دراسات جديدة تكشف عن لماذا يتحول الأشخاص العاديين إلى إرهابيين – بروس بوير / ترجمة: مي فؤاد

دراسات جديدة تكشف عن لماذا يتحول الأشخاص العاديين إلى إرهابيين – بروس بوير / ترجمة: مي فؤاد

BB_250

بروس بوير


تشير الأبحاث التي أُجريت في منطقة حرب العراق إلى الخصائص الأساسية التي يمتاز بها جنود داعش ومعارضينهم.

 

اندلع قتال عنيف في فبراير 2016 في قرية كوديلة شمال العراق حيث تقدم تحالف القبائل السنية المدعوم من الغرب والأكراد في الجيش العراقي وقوات الحكومة الكردية على مقاتلي الدولة الإسلامية الذين كانوا قد فرضوا سيطرتهم على النقطة الحدودية المعزولة.

ورد مقاتلي الدولة الإسلامية على الهجوم بقيادة مجموعة من الشباب يرتدون سترات ناسفة، وانطلق المحاربون المدربين جيدا راكضين إلى خطوط المعركة حتى وصلوا إلى مكان العدو، ثم فجروا أنفسهم في عدد صغير من جنود التحالف ممهدين الطريق إلى انتصار الدولة الإسلامية، ويطلق على هؤلاء الإنتحاريين اسم “انغاماسي” ويقصد بهذا الاسم المنغمسون بعمق بين صفوف العدو.

يقول الأنثروبولوجي سكوت أتران بجامعة ميشيغان في آن أربور أن عزيمة الإنغماسي وتضحيته بنفسه قد ألهمتا رفقاء الحرب للقتال حتى الموت، وقد تجاوز عددهم من 6 أشخاص إلى واحد، ولا تزال الدولة الإسلامية تفرض سيطرتها على كوديلة بعد مرور يومين من القتال العنيف مما أدى إلى تراجع قوات التحالف غير مستعدة لخسارة مزيد من جنودها.

وصل أتران وزملائه إلى شمال العراق بعد بضعة أسابيع وخطتهم هي: دراسة الإرادة القتالية لدى الجنود من الجانبين في اشتباك قرية كوديلة حتى أثناء استمرار القتال في المنطقة، وهدفهم هو السعي إلى فهم الحافز الذي يدفع الأشخاص للانضمام إلى المنظمات الوحشية مثل تنظيم الدولة الإسلامية وإيجاد وصف للتحولات الشخصية التي تدفع الأشخاص الذين يعيشون حياة مريحة وسلمية إلى ارتكاب أفعال شديدة العنف ومدمرة للذات.

كما تسائل أتران إذا كان لدى هؤلاء الأشخاص صفات فردية مشتركة تعطي تفسيرًا لهذا الإخلاص الشديد الذي يعتنقه المقاتلون تجاه تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف أيضاً بداعش) فضلاً عن القوات الساعية إلى هزيمة داعش. ويتعامل العلماء مع النزعة الشديدة للاَخرين بالتضحية بأنفسهم بأنها تقدم أساس على التفكر المتأني في الإيجابيات والسلبيات “للفاعلين العقلانين” الذين يتصرفون على نحو أكثر إرضاءاً لمصالحهم الشخصية حتى لو عمت المصلحة على الاَخرين أيضاً. ولكن يقول أتران في هذا الشأن “أنه من المصعب رؤية صيغة المصلحة يطبقها الشخص الإنغماسي، حيث نجدها في الشخص الأقل عملاً بالطريقة الأكثر تقليدية المحبة للإيثار مثل قوات البحرية الأمريكية، كما زعم أتران أنه من الخطأ اعتبار مقاتلي داعش الخاسر الوحيد، فكل هؤلاء يبحثون عن الموت بإعتباره بوابة مرورهم إلى الموعد السماوي ولقاء الحور العين في الجنة.

070916_terrorism_opener

الإخلاص المميت:قد تُلهم الحاسة الجماعية للهوية إلى جانب القيم المترسخة مؤيدي الدولة الإسلامية كهؤلاء المذكورين في هذا المقال إلى التضحية بكل شيء في سبيل قضيتهم.

