تشريح أيديولوجيا داعش – سكوت أتران / ترجمة: سلطان المطيري

تشريح أيديولوجيا داعش – سكوت أتران / ترجمة: سلطان المطيري

scott-atran-fuuse-forum-speaker%e2%80%8f-mdq4pdsjoyu2xure7m0ab34mbqa8ut5za13qwot8sw

سكوت أتران

مراجعة: وليد المطيري


جميع الثورات المحوّرة للعالم ولدت بين الخطر والموت، وبين الأخوة والسعادة. كيف من الممكن أن نوقف هذه الثورة؟

 

“الإرهاب بلا فضيلة قوة مدمرة؛ الفضيلة بلا إرهاب عقيمة. الإرهاب عدلٌ سريع وقاسي لا مداهنة فيه؛ هو بذلك انبثاق للفضيلة…”

                                                                                     ماكسميليان روبسبير،

                                                                                   في مبادئ الأخلاق السياسية (١٧٩٤م)

 

في حين أن الصحفيين والسياسيين استثاروا الشعب في حادثة إطلاق النار الاخيرة في كاليفورنيا ليظهروا أنها تهديد وجودي لهم، وفي حين بدأت قوات الأمن الفرنسية الانتشار وسط باريس، وكان الأمن البلجيكي يطوق بروكسل بحثاً عن مشتبهين، كانت الطائرات الأمريكية والروسية تكثف ضرباتها الجوية في سوريا بعد عملية ذبح أخرى حدثت باسم ما يطلق عليه “الدولة الاسلامية”، وكان من السهل أيضاً وسط هذا كله فقدان الرؤية لحقيقة جوهرية. بين وابل الرصاص والقنابل المتساقطة والأصوات المتعالية لم نفشل فقط في إيقاف انتشار الإسلام الراديكالي بل في أحيان تبدو أفعالنا مساهمة في انتشاره.

إذاً ما السبب يا ترى في فشل الحرب على الإرهاب والجهود لمحاربة انتشار التطرف والعنف؟ الفشل بدأ مع ردة فعلنا الغاضبة والمنتقمة والتي تولد مزيداً من الوحشية، بدون التوقف لإدراك وتفسير الطبيعة الثورية لحركة الإحياء العربية السنية الراديكالية.  هذا الإحياء هو حركة ديناميكية مضادة للمجتمع ذات طبيعة تاريخية عالمية غير مسبوقة، وتقاد من قبل (الدولة الإسلامية في العراق والشام). في أقل من سنتين، سيطرت الدولة الإسلامية على مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة وملايين من البشر. وهي الآن تحوي أكبر عدد من المقاتلين المتطوعين من جميع الخلفيات منذ الحرب العالمية الثانية.

ما يعتبره مجتمع الامم المتحدة أفعال خرقاء من العنف الوحشي هو لداعمي الدولة الإسلامية بمثابة حملة سامية من التطهير عبر التضحية بالنفس بالأعمال الفدائية كقرابين: (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) كما في الحديث. هذا الحديث الذي ورد في صحيح البخاري والذي يعتبر ثاني أهم الكتب بعد القران في المصداقية هو الآن شعار لمقاتلي الدولة الإسلامية.

إذاً هي خطة متعمدة من العنف كما وضح أبو بكر البغدادي في خطبته “براكين الجهاد” لإنشاء أرخبيل جهادي عالمي يراد له بنهاية الأمر أن يتحد لإسقاط النظام العالمي وإحلال نظام عالمي جديد عادل ومسالم تحت راية النبي. التكتيك الهام في هذه الاستراتيجية هو إلهام المتعاطفين عالمياً لدفعهم نحو ممارسة العنف بأية وسيلة ممكنة: افعلوا ما تستطيعون بما يتوفر لديكم، أينما كنتم، وفي أي وقت.

قام فريقي البحثي، لفهم هذه الثورة، بالعديد من المقابلات المنظمة والتجارب السلوكية مع شباب في كل من باريس ولندن وبرشلونة، وأيضاً مع كل من المقبوض عليهم من مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق وجبهة النصرة في سوريا (فرع تنظيم القاعدة هناك). كما قمنا كذلك بالتركيز على الشباب من الأحياء المنكوبة التي ارتبطت سابقاً بعمليات إرهابية مثل: ضواحي باريس؛ كليشي سو بوي و ايبني سو سيني وأيضاً الأحياء المغربية مثل: سيدي مومن في الدار البيضاء وجامع مزواق بتطوان.

في حين أن الكثير في الغرب يتصوّر الإسلام الراديكالي بكونه سلوكاً عدمياً، دراساتنا تشير إلى تصور أكثر خطورة، إنه أشبه بمهمة عظيمة لتغيير وحفظ العالم.

يُنكَر الغرب جدية هذه الرسالة. أوليفر روي، المفكر المعروف بذكائه وأطروحاته العميقة، كتب مثلاً الشهر الماضي في لي موند أن مخططي هجوم باريس يمثلون غالبية من يلتحق بالدولة الإسلامية. هم مجموعة من المهمشين اجتماعياً والجاهلين بالدين والسياسة والمشحونين بالمظلومية التاريخية. هم يركبون موجة الإسلام الراديكالي كمتنفس لعدميتهم لأنها أكبر وأخطر حركة مضادة للمجتمع، وإلا فكيف من الممكن لشخص أن يفسر التحاق امرأة بالدولة الإسلامية تاركة خلفها ابنها لتموت قاتلة مسالمين في سان بيرنادينو لم يقوموا بإيذائها قط؟

لكن ثورة الدولة الإسلامية العالمية هذه يصعب أن تكون فقط مسرحاً للفاشلين في الحياة. الدولة الاسلامية لم تتراجع لأي درجة ملحوظة رغم محاربتها على جميع الجبهات داخلياً وخارجياً، كما أن التأييد لها يتوسع في المناطق التي تفرض سيطرتها عليها ويتزايد تأثيرها في كل من أوراسيا و إفريقيا، ورغم تطمينات البيت الأبيض المؤخرة، إلا أن تقارير الاستخبارات الامريكية تقول أن الدولة الإسلامية لم يتم السيطرة عليها بعد، وأن الادعاءات المتكررة أنها تتقهقر أو أن التنظيم في طريقه للهزيمة المحتمة هي ادعاءات فارغة عند كل من لديه معرفة مباشرة على الأرض. فقط المقاتلين الاكراد وبعض الميليشيات المدعومة من ايران هي من استطاعت التصدي للدولة الإسلامية ومنعها من التوسع وتم هذا بدعم جوي كبير من فرنسا وأمريكا.

رغم حملتنا الدعائية الشرسة ضد قسوة ووحشية الدولة الإسلامية إلا أن هناك تقديراً ضئيلاً لسر جاذبيتها الحقيقية، وتقديراً أقل لمبررات البهجة والسرور التي تجلبها للمنضمين لها. غالبية من يتطوع للتنظيم من الشباب المستعد للموت دفاعاً عنه يشعرون بسعادة غامرة تنبع من مشاعر الأخوة بالانضمام مع رفاق للقتال سوية في سبيل قضية سامية، هذا فضلاً عن السعادة التي تأتي عبر إشباع الغضب ورغبة الانتقام (الذي حلاوته، كما يقول العلم، تبدو للدماغ والجسم كغيرها من أشكال السعادة).

هناك أيضاً سعادة دفينة في جميع أنحاء الشرق الأوسط عند أولئك الذين رغم رفضهم لممارسات التنظيم الوحشية إلا أنهم يتوقون إلى عودة الخلافة الإسلامية ونهاية نظام الدولة القومية الذي اخترعته و فرضته القوى العظمى.  نظام  أثبت فشله، رغم محاولات الولايات المتحدة وروسيا وحلفائهما الحثيثة طوعاً أو كرهاً لإنقاذه، وهو نظام يعتقد كثيرون في المنطقة أنه سبب بؤسهم. لكن كذلك لا  يمكن فهم ثورة الدولة الإسلامية أنها رغبة بسيطة للعودة إلى الماضي القديم، إذ تبدو فكرة أن الدولة الإسلامية تسعى إلى العودة إلى العصور الوسطى هو كالإعتقاد أن حزب الشاي الأمريكي يريد العودة إلى عام ١٧٧٦م. “نحن لا نريد إرجاع الناس إلى عصر الحمام الزاجل” هذا ما قاله أبو موسى، المسؤول الإعلامي للتنظيم في الرقة، ليستطرد أيضاً:. “على العكس من ذلك، نحن سوف نستفيد من التطور. ولكن بطريقة لا تتعارض مع الدين “.

الدولة الإسلامية تسعى إلى نظام جديد مبني على حضارة اليوم. ما لم ندرك هذه المشاعر والتطلعات، ونتعامل معها باستخدام وسائل أكثر من مجرد التدخل العسكري، فمن المرجح أننا نؤجج من تلك المشاعر لنفقد جيلاً  آخر في الحرب أو ما هو أسوأ. التعامل مع الدولة الإسلامية على أنها مجرد شكل من أشكال الإرهاب والتطرف المتوحش هو نظرة غير مدركة تمام الإدراك لخطورة المشهد. كل الحركات الجديدة هي “متطرفة” مقارنة بما كان قبلها وما يهم حقاً في التاريخ هو قدرة هذه الحركات على البقاء على قيد الحياة و الازدهار في خضم  المنافسة. لجنسنا المتفرد بافتراسه لأقرانه ، فإن النجاح كان معتمداً بشكل دائم على الاستعداد لسفك الدم، بما في ذلك تضحية المرء بنفسه، ليس لمجرد الأسرة أو القبيلة والثروة أو أي منصب، لكن لسبب أكبر.  هذا صحيح خصوصا منذ بداية العصر الوسيط قبل أكثر من ألفي عام. في ذلك الوقت، نشأت العديد من الحضارات تحت آلهة شتى، وكانت تعاقب المذنبين والعصاة بلا أدنى رحمة – وبالتالي ضمن هذا تعاون وتكاتف حتى الغرباء المختلفين متعددي الأعراق تحت راية تلك الإمبراطوريات ليحاربوا سوية كرجل واحد.

