الفكر وضرورة الانفصال – موريس بلانشو, ترجمة: عبدالسلام بنعبد العلي

الفكر وضرورة الانفصال – موريس بلانشو, ترجمة: عبدالسلام بنعبد العلي

مجلة الجابري – العدد الثاني

__________________________________

للشعر شكل، وللرواية شكل. أما البحث، وأعني البحث الذي تجري فيه حركة كل بحث، فيظهر أنه يجهل أن ليس له شكل، والأدهى من ذلك، فهو يمتنع عن مساءلة الشكل الذي يستمده من التراث. إن “التفكير” هنا يعني الكلام من غير معرفة اللغة التي نتكلمها، ولا البلاغة التي نعتمدها، ولا حتى إدراك المعنى الذي يستعيض به شكل هاته اللغة وتلك البلاغة عن الشكل الذي يود “الفكر” أن يتخذه. قد يتأتى أن تستعمل ألفاظ متعالمة ومفاهيم منحوتة من أجل إقامة معرفة خاصة، وهذا أمر مشروع. إلا أن الكيفية التي يتم بـها إبراز ما يدور حوله البحث تتخذ عموما شكل “العرض”. والنموذج الدال على ذلك هو الإنشاء المدرسي أو الجامعي.
قد تصدق هاته الملاحظات، أكثر ما تصدق على الأزمنة الحديثة على وجه الخصوص. هناك حالات تشذ عن هذه القاعدة ينبغي التذكير بـها، ثم محاولة تأويلها. وهذا يتطلب دراسة مطولة. أسوق على سبيل المثال بعض المتون الصينية الأولى التي لا تخلو من دلالة كبرى في هذا المضمار، وكذا بعض نصوص الفكر الـهندي وبدايات اللغة اليونانية بما فيها لغة المحاورات. أما في الفلسفة الغربية، فإن مجاميع القديس توماس الأكوبني، بشكلها الدقيق ومنطقها المحدد، وطريقتها في طرح السؤال، الذي هو في الواقع شكل من أشكال الجواب، فهي تجعل من الفلسفة مؤسسة وتعليما. وعلى العكس من ذلك، فإن محاولات مونتيني لا تخضع لمتطلبات الفكر الذي يدعي أن مقره الجامعة. ومع ديكارت، إذا كان المقال في المنهج لا يخلو من أهمية، بما يتسم به شكله من حرية على الأقل، فلأن هـذا الشكل لم يعد مجرد عرض (كما كان الحال في فلسفة المدارس)، وإنما لكونه يحاول وصف حركة البحث ذاتـها، وهو بحث يربط الفكر بالوجود في تجربة أساسية. إنه عبارة عن مسار، أي عن منهج. وهذا المنهج نـهج وطريقة يسلكها ذاك الذي يتساءل.
لنقم بقفزة في الزمان، ولنقترح على الباحثين استعراضا سريعا من شأنه أن يفيدنا كبير الإفادة. لا بأس أن أسوق هنا هذه الملاحظة التي تصدق على أكثر العصور تنوعا، وهي أن الشكل الذي يتخذه الفكر في تقصي مـا يبحث عنه غالبا ما يرتبط بالتعليم. تلك كانت حال الأقدمين أنفسهـم. فهيرا قليط لم يكن معلما فحسب، بل يبدو أن معنى اللوغوس الذي يتحدث عنه هو أحد معاني كلمة “درس”، أي الشيء الذي يقال لكثيرين من أجل الجميع، أي “الحوار المتعقل”. وهو حوار ينبغي أن يوضع في إطار مؤسسة مقدسة. أما مع سقراط وأفلاطون وأرسطو فقد غدا التعليم فلسفة. وما اتضح هو أن الفلسفة غدت مؤسسة، كي تستمد فيما بعد شكلها من المؤسسة القائمة التي ستقوم هي في إطارها، وأعني الكنيسة والدولة. هذا مـا سيؤكده القرنان السابع والثامن عشر بما عرفاه من خروج عن القاعـدة كان أحد معانيه تسجيل قطيعة بين الفلسفة والتعليم. فباسكال وديكارت وسبينوزا لم تكن مهمتهم الرسمية أن يتعلموا عن طريق تعليم الآخرين. صحيح أن باسكال قد كتب دفاعا، أي خطابا مترابط الأجزاء متناسقا بهدف تلقين الحقائق المسيحية. بيد أن خطابه الذي ينحدر من الفكر والموت معا، يتجلى كمسار ودرس منفصل مفكك الأجزاء يفرض لأول مرة الكتابة المقطعية ككتابة متناسقة. أما في القرن الثامن عشر، فإن الكاتب هـو الذي سيحمل على عاتقه مصير الفلسفة ( في فرنسا على الأقـل). لقد غـدت الفلسفة كتابة. حينذاك صار التعليم هو الحركة الحية لتبادل الرسائل (وهذا أمر بدأ القرن السابق) ونشر وتوزيع الكتيبات. وأخيرا غـدا روسو الفيلسوف الكبير. وقد رمى جزء من كلامه إلى تغيير العادات التربوية. ذلك أن الذي يعلم، لم يعد هو الإنسان وإنما أصبح الطبيعة ذاتـها.
