونكتب على كل خط العدد الذي يحدد مساحة الوجه الذي يمثله الخط.

لنفترض بعد ذلك أننا وضعنا هرما فوق المكعب. فكثيرا الوجوه(8)، اللذان لهما وجه مشترك؛، سيُمثلان بنقطتين (حجمين) يربط بينهما أحد الخطوط (الوجه الذي يشترك فيه الحجمان). للمكعب خمسة وجوه أخرى (خمسة خطوط متفرعة) وللهرم أربعة أخرى (أربعة خطوط متفرعة)، ومن الواضح أنه من الممكن رسم مخططات لأنساق أكثر تعقيدا تتضمن كثيرات وجوه غير المكعبات والأهرامات بوساطة هذه النقط والخطوط: كل حجم لكثير وجوه يصبح نقطة أو عقدة، وكل وجه منبسط لكثير وجوه يصبح خطًا وتربط الخطوط بين العقد على نفس النحو الذي تربط فيه الوجوه بين كثيرات الوجوه. يسمي الرياضياتيون هذه مخططات بيانية(9) graphs.

في نظريتنا، لندع الآن جانبا رسوم كثيرات الوجوه ولنحتفظ بالبيانيات وحدها. إن الرياضيات التي تصف الحالات الكمومية للحجم والمساحة هي التي تزودنا بمجموعة من القواعد عن كيفية الترابط بين العقد والخطوط وعن كيفية انتقال الأعداد في المخطط. تُقابل كل حالة كمومية أحد هذه البيانيات كما يقابل كل بياني حالة كمومية. إن البيانيات هي في واقع الأمر اختزال ملائم لجميع الحالات الكمومية الممكنة للفضاء. (إن الرياضيات وتفصيلات أخرى للحالات الكمومية، هي على درجة من التعقيد بحيث لا يمكن مناقشتها هنا؛ وأفضل ما يمكننا القيام به في هذا الصدد، هو عرض بعض المخططات ذات الصلة.)

تمثل البيانيات الحالات الكمومية على نحو أفضل مما تفعله كثيرات الوجوه، ثم إن بعض البيانيات، على وجه الخصوص، ترتبط معا بطرق غريبة يستحيل إرجاعها إلى صورة مرضية لكثيرات الوجوه. فعندما يكون الفضاء منحنيا على سبيل المثال، فإنه من غير الممكن أن تتراكب كثيرات الوجوه بشكل ملائم، مع أنه من السهل رسم بياني. وفي واقع الأمر، يمكننا أخذ بياني ما وحساب مقدار التواء الفضاء انطلاقا من هذا البياني. ولما كان التواء الفضاء هو الذي يولد التثاقل، فإن هذا يبين لنا أن المخططات تشكل نظرية كمومية للتثاقل.

ثوجد مادة في عقد شبكة السيين

ثوجد مادة في عقد شبكة السيين

وللتبسيط، نرسم في كثير من الأحيان البيانيات ببعدين، إلا أنه من الأفضل تخيلها وهي تملأ الفضاء ذا الثلاثة أبعاد، لأن هذا ما تمثله فعلا. ثم إن هناك في التصور فخا يجب عدم الوقوع فيه؛ فالمخططات البيانية وعقدها ليست في أمكنة معينة من الفضاء، ولا يُعرّف المخطط إلا بكيفية ارتباط مكوناته معا وبصلتها بحدود معرّفة تماما مثل الحدودB مثلا. إن الفضاء المتصل ذا الثلاثة أبعاد الذي نتخيل أن البيانيات تحتله غير موجود ككائن منفصل. ولا وجود إلا للخطوط والعقد؛ إنها هي الفضاء؛ كما أن طريقة ارتباطها هي التي تُعرِّف هندسة الفضاء.