سمها  أيدولوجية”الله” أو أي أيديولوجية علمانية تريد، بما في ذلك أي من الخلاصيات المعاصرة: كالاستعمارية  أو الاشتراكية أو الاناركية أو الشيوعية أو الفاشية أو الليبرالية. اعتبر توماس هوبز في كتابه “التنين” (١٦٥١م) أن التضحية من أجل المثالي المتعالي “امتياز اللامعقول، الذي لا مخلوق يخضع له غير الإنسان”. يقوم البشر بأعظم الالتزامات و الجهود، إما للأسوء أو للأحسن، من أجل الأفكار التي تعطيهم إحساساً بالمعنى. يدرك البشر في هذا الكون الفوضوي بطبيعته أن الموت أمر لا مفر منه، لذا هناك دافع نفسي غامر للتغلب على هذا الإدراك المأساوي: للإجابة على  “لماذا أنا” و “من نحن”. أرجع تشارلز داروين في “أصل الإنسان” (١٨٧١م) هذا التفاني كفضيلة لـ “الأخلاق … الروح الوطنية والإخلاص والطاعة والشجاعة والتعاطف” التي  تتواجد بقوة في المجموعات المنتصرة في تاريخ ذو طابع تنافسي متصاعد من أجل البقاء والهيمنة . إنها القيم المقدسة، التي تكون غير قابلة للمفاوضات المادية، من يربطنا بشكل أكبر. في أي ثقافة، عدم الرغبة في بيع ذوي القربى وأخوة الدين والسياسة و لوطن هو الخط الذي عادة لن نعبره. الإخلاص لهذه القيم يمكن أن يدفع لنجاحات خارجة عن المتوقع.

العمليات التي تنطوي على قتل دراماتيكي لزعزعة استقرار النظام الاجتماعي هو تكتيك قديم مستخدم طوال التاريخ المدوّن.

في أحيان كثيرة تكون القيم خلفها مرتبطة بمعتقدات من قبيل إله عظيم وقاهر أو تكون “نظام أسواقنا الحرة هو الأفضل والحقيقي”، وتعزى كلها إما إلى العناية الربانية أو الطبيعة، بحيث لا يمكن إطلاقاً  التحقق منها بالأدلة التجريبية، أو أن تُحدد معانيها بدقة. مصطلح “القيم المقدسة” يدل بشكل ضمني لمعتقد ديني، كما هو الحال عندما نقول الأرض المقدسة، ولكن يمكن أن تشمل أيضاً “مقدس معلمن” مثل “الأرض المقدسة” جيتيسبيرغ أو موقع الهجمات على مدينة نيويورك ١١ سبتمبر ٢٠٠١م . المعتقدات المؤسسة للأيدلوجيات و المفهوم شبه الديني للدولة تشكلت على شكل طقوس من الأغاني و الاحتفالات والتضحيات.

يقول تيرينس “لا شيء يفعله الإنسان هو غريب بالنسبة لي”، هذا العبد الروماني الذي أصبح فيما بعد كاتباً مسرحياً والذي قدم لمجالي الانثروبولوجي تلك المقولة المتينة: أن نتفهم مع من هم مختلفون عنا في الثقافة الأخلاقية، دون موافقتهم بالضرورة. هذا ما نحتاج لأن نفهم. إن كنا فقط نستطيع أن نتفهم لماذا إنسان عادي يسعى للموت بهدف قتل آخرين أبرياء لم يضرّوه بشيء، قد ننجح في تجنب أن نَقتل أو نُقتل.

نحن نعتبر ولحضارتنا الليبرالية الديموقراطية أن سفك الدماء المتعمد والقتل الجمعي للجماعات المختلفة عمل لا أخلاقي، فيما يبدو أنه تعبير جانب الصواب عن الطبيعة البشرية. خلال معظم التاريخ البشري، لطالما اعتُبر العنف ضد المجموعات الأخرى فضيلة أخلاقية، وهو تصنيف ضروري لتبرير قتل مجموعات من البشر الأبرياء، هذا بالإضافة لأن الإرهاب الوحشي يرعب الأعداء.

حينما التقت مجموعتي البحثية ببعض القادة الأكراد ذكروا أنه عندما جاء حوالي ٣٥٠-٤٠٠ مقاتل من مقاتلي الدولة الإسلامية في قافلة من نحو ٨٠ شاحنة لتحرير الأسرى السنة (والقيام بمجزرة بحق أكثر من ٦٠٠ سجين شيعي) من سجن بادوش في الموصل ثاني أكبر مدينة في العراق، فإن قرابة ١٨ ألف جندي من الجيش العراقي المسلح بشكل جيد ويقودهم قادة دربتهم الولايات المتحدة فروا هاربين واختفوا عن الأنظار. حينما سألت أحد الجنود العرب السنة برفقة قوة البيشمركة الكردية على جبهة الموصل اربيل لماذا هرب زملاؤه  الجنود، قال ببساطة: “إنهم يريدون الاحتفاظ برؤوسهم”.

تطويق بروكسل في أعقاب هجمات باريس، أو  بوسطن إثر تفجيرات الماراثون المفجعة في عام ٢٠١٣م، يشير إلى خوف عظيم، ويسهم في ازدياد عدم الإيمان الكامن بمجتمعنا وقيمنا، وهو الأمر الذي تهدف الهجمات الارهابية لتعزيزه. خلال الحرب العالمية الثانية، لم يستطع حتى جبروت سلاح الجو الألماني في ذروة الهجوم العسكري إجبار الحكومة البريطانية و سكان لندن أن يرتعدوا خوفاً كما هو الأمر الآن. اليوم، مجرد ذكر لهجوم على نيويورك في فيديو للدولة الإسلامية يجعل من المسؤولين الأمريكيين يهرعون لتهدئة الشعب. الاطلاع على وسائل الإعلام، هو أكسجين الإرهاب في عصرنا، يضخم ليس فقط مفهوم الخطر ولكن، في توليده لهكذا هستيريا، يجعل هذا التهديد المتضخم حقيقي للمجتمع.

وهذا صحيح بشكل خاص في زمننا الحالي لأن وسائل الإعلام تم تصميم معظمها لدغدغة مشاعر الشعب بدلاً من تقديم المعلومات لهم. وهكذا، فقد أصبح الموضوع بالنسبة لداعش لعبة أطفال في تحويل آلتنا الدعائية الضخمة، الأقوى عالمياً، بحيث تصبح لهم و تقوم بتعزيز رواية أننا نخوض حرب قوية غير متماثلة من الممكن لنا مواجهتها بضبط النفس والمعلومات الدقيقة، ولكن في الحقيقة لن نستطيع.

النتائج خطيرة وسخيفة. وزارة العدل الأمريكية، بدعم هائل من الكونغرس ووسائل الإعلام، يعتبرون الآن قدر الضغط العادي  “سلاح دمار شامل” إذا ما استخدم للإرهاب. هذه السخافة تساوي بين وعاء الطهي و قنبلة نووية حرارية ذات بلايين أضعاف القدرة على التدمير. هذا يهوّن من أسلحة الدمار الشامل الحقيقية، مما يجعلها أكثر قبولاً ويجعل استخدامها قابل للتصور. في هذا العالم الواقعي الحالي، المراسلات هي حرب بشكل أو بآخر. لذا تلاعب الدولة الإسلامية في وسائل الإعلام لدينا يخلق شعوراَ منذراً بدمار شامل هو غير ممكن حقيقةً، ويحجب في الوقت نفسه الرؤية عن أية تهديد حقيقي مستقبلي.

العمليات التي تنطوي على قتل دراماتيكي لزعزعة استقرار النظام الاجتماعي هو تكتيك مستخدم طوال التاريخ المدوّن. الجماعات السياسية والدينية العنيفة تقوم بشكل روتيني بإثارة أعدائها للمبالغة في رد الفعل، ويفضل أن يكون ذلك من خلال ارتكاب الفظائع للحصول على دعم الآخرين. عندما احتل الرومان يهودا بعد وفاة المسيح قامت الثورات الأولى عبر شبان يهود يقومون برشق الحجارة. المتعصبون اليهود وخاصة الأكثر تطرفا بينهم ،  “عصبة الخناجر”، زادوا من شرارة الامر، وبدأوا بمهاجمة الجنود الرومان و تابعيهم اليونانيين بأعمال فدائية أثناء الاحتفالات العامة، و بذلك تحركت عجلة الانتقام والثأر. انتهت الثورات مع طرد روما لليهود من يهودا، والتي أصبحت “فلسطين السورية”، التي سميت على الفلستيين الذين سكنوا سابقا المناطق الساحلية. ولكن الشتات اليهودي فيما بعد نشر العقيدة التوحيدية إلى زوايا بعيدة من العالم، لتكون بذلك بذرة باعثة لكل من المسيحية والإسلام.

عنف الدولة الإسلامية، مثل العنف الثوري لكثيرين جاءوا من قبلهم، قد يكون أفضل وصف له هو ما أطلق عليه إدموند بيرك بـ “الجليل”: رغبة، بل حاجة و شغف، لإرهاب مبهج وشعور بالقوة والمصير، و للتكريس للانهائي، المقدس و المجهول. يشير بيرك في كتابه بين الجليل و الجميل (١٧٥٦م) أن “لا عاطفة تسلب العقل من قدراته في التفكير والمنطق بفعالية كما يفعل الخوف. “حيث أن الخوف هو الخشية من الألم أو الموت، وأثره  يشبه بطريقة ما الألم الفعلي. لذا أي أمر مخيف، بالنسبة للمشهد، هو كذلك جليل”. لكن لكي ينجح الإرهاب في خدمة المقدس و الجليل يبدو الغموض ضرورياً كما يقول بيرك . يكمل فيقول “تلك الحكومات الاستبدادية، التي أسست على شغف الرجال، وأيضاً وبشكل أساسي على الخوف، تسعى للحفاظ على القائد بعيداً عن الشارع العام قدر الإمكان.” البغدادي، أمير المؤمنين، بالتأكيد يطابق هذا الوصف. وبشكل أعم، كما لاحظ الفرنسي شارل ديغول في عام ١٩٣٢م ، “لا يمكن أن تكون هناك هيبة دون غموض، لكون الألفة تولّد الإزدراء”ولذلك يحرص القادة على تصرفاتهم لتركيز كل الجهود لأسر عقول الرجال” لعلهم قد يفوقوا أنفسهم في القتال من أجل قضية مصيرية للجماعة.

قليل، إن وجد، طلائع ثورية في التاريخ حققت نجاحا من خلال تكوين جماهيرية كبيرة بين سكان العالم، أو حتى دعم من سكان مناطقهم.