سيعمل العصر الذهبي للفلسفة، أي الفلسفة النقدية والمثالية، على تأكيد العلائق التي تربط الفلسفة بالجامعة. ابتداء من كنط سيغدو الفيلسوف أستاذا بالأساس. وهيجل الذي اجتمعت عنده الفلسفة واكتملت، امرؤ كان شغله الشاغل هو أن يتكلم من أعلى كرسي ويهيئ الدروس ويفكر بالخضوع لمتطلبات هذا الشكل التعليمي. لا أقول هذا انتقاصا. إذ أن لهذا اللقاء بين الحكمة والجامعة دلالة عظمى. ومن الواضح أن ضرورة الربط بين الفلسفة والأستاذية، أي أن يكون المرء فيلسوفا وأستاذا في الوقت ذاته، أعني أن يعطي للبحث الفلسفي شكل عرض متواصل متنام، لا بد وأن تتمخـض عنه نتائج هامة. لكن، لا ينبغي أن ننسى كييركغارد ونيتشه بطبيعة الحال. لقد كان نيتشه كذلك أستاذا، لكنه سرعان ما تخلى عن ذلك لأسباب متعددة. أحد هذه الأسباب لا يخلو من دلالة : إذ كيف لفكر مرتحل يتم عبر مقاطع، أي عن طريق إثباتات متفرقة تتطلب الفصـل، كيف لكتاب مثل هكذا تكلم زرادو شترا أن يأخذ مكانه في التعليـم، وأن يخضع لمتطلبات الكلام الجامعي ؟ إن هذا الكتاب لا يقبل الجمع والتفكير الجماعي بين معلم ومتعلم كما تقتضي الجامعة (وربما عن خطأ). لقد حدث مع نتيشه شيء لم يكن في الحسبان مثلما حدث فيما قبل عندما استعارت الفلسفة قناع ساد، الذي لم يكن لينحدر من الكنيسة، وإنما غياب السجون. وعلى رغم ذلك، فإن الفيلسوف لم يعد بإمكانه إلا يكـون أستاذ فلسفة. وقد خلف كييركيغارد ذرية من الجامعيين الكبار. وعندما طرح هايدغر السؤال : “ما هي الميتافيزيقا ؟” فقد كان ذلك في درس تدشيني بجامعة فريبورغ حيث كان يطرح السؤال حول جماعات الأساتذة والطلبة التي يخلقها التنظيم التقني للكليات (ذلك التنظيم الذي وضعه هايدغر موضع سؤال) والجزء الأعظم من أعمال هايدغر عبارة عن دروس وأعمـال جامعية.