وللهروب من ثغرة الفاعل العقلاني، قام أتران بتغير محاولاته التجريبية منذ مايقرب من عقد لفحص القيم الثمينة التي تدفع الأشخاص إلى إتخاذ فعل جماعي بغض النظر عن المخاطر أو المكاسب، وفي السنوات العديدة الماضية قام بتغيير دراساته للتركيز على المقاتلين في الصراعات الحالية والمتعاطفين معهم، وتوصل إلى أن هذه التضحيات الشديدة التي يقدمونها تكون من أجل بعض التنظيمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية ولكنهم يفعلونها  في سبيل القيم التي وصفها أتران بأنها “مقدسة” من خلال اتباع الهوية الفردية المتفقة مع هوية رفقاء الحرب المشابهين لهم في التفكير.

 

إجراء الاتصالات

يظهر زيادة نسبة التجنيد المباشر للمقاتلين من قبل التنظيمات المسلحة منذ 2013، إلا أن الشبكات الاجتماعية لا تزال مصدر هام للمتطوعين في الجماعات مثل تنظيم داعش.

أكثر ثلاثة طرق يُجند بها المتطوعين الجهادين:

1-2 الإتصال الشخصي المباشر مع أعضاء الجماعات المسلحة.

1-5 شبكات التواصل الإجتماعي للأصدقاء والعائلة.

1-5 الإتصال بشبكة الإنترنت فقط.

أهمية العلاقات القائمة:

يسافر 3 إلى 4 من المقاتلين الأجانب في مجموعات غالبا مع أشخاص يعرفونهم مثل الأصدقاء والعائلة.

المصادر: سكوت أتران، مركز مكافحة الإرهاب

 

الهوية الجماعية

ويقول أتران، الملتحق بالمركز القومي للأبحاث العلمية في باريس، أن في العادة، لا يجدر للأكاديميين الذين يدرسون الحرب والإرهاب إجراء الأبحاث وهم بعيدون عن الخطوط الأمامية للمعركة، لأن خوض التجربة على أرض المعركة أمر في غاية الأهمية لاكتشاف الدافع وراء قيام هؤلاء الأشخاص بهذه التضحيات القصوى على سبيل المثال فرض الشريعة الإسلامية على الاَخرين.

ولقد قدمت أبحاث أتران حول منطقة الحرب والمقابلات التي أجرها على مدى السنوات القليلة الماضية أثناء العقد الماضي مع أعضاء الجماعات المختلفة المتورطة في أعمال الجهاد المسلح (أو الحرب المقدسة باسم الشريعة)  منظورًا حازمًا بشأن هذه القضية. ورفض أتران التسليم للافتراضات الشهيرة القائلة بأن الناس تنضم للجماعات الإرهابية وتحارب وتقتل بسبب اضطرابات عقلية لديها أو لأسباب الفقر أو غسل أدمغتهم أو محاولات تجنيد بارعة من التنظيمات الجهادية.

ويجادل أتران بأن انسياق الشباب وراء العالم المعولم هو الذي يمهد الطريق أمامهم للعثور على داعش باحثين عن افتراض هوية اجتماعية تعطي لحياتهم معنى. ويؤكد أتران أنه يكون لمجموعات الشباب البالغين حول العالم- الذين غالباً لديهم معرفة قليلة عن الإسلام ولكنهم يتوقون لحياة ذات معنى عميق وتحقيق أمجاد عالية يختاروا التطوع في جيش الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، كما يقترح أتران بأن عدد كبير منهم يقوم بالإتصال بالإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي لتكوين مجتمع عالمي من الشباب المنعزل ومبتغاهم هو تحقيق تضحيات بطولية.