الهدف السامي أو الجليل هو أيضاً جسدي بشكل عميق كما أنه غارق في العاطفة. لذا فأي منطق يتعلق به هو أسيراً له وليس هو المحرّك للعاطفة. كما أنه لا وجود لما يدعى غسيل الدماغ، إنما هي بقايا شائعات حول انكسار جنود الحلفاء خلال الحرب الكورية على يد سحرة التلاعب النفسي الصينيين. في كفاحي (١٩٢٥م)، أعلن أدولف هتلر أن: “كل الحركات العظيمة هي حركات شعبية، ثورات بركانية من الشغف البشري والمشاعر العاطفية، تحرَّك إما عن طريق آلهة قاسية أو من قبل كلمة من جمر ألقيت بين الجماهير.” لكن يجب أن تصاغ هذه الكلمة داخل مسرح الجليل. عندما كان تشارلي شابلن و المخرج السينمائي الفرنسي رينيه كلير ينظران معاً لمسرحية ليني ريفنستال الغنائية عن الاشتراكية القومية، انتصار الإرادة (١٩٣٥م)، التي عرضت في متحف نيويورك للفن الحديث، ضحك شابلن ولكن تملّك كلير الرعب، خوفاً من أنه إن عرضت على نطاق أوسع، ربما يضيع الغرب.

“يا جنود الدولة الإسلامية، استمروا في حصد الجنود، “البغدادي ثائراً في عام ٢٠١٤م،” فجروا براكين الجهاد في كل مكان “و” أسفكوا دماء الأعداء جماعات وفرادى لتحرير البشرية من” النظام العالمي الشيطاني الربوي ” المدعوم من قبل “اليهود والصليبيين” – نداء تردد صداه لدى كثيرين، ليثير بعض الفظائع.

أشار استطلاع ICM في أغسطس ٢٠١٤م أن ربع البالغين من الشباب الفرنسي من جميع المذاهب، والذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و ٢٤ عاماً، كانوا يمتلكون موقفاً على الأقل إيجابياً إلى حد ما تجاه الدولة الإسلامية. لم يتم إقامة احصائية مشابهة بعدها لكن بعد هجمات تشارلي إبدو يناير ٢٠١٥م، أقام فريق أبحاثنا اختبار لفحص مدى الدعم في فرنسا وإسبانيا للقيم المعلنة من قبل الدولة الإسلامية: على سبيل المثال، الشريعة الصارمة للخلافة مقابل المساواة الدينية والتسامح للمعارضين في الديموقراطيات. بين الشباب في المنازل الشعبية و مشاريع الإسكان القاتمة لضواحي باريس، وجدنا التسامح  والدعم إلى حد ما منتشر لقيم داعش، وحتى للأفعال الوحشية التي تنفذ باسمهم. في إسبانيا، لدى عينة سكانية كبيرة، وجدنا استعدادا ضئيل للقتال من أجل الدفاع عن القيم الديمقراطية ضد أي هجوم.

قد يبدو لنا ذلك بلا أهمية كما كتب بيرغر الشهر الماضي في صحيفة الأطلنطي، “المتعاطفين مع ايديولوجية الدولة الاسلامية يشكلون أقل من ١ في المائة من سكان العالم [و] النشطين، المشاركين الطوعي في مشروع الخلافة بالتأكيد أقل من عشر هذا العدد. لكن القليل من الطلائع الثورية على مر التاريخ من حققت نجاحا خلال تكوين جماهيرية كبيرة بين سكان العالم، أو على الأقل أن تحظى بدعم من سكان مناطقهم. خلال زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق، تمت تصفية ما يصل إلى ثلاثة أرباع المقاتلين من تنظيم القاعدة  في العراق، التي اصبحت فيما بعد الدولة الإسلامية في العراق و الشام، وبمتوسط نحو عشرة مقاتلين ذو مراتب عالية تم اغتيالهم شهريا و لمدة ١٥ شهرا متتالية، بما في ذلك زعيمها، أبو مصعب الزرقاوي. ومع ذلك، وخلاف كل التوقعات، فإن التنظيم نجا وازدهر وسط فوضى الحرب الأهلية في سوريا وتحلل العراق بين الفصائل.

الحركات الثورية المنتصرة منذ الحرب العالمية الثانية هي في المتوسط أقل عدداً و عتاداً من قوة الدولة التي تحاربها بعشرة أضعاف. كما تشير الدراسات السلوكية في مناطق الصراع إلى أن القيم المقدسة مثل التحرير الوطني، والله والخلافة، تمكّن المجموعات المقاومة الأقل قوة على التغلب رغم فارق العدد والعدة. هم قادرون على المقاومة وغالباً ما ينتصرون ضد جيوش أقوى مادياً تعتمد على حوافز مادية كالأجور والترقيات أو حتى العقاب. كما يوضح التاريخ والدراسات التجريبية أن ما يهم في نجاح الثورة هو الالتزام بالقضية والتضحية من أجلها. هذا التكريس يمكن أن يعوض الكثير من النقائص المادية حتى رغم الإخفاقات الأولية والتي غالبا ما تكون كبيرة. كان المستوطنون الأمريكان في عام ١٧٧٦م محبطين للغاية ليس بسبب الاقتصاد ولكن بسبب الحرمان المدرك لحقائق “مقدسة و غير قابلة للإنكار” (من كلمات توماس جيفرسون لإعلان الاستقلال) . كانوا على استعداد للتضحية بـ “حياتنا، ثرواتنا وشرفنا المقدس ضد أعتى إمبراطورية في العالم.” أرسلت بريطانيا قوة بحرية قوامها ٣٠ ألفاً من الرجال ضد الثورة الوليدة في نيويورك التي يقطنها آنذاك ٢٠ ألف نسمة، وكادوا بالبداية أن يسحقوا جيش جورج واشنطن . من بقي من الجيش المنهك كانوا متوجهين لمنازلهم عندما وقف واشنطن بهم خطيبا خطبة فحواها: ‘سوف تجعلون هذه التضحية للحرية … و لا يمكنكم أبدا أن تقوموا بفعل هذا تحت أية ظروف أخرى “. الجيش استجمع قواه واندمج من جديد في فصل الشتاء القاسي ذاك وسط وادي فورج، وأصبح من بعد قادر على تحمل أية شدائد.

لكن هذا النوع من الديموقراطية الليبرالية التي بدأتها الثورة الأمريكية لم تكن جيدة جداً في الفصل بين الحدود الدينية والعرقية، خصوصا عندما تستند هذه الحدود على القبيلة، كما هو الحال في الكثير من مناطق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. تجذرت الديموقراطية في مستعمرات بريطانيا الأمريكية، والتي كانت تحوي أعلى مستوى معيشة في العالم في ذلك الوقت وفرصا غير مسبوقة لأي شخص عدا الهنود الحمر والعبيد الأفارقة لبناء أنفسهم داخل الأراضي لا حدود لها تقريبا، أحرار نسبياً من أي قيد لتحقيق طموحاتهم.

الديمقراطية في أوروبا الغربية تطورت تدريجيا خلال القرن التاسع عشر تحت وصاية الحكم الاستبدادي. نابليون الثالث في فرنسا لم يكمل فقط توجهات نابليون بونابرت في العلمانية الثقافية والتسامح مع التعددية الدينية، بل أيضا ذهب لإرساء انتخابات تشريعية، تسمح بالمعارضة السياسية المنظمة، وتقنين حق الإضراب. في أوروبا، ابتعد الناس عن أراضي أجدادهم (بموجب قوانين إغلاق المشاعات) للعمل في مراكز مدنية خلال الثورة الصناعية، ملزمين بالكدح والحرب ليتعزز بذلك مفهوم جديد هو الهوية الوطنية.

في هذا المشهد، بدأت المؤسسات الليبرالية في تطوير وتمكين غرباء مجهولين على العمل مع بعضهم البعض، وإذا لزم الأمر، للقتال معاً. وشملت هذه المؤسسات على تعليم مجاني شامل، و صحافة تغطي مجموعة واسعة من المعلومات، و ايضا مساواة بين جميع المواطنين أمام القانون (على الأقل من حيث المبدأ)، ونشر ثقافة التسامح تجاه الأقليات وغيرها. بلا هوية وطنية شاملة و قيم و مؤسسات ليبرالية للحفاظ عليها، فإن الخيار الشعبي والانتخابات تؤدي فقط إلى طغيان الأغلبية، كما حصل في كل من أثينا القديمة وعراق ما بعد صدام.

الفجوة بين القيم تتزايد بروايات مختلفة من التاريخ. لقد عاش الغرب والعالم العربي والإسلامي منذ فترة طويلة في الغالب بشكل منفصل وموازي. في الغرب، يعتقد الناس عموماً أن التاريخ بدأ مع السومرية القديمة في القرن الـ ٢٦ قبل الميلاد. كانت بلاد سومر، التي تقع في الجزء الجنوبي من العراق الآن، مهد للقانون المكتوب والأدب، أيضاً لإبراهيم وعقيدته التوحيدية. ثم انتقلت الحضارة فيما بعد إلى اليونان وروما،  وبعد سقوط روما، أتت كل من القرون الوسطى، ثم عصر النهضة والثورة الصناعية، وعصر التنوير، ثم الثورات السياسية الأولى، والحربين العالميتين والحرب الباردة. ثم انتصرت حقوق الإنسان والديمقراطية.

يبدأ العالم العربي والإسلامي أيضاً مع السومرية ولكن، حتى الحربين العالميتين، كان كل من تاريخ روما واليونان والبقية هامشي. كانت أوروبا المسيحية هي القارة الغائبة. كان كل من أبطال المسلمين، والخرافات والأساطير و الإشارات الثقافية مختلفة تماما . بالتأكيد هناك موسى والكسندر و عيسى، ولكن يبدون مختلفين في الإسلام: تتوازى حياة موسى و محمد وتنبأ موسى بالنبي القادم. وكان اسكندر  أو ذو القرنين  شخصية دينية أعطاه الله قوة عظمى والقدرة على بناء جدار من الحضارة لحماية البشرية من قوى الفوضى والشر خارجه. وعيسى كان رسول الله، وليس ابنه، الذي لم يمت على الصليب، ولكن مثل محمد، رفع إلى السماء.

كل من واردات السياسة الأوروبية وحتى القومية نفسها فشلت في الشرق الأوسط، فشلاً ذريعاً (ربما باستثناء تركيا ومصر وإيران، والتي لا تزال مبنية حول العرق و الدين بشكل أكبر من الهوية الوطنية). الناس في الشرق يتوقون لأمر من تاريخهم، من تقاليدهم، مع أبطالهم و أخلاقهم، والدولة الإسلامية، على الرغم من وحشيتها و بشاعتها لنا وحتى لمعظم الدول في العالم العربي المسلم، تخاطب هذا بشكل مباشر.

ما يلهم المحاربين الأكثر شراسة اليوم ليس القرآن ولكن قضية مثيرة ودعوة إلى عمل يعد بالمجد والتقدير في عيون الأصدقاء.