بإمكاننا أن نرد الإمكانيات الشكلية التي تتاح أمام رجل البحث إلى أربع : 1 ـ فهو إما أستاذ يعلم، 2 ـ أو رجل معرفة، وهذه المعرفة مرتبطة دوما بالأشكال الجماعية للبحث المتخصص (التحليل النفسي ـ علم اللا علم، العلوم الإنسانية، الأبحاث العلمية الأساسية)، 3 ـ أو أنه يربط البحث العلمي الذي يزاوله بالممارسة السياسية، 4 ـ أو أنه يكتب. نجن إذن أمام إمكانيات أربع : الأستاذ، رجل المخبر، رجل الممارسة، الكاتب : هيجل، فرويد وانشتاين، ماركس ولينين، نيتشه وساد. إذا زعمنا بأن هاتـه الكيفيات الأربع من الوجود قد ارتبطت فيما بينها على الدوام (وقلنا إن فيتاغوراس كان يعلم، وقد أقام نظرية واحدية عن الكون، وأسس شيئا شبيها بالطائفة الدينية والحزب السياسي) وأن شيئا لم يتغير، فإن ذلك لا يعني شيئا. لنترك جانبا هذا الربط الذي لا دعامة تزكيه. وقد يكون من الأفيد، والأكثر صعوبة، أن نتساءل حول العلائق القديمة والثابتة التي تربط الفلسفة بالتعليم ؟ بإمكاننا أن نجيب للوهلة الأولى : إن التعليم هو التكلم، وكلام التعليم يوافق بنية أصلية. تلك هي بنية العلاقة معلم / تلميذ. فمن ناحية يتعلق الأمر بتواصل شفوي مع ما يتميز به، ومن ناحية أخرى يتعلق الأمر بنوع من الانحراف الذي يصيب ما يمكن أن ندعوه (بعيدا عن أي معنى واقعي) فضاء العلائق المتبادلة. معنى ذلك أن الفيلسوف ليس هو الـذي يعلم ما يعرفه، ومعنى ذلك أيضا أننا لا ينبغي أن نكتفي بأن نسند للمعلم دور النموذج المحتذى ونحدد علاقته بالتلميذ كعلاقة وجودية.
إن المعلم يمثل جهة مغايرة من المكان والزمان على نحو مطلق. وهذا يعني أن حضوره يحدث خللا في علائق التواصل. ومعنى ذلك أنه حيث يوجد المعلم فإن مجال العلائق يكف عن أن يكون مجالا موحدا ينم عن تمزق يبعد كل علاقة مستقيمة، بل يقصى تبادل العلائق فيما بينها. إن وجود المعلم يكشف عن بنية خاصة في فضاء العلائق المتبادلة. يتمخض عن ذلك أن المسافة التي تبعد التلميذ عن المعلم ليست هي التي تفصل المعلم عن التلميذ. وفضلا عن ذلك فإن بين النقطة (أ) التي يحتلها المعلم، والنقطة (ب) التي يحتلها التلميذ هوة وانفصالا، انفصالا سيغدو مقياسا لجميع المسافات وجميع الأزمنة الأخرى. وبتعبير أدق، فإن حضور (أ) يخلق بالنسبة لـ (ب)، وبالتالي لـ (أ) نفسها، علاقة لا تناه بين جميع الأشياء، وقبل كل شيء، داخل الكلام الذي يحمل تلك العلاقة. ليست مهمة المعلم إذن تسطيح مجال العلائق وإنما خلخلتها. إنه لا يرمي إلى تيسير سبل المعرفة، وإنما أساسا، إلى جعلها، ليس فقط أكثر صعوبة، وإنما غير قابلة للاقتحام. وهـذا ما يشهد عليه التقليد المشرقي في التعليم. فالمعلم هنا لا يقدم من المعرفة إلا ما كان محددا “بالمجهول” الذي لا يمكن تحديده، والذي يمثله المعلم نفسه. ذلك المجهول الذي لا يتولد بما يمثله ذلك الذي يعلم من غموض وما يتمتـع به من امتياز وما يتوفر عليه من تحصيل، وإنما بالمسافة اللا متناهية بين أ و ب. والحال أن المعرفة التي تقاس بالمجهول، والألفة مع الأشياء مـع الاحتفاظ بالغربة عنها، والتعلق بكل شيء عن طريق تجربة انقطاع العـلائق ذاتـها، إن هذا كله ليس إلا الاستماع إلى الكلام وتعلم الكلام. إن علاقة المعلم بالتلميذ هي علاقة الكلام نفسها عندما يغدو اللا قياس في هذا الكلام قياسا وتصبح اللا علاقة علاقة.
إلا أن تحولا مزدوجا يهدد دلالة هاته البنية الغريبة. فتارة يقتصر “المجهول” على أن يكون مجموع الأمور التي لم تعرف بعد ( وهذا ليس إلا موضوع العلم ذاته)، وطورا يتحد “المجهول” مع شخص المعلم ذاته، وحينذاك، فإن قيمته الخاصة، قيمته الذاتية، قيمته كنموذج، وقدراته، إن هذه الأمور، وليس شكل فضاء تبادل العلائق الذي يشكل هو أحد أطرافها، إن هذه الأمور هي التي تغدو مبدأ الحكمة وعلتها. وفي الحالتين كلتيهما يكف التعليم عن أن يستجيب لمتطلبات البحث.