وتقترح أدلة تجريبية مبدئية أنه ليس فقط الإرهاب العالمي الذي يعتمد على ما يشير إليه أتران بالفاعلين المخلصين – انظر إلى حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في الستينات – ولكن أيضاً الدول والنزعات العرقية المتفاقمة والثورات وحتى حركات حقوق الإنسان. ويستطرد قائلاَ بأن هؤلاء الأفراد سيضحون بأنفسهم وعائلتهم أو أي شخص أو شيء اَخر عندما يحدث خليط من الظروف المتقلبة، ففي أول الأمر يتبنى الفاعل المخلص القيم التي يعتبرها قيم مقدسة وغير قابلة للتفاوض ويدافع عنها بأي ثمن، وبعدها يبدأ في الإنضمام إلى الجماعات المتشابه في الأفكار من غير القرباء والذين يشعر كأنهم عائلته أو أخوته حيث يتغلب الإحساس الجماعي للقوة والشدة والقدر الواحد على الإحساس الفردي. وعندما يرى أعضاء الجماعة المرتبطين بقوة قيمهم المقدسة تتعرض للهجوم، سيقاتل الفاعل المخلص ويموت في سبيل أي عضو في الجماعة.

وقد تساعد دراسات فريق أتران عن الفاعلين المخلصين في الرد على تساؤول، لماذا أعداد التاركين لعائلتهم وأوطانهم للإنضمام إلى داعش في ازدياد؟ وتقترح تقارير الكونغرس وتقارير الأمم المتحدة أنه بحلول أكتوبر  2015 سيصل عدد المحاربين في سوريا والعراق على الأخص في الدولة الإسلامية مايقرب إلى 30000 مجند من أكثر من مائة دولة.

ويقول أتران:

“صعود الدولة الإسلامية يعد بمثابة حركة ثورية لها أبعاد تاريخية، وكثير من أعضائها فاعلين مخلصين ولديهم اعتقاد تنبؤي أنه يجب عليهم تدمير العالم لإنقاذه”.

وتتغذى هذه الرؤية المتعنتة على الوعد بالخلافة العالمية – حيث تتحد الهوية السياسة والإسلامية معاً لتقتل أو تفرض سيطرتها على غير المؤمنين، والتي ستنهي هذا العالم وتستبدله بمملكة الله الحقيقية. وقد شارك المتطوعون في هذه القضية في أكثر من  هجوم إرهابي في عشرين دولة منذ يونيو 2014، ونفذت المليشيات المسلمة 450 هجوم انتحاري في 2015 ويرجع 174 هجوم منهم إلى تنظيم الدولة.

ويقول جون هورجان الباحث في علم النفس والإرهاب بجامعة ولاية جورجيا في أتلانتا أن أبحاث أتران قد تقدم أدوات نادرة تساعد على دراسة رغبة الجنود في القتال سواء كانوا أتباع لتنظيم الدولة الإسلامية أم لا، ويستكمل قائلاً بأن عدد كبير من المحققين يتجاهلوا هؤلاء الذين يصنفوا كإرهابين بإعتبارهم أشخاص مبهمين أو حتى لا يستحقوا المجهودات المبذولة لإستيعابهم.

وأثناء استمرارالقتال في قرية كوديلة، فرض تنظيم الدولة الإسلامية سيطرته على مئات الاَلاف من الكيلومترات في الشرق الأوسط، ونجح في الدفاع عن  جبهة عسكرية طولها 3000 كيلومتر تمتد من العراق إلى سوريا ضد القوات متعددة الجنسيات. ويؤكد أتران أنه بإمكاننا تدمير تنظيم الدولة الإسلامية بمساعدة القوى العسكرية الهائلة إلا أن هذا النهج سيكون له ثمن باهظ حيث قد يؤدي إلى تمزيق المسلمين السنة وهو الذي السبب وراء نشأة تنظيم الدولة إلى جانب ظهور تجمع عالمي من الشباب والشبات المتحمسين والساعين لتحقيق التحرر من خلال التضحية بأنفسهم والاستشهاد. ويتنبأ أتران أنه بتغلب الجيش وحده على التنظيم قد يثير عودة المتمردين الغاضبين الذين لديهم قضية والأكثر استعدادا للقاء يوم القيامة.

ويجادل أتران بأن أفضل وسيلة هي مواجهة القيم التنبؤية المقدسة بنشر القيم التي تؤكد على الحياة والحرية والتي يرغب المؤيدون في الدفاع عنها دون شروط، وقد نجح الأكراد في تحقيق هذا النهج.

