الفينومينولوجيا كممارسة – نتالي دوبراز

الفينومينولوجيا كممارسة – نتالي دوبراز

نقل النص إلى العربية: الحسين بوتبغة


تدين الفينومينولوجيا كتخصص فلسفي جديد دشنه إ.هوسرل في بداية القرن 20، بأصالتها إلى تجذرها المزدوج في الرياضيات و في الفيزياء، مما يترتب عليه نوع من الريبة العلمية تجاه التأمل الفلسفي.و في هذا المضمار يقول إ.هوسرل في أحد الدروس التي ألقاها خلال العشرينيات من القرن الماضي تحت عنوان “علم النفس الفينومينولوجي”: ” لسنا هنا من أجل الشروع في تأملات فلسفية حول “الماهية الداخلية للروح ” أو من أجل أن نتصور أسسا لأبنية ميتافيزيقية، و إنما نحن هنا من أجل تأسيس سيكولوجيا مفهومة كعلم تجريبي”. و في سياق البحث عن مقاربة علمية للذاتية، و هي ما يشكل الموضوع الرئيسي لفينومينولوجيا، عمد مؤسس هذه الأخيرة إلى اختراع منهج غير مسبوق أطلق عليه اسم “الإرجاع”Réduction، كما أعطى الأولوية لمنهج غير مألوف في مجال البحث الفلسفي هو “الوصف”.

هاتين السمتين توضحان بجلاء منهج الفينومينولوجيا و تتضمنان دعوة إلى الفيلسوف إلى إدخال هذا المنهج حيز التطبيق. غير أن هوسرل لم يكلف نفسه عناء التحديد الدقيق للإجراءات العملية الكفيلة بتطبيق شقي هذا المنهج، و اكتفى في الغالب بالصياغة النظرية و العامة لمطلب العودة إلى التجربة الفريدة للذات. من هنا فإن إحدى المهام المطروحة على عاتق الفينومينولوجي اليوم تتمثل في إبراز البعد التطبيقي المضمر في طريقة عمل الفكر هنا، كاشفا بذلك عن الفينومينولوجيا كتداولية كاملة {pragmatique}  .

الإرجاع كممارسة تطبيقية: بالانطلاق من التوجيهات التي تركها هوسرل هو نفسه ، يمكننا التمييز بين ثلاثة أصناف من الأفعال الذهنية أو الداخلية التي يقوم بها الفينومينولوجي بالضرورة ، و هي تناسب ثلاثة أوجه متمفصلة لما يسمى بالإرجاع الفينومينولوجي ،و هي :

 

ارتداد تأملي {conversion réflexive} يتمثل في غض الطرف عن أشياء العالم و عن المضامين (الحسية، العاطفية، الأخلاقية أو الفكرية) التي يحتوي عليها، للعودة إلى الفعل الداخلي الذي أقوم به، يعني إلى الطريقة التي أنهجها كي أدرك ما أدركه من أشياء.

تنويع ماهوي {variation eidétique} بواسطته أكف عن اعتبار أي شيء أو وضعية حدثا خاصا، و أتعامل معه كبنية كونية و ضرورية لقيام تجربة خاصة.

تعليق جذري للحكم {épochè } أي بالمعنى الحرفي تعليق حكم وجود هذا العالم مما يتيح لي إمكانية اتخاذ مسافة منه، عوض البقاء أسيرا لموضوع أو مستغرقا بحدث ما.

 

لقد حدد هوسرل الحركة العامة لكل واحد من هذه الأفعال الداخلية، دون أن يوضح أية إجراءات محددة. و الحال أننا تجدنا – كما هو الأمر بالنسبة لأي تمرين رياضيا كان أو فنيا أو ثقافيا أو ذهنيا- في أمس الحاجة إلى من يعلمنا التوجيهات الضرورية لإنجازه. وهذا ما يجعل السؤال “كيف نعمل؟” محتفظا إلى الآن بكل راهنيته. وبمحاولتنا من جديد الكشف عن الإطار التطبيقي الذي يندرج فيه كل واحد من هذه الأفعال الداخلية، فإننا نسعى إلى بيان كيف يكون بالإمكان تطبيق ” الإرجاع” بشكل واعي كممارسة يومية، وكيف أنه بهذا الشرط وحده يمكن للفينومينولوجيا أن تسمو فعليا إلى مستوى مطلبها التأسيسي.