يتمخض عن الملاحظات السابقة أمران : أولهما هو أن المجهول الذي يدور حوله البحث ليس موضوعا ولا ذاتا. إن علاقة الكلام الذي يحمل المجهول هي علاقة لا تناه. يترتب عن ذلك أن الشكل الـذي ستتحقق فيه هاته العلاقة، سيتخذ شكل منحنى بحيث لا تكون العلائق بين أ و ب مطلقا علائق مباشرة ولا متماثلة ولا قابلة للقلب، وبحيث لا تشكل أية مجموعة ولا تتخذ مكانـها في الزمان نفسه، إنـها لن تتعاصر فيما بينها ولن تتقايس. وهذه مسألة نتبين الحلول التي تناسبها كأن تكون تلك الحلـول هي لغة الإثبات والجواب، أو أن تكون لغة تسير حسب خط بسيط، أعني لغة لا تضع اللغة ذاتـها موضع سؤال.
غير أن ما يثير الانتباه هو أن الحلول يتم البحث عنها حسب اتجاهين متعارضين : اتجاه يستدعي اتصالا مطلقا ولغة يمكن أن نصفها بأنـها لغة كروية (تلك اللغة التي كان بارمنيد أول من فكر فيها) ، واتجـاه آخر يستدعي انفصالا جذريا. وهو الانفصال الذي يمارسه أدب الشذرات. ذلك الأدب الذي عرف عند المفكرين الصينيين كما عرف عنـد هيراقليط. وحتى محاورات أفلاطون تحيل إليه، ويبين كل من باسكـال ونيتشه وجـورج باتاي وروني شار الفكر الذي ينطوي عليه ذلك الأدب. ونحن نتفهم أن يكون هذان الاتجاهان بحيث يفرض أحدهما نفسه تارة والآخر تارة أخرى. ولنعد إلى علاقة معلم / تلميذ من حيث إنـها ترمز إلى العلاقة القائمة في البحث. إن هاته العلاقة هي بحيث تفـرض غياب قاسم مشترك، أي بمعنى ما غياب العلاقة ذاتـها بين الطرفين. ينتج عن ذلك ولع إما بتأكيد الانقطاع والانفصال أو الكثافة والامتلاء. امتلاء المجال المتولد عن الاختلاف والتوتر. وفي الوقت ذاته فإننـا نفهم أيضا أن يغدو الاتصـال مجرد نمو بسيط، نمو يغفل عدم انتظام المنحنى؛ أو أن يغدو الانفصال مجرد تراكـم وتكديس للعناصر التي لا علاقة لبعضها ببعض. حينئذ لن يكون الاتصال اتصالا حقيقيا، بما أنه لن يكون إلا اتصالا سطحيا لا يمس الداخل ؛ كما أن الانفصال لن يكون بما يكفي من حيث إنه لن يتوصل إلا إلى عدم انسجام لحظي، لا إلى تنوع واختلاف جوهريين.
مع أرسطو ستغدو لغة الاستمرار والاتصال هي اللغة الرسمية للفلسفة، إلا أن هذا الاتصال سيكون من جهة اتصال انسجام منطقي يختزل إلى مبادئ المنطق الثلاثة، أي مبدأ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع (وهو اتصال يتحدد تحديدا بسيطا)، ومن جهة ثانية فإنه ليس اتصالا فعليـا، ولا منسجما انسجاما بسيطا، ما دام المتن الأرسطي ذاته ليس إلا مجموعة فاسدة التوحيد، وشتاتا من العروض المجمعة تجميعا. كان ينبغي إذن انتظار الجدل الهيجلي كي يتشكل الاتصال، من حيث أنه يولد ذاته منتقلا من المركز إلى الهامش، ومن المجرد إلى العني ومن حيث إنه لم يعد مجرد مجموعة لا تدخل عامل الزمن في اعتبارها، بل تقحم “متغير” الديمومة والتاريخ، كي يتشكل ككلية في حركة، متناهية ولا محدودة، حسب ما يقتضيه الشكل الدائري الذي يستجيب في الوقت ذاته لمبدأ الفهم الذي لا يقتنع ولا يقنع إلا بالـهوية المتولدة عن التكرار، ولمبدأ العقل الذي يتطلـب التجاوز عن طريق النفي. هاهنا، كما نتبين، يتحد شكـل البحث مع البحث ذاته أو ينبغي أن يكونا كذلك. فضلا عن ذلك، فإن كلام الجدل لا يستبعد لحظة الانفصال وإنما يستدعيها : إنه ينتقل من طرف الآخر، ومن حد لمعارضه، من الوجود إلى العدم على سبيل المثال. ولكن، ما الذي يفصل بين المتعارضين ؟ إنه عدم أكثر جوهرية وأهمية من العـدم ذاته، إنه الفراغ الذي “يوجد” بين ـ بين، وهو الفاصل الذي ما يفتأ يتعمق ويتسع، وهو اللا شيء من حيث هو عمل وحركة. صحيح أن الحد الثالث، حد الطباق والتركيب، سرعان ما سيعمل على ملء هذا الفراغ، إلا أنه لن يتمكن من القضاء عليه ( وإلا فإن كل الأمور ستتوقف) بل على العكس من ذلك إنه سيحافظ عليه بتحقيقه، ويحققه بالفعل ذاته الذي يجعله ينفلـت منه، فيجعل من ذلك الانفلات قوة وسلطة، ومن ثمة إمكانية جديدة.