 

القرابة المقدسة

أكراد شمال العراق هم الوحيدون  في الشرق الأوسط الذين يصدون هجمات تنظيم الدولة الإسلامية، ويوضح أتران أن الأكراد يظهرون إرادة قتالية مساوية لإرادة مقاتلي الدولة الإسلامية المعتقلين، ويقول أنه كما تظهر أهمية البنادق والأدوات الأخرى في دعم العمليات العسكرية، فإن الإرادة القتالية الحاسمة  قد تكون أكثر أهمية حيث تمكن كل من تنظيم الدولة والجيش الكردي من تحقيق انجاز عسكري معقول دون الإستعانة بكل معدات جيوش الغرب.

أظهر الجنود الأكراد في معركة الكوديلة حماسهم في الاشتباك العنيف، وقد وصف بعد ذلك عدد كبير من هؤلاء الجنود تفاصيل الحدث لأتران. وعندما انسحبت وحدات الجيش العراقي، تقدمت قوات التنظيم بسرعة شديدة وحافظت جماعة صغيرة من الأكراد على موقعها في المعركة ورفضت الانسحاب، وبعد اشتعال القتال لعدة ساعات، وصلت تعزيزات الجيش العراقي مكنت الأكراد من الاستمرار يوم اَخر للقتال.

وأجرى فريق أتران مقابلات مع 28 جندي كردي و10 أكراد من الذين قدموا الإمدادات والرعاية الطبية والدعم لخط الجبهة، ووافق سبعة من مقاتلي التنظيم كان ستة منهم سجناء على إجراء المقابلة مع فريق أتران، وكان أحدهم قد أطلق سراحه وغير من توجهاته لينضم إلى الجماعات المعارضة للتنظيم.

وأدلى أتران في مجلة كورنت أنثروبولوجيا أنه من بين 38 متطوع كردي، أخبر 22 منهم إخلاصهم لوطنهم “كردستان” باعتبارها القيمة المقدسة التي يحاربون ويموتون من أجلها، مقدّمة على حتى روابطهم العائلية الأكثر أولوية وديانتهم الإسلامية، وصرح جميعهم ماعدا واحد بشعورهم تجاه الرباط الجماعي أو مايطلق عليه أتران إلتحام الهوية مع الشعب الكردي.

وتحدث أعضاء داعش المعتقلين عن ترابطهم العميق مع رفقائهم المقاتلين كأنهم عائلتهم، وأستشهد جميع سجناء التنظيم بإلتزامهم الكامل نحو فرض الشريعة الإسلامية على غير المؤمنين.

ويقيس المحققون إلتحام الهوية من خلال تقديم المشاركين المستخدمين لأجهزة التابليت ذات شاشة اللمس بدائرة صغيرة مصنفة تحت مسمى “أنا” ودائرة كبيرة مصنفة باسم “المجموعة” مثال على ذلك “الأكراد” أو “العائلة”. ولكي يوضحوا علاقاتهم مع مجموعة معينة، يقوم الأفراد بتحريك الدوائر معاً لكي تتداخل جزئياً أو كلياً، ويعتبر الذين يحركون الدائرة الصغيرة داخل الدائرة الكبيرة بمثابة الملتحمين بالكامل مع تلك المجموعة.

 

 

 الهويات الملتحمة

في اختبار خاص بتلاحم الهوية، وصف مقاتلوا داعش المعتقلين واَخرون المدى الذي يربطهم بالاَخرين من خلال تحريك دائرة “أنا” حتى تتداخل جزئياً أو كلياً مع الدائرة الكبيرة ممثلين بذلك مقاتلين رفقاء آخرين أو جماعات أخرى.

 

070916_terrorism_circles_horizontal

المصدر: H. Whitehouse et al/PNAS 2014

وتبنى أتران هذا الإختبار من الأبحاث المستمرة التي أجرها منذ مايقرب من عقد ماضي عالم النفس ويليام سوان بجامعة تكساس في أوستن. وقام الفريق العالمي بقيادة عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية هارفي ويتهوس بجامعة أكسفورد ومعهم عالم النفس سوان بدراسة الليبين الذين سعوا للإطاحة بحكومتهم في 2011، واكتشف الباحثون أن تقريبا جميع الرجال تحدثوا عن نشأة روابط أسرية قوية تربطهم برفقائهم المقاتلين، وسمح القادة الثوريين للباحثين مقابلة 42 جندي ليبي و137 من المؤيدين ومنهم سائقي الماكينات وعربات الإسعاف. وتوقفت الأعمال العدائية في أواخر 2011.