رغم كل هذا فإن الولايات المتحدة والقوى الغربية لا يبدو أنها تدرك هذا الإحياء. كمية الحلول المبتذلة تتلخص في نداء منهك لدعم نظام الدولة القومية الذي فُرض أعقاب الحرب العالمية الأولى من قبل المنتصرين الأوروبيين وبريطانيا العظمى وفرنسا، والتأكيد على “الإسلام المعتدل”، ما لا يبدو إطلاقاً موازياً لطموحات الشباب وشوقهم للمجد والمغامرة وهو أقل إغراءً وإثارةً لهم من وعد أبدي بالتسوق.

تبقى الفكرة الشائعة عن “صراع الحضارات” بين الإسلام والغرب مضللة بشكل يرثى له. لا يمثل التطرف العنيف عودة للثقافات التقليدية بل انهيارها  لدى شباب فقدوا ارتباطهم بتقاليد تعود إلى آلاف السنين بحثاً عن هوية اجتماعية تضفي أهمية شخصية ومجد. هذا هو الجانب المظلم للعولمة. أفراد يتطرفون لإيجاد هوية ثابتة في عالم ذو أفق موحد. تم في هذا الواقع الجديد استبدال التواصل بين الأجيال بشكل عمودي لارتباط فردي أفقي يتجاوز الحدود .

كما قلت في مجلس الأمن للأمم المتحدة ربيع هذا العام، ما يلهم المحاربين الأكثر شراسة اليوم ليس القرآن ولكن قضية مثيرة ودعوة إلى عمل يعد بالمجد والتقدير في عيون الأصدقاء. المتطوعين الأجانب للدولة الإسلامية في كثير من الأحيان شباب في مراحل انتقالية من حياتهم – مهاجرين، وطلاب، وأشخاص بين وظائف و أشخاص لم يعثروا على شركاء لحياتهم. هم يسعون لعائلة جديدة من الأصدقاء ورفاق الطريق للعثور على هدف وتأثير. يقدر المركز الفرنسي لمنع الانجراف الطائفي ذو الارتباط بالإسلام أن ٨٠ في المائة من المتعاطفين مع التنظيم ينحدرون من عائلات غير متدينة. كما يرى مركز ويست بوينت لمكافحة الإرهاب أن متوسط أعمارهم هو ٢٥ سنة وأن الجزء الأكبر منهم لم يحظ بتعليم ديني تقليدي و“ولدوا من جديد” للدين من خلال الجهاد. واحد من كل أربعة و في كثير من الأحيان هو من أشرس الأتباع هو من المتحولين حديثاً للإسلام. طالبي الذات الذين وجدوا طريقهم إلى الجهاد يصل عبر التجمعات الخاصة أو الإنترنت. هم أيضاً من الناس الذين يشعرون بعدم الارتياح عند الإفراط في الشرب أو ممارسة الجنس العرضي، أو شاهدوا والديهم يهانون من قبل أرباب العمل أو الحكومة، أو أخواتهم يُزدرين لارتدائهن الحجاب. معظمهم لا ينضم للجهاد ولكن البعض يفعل. أكثر من ٨٠ في المائة ممن ينضم إلى الدولة الإسلامية ينضمون إليها عبر علاقات شخصية، مع الأصدقاء وأحياناً الأسرة. عدد قليل جداً من ينضم عن طريق المساجد أو من خلال تجنيد مباشر من قبل غرباء مجهولين.

ما نعرفه عن مهاجمي باريس يناسب هذا النمط. كما هو الحال مع منفذي تفجيرات قطارات مدريد عام ٢٠٠٤م وتفجيرات مترو أنفاق لندن عام ٢٠٠٥م. العديد من المخططين الرئيسيين لهجمات يناير ونوفمبر في باريس عاشوا لفترة في الحي نفسه، و العديد من المجندين هم أصدقاء وأفراد أسرة، وبعضهم انتقلوا الى نفس الشبكات الإجرامية وأمضوا بعض الوقت معاً في السجن.

كثير من هؤلاء الشباب في فرنسا وأماكن أخرى في أوروبا يشعرون بالاضطهاد من بلدهم الذي يعيشون فيه و موطنهم الأصلي. على عكس الولايات المتحدة، أوروبا لم تنشأ لاستيعاب المهاجرين. المهاجرين المسلمين في الولايات المتحدة يحققون أو يتجاوزون المتوسط في كل من الثروة والتعليم في جيلهم الأول. أما في أوروبا، فإن المهاجرين المسلمين غالباً ما يكونون أقل دخلاً من المتوسط في الجيل الأول وكذلك الجيل الثاني، وهذا من آثار الاستعمار الذي تفاقم إلى حد كبير دون مراقبة.

يقدر عدد المسلمين في فرنسا من ٧ إلى ٨ في المائة من مجموع السكان وهي أكبر نسبة مئوية من مجموع السكان في أي دولة أوروبية أخرى؛ وفي الوقت نفسه، نجد أن ما يصل إلى ٧٠ في المائة من المساجين هم من المسلمين، مما ساهم بشكل كبير في إنشاء طبقة مهمشة قابلة للتطرف. يصف أحد المنضمين لجبهة النصرة ذو  الـ ٢٤ عاماً تجربته في ألمانيا:

إنهم يعلموننا أن نعمل بجد لشراء سيارة جميلة وملابس جميلة ولكن ليست هذه السعادة. كنت إنساناً من الدرجة الثالثة لأنني لم أكن مندمجاً في نظام فاسد. ولكن لم أكن أريد أن أكون رجل عصابات. لذلك، قررنا أنا وأصدقائي أن نتجه لدعوة الناس للإسلام. الجماعات الإسلامية الأخرى في المدينة لا يملكون غير الكلام. يعتقدون أن دولة إسلامية حقيقية ستنزل من السماء عليهم دون قتال.

معظم المتطوعين الأوروبيين المنضمين للدولة الإسلامية بدلاً من النصرة “يعتقدون أن الخلافة موجودة اليوم وليس هناك حاجة إلى الانتظار ليوم غد. لكن أيضاً هناك العديد من المتطوعين للدولة الإسلامية بعيدين كل البعد عن التهميش في بلدانهم. كما كتب أحد الأطباء لي في وقت سابق هذا العام:

خلال الأشهر القليلة الماضية، هاجر مجموعتان من طلاب الطب من الجامعة [جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا في الخرطوم، السودان] إلى الشام من أجل الانضمام للدولة الإسلامية. و تعاني أسر هؤلاء الطلاب من صعوبة في تقبل خسارتهم لأبنائهم. وكان الأمر أقرب لخسارتهم للموت. الطلاب الذين هاجروا من جامعتنا … يحظون بدعم جيد من قبل والديهم (طبقة متوسطة عليا مع خلفيات متعددة). أجد صعوبة في تحديد العوامل التي جعلت هؤلاء الطلاب الأذكياء و المتفوقين دراسياً ينضمون إلى الدولة الإسلامية. هل يمكن أن يكون الأمر غياب الهوية؟ هل يمكن أن يكون خطأ الجامعة ؟ أو هل من الممكن أن يكون السبب فقدان تأثير الأسرة؟

مصرفي من الموصل يروي:

اقتحم مقاتلو داعش البنك و أنتاب الرعب الموظفين الذين عرضوا عليهم المساعدة بأي شكل من الأشكال، طلب جزائري مهذب، ذو ٢٥ ربيعاً، أن يتم إرشاده فقط إلى أجهزة الكمبيوتر لدينا. في وقت قصير قام بتحميل جميع المعاملات المصرفية. وقال إنه انضم إلى الدولة الإسلامية ليفيد الدولة الإسلامية من علمه في هندسة الكمبيوتر.

الخلافة جذابة لجميع هؤلاء الشباب حيث توفر لهم معنى وتحررهم مما كانوا يرونه شر عالم مادي بلا معنى. ومن المفترض أن دولة الخلافة الإسلامية تتوافق مع رؤية السلف النقية من أتباع النبي الأوائل، وهي مؤسسة إمبراطورية تطالب بجهاد الطلب أو الحرب المقدسة ضد الكفار، باعتباره “فرض عين” لكل من ينتمي “لدار الإسلام”.

الخلافة نحلم بها مثل ما يحلم اليهود منذ فترة طويلة بصهيون. من الممكن أن تكون كاتحاد بين الشعوب الإسلامية، مثل الاتحاد الأوروبي.

يعارض أتباع هذه الخلافة بشدة فكرة الجهاد الأكبر باعتباره كفاح روحي داخلي. هم يعتبرون هذه الفكرة الوهمية من الجهاد هي أساس البدع الصوفية التي ظهرت في أواخر الخلافة العباسية، التي افسدت الخلافة العربية النقية وأدت إلى اضمحلالها وسقوطها. في قمة شرق آسيا في سنغافورة أبريل الماضي، أصر البعض أن الخلافة لم تكن أكثر من أسطورة تخفي سياسة القوة التقليدية. يظهر بحثنا في أوروبا وشمال أفريقيا أن هذا اعتقاد خاطئ وخطير. عادت الخلافة للظهور لتشكل  قضية حشد في أذهان كثير من المسلمين، وحتى لدى بعض المسلمين الذين يدعمون التعاون بين الأديان. يقول إمام في برشلونة يدير مبادرة للحوار بين الأديان مع المسيحيين واليهود”أنا ضد عنف كل من تنظيم القاعدة و الدولة الإسلامية، لكنهم وضعوا مأزقنا في أوروبا وأماكن أخرى على الخريطة. من قبل، كان لا اعتبار لنا”. و “الخلافة … كنا نحلم بها مثلما يحلم اليهود منذ فترة طويلة بصهيون. من الممكن أن تكون كاتحاد بين الشعوب الإسلامية، مثل الاتحاد الأوروبي. الخلافة هي هنا، في قلوبنا، حتى لو كنا لا نعرف ما هو الشكل الحقيقي الذي سوف تتخذه في النهاية. “

أياً كان الشكل الذي تتخذه، يمكننا أن نتيقن أنها سوف تكون متجذرة في تاريخ و ثقافة الدول العربية، وليس الغرب. ويشمل هذا المنظور واقع هيمنة المسلمين لوسط أوراسيا حتى قيام الثورة الصناعية الأوروبية ورفض النظام العالمي الغربي، سواء كانت الديمقراطية الليبرالية أو الاشتراكية، والتي فرضت بعد انهيار الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين.

ربما قبل كل شيء، تهدف الدولة الإسلامية لوضع حد لسايكس بيكو والنظام الاستعماري الجديد الذي فرضته بريطانيا وفرنسا على المناطق العربية في الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. في ربيع عام ٢٠١٤م، عندما جرفت داعش علامات الحدود بين العراق وسوريا، ولدت شعوراً بالتحرير والفرح لدى الكثيرين في المنطقة وخارجها. على عكس الولايات المتحدة وغيرها من القوى العظمى، بما في ذلك روسيا والصين، كثير من الناس في المنطقة لا تنظر للفوضى الحالية أنها نجمت عن فشل نظام الدول التي يجب إحياؤها و تعزيزها تحت أي ثمن ولكن تنجم من الحيل النفعية التي أنشأت تلك الدول في المقام الأول.

الثورات في الماضي والحاضر هي أحداث أخلاقية. تدهور أو تغير سريع في الظروف الاقتصادية والاجتماعية يعقبه سلسلة متعاقبة من الأحداث وينتهي بأزمة سياسية. تصبح الثورات تحدياً للنظام السائد فقط عندما تصبح نابعة من نظام أخلاقي جديد، وعندما يتم الاستيلاء على السلطة يمكن أن تطبق تلك “القيم المقدسة” التي تحدد هذا النظام.

كان تأثير جماعة الإخوان المسلمين في مصر – حركة مقاومة إسلامية أصبحت فيما بعد حزباً سياسياً – في ارتفاع بشكل جيد قبل الربيع العربي. على الرغم من أن الإخوان رفضوا في البداية المشاركة، إلا أن الشقاق بين القوى العلمانية سمح باندفاعهم لملء الفراغ الأخلاقي بعد الثورة، لكن على عكس مؤسسي الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذين طهروا الجيش وسيطروا على البازار (الطبقة التجارية في المناطق الحضرية)، و حصلوا على دعم سكان الأرياف المتدينين، فإن قادة مصر (كما قالوا لي في ذلك الوقت) اعتقدوا بأن الجيش والاقتصاد و مودة الناس سوف تتوحد إذا تمكنت قيادة الإخوان المسلمين من السيطرة أولاً على وزارة الإعلام.

على النقيض من ذلك، فإن الدولة الإسلامية تحركت بسرعة وبلا هوادة لفرض روح قديمة مجددة بين العرب السنة في الأراضي التي مزقتها الحرب في الشرق الأوسط، وتعد بحرب شاملة ضد الأخلاق “الشيطانية” لإيران والشيعة وأعوانهم (بما في ذلك الولايات المتحدة، وحلفائها، وروسيا) في صراع مميت للروح المسلمة وفي نهاية المطاف من أجل خلاص البشرية جمعاء.

المقارنات التاريخية تكون دائماً ذات فائدة محدودة، ولكن هي أيضاً أحد الوسائل التي تمكننا من فهم ما هو جديد، أو على الأقل توضّح أين طرأت الجدة الحقيقية.

هناك أوجه تشابه تاريخية ضاربة في تاريخ الثورات المعاصرة منذ حركة اليعاقبة من الثورة الفرنسية، بقيادة ماكسمليان روبسبير، عُرض المفهوم السياسي للإرهاب وقطع الرأس بالمقصلة، واعُتبر هذا الإجراء الشديد للدفاع عن الديمقراطية شكل من أشكال العنف الإلهي. لعقد كامل، وفي نهاية القرن الثامن عشر، استهلكت الثورة الفرنسية نفسها مثل أسماك القرش الدموية، وفي ذات الحين تقاتل ائتلافاً هشاً من القوى الكبرى التي تسعى لتدميرها. رغم ذلك ازدهرت وأتحدت وتحولت لمهمة إمبراطورية لإصلاح وإنقاذ البشرية – كما تسعى كل الثورات القيام به – فاحتلت القوات الثورية معظم أوروبا قبل سقوط الإمبراطورية. رغم ذلك فإن الالتزام بمفهوم الحرب الشاملة استمر في خدمة القوى الأخلاقية والروحية وفي إلهام تقريباً كل ما تلاها من  ثورات.

التنافس الحالي بين القاعدة والدولة الإسلامية يشابه التنافس ما بين الاناركيين و البلشفيين.

اجتاحت أوروبا سلسلة من الثورات استوحت رؤيتها من المساواة الاجتماعية والأخوة العالمية في عام ١٨٤٨م. فشل هذه الثورات يشابه في كثير من الأوجه ما سمّي تفاؤلاً ومن معلقين معظمهم غربيين بالربيع العربي. بدأت الثورات من صقلية في يناير عام ١٨٤٨م  و تتالت في أنحاء كثيرة من أوروبا بحلول مارس وابريل من الدنمارك الى حدود روسيا، انتشرت من خلال التواصل الاجتماعي و الكلام المنقول على نطاق أوسع وأسرع مما فعل الربيع العربي خلال شبكات التواصل الاجتماعي وسائل الإعلام . مثل القوى العلمانية التي تقود الربيع العربي، قادة ثورات ١٨٤٨م أيضا أظهروا عدم الوحدة السياسية أو المعرفة العملية حول كيفية إنشاء نظام أخلاقي جديد، والتي تعتمد عليه كل ثورة من أجل استمرارها ونجاحها.

النخب القومية الرجعية بالتنسيق مع الكنيسة ملأوا تلك الفجوة، وخلقوا نظام أخلاقي جديد قومي مع كل الزخارف شبه الدينية من أعلام واحتفالات و أغاني وطنية، ومسيرات وقرابة متخيّلة ترمز للجذور المشتركة في الدم و الأرض والعرق. هذه الأخلاق السياسية الجديدة تهدف لربط النخب التقليدية بولاء الفلاحين والعمال الذين قد يطمحون خلاف ذلك مرة أخرى لكسر الهرمية الاجتماعية والحدود السياسية باسم الأخوة العالمية. صراع عالمي عملاق في القرن ٢٠ بين الفاشية والشيوعية هو جزء من هذا التراث. ومن المبكر جدا معرفة كيف سيكون ماهو الإرث النهائي لفشل الربيع العربي.

التنافس الحالي بين القاعدة والدولة الإسلامية يشابه التنافس  ما بين الاناركيين  و البلشفيين. الحركة الأناركية ابتدأت كحركة من روسيا في سبعينات القرن التاسع عشر ضد سلطة الدولة ورأس المال، وسرعان ما انتشرت في جميع أنحاء أوروبا و الأمريكتين. قام قتلة مرتبطين بالحركة الأناركية ما بين ١٨٨١م – ١٩٠٠م بقتل كل من قيصر روسيا، و رئيس فرنسا، و رئيس وزراء إسبانيا، وملك إيطاليا وامبراطورة النمسا. في سبتمبر ١٩٠١م، الأناركي ليون كولغوش اغتال الرئيس الأمريكي وليام ماكينلي.

القوى العظمى أعتبرت الأناركية أكبر تهديد للنظام السياسي والاقتصادي المحلي، والاستقرار الدولي. في مواجهة الهجمات الأناركية المتكررة التي تستهدف عشوائياً سكان باريس في المقاهي “البرجوازية” والمسارح وما شابه ذلك، طالب كل من القادة الفرنسيين والصحافة الشعبية الشعب الفرنسي ب”الاستيقاظ” و “التوحد” لمكافحة آفة  تهدد الحضارة نفسها. وكانت العواقب السياسية (وإلى حد ما الاجتماعية والاقتصادية) من الموجة الأولى للإرهاب الحديث مماثلة في كثير من النواحي لهجمات ١١ سبتمبر. لقد جعل تيدي روزفلت هزيمة الأناركية مهمة جليلة لإدارته: “بالمقارنة مع قمع الأناركية، كل مسألة أخرى تغرق في التفاهة. الأناركي هو عدو للإنسانية، عدو للبشرية جمعاء. وهو على درجة من الإجرام تفوق أي شخص آخر “.

لكن روزفلت لم يقتصر على مكافحة الإرهاب ضد الأناركيين وحدهم. بل وسع الحرب على الأناركية لتكون مهمة امبريالية لتتدخل في أي دولة في جميع أنحاء العالم إذا لزم الأمر لحمايتها من الشر الدخيل والحفاظ عليها من الوقوع في الفوضى. يقول روزفلت “الإعتداءات المزمنة، او العجز السياسي الذي يؤدي الى انخفاض عام لعلاقات المجتمع المتحضر، في أمريكا، كما في أي مكان أخر، يتطلب في نهاية المطاف تدخل بعض الأمم المتحضرة، ويمكن أن تقود ذلك الولايات المتحدة، ولو على مضض، في الحالات الصارخة لهكذا مخالفات أو عجز، لممارسة قوة الشرطة الدولية. “ومما لا يمكن إغفاله فإن الحرب ضد الفوضى والإرهاب ساعدت في تبرير القمع الوحشي  لمسلمي (مورو) المتمردين ضد حكم الولايات المتحدة في الفلبين.

على الرغم من الاعتقاد السياسي والشعبي في وجود مركز للأناركية، لم يكن هناك أي شيء من هذا القبيل. كما هو الحال مع تنظيم القاعدة، كانت الحركة الأناركية إلى حد كبير حركة لامركزية من المتطوعين تحت قيادة الى حد ما أناس ذو ثراء و تعليم جيد. (في الواقع، منذ الحركة الأناركية، يقود الثورات في بداية الأمر عدد من طلاب الطب و الدكاترة والمهندسين، والآن معظمهم من مهندسي الكمبيوتر، والذين لديهم التدريب العملي و المعرفة الكافية حول كيفية إنجاز الأمور، فضلاً عن الالتزام بمسار عمل يتطلب استعداد وصبر حتى الحصول على نتائج).

الاعتقاد بأن رفض تسمية الدولة الإسلامية بهذا الاسم يمكن بطريقة ما أن ينزع عنها شرعيتها هو فقط خداع للنفس.

ما قضى في نهاية المطاف على الحركة الأناركية كقوة جيوسياسية كان البلشفيين، الذين كانوا أفضل بكثير في كيفية إدارة الطموح السياسي المشترك من خلال الجيش والإدارة الإقليمية. كانوا أيضا، على وجه العموم، أكثر قسوة بكثير. في سلسلة من المقابلات الأخيرة مع مقاتلي جبهة النصرة من منطقتي حلب ودرعا في سوريا، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الدولة الإسلامية تلتهم تنظيم القاعدة بنفس الطريقة التي تم تحييد الحركة الأناركية وأبادتها عملياً من قبل البلشفيين. أظهر بعض مقاتلين جبهة النصرة هذه المشاعر، الاعتراف بأن الدولة الإسلامية، تقود وتنظم و تجهّز بشكل أفضل، و كذلك متجذرة في الأرض، و أيضاً لا تصالح وتبدو وحشية بشكل أكبر . كما اشتكى أحد مقاتلي النصرة: “استولت داعش على قوتنا ومواردنا المالية ، وسائل الإعلام لديهم أكثر قوة، ،وبهذا نحن أشبه بسمكة خارج الماء”.

قال المعارضون لحزب العمال الاشتراكي الوطني الألماني أن النازيين لم يكونوا حزباً للعمال أو للاشتراكيين. اليوم، يقال لنا مراراً وتكراراً أن الدولة الاسلامية ‘ليست بدولة وليست إسلامية، وذلك عندما نستخدم مصطلح “الدولة الإسلامية”، لأن هذا فقط ينمّيهم. في الواقع، العكس هو الصحيح: الاعتقاد بأن رفض تسمية الدولة الإسلامية بهذا الاسم قد يمكن بطريقة ما أن ينزع عنها شرعيتها هو فقط خداع للنفس. (وردة، أو اشتراكية وطنية، أو أي اسم آخر لا تزال هي من هي). في الواقع، هناك علاقة أعمق بين الحركة النازية والدولة الإسلامية، هي علاقة لاحظتها مؤخراً. ذكر جورج أورويل في مراجعته لكتاب “من كفاحي” في عام ١٩٤٠م، ووصف جوهر المشكلة:

هتلر يعلم … أن البشر لا يريدون فقط الراحة والسلامة،و ساعات عمل قليلة، ونظافة … وبشكل عام، منطق مشترك؛ .البشر أيضاً، على الأقل من فترة لأخرى، يريدون النضال والتضحية بالنفس … في حين أن الاشتراكية، وحتى الرأسمالية على مضض، تقول للناس “أنا أقدم لكم وقتاً طيباً،” قال هتلر لهم “أقدم لكم النضال و الخطر والموت، “ونتيجة لذلك شعب كامل اندفعوا تحت اقدامه.

رجل لرجل، الجيش الألماني أكثر قوة من كل الجيوش المتحالفة بكل المقاييس. في المذهب العسكري الكلاسيكي، عند فقدان ٣٠ ٪ من وحدة قتالية عادة ما يؤدي هذا الأمر للفوضى، عندما يتم تأكيد هذه الدرجة من الدمار، يتحرك الجيش المنتصر إلى المهمة التالية. (هكذا حارب الجيش الاسرائيلي في حرب الأيام الستة في عام ١٩٦٧م.) لكن الوحدات الألمانية في كثير من الأحيان تفقد ما يزيد على ٥٠ ٪،ولكن يستجمعون قواهم المتبقية بسرعة، ويقاتلون ببسالة وأحياناً يدركون تمام الإدراك أن مصيرهم الموت دفاعاً عن قضية يؤمنون بها، على الرغم من سوء القضية.

تكشف الدراسات الاجتماعية-النفسية فيما بعد الحرب أن الجندي الألماني يؤمن بما كان يقوم به، وحارب من أجل القضية بذات القدر الذي حاربه فيها لأجل أهله ورفاقه، في حين أن هناك القليل من الأدلة على أن الحلفاء قاتلوا من أجل الديمقراطية أو الشيوعية، على الرغم من بروباغندا هوليوود و الاتحاد السوفيتي. ما دمر الجيوش الألماني هو فقط التفوق الهائل لقوة أسلحة الولايات المتحدة وعدد الجنود الضخم للإتحاد السوفيتي بأكثر من ٢٠ مليون روسي . ربما يؤول الأمر لمثل هذا مع الدولة الإسلامية ولكن، في الوقت الراهن، الوسائل المحتشدة ضد هذه الحركة الثورية تبدو ضعيفة، وما تقدمه الحكومة الأمريكية من تحالف دولي مكون من ٦٥ دولة ضد الدولة الإسلامية يبدو ضعيفا جداً، إن لم يكن أحمقاً، مع وجود العديد من أعضائه على استعداد دائم للغدر ببقية الأعضاء.

بالطبع “الحروب تُكسب في عالم مادي،” حقيقة بدهية كما يقول بيرغر في صحيفة الأطلنطي، ولكن الالتزام الروحي للقضية  يضفي ميزة كبيرة، عندما تتساوي باقي الأمور. كما لاحظ المؤرخ العربي ابن خلدون لأول مرة في القرن الرابع عشر، أنه عند مقارنة السلالات الحاكمة الإسلامية في شمال أفريقيا مع جيش مماثل تكون الإختلافات طويلة الأمد للنجاح “لها أصل في الدين …و العصبية حين تكون الرغبات الشخصية في اتفاق؛ التعاون والدعم المشترك يزدهر “.

أقر الرئيس الأمريكي باراك أوباما في تصريحات العام الماضي رأي رئيس الاستخبارات الوطنية: “قللنا من شأن جبهة التحرير الوطنية الفيتنامية …قللنا من شأن الدولة الإسلامية وبالغنا في تقدير القدرة القتالية للجيش العراقي … إنها تتلخص في توقع من لديه الإرادة للقتال، وهو أمر غير قابل للتنبؤ”.طبعاً تشير أبحاثنا إلى العكس تماماً وأن توقع من هو على استعداد للقتال ومن ليس كذلك، وما هو السبب لهذا الاستعداد، هو أمر قابل للتنبؤ وقابل للدراسة العلمية. ولذا فإنه وفي المقابلات والتجارب النفسية المؤخرة على جبهات القتال مع المقاتلين الأكراد البيشمركة وحزب العمال الكردستاني، و مع مقاتلي داعش و جبهة النصر المقبوض عليهم، حصلنا على مؤشرات أولية جيدة تنبأ على الاستعداد للقتال. عاملان رئيسيان مترابطان تنبئ بالاستعداد لتقديم تضحيات مكلفة مثل السجن، أو فقدان الحياة،أو تضحية بالعائلة، وما إلى ذلك.

العامل الأول هو مفهوم الالتزام النسبي للمجموعة مقابل عدو القضية المقدسة. يمكن قياس ذلك من خلال التجارب السلوكية بحيث يمكن تتبعها عن طريق التصوير العصبي لتظهر أربعة عناصر. ١) لامبالاة بالحوافز المادية أو المثبطات: محاولة شراء الناس لترك قضيتهم (الجزرة) أو معاقبتهم على التزامهم بالقضية من خلال العقوبات (العصا) أمر ليس له تأثير، ومن الممكن أن يؤدي تماماً إلى نتائج عكسية. ٢) العمى عن استراتيجيات الإنسحاب : الناس لا يمكن أن تتصور حتى قابلية التخلي عن القيم المقدسة أو التنازل عن بعض التزاماتهم لهذه القضية. ٣) الحصانة من الضغوط الاجتماعية: لا يهم كم من الناس قد يعارضون قيمك المقدسة، أو مدى قربهم منك في جوانب الحياة الأخرى. ٤) انعدام المشاعر تجاه الخصم: في معظم شؤون الحياة اليومية، الأحداث والأمور البعيدة أقل أهمية عند الناس من أحداث تحدث لديهم الآن. ولكن الأمور المرتبطة بالقيم المقدسة، بغض النظر عن مدى بعدها في الزمان أو المكان، هي أكثر أهمية و تحفيز من المخاوف العادية مهما كانت قريبة و حاضرة.

العامل الثاني هو درجة الانصهار والاندماج مع المجموعة. أنظر، على سبيل التمثيل، دائرتين أحدهما تمثل “الأنا” وأخرى أكبر تمثل الرفاق. في مجموعة من التجارب، طلبنا من المشاركين إلى النظر في خمس احتمالات: في الاحتمال الأول، دائرة “الأنا” ودائرة “الجماعة” منفصلة. في الاحتمال الثاني، الدائرتان متماستان؛ في الاحتمال الثالث الدائرتان متداخلتان قليلاً؛ في الاحتمال الرابع الدائرتان متداخلتان بشكل كبير. وفي الاحتمال الخامس، دائرة “الانا” داخل دائرة الرفاق. من يختار الاحتمال الأخير يفكرون و يتصرفون بطريقة مختلفة تماماً عن أولئك من يختار أي احتمال آخر. أنهم يمرّون بما يسميه علماء النفس الاجتماعي “انصهار الهوية، اندماج هويتهم الشخصية (من أنا) إلى هوية جماعية فريدة (من نحن). هذا الانصهار الكلي يؤدي بشكل واضح إلى الشعور بإحساس عدم قابلية المجموعة للهزيمة ورغبة كل فرد في المجموعة للتضحية من أجل كل فرد آخر.

عند سؤالنا مقاتلي الدولة الإسلامية المقبوض عليهم في العراق: ما هو الإسلام قالوا: حياتي

فقط بين الأكراد نجد ذات الالتزام لقضية مقدسة هي الكردية (مصطلحهم) والانصهار مع المقاتلين الأكراد الآخرين بشكل مماثل للالتزام الموجود بين مقاتلي الدولة الإسلامية للقضية والتنظيم.

يرتبط الاستعداد للقتال وتقديم تضحيات مكلفة بتصور القدرة على الإنتصار في أرض المعركة، والأهم من ذلك،  بالقوة الروحية. وجدت مجموعة بحثي أن مقاتلي جبهة النصرة تنظر إلى إيران (تعني بذلك أيضاً حزب الله) على أنها العدو الأكثر شراسة في سوريا، من حيث القوة البدنية والروحية، لكنها ترى أيضاً أن الدولة الإسلامية تنمو لدرجة متكافئة على الجانبين. يرون هؤلاء المقاتلين أن الولايات المتحدة متوسطة الشراسة، والجيوش السورية والعراقية ضعيفة جسدياً، ولا قيمة لها روحياً، وبالتالي عدو غير منطقي على المدى الطويل.

للتأكد، ليس كل الذين يقاتلون مع الدولة الإسلامية هم من المتعصبين الملتزمين. عندما سألنا مقاتلي الدولة الإسلامية المقبوض عليهم في العراق ما هو الإسلام قالوا:” حياتي “، ولكن معرفتهم ضئيلة بالقرآن أو الحديث، و جاهلين تماماً بالتاريخ الإسلامي. إحساسهم بالدين اندمج مع رؤية دولة الخلافة التي تقتل أو تسيء لغير المؤمنين، ولكن تحولهم لم يكتمل. عند مواجهة تنفيذ حكم الأعدام من قبل الأكراد، كانت الأغلبية على استعداد للتراجع. في محادثة استمع لها الأكراد بالجهاز اللاسلكي، مقاتل بلكنة محلية طلب المساعدة: “لقد قتل أخي. إنني محاصر. ساعدوني في سحب جسده “كان الرد:”. جميل، سوف تنضم إليه قريباً في الجنة “المقاتل يرد:” ساعدوني. أنا لا أريد هذه الجنة”.

قد يكون دعم الدولة الإسلامية مشروط، ولكن مطالبهم ليست كذلك. الدولة الإسلامية تأتي لشيخ قرية وتقول : “أمدونا بعشرين شاباً أو سننهب قريتك’. سوف يقولون لأب مع أبنائه الثلاثة،:” أمدنا بأحد أبنائك أو نأخذ ابنتك كعروس لأحد رجالنا. “في مارس الماضي، قيل لنا عن فتاة ذات ١٥ عاماً زُوّجت وطُلّقت لمقاتلي الدولة الإسلامية في ليلة واحدة ١٥ مرة  (تحت بعض القراءات للشريعة، الطلاق سهل وكل ما على الزوج هو تكرار “أنتِ طالق” ثلاث مرات، مما يجعل من السهل عرض الاغتصاب كزواج شرعي).

رغم هذه الوحشية، فإن أنصار الدولة الإسلامية المترددين قد يحشدوا لقوة سنية عربية، وربما متحالفة مع الأكراد. على النقيض من ذلك، فإن المقاتلين الأجانب غالباً لا يتزعزعون مهما حدث. كما قال قائد شرطة كركوك المسؤول عن وضع السجناء: “إن المقاتلين الأجانب هم الأكثر خطورة و إقدام. إنهم يقاتلون من أجل النصر هم يقاتلون حتى الموت. إنهم يؤمنون بما يقومون به، ولن يستسلموا. “يؤكد مقاتل جبهة النصرة البالغ من العمر ٢٥ عاماً والذي انضم بالأصل للدولة الإسلامية لكنه سئم من” تفجير المدنيين الأبرياء “ما قاله قائد الشرطة الكردي عن المتطوعين الأجانب الذين يرغبون في النضال والتضحية الذاتية أكثر من أي شيء في الحياة:

أردت فقط في مراهقتي أن ألعب كرة القدم وألعاب الفيديو. كنت محباً لقراءة كتب الخيال وعندما أنظر إلى الوراء، يبدو أني كنت مهتماً و مشتتاً بأمور دنيوية: الدراسة و الحصول على وظيفة جيدة، والتواصل الإجتماعي، والترفيه  وكوني رجل عائلة. كان مفهوم الجهاد مخيفاً في ذلك الوقت، مفهوم يحتاج لتضحية ومشقة ومن المستحيل الوصول إليه. لم يمض وقتٌ طويل حتى أُخبرت عن مفهوم الشهادة … وعلى الفور، استحضر ذهني صورة لجيشين يقاتلون بعضهم بعضاً في ساحة مفتوحة. محاربون يشهرون سيوفهم و يركبون خيول جميلة، و استمر خيالي في أبعاد جديدة وأفكار عن القتال في سبيل الله وتحقيق الشهادة. أنا لم أشاهد الكثير من الدعاية الجهادية على الانترنت وكنت متلهفاً للوصول إلى سوريا فمشيت في عمى مع أخوين كانا من المملكة المتحدة …  لتخليص المجتمع من العديد من قذاراته وإعادة الأرض إلى حالة من النقاء حيث كلمة الله هي العليا وتفوق كل شيء آخر، إني أغبط الإخوة الذين قُتلوا في سبيل الله.

الاستراتيجية الأساسية التي تستخدمها الدولة الإسلامية لاستقطاب المؤيدين و إقلاق المعارضين ليست لغزاً غامضاً، لكن على الرغم من ذلك، فإن قلة ممن يعملون في مجال رسم السياسات واتخاذ القرارات قد لاحظوا الأمر. برنامج العمل لجميع أمراء الدولة الإسلامية (الأمراء الدينين والسياسيين والقادة العسكريين) هو كتاب ملزم لهم يدعى إدارة التوحش. كُتب الكتاب منذ أكثر من عشر سنوات، تحت اسم مستعار يدعى أبو بكر ناجي، وكان موجهاً لجناح القاعدة في بلاد ما بين النهرين الذي أصبح فيما بعد الدولة الإسلامية. استحضر المذابح الأخيرة في باريس، أو بيروت أو باماكو، ومن ثم انظر إلى بعض مسلمات الكتاب.

١) ضرب الاهداف السهلة: تنويع وتوسيع ضربات النكاية في العدو الصليبي والصهيوني في كل بقاع العالم الإسلامي بل وخارجه إن أمكن بحيث يحدث تشتيت لجهود حلف العدو ومن ثم استنزافه بأكبر قدر ممكن.

٢)ضرب الأهداف بغتة عندما لا يكونوا مستعدين لتعزيز الرعب بين عامة السكان واستنزاف اقتصادهم: ”إذا ضُرب منتجع سياحي يرتاده الصليبيون، سيتم تأمين جميع المنتجعات السياحية في جميع دول العالم بما يشمل ذلك من شغل قوات إضافية أضعاف الوضع المعتاد وزيادة كبيرة في الإنفاق”.

٣) استثمروا تمرد الشباب و طاقتهم ومثاليتهم واستعدادهم لتقديم التضحيات في حين أن الدعاة المغفلين يعظون بالوسطية وتجنب المخاطر :” حرضوا على أن يطير جموع من شعوب الأرض إلى المناطق التي نديرها، خاصة الشباب ..فشباب الأمة على ما فيهم من معاصٍ أقرب للفطرة … فقد وضح للجميع أن العامي بفطرته تفاعل معها أفضل بمراحل من قعدة الجماعات الإسلامية “

٤) سحب الغرب بعمق وبشكل فعال قدر الإمكان إلى مستنقع”:إسقاط جزء هام من هيبة أمريكا وبث الثقة في نفوس المسلمين من خلال كشف الهالة الإعلامية الكاذبة بأنها قوة لا تقهر و جعل أمريكا تستبدل حربها على الإسلام خلال نظام الحرب بالوكالة إلى أن تحارب بنفسها”.

“انقراض المنطقة الرمادية”، كان عنوان افتتاحية من ١٢ صفحة نُشرت في مجلة الدولة الإسلامية دابق على الإنترنت في أوائل عام ٢٠١٥م، وتصف المنطقة الرمادية لمعظم المسلمين بين الخير والشر – وبعبارة أخرى، بين الخلافة و الكفر، والتي أبرزتها  ” هجمات ١١ سبتمبر المباركة “. إقتبست الافتتاحية أسامة بن لادن، والتي تُعتبر الدولة الإسلامية الوريث الحقيقي له: “العالم اليوم منقسم. نطق بوش بالحقيقة عندما قال: “إما أن تكونوا معنا أو أنتم الإرهابيون”، و الإرهابيون هنا هم الصليبيون الغربيون. “قد حان الوقت لحدث آخر لـ… تقسيم العالم وتدمير المنطقة الرمادية”.

في الواقع، كان هجوم باريس الشهر الماضي الجرعة الأخيرة، و الأكثر تأثيراً من أي وقت مضى، لإثارة الفوضى في أوروبا، تماماً كما كانت الهجمات الأخيرة في تركيا وبيروت تسعى إلى إثارة المزيد من الوحشية والفوضى في الشرق الأوسط. الترحيب باللاجئين السوريين يمثل بوضوح استراتيجية ناجحة للرد، في حين رفضهم بالكلية يمثل بشكل كبير رد فاشل ضد الدولة الإسلامية. قد نرغب ونحتفي بالتنوع والتسامح مع من هم في المنطقة الرمادية، ولكن الاتجاه العام في أوروبا والغالبية العظمى من المؤسسة السياسية الأمريكية و الشعب هو التواطؤ لاضمحلالها وزوالها.

يمكن للشعلة الثورية وقبل أن تحرق نفسها بنفسها أن تحرق الكثير في طريقها وتحدث تغيير عميق في المنطقة.

في أوروبا، تزامن صعود الإسلام الراديكالي مع إحياء الحركات العرقية القومية المعادية للأجانب. الاتجاهين جنباً إلى جنب مدينون في ذلك جزئياً إلى معدل الإنجاب المنخفض في أوروبا ١.٦ طفل لكل زوجين، مما خلق حاجة إلى المهاجرين للحفاظ على القوة العاملة المنتجة. في وقت هو الأدنى في التسامح مع الهجرة والأكثر حاجة لها.

في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية أو بالقرب منها، السكان بشكل عام على الأرجح لا يدعمون أي من الدولة الإسلامية أو القوى الغربية (والآن الروسية أيضاً) المحتشدة ضدها. أي أنهم ليسوا متعصبين أو ساموراي، ولا يريدون الموت كشهداء. الدولة الإسلامية تعلم هذا و تغري أعداءها لمهاجمة مناطق المدنيين التي تسيطر عليها، على الرغم من قدرة الدولة الإسلامية على نشر قدراتها العسكرية كثيرة التنقل و أفرادها في نظام شبه متنقل بلا حدود مما يعني أن هناك بنية تحتية ضعيفة متاحة للاستهداف. لذلك في الغالب، فإن السكان المحليين هم من يعاني. على الرغم من أن العديد سينفذون بجلدهم من الدولة الإسلامية و من قنابل أعداءها متى أعطيت لهم الفرصة، ولكن هم لا يستطيعون التحرك، و يعتمدون بشكل حصري على  حماية الأعلام السوداء، في حين أي دليل منهم على التهاون يمكن أن يعاقب بالقتل. كما يُظهر التاريخ أن حملات القصف الجوي عموماً توحّد السكان ضد منفّذيها، أيا كان النظام. في سوريا وجزء كبير من العراق بشكل عام، لا يكاد يكون هناك أي منطقة رمادية، وخصوصا بين الشباب الذين مزّقوا من الداخل واضطروا للانضمام إلى مجموعة مقاتلة أو الهجرة كلاجئ للنسيان.

في الغرب، الهلاك القريب للدولة الإسلامية تم تسويقه بشكل كبير. الدولة الإسلامية مقدّر لها أن تفشل من تلقاء نفسها، من جهة لأنها “دولة يائسة فقيرة تحاول خوض حرب على ثلاث جبهات’، ويرجع ذلك جزئياً للأيديولوجية المتوحشة في الحكم” كما يقول بذلك بروفيسوران مؤخراً في مجلة بوليتيكو. هما الخبير الاقتصادي إيلي بيرمان من جامعة كاليفورنيا، سان دييغو وآستاذ العلوم السياسية جيكوب شابيرو من جامعة برينستون، مستحضرين مصير كل من دولة زيمبابوي الحالي وانهيار الاتحاد السوفيتي لدعم حجتهم. لكن السوابق التاريخية و الأدلة الحاضرة لا تدعم وجهة نظرهم هذه. الفقر والحروب متعددة الجبهات والأيديولوجيات المتطرفة أو الحصرية يمكن أيضاً أن تنتهي بانتصار ثوري أو تأثير دائم، كما هو الحال مع الجمهورية الفرنسية وربما جمهورية إيران الإسلامية. زعم الكاتبان بأنه “كما كان الاتحاد السوفياتي للشيوعية، كذلك هي الدولة الإسلامية للجهادية” وقد يكون هذا صواباً. مع ذلك، قبل أن يكون مصير التناقضات الكامنة الموروثة في الدولة الإسلامية إلى مزبلة التاريخ، هناك احتمالية لكثير من المآسي التي قد نمر بها. قبل أن تحرق الشعلة الثورية نفسها بنفسها، يمكن أن تحرق الكثير في طريقها، و تحدث تغيير عميق في المنطقة.

كلفت هجمات ١١ سبتمبر ما بين ٤٠٠ ألف – ٥٠٠ ألف دولار أمريكي، في حين أن ردة فعل الجيش والأمن من قبل الولايات المتحدة وحلفائها كلّف ما هو عشرة ملايين أضعاف هذا الرقم. بناء على التكلفة و الفوائد فقط، كانت هذه الهجمات ناجحة جداً، أكثر بكثير مما تخيل بن لادن، و مستمرة بالنجاح على نحو متزايد. هنا يكمن طراز المصارعة اليابانية غير المتناظرة في الحروب. بعد كل هذا، من بإمكانه أن يدعي أننا أفضل حالاً من ذي قبل، أو أن الخطر بشكل عام آخذ بالإنحدار؟

هذا وحده يجب أن تكون مصدر إلهام لتغيير جذري في استراتيجياتنا للمكافحة. إنه من الجنون تكرار نفس الأخطاء وتوقع نتائج مختلفة، نحن لا نزال نركز بشكل حصري تقريباً على الأمن والردود العسكرية. وقد أثبتت بعض هذه الردود عدم فعاليتها منذ البداية، كالاعتماد على الجيوش العراقية، او الأفغانية أوالجيش السوري الحر.

الدولة الإسلامية تدير ٧٠ ألف حساب في تويتر وفيسبوك، مع مئات الآلاف من المتابعين، ويرسلون ما يقارب من ٩٠ ألف نص يومياً

بالمقابل، هناك القليل من الاهتمام للاحتياجات الاجتماعية والنفسية. لا أقصد بذلك اقتراح أن نحل المشكلة عبر تقديم وظائف أفضل للجهاديين المحتملين. إذ يظهر تقرير غير منشور من قبل البنك الدولي أن لا علاقة وثيقة بين توفير فرص العمل والحد من العنف، وإذا كان الناس على استعداد للتضحية بحياتهم، فمن غير المحتمل أن العروض والمزايا المادية يمكن أن توقفهم.

عوضاً عن ذلك، يجب علينا تلبية احتياجاتهم النفسية و طموحاتهم. في مثال وحيد يبيّن تقصيرنا، تواصل وزارة الخارجية الأمريكية إرسال تغريدات عشوائية من خلال رسائل جماعية سلبية ضمن حملتها غير الفعالة “فكر مرة أخرى، تراجع”. قارن هذا بما تفعله الدولة الدولة الإسلامية، والتي يمكن أن تنفق مئات الساعات في محاولة لتجنيد الأفراد. من خلال وسائل التواصل الإجتماعي، علمت الدولة الإسلامية كيف أن الإحباطات الشخصية والمظالم يمكن أن تندرج تحت سمة عالمية من اضطهاد المسلمين، ثم تترجم هذا الغضب والطموح غير المدرك إلى غضب أخلاقي. تقدر بعض التقديرات أن الدولة الإسلامية تدير ٧٠ ألف حساب في تويتر وفيسبوك، مع مئات الآلاف من المتابعين، ويرسلون ما يقارب من ٩٠ ألف نص يوميا. كما تعير الدولة الإسلامية اهتمام كبير لأغاني البوب، ومقاطع الفيديو، وأفلام الإثارة والبرامج التلفزيونية التي تحصل على تقييمات عالية بين أوساط الشباب، واستخدامها كقوالب لتصميم رسائلهم الخاصة.

بالمقابل، فإن حكومة الولايات المتحدة لديها عدد قليل من النشطاء منخرطين شخصياً مع الشباب قبل أن يصبحوا متطرفين. يضغط مكتب التحقيقات الفدرالي لترك المهمة الفوضوية لمكافحة الإرهاب و العودة فقط للتحقيق الجنائي. “لا أحد يرغب في تحمل مسؤولية أي من هذا” قال لي أحد أعضاء المركز الوطني لمكافحة الارهاب الولايات المتحدة. و الجهود الدبلوماسية العامة لا تعلم أن شعارات ‘الاعتدال’ المبتذلة فاشلة في جذب شباب متحمس ومثالي يسعى  للمغامرة والمجد و الإحساس بالأهمية. كما أخبرنا أحد الإئمة في الأردن وكان أحد منظمي الدولة الإسلامية:

من يأتينا من الشباب لم يأتوا لنلقي عليهم الخطب كأطفال جاهلين . هم في معظم الأحيان متفهمون و رحماء، ولكن مضللون. علينا أن نعطيهم رسالة أفضل، ولكن رسالة إيجابية للتنافس. و إلا، سنفقدهم لداعش.

كان لدى النهج المحلي الشعبي بالمقابل حظاً أكبر في إنقاذ العديد. احرزت الشبكة المتحدة لبناة السلام الشباب نتائج ملفتة في إقناع شباب طالبان في باكستان أن الأعداء من الممكن أن يكونوا أصدقاء، ومن ثم حثّوا من اقتنع منهم بإقناع الآخرين. ولكن هذا لا ينافس الجاذبية الواسعة للدولة الإسلامية بين الشباب في قرابة ٩٠ دولة و من كل مناحي الحياة. يجب أن تشارك هذه التجارب المحلية الناجحة مع الحكومة، و نسمح للأفكار أن تتولد قبل فوات الأوان. حتى الآن، لا يوجد مثل قنوات التواصل هذه، والشباب ذو الأفكار الجيدة لديهم عدد قليل من القنوات المؤسساتية لتطويرها.

حتى لو وجدت أفكار الشباب الجيدة سبيل للخروج  والحصول على دعم مؤسسي لتنميتها و تطبيقها، فإنها لا تزال بحاجة للمساعدة الفكرية لإقناع الرأي العام لاعتمادها. ولكن أين هم المثقفون للقيام بذلك؟ من بين القيادات الإسلامية الذين قابلتهم في جميع أنحاء العالم، أستمع إلى العروض التقديمية التي تكون على رتم  ‘الأبعاد الأيديولوجية، و التظلم، وديناميكية الجماعة، مفاهيم نشأت بين “خبراء الإرهاب” الغربيين ومؤسسات الفكر والرأي. عندما نسأل: “ما هي الأفكار التي أتت من مواطنيكم؟، يخبروني في لحظة صراحة، كما قال لي مؤخرا قيادي مسلم من سنغافورة:” لا يوجد لدينا العديد من الأفكار الجديدة، ونحن لا نتفق على الأفكار التي لدينا “.

تزدهر الحضارات و تسقط بناء على حيوية المثل الثقافية، وليس فقط قدارتهم المادية.

و أين من بين جيلنا الحالي أو القادم  مثقفون من الممكن أن يؤثروا على المبادئ الأخلاقية ودوافع وتصرفات المجتمع نحو طريق عادل ومعقول خلال هذا المستنقع؟ ستجد القليل في الأوساط الأكاديمية من هم على استعداد للتعاون مع السلطة. وبالتالي فإنهم يحررون أنفسهم من أي صلة أو مسؤولية أخلاقية من خلال ترك المجال لأولئك الذين تنتقدهم. لذلك السياسيين يعيرون القليل من الاهتمام، والجمهور لا يهتم على الإطلاق، وأحياناً لسبب وجيه. على سبيل المثال، في أعقاب هجمات ١١ سبتمبر، كثير ممن هم في مجالي الميداني الخاص في الأنثروبولوجي أشغلوا أنفسهم بشكل رئيسي بنقد الإمبراطورية: هل الولايات المتحدة الأمريكية امبراطورية تقليدية أو إمبراطورية عادلة؟ يمكن القول إن هذه كانت ممارسة مبررة، وربما تفكير مفيد على المدى الطويل، ولكن من الصعب أن يكون مفيد في سياق بلد يتجه بسرعة نحو حرب لا نهاية محددة لها، مع كل الألام والمعاناة التي ترافق الحروب لا محالة.كان المسعى الفكري للمثقفين في المجال العام جزء حيوي من حياتنا العامة: ليس للتشجيع على ردة الفعل بشكل مباشر كما كتب مارتن هايدغر في دعم هتلر، ولكن لتوقع الاحتمالات ورسم مسارات عادلة ومعقولة للنظر فيها . الآن تم التخلي عن هذا المجال إلى حد كبير للمواعظ المانوية لكتاب المدونات، و مستضيفي برامج الحوار الإذاعية، و مذيعي البودكاست مروجو الأفكار ، وإنجيليي التلفاز.

هؤلاء نادرا ما يفعلون ما يجب على المثقفين فعله. (المثقف) كما أوضح الفرنسي ريمون آرون قبل ٦٠ عاماً، “يجب أن يحاول ألا ينسى أبداً حجج الخصم، أو عدم التيقن من المستقبل، أو الأخطاء التي تصدر منه، أو الأخوة الكامنة بين البشر في كل مكان.”

تزدهر الحضارات و تسقط بناء على حيوية المثل الثقافية، وليس فقط قدارتهم المادية، ويظهر التاريخ أن معظم المجتمعات تمتلك قيم مقدسة يقاتل المجتمع ببسالة من أجلها، ويخاطرون بأموالهم وحياتهم بدلاً من حل وسيط. وتشير أبحاثنا أن هذا هو الحال بالنسبة للكثيرين ممن ينضم للدولة الإسلامية، وكذلك لكثير من الأكراد الذين يقاتلونها في الجبهات. ولكن، حتى الآن، لم نجد أي استعداد مشابه بين الغالبية العظمى من الشباب في الديموقراطيات الغربية. مع زوال الفاشية والشيوعية، هل حياتهم طمعت بالأمان و الراحة؟ هل هذا كاف لضمان بقاء، ناهيك عن انتصار، قيم نراها بديهية، والتي نعتقد عالمنا يستند عليها؟ أكثر من تهديد الجهاديين، قد تكون هذه مسألة وجودية للمجتمعات المفتوحة اليوم.

 

 


  • المصدر: ISIS is a Revolution – ثورة الدولة الإسلامية: لماذا الدولة الإسلامية لديها إمكانية أن تكون ثورة محوّرة للعالم!