إنـها إذن خطوة حاسمة يبدو أن على الفلسفة أن تحافظ عليها وتستكين إليها. إلا أن صعوبات جـمة سرعان ما ستعمل على تفجير هذا الشكل. إحداها هو أن نصيب الانفصال سرعان ما سيظهر أنه ناقص أشـد النقصان. فالمتقابلان، بما أنـهما ليسا إلا متقابلين ومتعارضين فهمـا مازالا قريبين من بعضهما أشد القرب. إن التناقض لا يمثل انفصـالا حاسما. والخصمان هما في طريقهما إلى التصالح والوحدة، في حين أن الاختلاف بين المجهول والمألوف هو اختلاف لا متناه. ومن ثمة فإن لحظة التركيب والتصالح في شكل الجدل هي التي تكون لـها السيادة. هذا الإقصاء للانفصال يترجم شكلا في رتابة النمو الذي يخضع لإيقاع ثلاثي (ذلك الإيقاع الذي يحل محل القسمة الثلاثية للخطاب في البلاغة التقليديـة)، وهو ينتهي مؤسسيـا إلى توحيد العقل والدولة، وتطابق الحكمة مع الجامعة.
هاته النقطة الأخيرة ليست بالأمر الثانوي. فكون الحكيم لا يرى مانعا في أن يذوب في هذه المؤسسة التي هي الجامعة كمـا انتظمت خـلال ق 19، أمر له دلالته الكبرى. فالجامعة لم تعد إلا حصيلة من المعارف المحددة التي لا تربطها أية علاقة بالزمان اللهم علاقة البرنامج الدراسي. إن الكلام الذي يدور فيها لا علاقة له بذلك الذي كشفت لنا عنه بنية معلم / تلميذ من حيث إنه قابل لأن ينفتح على انفصال أساسي. بل إن الجامعـة تقنع بالاتصال الاستدلالي الهادئ. فلسنا هنا إلا أمام معلم كفء يتكلم أمام حضور مهتم وليس إلا. يكفي أن نذكر العلاقـة السطحية التي تخلقها وضعية محاضر أمام مجموعة من الطلبة الخانعين كي نفهم أن الفيلسوف عندما غدا أستاذا فإنه يعمل على تسطيح الفلسفة تسطيحا هو من الشدة بحيث إن الجدل سينفصل عما يبدو له مثاليا في الكلام كي ينخرط في الانفصالات الأكثر جدية للنضال الثوري.
* * *
إن إحدى القضايا التي تطرح على لغة البحث مرتبطة إذن بضرورة الانفصال هاته. كيف نتكلم بحيث يكون الكلام متعددا في جوهره؟ كيف يمكن أن يقوم بحث عن كلام متعدد لا على التكافؤ واللا تكافؤ، وليس على التبعية والخضوع، ولا على العلاقة المتبادلة، إنما على الخلل واللاتكافؤ بحيث تقوم علاقة لا تناه بين الكلامين كأنها حركة الدلالة؟ وبعبارة أخرى، كيف ينبغي أن تكون الكتابة بحيث يدع استمرار حركة الكتابة إمكانية اقتحام الانقطاع كدلالة والانفصال كشكل، سنرجئ التعرض لهاته المسألة إلى حين. ولنكتف بأن نلاحظ بأن اللغة التي تـهتم بالسؤال، وليس بالجواب، هي لغة منفصلة منقطعة. وفضلا عن ذلك فهي لغة تصدر عن فراغ أوليّ.

M. Blanchot. L’entretien infini. Gallimard, 1969. pp. 1-9.

error: المحتوى محمي