وصرح الباحثون في مجلة الوقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم  أن 45% من المقاتلين في اختبار الدوائر المتداخلة تحدثوا عن تكوين روابط  أكثر قوة مع كتائبهم المكونة من ثلاثة إلى خمسة رفقاء أكثر من روابطهم مع عائلتهم، وتحدث عدد صغير من المؤيدين حوالي 28% بشعروهم بالتوافق مع الكتائب الثورية أكثر من التوافق مع أسرهم، ويتفق هذا مع الفكرة القائلة بأن المقاتلين الثوريين كثيرا ما تربطهم علاقة قوية مع وحداتهم مما يزيد من استعدادهم للتضحية بأنفسهم من أجل رفاقئهم.

ويقول عالم النفس حماد الشيخ في المدرسة الحديثة للأبحاث الاجتماعية وغير المشترك في دراسة وايتهاوس أن الجنود الليبيين الذين على توافق قوي مع كتائبهم، قد يكونوا أكثر تأهيلاً ليصبحوا فاعلين مخلصين. ويتوقع عالم النفس حماد الشيخ أن إلتزام الجنود بالأهداف الثورية قد يتجاوز حتى الولاء للعائلة، وتوصل إلى هذا الإعتقاد من نتائج أتران. ولم يسعى فريق ويتهاوس للتعرف على الفاعلين المخلصين بين مقاتلي ليبيا.

ويتواجد أيضاً الأشخاص المستعدين للتضحية بكل شيء دفاعاً عن القيم المقدسة لتنظيم الدولة خارج مناطق الحرب. وأشارت الاختبارات التي أجريت أنه من بين 260 مغربي يعيشون في اثنين من الأحياء السكنية المعروفة بإسم البؤر الموالية لداعش، وصلت نسبة الفاعلين المخلصين إلى حوالي 30%. وجاء في الورقة الثانية من تقرير مجلة كرنت أنثربولوجي لشهر يونيو أن الشيخ وزملائه بما فيهم أتران وصفوا عملية فرض الشريعة كضرورة غير قابلة للنقاش.

وصور الفاعلون المخلصين في المغرب روابطهم القوية مع الجماعات في اختبار الدوائر المتداخلة بأنها تصنف بين مؤيدي تنظيم الدولة إلى رفاق كرة القدم.

 

التقسيم القائم على التضحية

وجد أن الأشخاص الذين يرون فرض الشريعة الاسلامية بإعتبارها قيمة مقدسة وتربطهم صلة قوية بالجماعات مثل علاقات القرابة (المتلاحمة) في الأحياء المغربية المؤيدة لداعش، هم الأشخاص الأكثر استعداداً للقتل والموت من أجل تطبيق الشريعة (الشكل البياني جهة اليسار)، وهناك نموذج من مواطنين أسبانيا ظهر لديه استعداد أقل للقتل والموت في سبيل تحقيق الديمقراطية (الشكل البياني جهة اليمين). ويرى الأشخاص الأكثر احتمالية لعمل تضحيات مُكلفة الديمقراطية بإعتبارها قيمة مقدسة كما تحدثوا أيضا عن روابطهم القوية مع أصدقائهم في الجماعة.

070916_terrorism_graphs_sidebyside

المصدر: H. Sheikh, Á. Gómez, and S. Atran/Current Anthropology 2016

نقاط الضعف في الغرب

قد يصعب إيجاد الإخلاص نحو القيم الجماعية في الدول الغربية حيث وصلت نتيجة الاختبار إلى أن 644 شخص في اسبانيا هم فقط الذين تطابقوا كفاعلين مخلصين وعلى أتم استعداد للتضحية بكل شيء من أجل الديمقراطية حتى بعد أن تم تحذيرهم من تهديدات تنظيم داعش والقاعدة. وقال عالم النفس حماد الشيخ بأن فضائح الفساد المستمرة قد خذلت اَمال عدد كبير من مواطني اسبانيا في الديمقراطية، سواء حصل تطبيق ضعيف متماثل للقيم الديمقراطية لمواطنين الدول الأوربية الأخرى أو ظلت الديمقراطية في الأمم المتحدة تحت الاختبار.