 

أالارتداد التأملي: هذا الفعل الذي بواسطته أقوم بفحص طريقتي في إدراك شيء ما، عسير هو في واقع الأمر هش جدا. نحن نميل بشكل طبيعي إلى الاهتمام بمضمون الأشياء أو الوضعيات أو الأحداث. فحين أراقب مثلا طفلا على دراجته، أجدني للوهلة الأولى مهتما بالكيفية التي يمسك بها مقود دراجته، بقدرته على تنسيق حركة الدواسات والنظر إلى الإمام والمحافظة على التوازن الخ….غير أنني أجدني في حاجة إلى مجهود خاص من أجل مراقبة وتركيز انتباهي على إدراكي لنشاطه، أي على تجربتي المعاشة مع مهارته: هل كنت أتناء مراقبته مركزا، مرتخيا أم منقبضا، واثقا أم قلقا ؟ هل كان إدراكي منفتحا على أنشطة باقي الأطفال الآخرين من حولي ؟ الخ…في معظم الحالات، فإني لا أشعر بتجربتي الإدراكية المعاشة (الحسية، العاطفية وتلك الخاصة بالانتباه) إلا بطريقة بعدية، أي في الآن الذي يلي الملاحظة الإدراكية المباشرة لمختلف مضامين الوضعية. و يمكن القول في كلمة واحدة بأن ارتداد النظر تجاه الفعل الداخلي ناذرا ما يكون متزامنا مع الإدراك المباشر للشيء، أو أنه يتطلب تعلما ومرانا يقتضيان بعض الوقت.

ب تعليق الحكم: بالنظر إلى الطابع العرضي والهش للفعل الخاص بهذا الارتداد التأملي، فإن فعل التعليق يسعى إلى تأكيد وضع الأنا الذي يقوم بالإرجاع، وذلك بتعزيز قدرته على” إيقاف” المجرى المتصل للأفكار والأنشطة. أوقف، يعني أتوقف، أتمالك لإيقاف العملية الطبيعية التي يمتصني فيها الشيء أو الحدث لأتأمله على بعد مسافة مني، بتجرد، ودون إنكاره…

بطبيعة الحال، فإني بهذه الطريقة أنزع عنه صلاحيته، مما يسمح لي بمراقبته دون أن أشحنه بشحنة انفعالية غير متحكم فيها. إنه حالة يقظة جذرية تجاه الأفكار الجاهزة وذلك بهدف التخلص من التأثير الذي تمارسه علينا الأشياء والآخرون.

ج – التنويع الماهوي: إن الوجهان السابقان للإرجاع أي الارتداد التأملي من الصنف السيكولوجي و تعليق الحكم المتعالي ذو الصبغة الأنطولوجية، يختلفان من حيث إيقاعهما الزمني: فبينما نجد الأول لحظيا مما يفسر حدته و كذا هشاشته، نجد الثاني تكراريا مما يفسر بطؤه و لكن كذلك حمولته الجذرية فيما له علاقة برسوخ وضعية الإرجاع. أما الوظيفة الثالثة للإرجاع، فإنها تطابق بعدا آخر من أبعاد وعي الذات، و هي كذلك يمكن أن تكون موضوعا لتعلم و مران.  إن لدينا ميلا طبيعيا إلى أن لا نرى في الشيء إلا ما هو عليه، دون أي اهتمام بالإمكانيات التي يحتوي عليها و التي لم تتحقق بعد. و الواقع أن هذا النوع من الإمكانيات هي بشكل أولي غير ظاهرة للعيان، و لهذا فهي تفترض مستوى هاما من القدرة على التخيل لإدراكها. فإذا أبصرت مثلا و لأول مرة شخصا يعزف على العود، فإنني سأحسب تلك الآلة قيتارة، وذلك قبل أن أدرك بالتدريج أوجه الخلاف التي تميز العود عن القيتارة سواء على مستوى الشكل أو الأوتار أو غير ذلك. باختصار، فإني حين أنوع السمات المميزة للشيء، سيكون بإمكاني التمييز بين ما ينتمي إلى بنيته الأساسية و بين ما هو عرضي فيه. و ممارسة عملية التنويع هي فعل عقلي يتمثل في التعرف التدريجي على ماهية الشيء: ففي هذه العملية يتم التمييز بين الأساسي و غير الأساسي و ذلك للوصول في نهاية الأمر إلى إبراز بنيتها الفريدة، المميزة و الكونية. هكذا، و عوض التعلق بالمظهر العرضي {factuel} للشيء، فإنني أطور قدرتي التخييلية لإدراك جميع الإمكانيات التي يتضمنها و ذلك من أجل الكشف عن مختلف مظاهره و العمل في نهاية التحليل على إبراز ماهيته.

 

2- الوصف كممارسة: بعدما تم تهذيب و تربية القدرة على الإرجاع، سيتمثل عمل الفينومينولوجي في الشروع في وصف الشيء أو الواقعة أو الوضعية المعاشة و الملحوظة. و الواقع كما يلاحظ ذلك هوسرل في الفقرة 46 من “أزمة العلوم الأوروبية و الفينومينولوجيا المتعالية”: ” إن كل وصف أولي لا يمكن إلا أن يكون بالضرورة إلا غير متقن…” ، مما يعني أن من الضروري مباشرة العمل مرات متعددة ، كما يفعل الصانع التقليدي أو الفنان. إن الوصف فن، و هو بالتالي يفترض التهذيب و الصقل المتواصلين، وهو يقوم على أسس كالتالي:

أ- إبراز الإمكانيات و الآفاق الكامنة في الشيء عن طريق إغناء الوصف، و هو الأمر الذي يعني أن نأخذ على عاتقنا كضرورة و كمعيار لصلاحية هذا الوصف أن يكون بالضرورة ” مليئا ” يعني كاملا، و هو ما صاغه هوسرل كمطلب عام حيث تحدث عن “لغز افتراض تنوع غير واقعي للظهور” (نفس المرجع السابق).

ب- أهمية الاختيار الأولي حيث يفترض في منطلق عملية الوصف اختيار مثال يصلح كخيط رابط ملائم لمراحل العملية تلك. غير أن أهمية مثل هذا الاختيار لا يمكن أن تكون مؤكدة إلا بعد عدد من المحاولات الفاشلة. و في هذا المجال فإن اختيار هوسرل للشيء المدرك و الموجود في حالة سكون ـ و هو ما أملته عليه اعتبارات ذات طبيعة رياضيةـ هو اختيار مفيد، لأنه يكشف عن امكانات أخرى، ربما أكثر صوابا من منظور تجربتنا، و تتناسب مع معيشنا اليومي.

ج- تفكيك المسبقات، مما يفسر في نهاية الأمر الموقف النقدي الذي يتطلبه عمل وصفي واعي بذاته. إننا لا نصف أبدا للأعمى. و لكننا نصف و في أذهاننا حاضرة فرضية فهم ظاهرة ما. ثم إن الوصف لا يكون أبدا خالصا، إذا عنينا بذلك أنه يكون متخلصا من أي بعد تفسيري و تأويلي.

 

 

النص الأصلي هو :  par Nathalie DEPRAZ in Magazine Littéraire – N° : 403 – pp :25-27″ Une pratique concrète”