تسمى هذه البيانيات شبكات السپين spin networks لأن الأعداد الموضوعة عليها ترتبط بمقادير تسمى سپينات spins. لقد كان <R. پينروز> [من جامعة أكسفورد] أول من ارتأى في أوائل السبعينات إمكانية الدور الذي تؤديه شبكات السپين في نظريات الثقالة الكمومية. وكم كانت سعادتنا كبيرة عندما جاءت الحسابات الدقيقة التي قمنا بها عام 1994 مؤيدة لحدسه. ولعل من الضروري تنبيه القراء المعتادين على مخططات فايمان إلى أن شبكات السپين عندنا ليست مخططات فايمان، وذلك على الرغم من التشابه الظاهري بينهما. فمخططات فايمان تمثل التفاعلات بين الجسيمات المنتقلة من حالة كمومية إلى حالة أخرى، في حين أن مخططاتنا تمثل حالات كمومية ثابتة للحجوم والسطوح في الفضاء.

تمثل العقد والحافات (الأحرف) edges المنفردة مناطق من الفضاء صغيرة إلى أقصى حد: فالعقدة عادة هي مجسم حجمه نحو مكعب طول پلانك، والخط سطح مساحته نحو مربع طول پلانك. إلا أنه ما من شيء يحدد مبدئيا ضخامة شبكة سپين أو تعقيدها. فلو كان في مقدورنا رسم صورة مفصلة للحالة الكمومية ـ هندسة فضائها وقد انحنت وتشوهت بفعل تثاقل المجرات والثقوب السوداء وغيرها ـ لحصلنا على شبكة سپين عملاقة ومعقدة إلى حد لا يمكن تصوره، تحتوي على 10184 عقدة تقريبا.

وإذا كانت شبكات السپين تصف هندسة الفضاء، فماذا عن المادة والطاقة المحتواة في هذا الفضاء؟ وكيف نمثل الجسيمات والحقول التي تشغل مواقع في الفضاء ومناطق منه؟ تقابل الجسيمات، مثل الإلكترونات، نوعا من العقد أُضيفت إليها علامات أخرى لتمثيلها. وتُمثل الحقول، مثل الحقل الكهرمغنطيسي، بعلامات إضافية على المخططات البيانية. ونمثل الجسيمات والحقول المتحركة عبر الفضاء بهذه العلامات المتحركة في خطوط متفردة على البيانيات.

 

حركات وزبد(********)

لا تقتصر الحركة على الجسيمات والحقول؛ فتبعا للنسبية العامة، تتغير هندسة الفضاء مع الزمن. فمنعطفات الفضاء وانحناءاته تتغير عندما تتحرك المادة والطاقة وتمر الموجات عبر الفضاء على غرار التموجات على سطح بحيرة(10). تتمثل هذه السيرورات في نظرية الثقالة الكمومية العروية بتغيرات في البيانيات. وتجري في الزمان عبر سلسلة من «الحركات» تتغير فيها الصلات في البيانيات [انظر الشكل في الصفحة 81].

يقوم الفيزيائيون عند توصيفهم الظواهر حسب الميكانيك الكمومي بتقدير احتمالات السيرورات المختلفة. ونفعل الشيء نفسه عندما نطبق نظرية الثقالة الكمومية العروية لتوصيف الظواهر، سواء تحركت الجسيمات والحقول على شبكات السپين أو تطورت هندسة الفضاء نفسه مع مرور الزمن. وقد تمكن <Th. تيمان> [وهو من معهد پيرمِتر Perimeter للفيزياء النظرية في واترلّو، كندا] من اشتقاق احتمالات كمومية دقيقة لحركات شبكة السپين، وبهذا تكون النظرية قد حُدِّدت تماما، لدينا إجراءات معرَّفة بشكل جيد لتقدير احتمال أي سيرورة يمكن أن تحدث في عالم يخضع لقواعد نظريتنا. ويبقى علينا فقط القيام بالتقديرات وإعداد التنبؤات بما يمكننا أن نرصده تجريبيا في هذه التجربة أو تلك.

إن نظريتي آينشتاين في النسبية الخاصة والعامة تدمجان المكان والزمان في كيان واحد يُعرف باسم الزمكانspacetime. وشبكات السپين، التي تمثل الفضاء في نظرية الثقالة الكمومية العروية توائم هذا المفهوم ليصبح ما نسميه «زبد» السپين(11). وتتضخم خطوط شبكات السپين عندما نضيف بعدا آخر ـ الزمن ـ لتصبح سطوحا ذات بعدين وتتضخم العقد لتصبح خطوطا. وتمثل الانتقالات في شبكات السپين (الحركات التي جئنا على مناقشتها) بعقد هي نقط التقاء الخطوط في الزبد. وقد اقترح العديد من الباحثين صورة زپد السپين هذه للزمكان، ومن بين هؤلاء <C. روڤيلّي>.

يتقدم الزمن بدقات متفردة (متقطعة) لعدد لا يحصى من الساعات.

يتقدم الزمن بدقات متفردة (متقطعة) لعدد لا يحصى من الساعات.

وفي نظرتنا للأشياء في الزمكان، فإن صورة خاطفة في لحظة معينة أشبه ما تكون بقطع شريحة من الزمكان، إلا أنه من الخطأ اعتبار هذه الشريحة وكأنها تتحرك بشكل متصل على غرار تدفق سلس للزمن. ذلك أن الزمان، مثله مثل الفضاء المعرّف بهندسة متفردة لشبكات السپين، معرف بسلسلة من الحركات المتميزة التي تعيد ترتيب الشبكة، وذلك كما يبين الشكل في الصفحة المقابلة. وهكذا يصبح الزمن متفردا أيضا. فالزمن لا يجري مثل النهر وإنما مثل دقات الساعة، وطول هذه «الدقات» هو نحو زمن پلانك:  43-10 ثانية. وبتدقيق أكثر، نشير إلى أن الزمن يتدفق في الكون بدقات عدد غير منته من الساعات ـ بمعنى أن في كل موضع من زبد السپين، حيث «يتحرك» الكمّ، ساعة تدق مرة واحدة عندما تقع في ذلك الموضع.

 

 

تنبؤات واختبارات(*********)

لقد عرضتُ الخطوط العريضة لما تقوله نظرية الثقالة الكمومية العروية حول المكان والزمان في نطاق سلم پلانك، إلا أننا لا نستطيع أن نتحقق من صحة هذه النظرية مباشرة وذلك بتفحص الزمكان في هذه الأبعاد لشدة صغرها. فكيف يمكننا والحال هذه اختبار النظرية؟ إن أحد الاختبارات المهمة هو معرفة ما إذا كان من الممكن اشتقاق النسبية العامة التقليدية كتقريب للثقالة الكمومية العروية. أو بعبارة أخرى، إذا كانت شبكات السپين شبيهة بخيوط حيكت لتصبح قطعة قماش، فإن هذه المعرفة مماثلة للتساؤل عما إذا كان يمكننا تقدير خواص المرونة الحقيقية لصفيحة من مادة ما انطلاقا من خواص آلاف الخيوط المكونة لها وأخذ القيمة الوسطية لها. وعلى نفس النحو، عندما نأخذ القيمة الوسطية من أجل أعداد كبيرة من أطوال پلانك، ترى هل تصف شبكات السپين هندسة الفضاء وتغيرها مع الزمن بشكل يتفق إلى حد ما مع «القماش الناعم» لنظرية آينشتاين التقليدية؟ إن هذه مسألة صعبة، إلا أن الباحثين حققوا حديثا تقدما في بعض الحالات؛ عندما تكون المواد في أوضاع معينة إن صح التعبير. وعلى سبيل المثال يمكن وصف الموجات التثاقلية الطويلة الموجة والمنتشرة في فضاء منبسط (لا انحناء فيه) كإثارات لحالات كمومية معينة توصفها نظرية الثقالة الكمومية العروية.

وهناك اختبار آخر مثمر هو النظر فيما تقوله نظرية الثقالة الكمومية العروية بشأن أحد الألغاز المطروحة منذ أمد طويل في فيزياء التثاقل والميكانيك الكمومي ألا وهو تيرموديناميك الثقوب السوداء، وعلى وجه الخصوص أنتروبيتها(12)، المرتبطة بالفوضى. وقد قام الفيزيائيون بحساب التنبؤات المتعلقة بتيرموديناميك الثقوب السوداء مستعملين نظرية تقريبية هجينة تُعالج فيها المادة معالجة كمومية، في حين لا يُعالج الزمكان كموميا. ويجب، والحالة هذه، أن يكون بمقدور نظرية كمومية كلية، مثل نظرية الثقالة الكمومية العروية، أن تطرح هذه التنبؤات. وتخصيصا، خلص <D .J. بيكنشتاين> في السبعينات من القرن العشرين، إلى أنه يجب أن تسند إلى الثقوب السوداء أنتروبية متناسبة مع مساحتها السطحية(13). وقد استنتج <S. هوكينگ> بعيد ذلك، أن الثقوب السوداء، والصغيرة منها على وجه الخصوص، يجب أن تصدر إشعاعات. وتعد هذه التنبؤات من أعظم نتائج الفيزياء النظرية في الثلاثين سنة الماضية(14).

وللقيام بالحسابات في نطاق نظرية الثقالة الكمومية العروية، نختار الحدود B لتكون أفق الحدث للثقب الأسود. وعندما نحلل أنتروبية الحالات الكمومية ذات الصلة نحصل بالضبط على تنبؤات بيكنشتاين. وعلى نفس النحو تقودنا النظرية من جديد إلى تنبؤ هوكينگ بإشعاع الثقب الأسود، بل تزودنا في واقع الأمر بتنبؤات جديدة تتعلق بالبنية الدقيقة لإشعاع هوكينگ؛ أي إنه لو حدث يوما ما أن رصد ثقب أسود مجهري الأبعاد لأمكن اختبار هذه التنبؤات بدراسة طيف الإشعاعات التي يصدرها. وقد يكون ذلك بعيد المنال لأننا لا نملك أي تقنية لصنع ثقب أسود سواء كان صغيرا أو كبيرا.

 

تنّشؤ الهندسة في الزمن(**********)

تتمثل التغيرات في شكل الفضاء ـ مثل تلك التي تحدث عندما تتحرك المادة والطاقة أو عندما تتدفق الموجات التثاقلية فيه ـ بإعادة ترتيب متفرد (متقطع) للأنساق، أو الحركات، في شبكة السپين. ففي a، تندمج زمرة مؤلفة من ثلاثة حجوم كمومية لتصبح حجما كموميا منفردا. كما أنه يمكن حدوث السيرورة المعاكسة. أما في b، فإن الحجمين يقسمان الفضاء ويتصلان بالحجوم الأخرى بطرق مختلفة. وإذا مثلناهما بكثيرات الوجوه، فإن كثيري الوجوه يندمجان عبر وجههما المشترك ثم يتفرقان كما تنفصل بلورة شطرت وفق مستو مختلف. وتحدث حركات شبكة السپين هذه عندما تقع تغيرات في هندسة الفضاء في الأبعاد الكبيرة، وتحدث كذلك في سلم پلانك دون انقطاع على شكل تأرجحات كمومية.

إن الطريقة الأخرى لتمثيل الحركات هي إضافة الزمن إلى شبكة السپين. ونسمي الحاصل زبد السپين spin foam  c . تصبح خطوط شبكة السپين مستويات، وتصبح العقد خطوطا. وبأخذ شريحة عبر زبد السپين في زمن معين، يُنتج شبكة السپين، أما أخذ سلسلة من الشرائح في أزمان مختلفة فينتج لقطات شريط سينمائي يبين تطور شبكة السپين مع الزمن (d). إلا أنه يجب ملاحظة أن التطور الذي يبدو للوهلة الأولى مستمرا وأملس هو في واقع الأمر متقطع. تمثل جميع شبكات السپين التي تحتوي على الخط البرتقالي (اللقطات الأولى الثلاث المبينة) هندسة متطابقة تماما للفضاء. فليس لطول الخط البرتقالي أي أهمية ـ إن ما يهم في الهندسة هو كيفية اتصال الخطوط ببعضها والعدد الذي يسم كل خط لأن هذا هو الذي يعرف النسق الذي وضعت عليه كمّات الحجوم والسطوح كما يعرف مقاديرها. وهكذا تبقى الهندسة ثابتة في d خلال اللقطات الثلاث الأولى، مع 3 كمّات حجم و6 كمات مساحة سطح. ثم تتغير الهندسة بشكل متقطع لتصبح كمّ حجم واحد و3 كمات مساحة سطح، كما تبين ذلك اللقطة الأخيرة. وعلى هذا النحو، فإن الزمن المعرف بزبد السپين يتطور بحركات متقطعة مفاجئة وليس بتدفق مستمر.

ومع أن الحديث عن متتاليات كهذه مثل لقطات شريط سينمائي يساعد على تخيل ما يحدث، إلا أن الطريقة الأصح لفهم تطور الهندسة، هي النظر إلى هذه المتتاليات مثل دقات متقطعة لساعة. يظهر كمّ المساحة البرتقالي عند دقة ويختفي عند الدقة التي تليها؛ والواقع أن اختفاء كمّ المساحة البرتقالي هو الذي يعرف الدقة. والزمن الفاصل بين دقتين متتاليتين قريب من زمن پلانك، أي43-10 ثانية. لكن لا وجود للزمن بين دقتين؛ ولا وجود ل«بين» هنا تماما كما هي الحال في الماء، فلا وجود له بين جزيئين متجاورين من الماء.

SCI2004b20N8-9_H10_00898

وفي الواقع، يبدو للوهلة الأولى أي اختبار تجريبي للثقالة الكمومية العروية تحديا تقنيا هائلا. فالمشكلة هي أنه لا يمكن لأي مفعول توصّفه النظرية أن يكون مهما إلا في سُلَّم پلانك، أي في مقاييس كمات المساحات والحجوم الصغيرة جدا. فسلم پلانك ذو رتبة أقل ب16 مرة (16-10) من السلم الذي تتطلبه مسرعات الجسيمات الأعلى طاقة المخطط لها حاليا (نحتاج إلى طاقات أعلى فأعلى لاستكشاف سلالم مسافات أقصر فأقصر). وبما أننا لا نستطيع بلوغ سلم پلانك بوساطة المسرعات، فإن كثيرا من الناس لا يعلقون آمالا كبيرة على وجود ما يؤيد نظريات الثقالة الكمومية.

إلا أن عددا قليلا من الباحثين الشباب واسعي الخيال فكروا بطرق جديدة لاختبار تنبؤات الثقالة الكمومية العروية. وهذه الطرق تعتمد على انتشار الضوء في الكون. فعندما يمر الضوء عبر وسط ما يحدث اختلال في أطوال الموجات مما يؤدي إلى مفاعيل معينة مثل انكسار الضوء في الماء أو انفصال أطوال الموجات المختلفة، أو الألوان. وتقع هذه المفاعيل للضوء أو الجسيمات المتحركة في فضاء متفرد موصّف بشبكة السپين.

ولسوء الحظ، فإن مقدار المفاعيل (التأثيرات) متناسب مع حاصل قسمة طول پلانك على طول الموجة. وهذه نسبة أصغر

من 28-10 في حالة الضوء المرئي؛ كما أنها لا تزيد على واحد في البليون في حالة أشد الإشعاعات الكونية التي رُصِدت حتى الآن. وهكذا فإن مفاعيل البنية الحبيبية للفضاء صغيرة جدا، أيا كان الإشعاع الذي نرصده. لقد كان ما لاحظه الباحثون الشباب هو كون هذه المفاعيل تتراكم عندما يجتاز الضوء مسافات كبيرة. ولقد كشفنا ضوءا وجسيمات آتية من مسافات تبلغ بلايين السنين الضوئية، صادرة عن أحداث مثل دفقات أشعة گاما [انظر «أسطع الانفجارات في الكون»، مجلة العلوم، العددان 6/7(2003)، ص 32].

اختبار تجريبي(***********)

SCI2004b20N8-9_H10_00899

إن دفقة أشعة گاما في انفجار قصير الأمد جدا تقذف بفوتونات ذات طاقات مختلفة. وقد تنبأت حسابات الثقالة الكمومية العروية التي أجراها <R. گامبيني> وآخرون، بسير الفوتونات ذات الطاقات المختلفة بسرع مختلفة اختلافا ضئيلا، ومن ثم بوصولها في أزمنة مختلفة اختلافا ضئيلا [انظر الشكل في الأعلى]. ويمكن البحث عن هذا المفعول في بيانات الأقمار الصنعية التي ترصد دفقات أشعة گاما. إلا أن الدقة غير كافية حتى الآن. ويخطط حاليا لمرصد جديد على ساتل سُمّي GLAST سيطلق في عام 2006، وسيوفر هذا المرصد الدقة المطلوبة.

قد يتساءل القارئ عما إذا كانت هذه النتيجة تعني خطأ نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين التي تتنبأ بثبات سرعة الضوء في الكون. لقد طور عدد من الباحثين أشكالا معدلة لهذه النظرية تقبل سير الفوتونات العالية الطاقة بسرع مختلفة. وقد كنت من بين هؤلاء الباحثين. وتقترح نظرياتنا في هذا الصدد اقتصار السرعة الكونية الثابتة على الفوتونات ذات الطاقات المنخفضة جدا، أي التي أطوال موجاتها كبيرة.

إن مفعولا ممكنا آخر للزمكان المتفرد يتضمن الأشعة الكونية العالية الطاقة جدا. وقد تنبأ الباحثون قبل ما يزيد على الثلاثين عاما بأن پروتونات الأشعة الكونية التي تتجاوز طاقتها3×1019 إلكترون ڤُلْط تبعثر الموجات الميكروية الكونية الخلفية التي تملأ الفضاء، ومن ثم لن تبلغ سطح الأرض في أي حال من الأحوال. إلا أن الغريب أن تجربة يابانية عرفت باسم AGASA كشفت أكثر من عشرة أشعة كونية طاقتها تتجاوز هذا الحد. وقد تبين أنه من الممكن لبنية الفضاء المتفردة أن ترفع من قيمة الطاقة التي يتطلبها تفاعل التبعثر وأن تسمح على هذا النحو لپروتونات الأشعة الكونية ذات الطاقة الأعلى بلوغ الأرض. وهكذا إذا بقيت أرصاد AGASA معتمدة وإذا لم يوجد تفسير آخر لها، فمن الممكن عندئذ أن نقول إننا كشفنا عن تفرّد(15) الفضاء.

لقد فتحت نظرية الثقالة الكمومية العروية، إضافة إلى تنبؤاتها المتعلقة بظواهر معينة، مثل الأشعة الكونية العالية الطاقة، بابًا جديدا لدراسة المسائل الكوسمولوجية العميقة مثل تلك المتعلقة بنشأة الكون؛ إذ من الممكن تطبيق هذه النظرية لدراسة اللحظات الأولى التي تبعت الانفجار الأعظم. إن نظرية النسبية العامة تتنبأ بوجود لحظة انطلاق، إلا أن هذا الاستنتاج يتجاهل الفيزياء الكمومية (فالنسبية العامة ليست نظرية كمومية). وتشير الحسابات الأخيرة التي أجريت في إطار الثقالة الكمومية العروية، إلى أن الانفجار الأعظم هو في حقيقة الأمر ارتداد أعظمي(16)؛ فقد كان الكون يتقلص بسرعة قبل الارتداد. وحاليا يعمل النظريون جاهدين على تطوير تنبؤات عن الكون في بدايته يمكن اختبارها مستقبلا في الأرصاد الكوسمولوجية. وقد لا يستحيل علينا أن نرى في حياتنا أدلة عن الزمن قبل الانفجار الأعظم.

SCI2004b20N8-9_H10_00900

إن مسألة أخرى لا تقل عمقا عن سابقاتها هي مسألة الثابتة الكونية(17)، أي كثافة طاقة سالبة أو موجبة يمكن أن تنتشر في الفضاء «الخالي». وتؤيد الأرصاد الحديثة للمستعرات الأعظمية البعيدة ولخلفية الموجات المكروية الكونية، وجودَ هذه الطاقة وكونها موجية؛ وهذا ما يسرع توسع الكون(18). وليس من العسير إدراج كثافة الطاقة الموجية في الثقالة الكمومية العروية. وقد تمت البرهنة على هذه الحقيقة عام 1990 عندما وضع <H. كوداما> [من جامعة كيوتو] المعادلات التي توصّف بالضبط حالة كمومية لكون ذي ثابتة كونية موجبة.

ولكن مسائل عديدة تبقى معلقة في الثقالة الكمومية العروية، بعضها ذو طابع تقني يحتاج إلى التوضيح. ونود أيضا فهم كيفية تعديل النسبية الخاصة في الطاقات العالية القصوى إذا اقتضى الأمر. وتأملاتنا في هذا الصدد غير مرتبطة ارتباطا وثيقا حتى الآن بحسابات نظرية الثقالة الكمومية العروية. إضافة إلى ذلك فإننا نود معرفة أن النسبية العامة التقليدية هي توصيف تقريبي جيد لهذه النظرية من أجل المسافات الأكبر بكثير من طول پلانك، في جميع الظروف. إن كل ما نعرفه الآن هو أن التقريب جيد من أجل بعض الحالات التي توصّف انتشار الموجات التثاقلية الضعيفة غالبا في زمكان منبسط. ونود في نهاية المطاف أن نفهم ما إذا كان لنظرية الثقالة الكمومية العروية ما تقوله عن توحيد القوى المختلفة، بما فيها الثقالة: هل هذه القوى مظاهر مختلفة لقوة وحيدة أساسية؟ لقد تأسست نظرية الأوتار على فكرة خاصة عن هذا التوحيد، ولنا نحن أيضا أفكارنا عن تحقيق التوحيد في نظرية الثقالة الكمومية العروية.

تحتل نظرية الثقالة الكمومية العروية موقعا مهما في تطوير الفيزياء. إنها مرشحة جدلا لتكون النظرية الكمومية للنسبية العامة؛ لأنها لا تفترض ما يتجاوز المبادئ الأساسية في النظرية الكمومية وفي نظرية النسبية. أما ابتعادها اللافت للنظر عن هاتين النظريتين ـ باقتراحها زمكانا منقطعا(19) توصفه شبكات السپين ـ فهو ناتج من رياضيات النظرية بالذات وليس نتيجة إضافة مصادرة خصيصا إلى النظرية.

ومع ذلك، فإن جميع ما ناقشته حتى الآن نظري. ومن الممكن على الرغم من كل ما شرحته هنا أن يكون الفضاء في حقيقة الأمر متصلا، مهما صغر سلم الاختبار الذي نجريه. في هذه الحالة، سيتوجب على الفيزيائيين أن يتجهوا نحو مصادرات راديكالية أكثر، مثل مصادرات نظرية الأوتار. وبما أننا في مجال العلوم، فالتجربة هي التي تقرر. والخبر السار هو أن هذا القرار قد يأتي قريبا.

 


مراجع للاستزادة 

Three Roads to Quantum Gravity. Lee Smolin. Basic Books, 2001.

The Quantum of Area? John Baez in Nature, Vol. 421, pages 702-703; February 2003.

How Far Are We from the Quantum Theory of Gravity? Lee Smolin. March 2003. Preprint available at http:.//arxiv.org/hep-th/03031H5

Welcome to Quantum Gravity. Special section. Physics World, Vol. 16, No. 11, pages 27-50; November 2003.

Loop Quantum Gravity. Lee Smolin. Online at

www.edge.org/3ni_cukure/smolin03/smolin03_indexhtml

Scientific American, January 2004


(*) ATOMS OF SPACE AND TIME

(**) Overview/ Quantum Spacetime

(***) Quanta

(****) A Big Loophole

(*****) Quantum States of Volume and Area

 (******) Visualizing Quantum States of Volume

(*******) Spin Networks

(********) Moves and Foams

(*********)Predictions and Tests

(**********) Evolution of Geometry in Time

(***********) An Experimental Test


(1) loop quantum gravity

(2) space-time زمكان، وهذه نحت من زمان ومكان. (التحرير)

(3) background indepedence

(4) event horizon

(5) [انظر: «الأخبار العلمية» في هذا العدد].(التحرير)

(6) Planch length

(7)ج: كمّ quantum

(8) polyhedra

(9) ج: مخطط بياني، أو اختصارا بياني وجمعها بيانيات، وذلك لتمييزها عن بيانات data.

(10) [انظر:” Ripples in Space and Time”,

by W. Wayt Gibbs; Scientific American, April 2002].

(11)spin foam

(12) entropy

(13) [انظر: “Information in a Holographic Universe,

by J. D. Bekenstein; Scientific American, August 2003].

(14) [انظر: «الأخبار العلمية» في هذا العدد]. (التحرير)

(15) discreteness

(16) big bounce

(17)constant  the cosmological

(18) discontinous

(19) [انظر: “The Quintessential Universe”,

by Jeremiah P. Ostriker – Paul J. Steinhardt;

Scientific American, January 2001].

 

error: المحتوى محمي