وتقترح الأبحاث الميدانية أن الالتزام الجماعي تجاه تطبيق القيم الديمقراطية قد يكون أضعف في دول الغرب . ويقول أتران أنه عندما مُنح الفاعلون المخلصون الاختيار الافتراضي بين التخلي عن قيمهم المقدسة في حالة ترك الاَخرين لها في جماعتهم أو التخلي عن جماعتهم للقتال من أجل قيمهم المقدسة. وكان من بين الذين وقع عليهم الاختبار هم مقاتلي تنظيم الدولة والأكراد وأعضاء في المجتمع الديني الناطقين باللغة الكردية، وكانوا دائما ما يختاروا القتال من أجل تحقيق قيمهم المقدسة.

ومع ذلك قال الفاعلون المخلصون أنهم سيتبعوا جماعتهم في حالة رفضهم القيم الديمقراطية، أما الأفراد في فرنسا واسبانيا الذين أجرى فريق أتران عليهم الاختبار،  قاموا بتصنيف القوة الروحية في مجتمعهم أو قوة المعتقدات والإلتزامات الجماعية بأنها أضعف من مثيلتها لدى تنظيم داعش.

وقال أتران أنه وجدت مؤشرات منذ فترة طويلة لدى جنود الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي السابق من مقابلات أجريت معهم أو تقارير ميدانية أو خطابات شخصية بأنهم مستعدين للموت من أجل رفقائهم المقربين في الحرب أكثر من استعدادهم للدفاع عن قيم أوسع. ومع ذلك جاء دليل تاريخي بإقتراح يقول أن المقاتلين عديمي الرحمة مثل القوات النازية أثناء الحرب العالمية الثانية وجنود الفيتكونغ في حرب فيتنام اعتبروا فاعلين مخلصين، وكانت معتقداتهم هي التي تحفزهم في سبيل قضية أكبر. وأضاف أتران قائلاً أنه قد تتشابه هذه الحقيقة بالنسبة إلى الجنود من كلا الجانبين في الحرب الأهلية الأمريكية.

المقارنة بين القوات   

في الاختبار الذي أجرى في العراق، تركت الحرية لمقاتلي داعش المعتقلين في إرتداء أقنعة لضمان إخفاء هويتهم وذلك للتوافق مع حماية سلامة القضايا الإنسانية. ووصف تنظيم داعش والمقاتلون الأكراد القوة البدنية للعسكرية الأمريكية بأنها شديدة أما قوتهم الروحية فهي معتدلة، كما صور نفس الرجال القوة البدنية لتنظيم الدولة بأنها ضعيفة وقوتهم الروحية بأنها شديدة.

 

الإنجذاب للتضحية

يمتلك أتران وفريقه في الوقت الحالي قضيتهم الخاصة مقدمين مزيداً من التفاصيل عن كيفية انتقال بعض الأشخاص من اعتناق معتقدات متطرفة على الخطوط الجانبية ليصبحوا فاعلين مخلصين على الخطوط المواجهة للحركات المتطرفة.

ويقول عالم النفس السياسي كلارك مكولي بكلية برين ماور في ولاية بنسلفانيا أنه قد يساعد إذا تمكن الباحثون من توضيح معنى القيمة المقدسة في الأصل، ولماذا بعض القيم المقدسة تكون ثقلاً على الاَخرين، وأضاف تلاحم الهوية يعد مفهوماً مخادعاً عند تعريفه بوضوح. ويقترح السيد كلارك أن الأبحاث الإضافية في حاجة إلى تحديد إذا كان الشخص الذي يحرك دائرة “أنا” داخل الدائرة التي تمثل وحدة القتال ما زال لديه شعور بالفردية أو يعتقد كلياً في الهوية الجماعية.

ويوضح أتران أنه في استطاعة الباحثون فهم إرادة القتال عند جميع الأطراف بالوصول إلى منظور المقاتلين أنفسهم  من خلال المخاطرة والذهاب إلى مناطق الحرب. وإنه لعمل شاق. ولقد رأى أتران بنفسه تقدم مقاتلي داعش على بؤرة الجيش العراقي ثم تفجيرهم لأنفسهم بالحزام الناسف في عرض نهائي لإخلاصهم لقضيتهم. وكان قد تحدث مع قدماء الحرب الذين فقدوا أذرعهم أو أرجلهم والرجال الذين أنضموا للجيش الكردي في الخمسينيات، وجميعهم الاَن يقاتلون في الخطوط الأمامية للدفاع عن وطنهم.

ولقد أخبر مقاتل يزيدي شاب السيد أتران أنه كان يقضي وقت عطلته من الكلية في التدريب لمدة أسبوع مع الماركسين الأكراد في سوريا للدفاع عن جماعته الدينية الكردية ضد تنظيم الدولة. وفي القتال الذي حدث في اغسطس 2014، قام الجندي الطالب بالرد على اعتداءات داعش لفترة طويلة حتى وصول التعزيزات، ونجح في انقاذ الاَلاَف من اليزيدين من تعرضهم للذبح. ورجع بعد ذلك لإستكمال دراسته حيث كان يرغب أن يكون عالم اَثار.

ويقول أتران:

“أنت تتعلم في خمسة دقائق الكثير في الميدان أكثر مما تستغرقه في التعلم في خمس سنوات من التحليل بعيدا عن أرض المعركة”

وعلى الرغم من التخطيط الدقيق، قد يقترب فريق أتران أحياناً  بشكل يستدعي القلق من الأطراف المتصارعة بينما يقومون بإجراء الأبحاث في العراق، ولا يمكن تجنب هذه المخاطرة مع إنها لا تعد مخاطرة فاشلة بالنسبة للباحثين. واستكمل أتران إنها لأمر جذاب للغاية أن تحاول التعرف على الأشخاص في الظروف القاسية مثل الحروب.

 

الروابط الراديكالية

يقول عالم النفس الاجتماعي نفيس حامد بمعهد جان نيكود في باريس وعالم الأنثروبولوجيا سكوت أتران بأنه هناك شبكة موحدة من الأصدقاء داخل تنظيم الدولة ومتواصلين مع تجار الأسلحة والمتجارين في البشر ومزوري الوثائق واَخرين قاموا بتنفيذ هجمات باريس نوفمبر 2015 وتفجيرات بروكسل مارس 2016. ويقول أتران أن المشاركين قد استعانوا بعلاقاتهم الكثيرة في تنفيذ العمليتين ونجحوا في التهرب من الإعتقال. ويوضح إعادة الهيكلة المبدئية للروابط الاجتماعية بين بعض المهاجمين بأن الكثير منهم كان تحت حماية نفس مرشد تنظيم الدولة عالي المقام (حجر الماسة المركزي) وينحدر الاَخرون من نفس العائلات والمواقع والجماعات المتماثلة في الوطن.

وذكر عالم الكمبيوتر تيفان ووشتي بجامعة ميامي في كورال جابلز، فلوريدا، وزملاء مجلة ساينس أدفانسينز في تاريخ 10 يونيو العثور على شبكات مختلفة لمؤيدي داعش، وهذه الشبكات توجد عبر الإنترنت، تقدم فيها النساء الخدمة باعتبارهن المراسلات الرئيسيات. ويتجاوز عدد الرجال النساء، إلا أن النساء لديهن مزيد من الاتصالات المباشرة  مع الكثيرين مما يعطيعهم ميزة كبيرة في نقل المعلومات.

ويضيف أتران أن شبكات الجهاد تعتمد على مساهمات النساء حيث تقوم الأمهات في بعض الأحياء الراديكالية بتجنيد الأشخاص للانضمام إلى تنظيم الدولة، بالإضافة إلى السفر لتوسيع دائرة التجنيد وتشجيع ابنائهم على القتال في سوريا. ويقدر أتران أنه حوالي واحد من أصل ثلاثة مواطنين فرنسيين يسافرون إلى سوريا للإنضمام إلى داعش هم من النساء– بروس باور

 

 


 نُشر هذا المقال في عدد 9 يوليو 2016 من مجلة ساينس نيوز تحت عنوان “الإخلاص المميت: دراسة حديثة توضح لماذا يتحول الأشخاص العاديين إلى إرهابيين”.

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي