العودة بالكون إلى الدين: وجهة نظر شاملة – بتير ال بيرجير

العودة بالكون إلى الدين: وجهة نظر شاملة – بتير ال بيرجير

bergerpeter

بتير ال بيرجير، عالم سيسولوجي

أَدْيَنَةُ الكون[1]

العودة بالكون إلى الدين: وجهة نظر شاملة

بتير ال بيرجير·

ترجمة : د. حدمين ولد اسلمو


منذ عدة سنين رأيت الجزء الأول من مشروع بحث « الأصولية» وقد وضع على مكتبي، وهذا المشروع الذي يديره مارتن مارتي أستاذ تاريخ الكنيسة في جامعة شيكاغو، قد دعمته بسخاء كبير مؤسسة ماك أرتور.  لقد ساهم العديد من الباحثين البارزين في هذا المشروع وكانت المساهمات المنشورة جيدة ومع هذا فإن موقفي حيال هذا الجزء الأول كان أشبه بتجربة «المفاجأة» فالكتاب الذي وضع علي مكتبي كان ضخما، إنه”رصيف” من ذلك الجنس الذي يمكنه إحداث خسائر جدية، فتساءلت لماذا أنفقت مؤسسة مارك أرتور عدة الملايين من الدولارات من أجل دعم دراسة دولية عن الأصولية الدينية؟

وخطر ببالي نوعين من الإجابة :الأول بديهي وعديم الفائدة وهو كون مؤسسة ماك آرتور هيئة تقدمية وتفترض أن الأصولية ضد ذلك، ويكون المشروع- حينها- هو نوع من محاولة التعرف علي أعدائها و النوع الثاني أكثر تحفيزا وهو كون الأصولية تعتبر ظاهرة غربية وصعبة الفهم وهدف المشروع كان هو التوغل في هذا العالم المعادي وجعله أقرب إلى الأذهان. بالتأكيد إلى أذهان من؟ ومن ذا الذي يراها عالما غربيا؟ هنا يكون الجواب سهلا: إنهم أولئك الذين اعتاد مسيروا المؤسسة التوجه إليهم كالأساتذة من النخبة الجامعية الأمريكية. و حينها طفأ على السطح لدي عنصر المفاجأة من جديد.

إن هذا المشروع تجسيد لنظرة للكون فوقية حيث « الأصولية » ( التي لا تعني في النهاية سوى مختلف الحركات التي تعبر عن حماس ديني ) أمر نادر وصعب التفسير غير أن نظرة بسيطة إلى التاريخ أو إلى العالم المعاصر تبرز أن الغريب ليس هو الظاهرة بذاتها وإنما معرفتها، فليسوا آيات الله الإيرانيون هم العصيون على الفهم، ولكن محاولة أساتذة الجامعة الأمريكية تفسير ذلك يستحق مشروعا من ملايين الدولار.

أخطاء نظرية العلمنة:

إن تصورنا أننا نعيش في عالم علماني هو تصور خاطئ فالعالم اليوم – مع استثناءات سوف أعود ألينها – هو ديني تماما مثلما كان في السابق بل وأكثر من ذلك في بعض الأماكن، وهذا يعني أن مجموعة الأعمال الآنية التي قام بها المؤرخون وعلماء الاجتماع مثل «نظرية العلمنة» هي بالأساس خاطئة، وقد  ساهمت أنا في هذه الأدبيات بأعمالي السابقة وكان يواكبني الكثيرون، إذ أغلب علماء اجتماع الدين ينادون بأفكار مشابهة يدعمونها بحجج قوية. وبعض أعمالنا لا يزال  لديه اليوم المصداقية .

(لقد اعتدت أن أؤكد لطلابي أن خصوصية الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية التي تميزهم عن الفلاسفة أر علماء الدين هو كونهم يستمتعون برفض نظرياتهم مثلما يستمتعون بغربلتهم إياها.)

ومع أن مفهوم العلمنة ظهر في الأعمال التي صدرت في السنوات 1950و1960 إلا أن صلب النظرية يعود إلى عصر الأنوار، وهو يقوم علي فكرة بسيطة مفادها أن العصرنة تقود حتما إلى ضعف الدين في المجتمع وفي عقول الناس أيضا، وهذه الفكرة بالذات هي التي اتضح شططها، أكيد أن العصرنة تولد إشكالات علمية يكون تجليها في بعض الأماكن أكثر منه في بعضها الآخر  ولكنها كذلك تولد اتجاهات قوية معاكسة لها، فضلا عن أن علمنة المجتمع لا ترتبط حتما بعلمنة الضمائر ففي مجتمعات كثير فقدت المؤسسات الدينية سلطتها وتأثيرها ولكن معتقدات وممارسات دينية قديمة ظلت لدى الأفراد أحيانا في قوالب أخرى وأحيانا كذلك تكون مصحوبة بحماس كبير، وعلى العكس من ذلك فإن بعض الهيئات التي تعتبر دينية قد لعبت دورا سياسيا واجتماعيا حتى ولو كان معتنقوا الدين الذي تمثله قلة، وباختصار فإن العلاقة بين الدين والحداثة معقدة جدا.

إن تصور أن العصرنة (الحداثة) تقود حتما إلى ضعف الدين هو من حيث المبدأ تصور محايد (غير مغرض) معنى ذلك أنه يمكن أن ينطبق على الذين يعتقدون أن ذلك أمر جيد وعلى الذين يعتقدون العكس على حد السواء.

إن أغلب فلاسفة الأنوار وبعض النقديين كانوا يميلون دوما إلى اعتبار أن العلمنة شيء جيد طالما أنها تمكن من إحداث قطيعة مع ممارسات “مختلفة” و “غريبة” و “رجعية” (كل امرئ لديه رواسب دينية و قد تحرر من هذه الخاصيات السلبية يعتبر مقبولا)، ومن جانبه فإن أصحاب الدين بمن فيهم التقليديون و الأصوليون، قد نبهوا إلى الصلة بين الحداثة والعلمنة، لكن من أجل الانزعاج من تلك الصلة، وبعضهم اعتبر أن الحداثة عدو يجب القضاء عليه بينما اعتبرها  البعض الآخر منهم نوعا من التطور الحتمي الذي ينبغي على المعتقدات والممارسات الدينية أن تتكيف معه، بعبارة أخرى كان الرفض والتكيف هما الاستراتيجيتان اللتان تتبناهما المجموعات الدينية إزاء عالم في طريقه إلى العلمنة، وكما هو الحال دائما حين يكون هناك استراتيجيات قائمة على التمثيل السيئ للواقع، أدت هاتان الاستراتيجيتان إلى نتائج سيئة.

إنه من المحتمل نظريا أن نرفض بعض الأفكار والقيم العصرية ولكن حمل الناس على احترام هذا الرفض في حياتهم اليومية أمر بالمقابل صعب جدا، فهذا يفترض أننا تبنينا بعد إحدى استراتيجيتين: الأولى هي الثورة الدينية ونفي محاولة تنظيم المجتمع وجعل كل واحد من أفراده مجبرا على اعتناق دينه وهو عمل شاق اليوم في معظم البلاد. (لقد حاول افرانكو ذلك في أسبانيا وفشل فيه ويحاول آيات الله نفس الشيء في إيران ومناطق أخرى…) فالعصرنة تخلق مجتمعا غير متجانس وقفزة نوعية من التواصل الثقافي تعزز التعددية وتعيق وجود (أو إعادة) الاحتكار الديني.

إن الطريقة الأخرى لحث الناس على رفض الأفكار والقيم العصرية هي خلق ثقافات دينية فرعية كي تبقى تأثيرات المجتمع المحيط بها معدومة، وهذه الطريقة هي بالتأكيد أكبر جدوائية من الثورة الدينية لكن لا تخلو هي الأخرى من صعوبات. يكفي أن نسأل آميش من شرق بنسليفينيا أو راهبا هيسيديا من حي وليام أسبرغ من ابروكلين.

والواقع أن نظرية العلمنة من المهم الإشارة إلى هذه المسألة ـ قد حرفتها استراتيجيات الملاءمة التي قامت بها المؤسسات الدينية فإذا كنا نعيش في عالم علماني فعلا فإن بقاء المؤسسات الدينية يجب أن يكون تبعا لقدرتها على التكيف مع العلمنة.

إن هذه الملاحظة التجريدية هي الخلفية النظرية لاستراتيجية التكيف لدى تلك المؤسسات غير أن ما حدث كان العكس تماما: فالمجموعات الدينية ظلت قائمة وحية بل نضجت ونشطت في الأماكن التي لم نحاول فيها التكيف مع الاقتضاءات المفترضة لعالم علماني.

ولمجرد التذكير فإن محاولات خلق عقائد علمانية فشلت، والمجموعات الدينية التي تعج معتقداتها وممارساتها بمسائل غير عقلية ورجعية (وهي أمور لا يرتاح لها الجامعيون البارزون) قد حققت نجاحا أكثر.

الكنيسة الكاتوليكية ضد العصرنة (الحداثة)

 إن نضال الكنيسة الكاتوليكية الرومانية ضد الحداثة هو برهان واضح على الصعوبات التي تعترض مختلف الاستراتيجيات هذه، فإزاء “فكر الأنوار” وثوراته المتعددة كانت ردة فعل الكنيسة الأولى هي العداء الحذر والمقاومة.

وقد بلغ ذلك أوجه سنة 1870 حين أعلن قنصل الفاتكان الأول عصمة البابا ومفهوم مريم العذراء مقابل طموحات عصر الأنوار في احتلال روما مظهريا تحت جيوش فيكنور امائيل (لقد كان الاحتقار متبادلا، فإذا كنتم قد زرتم روما فسوف تلاحظون أن البطل الذي يرتدي بدلته في التمثال بمرساكلي والوحدات القيادية التي احتلت الحاضرة الأبدية التي تحمل اسم بزور حيمانتو الإيطالي يديران الظهر للفاتكان) وبعد حوالي مائة عام غير القنصل الفاتيكاني وضعية الرفض هذه بصورة كبيرة مستأنسا في ذلك بمفهوم تحديث الكنيسة l’aggiornemento ـ لتلائم العالم المعاصر. (وأذكر أني سألت يوما رجل دين ابروستانتي قبيل اجتماع القنصل ماذا سيحدث حسب وجهة نظره فيه، فأجابني بأنه لا يدري ماذا سيحدث لكنه واثق أنه لن يقرأ نتائج الدورة الأخيرة) إن قنصل الفاتيكان كان عليه أن يترك بعض المنافذ خاصة تلك المتعلقة بالثقافات الفرعية الكاثوليكية التي تشكلت حين اتضح أنه لا يمكن اجتياح كامل أطراف المجتمع، وهذه الثقافات الفرعية ظلت قوية جدا حتى عهد قريب في الولايات المتحدة الأمريكية لكن المشكل أنه حين تفتح تلك المنافذ لم نعد نستطيع التحكم فيما سيدخل عبرها وإن جزءا كبير مما نفذ عبرها ـ الواقع كل العالم المضطرب للثقافة العصرية ـ خلق اضطرابا في الكنيسة، وتحت البابا الحالي تأرجحت الكنيسة بين الرفض والتكيف وكان لذلك نتائج هزيلة بحسب البلدان.

ويبدو لي مناسبا في هذا السياق وأنا أستطرد ملاحظاتي أن أذكر أنها تسعى إلى أن تكون محايدة بمعنى أني أسعى إلى تعريف المشهد الديني الحالي بصورة موضوعية. وخلال فترة هذه الممارسة اطرحت جانبا قناعاتي الدينية وبصفتي عالم اجتماع ديني أعتقد أنه كان من المتوقع أن تقوم روما بمراجعة ذاتها سواء من حيث المعتقد أومن حيث الممارسة في سياج الاهتزاز المؤسساتي الذي عقب عهد الفاتيكان الثاني، وهذه الملاحظة لا تعنى بالنسبة إلى أي تأييد ديني لما آلت إليه الأمور في الكنيسة الكاتوليكية الرومانية في عهد الفاتيكان الحالي. والحال أني لو كنت كاتوليكيا فسوف أكون غير مرتاح لهذه التطورات ولكني ابروستانيا متحررا (وهذه الصفة تعني موقفي الديني لا السياسي) وليست لدي مشكلة وجودية مباشرة مع ما يجري في المجموعة الرومانية وأتكلم هنا بوصفي عالم اجتماع  وهو مجال يمكنني فيه أن أدعي كفاءات ولست عالم دين.

المشهد الديني العالمي:

لقد ظهرت في الساحة الدينية الكونية وفي كل مكان تقريبا حركات محافظة متشددة أو ماضوية. إنها حركات ترفض التجديد و العصرنة كما يتصورها التقدميون، وعلى النقيض من ذلك فإن المؤسسات والحركات الدينية التي بذلت جهدا كبيرا لتكيف مع ذلك التجديد تعرف اليوم تراجعا في مختلف أنحاء العالم تقريبا، ففي الولايات المتحدة أبرزت تعاليق عديدة هذه الوضعية وأبرز إيضاح لها فيما يبدو هو تراجع البروتستانتية “القائمة” والتطور المصاحب للكنائس إلا الانجليكانية، لكن الولايات المتحدة ليس استثناء في هذا المجال وكذا البروتستانتية، وبخصوص الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فإن التوجه نحو المحافظة  والتشدد ترجمه تزايد عدد المهتدين والحماس الذي ظهر لدى الأشخاص الذين لهم أصل كاثوليكي خاصة في الدول غير العربية، وإثر انهيار الاتحاد السوفيتي فإن الكنيسة الأرتودوكسية شهدت في الاتحاد السوفيتي نهضة ملحوظة فالمجموعات اليهودية التي تزايدت بسرعة هي مجموعات أرتودوكسية.

وظهرت موجة مشابهة في الأصولية لدى الديانات الكبرى ـ الإسلام والهندوسية والبوذية ـ وكذا لدى المجموعات الصغيرة (كالشوسية في اليابان والسيخ في الهند) وهذه الحركات كلها لها أثر سلبي واجتماعي مختلف جدا ولها في المقابل قاسم مشترك في إلهامها الديني الخالي من كل غموض وبالنظر إلى عمومها فهي تشكل رفضا مكثفا للفكرة التي مفادها أن العصرنة و العلمانية هما ظاهرتان متباينتان، إنهما تبرزان أن مناهضة العلمانية أهم اليوم من العلمانية.

وفي وسائل الإعلام والمنشورات العلمية تصنف هذه المجموعات ضمن فئة “الأصولية “والكلمة ليست مريحة جدا، من جهة لأنها  تكتسي معنا تحقيريا ولكن خاصة لأنها مستلهمة من تاريخ البروتستانتية الأمريكية حيث تحيل إلى مرجعيات خاصة حيدت عن  معناها، إذا كانت تطال ديانات أخرى ومهما يكن من أمر فإن العبارة جد موحية إذا رغبنا في شرح التطور المذكور أعلاه.

إنها تستحضر الجمع بين عدة خصائص ـ افتتان كبير بالدين و تخوش كبير مما يسميه آخرون بالزايت شى وعوده إلى المصادرة  التقليدية للسلطة الدينية  ـ وهذه الملامح المشتركة تجعل المظاهر الثقافية مثالية وتعكس حضور اتجاهات تسير نحو العلمانية، لأنه ينبغي فهمها على أنها ردة فعل ضدها (بهذا المعنى فإن بعض عناصر النظرية العلمانية القديمة يمكن إنقاذها كشكل من أشكال عودة العصي). وأميل طواعية إلى أن هذا التفاعل لقوى العلمنة والقوى المضادة للعلمنة كان أحد المواضيع المهمة في علم الاجتماع الديني المعاصر لكنه موضوع شاسع لا يمكن معالجته هنا.

وأكتفي بإشارة سريعة إليه:

العصرنة نظرا لأسباب أتفهمها جيدا حطمت كل القناعات القديمة والعيش في الشك يعتبر وضعية صعبة بالنسبة للكثيرين منا، لهذا كان لدى بعض المنظمات (ليست فقط المنظمات الدينية) التي تعد بتوفير أو إعادة القناعات سوق جائز يفتح أبوابه أمامها.

اختلاف بين حركات في أوج ازدهارها

حتى إذا كانت الخاصيات المشتركة الموصوفة أعلاه مهمة فإن التحليل الاجتماعي والسياسي لمختلف الديانات ينبغي أن يأخذ في الحسبان تلك الاختلافات والأمر واضح بالنسبة للحركتين الدينيتين الأكثر ديناميكية  اللتين يمكن ملاحظة حضورهما في عالم اليوم وهما الأصولية الإسلامية والأصولية الكاثوليكية، والمقارنة بينهما تضع في الحسبان ضعف مفهوم الأصولية إذا ما تم تطبيقه عليهما.

فتحديث الإسلام هو الشائع أكثر نظرا لتشعبه السياسي الواضح، لكنه قد يكون من الخطأ أن لا نأخذه في الحسبان من ناحيته السياسية لأنه يتأسس على تيار جديد من الالتزامات الدينة وانتشر انتشارا كبيرا على المستوى الجغرافي، إذ هو يلمس جميع الدول الإسلامية من إفريقيا الشمالية إلى آسيا الجنوبية الشرقية، ويواصل مدده خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء (إذ هو يتنافس فيها أحيانا بصورة مسلحة مع المسيحية) وهو يغدو حيا في المجموعات الإسلامية التي تقطن أوربا وكذا في مجموعات أمريكا الشمالية وإن بصورة أقل فهو في كل مكان يخلق مهتدين جددا للإسلام وكذا أنماط عيش مرتبطة به وهي أنماط عيش تتعارض بصورة مباشرة مع أفكار التجدد ـ العلاقة بين الدولة والدين ومكانة المرأة والنظم الأخلاقية للسلوك اليومي والروابط بين التسامح الديني والأخلاقي.

إن التيار الإسلامي ليس مقصور على القطاعات الأكثر تأخرا أو أقل عصرنة للمجتمع كما يحلو لبعض المفكرين التقدميين تصوره بل على العكس هو حاضر بقوة في المدن ذات التحضر الكبير، ففي بعض الدول يشاهد ضمن الفئات السكانية التي تلقت تعليما عاليا على النمط الغربي كمصر وتركيا مثل،ا حيث الكثير من الفتيات المنحدرات من وسط مهني علماني يحملن الحجاب أو علامات دينية أخرى توحي بالاحتشام الإسلامي.

وثمة اختلافات أخرى يمكن تلمسها داخل الحركات نفسها. ففي الشرق الأوسط  ـ مع أنه مهبط الإسلام ـ  يوجد أكثر من فوراق دينية بين السنة والشيعة، ـ فالتيار الإسلامي المحافظ يغطي حقائق مختلفة جدا في إيران والعربية السعودية، وكلما ابتعدنا عن الشرق الأوسط كلما تضاعفت الفوارق، ففي أندنوسيا الدولة المسلمة الأكثر كثافة في العالم يوجد فيها التيار القوي “نهاد لا تول علماء” وهو يأيد الديمقراطية والتعددية فهو إذ على النقيض من التيار الإسلامي الأصولي العام فيحث ما كان سياق السياسي يسمح بذلك كانت ثمة نقاشات حادة حول طريقة التي ينبغي أن يواجه الإسلام فيها حقائق العالم المعاصر، و تقع أحيانا مصادمات بين أفراد كلهم في حقيقة الأمر متفقون على ضرورة تفعيل هذا الدين، لهذا لأسباب توجد عمق تقاليد الإسلام،  ينبغي التذكر بصورة عامة أنه كانت ثمة صعوبات تعترض تكييف المؤسسات العصرية الأساسية مع الدين كالتعددية والديمقراطية واقتصاد السوق.

إن النهضة لبروتستانتية كانت مذهلة بحكم انتشارها فهي منتشرة حتى على المستوى الجغرافي وأحدثت حتى  منتمين كثيرين في الشرق الأقصى وفي كامل المجموعات الصينية ( بما في ذلك الصين القارة رغم التعذيب القاسي) وفي كوريا الجنوبية وفي فلبين وفي ا لمحيط الهادي الجنوبي وفي إفريقيا جنوب الصحراء ( حيث تتمازج غالبا مع ديانات أفريقية محلية) وفيما  يبدوا أن لها أتباعا  في بعض  أجزاء  أوربا الشيوعية سابقا، غير أن نجاحها الكبير كان في أمريكا اللاتينية، فالبروتستانتيون يقدرون بما بين 40 إلى 55 مليون في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية وغالبيتهم من الجيل الأول أما الجزء الأكبر من بروتستانتيين فهو ينتمي إلى (البانتوشية) التي تجمع بين الأورتودكسية التوراتية والتشدد الأخلاقي مع أشكال أخرى من التقديس وإحياء وشفاء الروح وفي أمريكا اللاتنية فإن اعتناق البروتستانتية نجم عنه تحول ثقافي ـ موقف جديد من العمل والاستهلاك وأخلاق جديدة حول التربية ورفض كلي للنظام التقليدي( المرأة تلعب دورا مفتاح في الكنيسة البروتستانتية). إن أصول هذا التوسع العالمي للبروتستانتية يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية التي انطلق منها الفاتحون الأول، غير أنه من المهم أن نفهم أنه في كل بقاع العالم وخاصة في أمريكا اللاتينية لم تكن البروتستانتية الجديدة الأصيلة مرتبطة بدعم  نظيراتها في الولايات المتحدة الأمريكية ـ فبروتستانتيوا أمريكا اللاتينية بعثوا هم كذلك فاتحون إلى المجموعات الأسبانية من الدولة وكانت نتيجة ذلك كثرة المهتدين الجدد .

ومن العبث التذكير بأن المضمون الديني للتيار الإسلامي والتيار الديني البروتستانتي لا علاقة بين هما وكذا تأثيرهما الاجتماعي والسياسي (وهو أمر سنعود إليه لاحقا).

إنهما يختلفان كذلك بخصوص نقطة أخرى جد مهمة:

التيار الإسلامي انتشر وتطور في بلاد إسلامية أصلا أو ضمن مهاجرين مسلمين ( كأوربا مثلا) بينما انتشر المدد البروتستانتية في كل أنحاء  العالم حتى في أماكن لم يكن لهذا الدين فيها حضور أو كان له فيها حضور ثانوي.

استثناءات لفرضية  تديين الكون

فلنعد إلى ما أشرنا إليه سابقا:

العالم المعاصر يحضر فيه الدين بكثرة، كله باستثناء العالم العلماني الذي  ( قد نفرح لذلك وقد نأسف) ذكره الكثير من المحللين للعصرنة غير أن ثمة استثناءان على هذا الحكم أحدهما غامض والأخر جلي جدا.

الاستثناء الأول والجلي هو أوربا وبالذات أوربا الغربية حسب مصطلح الحرب الباردة  (فما يحدث في الدول الاشتراكية قديما لم يكن أبدا مجال دراسة مدققة). ففي أوربا الغربية أكثر من أي مكان آخر من العالم يلاحظ أن النظرية العلمانية القديمة لا تزال حاضرة وتبعا للعصرنة فإن مؤشرات العلمنة تتعزز سواء على مستوى المعتقد (خاصة المعتقد الاورتودكسي حسب المفهوم البروتستانتي والكاثوليكي للكلمة) أو على مستوى الممارسة ـ ممارسة الشعيرة، واحترام القواعد السلوكية المحددة من طرف الكنيسة ( وبالذات فيما يتعلق بالجنس والتكاثر)  واكتتاب المرشدين الدينين.

إن الظاهرة التي كانت موجودة قديمة في شمال القارة انتشرت بسرعة في الجنوب بعد الحرب العالمية الثانية وهكذا كان على إيطاليا وأسبانيا أن تواجها تراجعا سريعا للدين على مستوى الدولة فيهما ونفس الشيء فيما يتعلق باليونان وهو ما يكذب تأكيدات الكاتولوكيين المحافظين الذين يزعمون أن البابا الثاني كان مسؤولا عن ذلك التراجع فتوجد اليوم ثقافة أوربية علمانية وما حصل في الجنوب يمكن وصفه على أنه (  في غياب شرحه) اكتساح جديد لهذه الثقافة وليس عبثا أن نتنبأ بأن أوربا الشرقية ستعرف تطورا مشابها طالما أن الدول المشكلة لها تسعى إلى الانضمام إلى أوربا.

  هذه الوقائع لا جدال فيها، وفي المقابل فإن بعض المؤلفين المعاصرين الذين كتبوا في علم الاجتماع الديني خاصة في فرنسا وبريطانيا واسكاندناف قد تساءلوا ما إذا كانت فكرة العلمنة تنطبق على هذه التطورات. ثمة مجموعة من المعطيات تبرز استمرارا لقوي الدين المسيحي فيما يتعلق بأغلب الحالات رغم انفصال شديد بين المتدينين والكنيسة، وثمة انتقال مواقع الدينية أكثر مما كانت ثمة علمانية وهو أمر يخول امتلاك نظرة حقيقية عن الوضعية في أوربا. وأوربا تبقى بدون شك مغايرة لأجزاء أخرى من العالم وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبالنسبة إلى علم الاجتماع الديني يظل اللغز الأكثر أهمية هو معرفة لماذا كان الأمريكيون أكثر تدينا ولكن كذلك أكثر تعلقا بالكنيسة من الأوربيين.

الاستثناء الآخر لهذه العلمنة أكثر وضوحا:

توجد ثقافة فرعية دولية هي ثقافة أولئك الذين تلقوا تعليما عاليا على النمط الغربي وبالذات في الإنسانيات والاجتماعيات وهي ثقافة كان لها تأثير علماني، هذه الثقافة الفرعية هي المحرك الأساسي للمعتقدات ذات الأثر التقدمي الموروث من عصر الأنوار، ومع المنتمين إليها ليسوا كثرا إلا أنهم مؤثرون ويتحكمون في المؤسسات التي تعطي تعريفات الرسمية للواقع على مستوى النظام التربوي، كما يتحكمون في وسائل  الاتصال العامة  وفي قمة الدولة، إنهم يشابهون بصورة مذهلة في العالم كله كما كان حاصلا منذ زمن بعيد ( حتى ولو كان أصحاب هذه الثقافة لا يعيشونها كما رأينا ذلك خصوصا في العالم الإسلامي). ومن جديد، وكلي أسف لذلك، لست في وضعية تمكنني من تفسير لماذا كان أولئك الذين تلقوا هذا النمط  من الثقافة مرتعا خصبا للعلمنة ولا يفتني هنا أن أذكر أن ما نراه هنا هو ثقافة نخبة تم  دمجها في العولمة، وقد أخذ الحماس الديني طابعا شعبيا قويا في كل دولة، الواحدة تلو الأخرى، و فضلا عن الحوافز الدينية المحضة كانت ثمة حركات مناهضة ومقاومة لهذه النخبة العلمانية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية ما نسميه الحرب الثقافية يدخل فيه هذا الإطار؛ وألاحظ عرضا أن نظرية العلمنة تدين كثيرا لهذه الثقافة الفرعية للنخب، فحين يسافر المثقفون يرتادون فقط الدوائر الثقافية أي نظراءهم وهم حينئذ مخطئون إذا توهموا أن من التقوا بهم يمثلون عامة المجتمع، وهو بالتأكيد خطأ فادح، لنأخذ مثقفا علمانيا من أوربا الغربية ونضعه بين نظرائه في جامعة تكساس في نادي الكلية فسيولد لديه انطباع بأنه بين أقرانه، ولنأخذه من جديد فنضعه وسط زحمة مدينة أستن صباح الأحد أو، ليكن الله في عونه، لنأمره بتشغيل جهازه الإذاعي فما سيتولد لديه وقتئذ هي المفاجأة المؤلمة، مفاجأة من نوع ما يسميه الأنتروبولوجيون الصدمة الثقافية.

البعث الديني: الأصول والآفاق

بعد هذه الإحاطة الشاملة المدهشة إلى حد ما بالمشهد الديني اسمحوا لي أن أصل إلى قضايا تتم مناقشتها في هذا النوع من الدراسات.

أولا: ما هي أصول البعث الديني العالمي؟

جوابان قد تمت إثارتهما من قبل. الجواب الأول هو أن العصرنة تسعى إلى إضعاف المعتقدات التي كانت تتقاسمها الإنسانية خلال تاريخها والتي تعتبرها أمرا مفروغا منه، وهو وضع غير مريح بل غير مقبول إطلاقا بالنسبة لكثيرين، فالحركات الدينية التي تطمح إلى توفير المعتقدات كانت جذابة جدا. والجواب الثاني هو تصور علماني محض للواقع تتقاسمه في الغالب نخبة ثقافية وهو يثير غضب، وهو أمر ليس مفاجئا البتة، لكثير من الأشخاص الذين لا يؤمنون به ولكنهم حساسون إزاء تأثيره ( ما يدعو للقلق بالنسبة إليهم هو التعليم الذي يتلقاه أبناؤهم، تعليم يتجاهل بل يعتدي على نظام معتقداتهم وقيمهم) فالحركات الدينية المناهضة لقوى العلمنة يمكنها أن تفتن بعض الأتباع انطلاقا من تظلماتها التي ليست دوما دينية.

وأود أن أعود إلى النكتة التي بدأت بها عندما ذكرت أن مسيري هذه الهيئة الأمريكية منشغلون بالأصولية. فبمعنى ما ليس هناك ما يجب شرحه، ثمة شعور ديني قوي كان  دائم الحضور وغيابه يتطلب شرحا أكثر مما يتطلبه.  حضوره إن العلمانية العصرية هي ظاهرة عامة وأكثر غموضا من كل هذه الانفجارات الدينية ـ وان شئتم فإن جامعة شيكاكو موضوع يهتم به الاجتماعي الديني أكثر من اهتمامه بالمدرسة الإسلامية في (قم) بعبارة أخرى فإن الظاهرة التي تمت ملاحظتها هنا تؤكد بكل بساطة استمرار مكان الدين في التجربة الإنسانية.  ثم أي مستقبل منظور لهذا البعث الديني فبحكم التنوع الكبير للحركات الدينية الموجودة في العالم المعاصر يكون التنبؤ العام خاليا من الدلالة فهو ممكن ومفيد إذا تعلق بوضعيات أكثر اختزالا واختصارا، غير أن ثمة تنبؤ يمكن القيام به مع قدر من الطمأنينة: ليس ثمة عامل يدعو إلى اعتقاد أن عالم قرن الواحد والعشرين سيكون أقل تدينا من عالم اليوم وقد حاول قلة من علماء اجتماع الدين خلاص النظرية القديمة للعلمنة بما سأسميه فرضية الانزواء الأخير: إن العصرنة وتولد العلمنة وإذن فحركات مثل الأصولية الإسلامية والأصولية البروتستانتية ليست إلا توقعات لدين لا يمكنه الاستمرار وفي نهاية المطاف فإن العالم المعلمن سينتصر ـ أو، لشرح ذلك بصورة أكثر احتراما، فإنه في نهاية المطاف سيفكر آيات الله الإيراني والواعظ البانتا سكوتي ولاما  التيبتي في التصرف كما لو كانوا أساتذة أدب في جامعات أمريكية وأظن أن  هذه الفرضية ليست مقنعة كثيرا.

وبعد هذا التنبؤ العام ـ عالم القرن القادم لن يكون أقل تدينا من عالم هذا القرن، وأعبر عن هذه الفرضيات بصورة مغايرة في الفضاء الديني وفي مختلف القطاعات. مثلا فيما يبدوا لي أن الحركات  الإسلامية الأكثر نضالا ستجد صعوبة في الإبقاء على موقفها الحالي إزاء العصرنة إذا ما نجحت في التوصل إلى السلطة في دولتها  ( هذا هو ما حصل  فعلا في إيران). وأعتقد أن الباتكوتية كما تترآى اليوم لأغلب الفقراء والجهلاء لا يمكنها أن تظل كما هي من حيث خصائصها الدينية والأخلاقية إذا ما خاض أتباعها تجربة اجتماعية تقودهم إلى التجوال في العالم ( قد لوحظ ذلك على مستوى واسع في  الولايات المتحدة الأمريكية ) وبصورة عامة فأن الكثير من هذه الحركات الدينية مرتبط بقوى غير دينية بشكل أو بآخر، ومستقبل الأولى سيكون على الأقل شيئا ما مرتبطا بمستقبل الأخيرة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا لم يكن للبروتستانتية نفس المستقبل بحسب أن بعض مطالبها قد يؤخذ بها أو ترفض من طرف الهيئات السياسية أو القضائية، وفضلا عن ذلك فإنه في الدين كما في مختلف مجالات السلوك البشري تلعب الأفراد دورا مهما لا يقبل به غالبية المختصين في  العلوم الاجتماعية والمؤرخين.

إن الثورة الإسلامية الإيرانية  كان بإمكانها أن  تحدث في إيران دون آيات الله الخميني ولكنها بطبيعة الحال قد تأخذ مجرا آخر ولا يمكن لأي شخص في  العالم اليوم أن يتنبأ بأي وجه افتتاني سيتج إليه مستقبل الحركات الدينية في أماكن غير متوقعة.

من يدري؟ فالتجديد الديني المستقبلي في أمريكا قد يحدث ضمن جامعي ما بعد العصرنة اليائسين!

وأخيرا هل هذا البعث الديني ينحرف في نقده  للعالم المعلمن؟ نعم بالتأكيد كل ذلك يرتبط  بنظام المعتقد. الكاردينال رت زنجير و دليلاما يختلفان مع النمط المغاير للثقافة العصرية المعلمنة، وهما في المقابل يتفقان على سطحية ثقافة تحاول  أن تسير إلى الأمام دون مثالية ولهما الحق في الدفاع عن وجهة النظر، هذه فالحماس الديني والبحث عن المعنى الذي يجعل هذا المنحى الضيق للتجربة التجريدية  مثاليا في هذا العالم هي معطيات كانت دائمة لدى البشر.     ( ليس هذا اتخاذ موقف ديني ولكنه ملاحظة آنتروبولوجية يقوم بها فيلسوف غنوصي أو ملحد).

فإخفاء الحاجة إلى الله يفرض إحداث تغيير يشبه تحول الجنس، ومفكروا الأنوار الأكثر تطرفا وورثتهم الأقرب إلينا كانوا يأملون في شيء من هذا القبيل وإلى الآن لم يحدث ذلك كما وضحت، ولن يحدث كذلك في المستقبل المنظور. إن نقد العلمنة الذي تتقاسمه جميع حركات البعث الديني هو كون الوجود الخاص لهذه المثالية ينتج وضعية إنسانية فقيرة وغير محتملة في نهاية المطاف.

طالما أن العلمنة تمتلك اليوم مميزات خاصة (وقد أخذت في الماضي أشكالا مغايرة مثلا في كنفثيوسية والهلنيستية) فإن نقدها ينجر عنه نقد مناح من العصرنة، وفي هذا المجال فإن جميع الحركات الدينية لا تمتلك موقفا موحدا. وكما كتبت سالفا من الممكن أن ندعم أن التيار الإسلامي هو في الغالب متطرف في نظرته السلبية للعصرنة بل هو في بعض المواطن المناوئ لها ويؤكد ذلك  المكانة التي تأخذها المرأة في المجتمع وعلى عكس ذلك فإن البروتستانتية تلجأ إلى العصرنة في أغلب  البلاد التي توجد فيها وهو واضح في أمريكا اللاتينية. فأتباع البروتستانتية الجدد رفضوا عددا من التقاليد تقف أمام العصرنة، مبدأ هيمنة الرجل على المرأة قبل كل شيء، ولكن كذلك الخضوع للطبقة وهو موقف شائع لدى الكاتوليكين الإبريين. إن هذه الكنائس تدافع عن قيم وعن أنماط من السلوك تساهم في العصرنة. وثمة مثال جد معبر: ومن أجل مشاركتها في حياة منتسبيها فإن البروتستانتيين يودون القدرة على قراءة التوراة وهذه الرغبة تغزز محو الأمية وموقفا  إيجابيا من التعليم والتطور الشخصي، كما يودون أن يصبحوا قادرين على المشاركة في نقاشات حول الأمور المتعلقة بعموم البشر والمتروكة عادة للعلمانيين( وبالتالي إلى النساء). إن تحمل أعباء الكنيسة من طرف العلمانيين يجعل من الاضروري التكوين في الإدارة بما فيها إنعاش الاجتماعات والتسيير المالي وليس عبثا الاعتقاد أن جمعيات البروتستانتية ستغدو حينئذ ـ دون أن تريد ذلك طبعا ـ مدارس للديمقراطية وللحرية الاجتماعية.

البعث الديني والقضايا الدولية

ثمة قضايا أخرى تمت مناقشتها في هذا الكتاب تتعلق بالبعث الديني وبعض المسائل غير المرتبطة بالدين.

 بدء السياسية الدولية: من غير المستحيل أن نجهل الفرضية التي كانت منذ زمن قريب يدافع عنها بموهبة كبيرة ساميال هنتكتن والتي مفادها أنه بعد الحرب الباردة ستكون العلاقات الدولية متأثرة أكثر بصدامات الحضارات أكثر مما هي متأثرة، بالصراعات الأيديولوجية بالتأكيد أن المجابهة الأيديولوجية الكبيرة للحرب الباردة هي الآن في سبات ولكنه من جانبي لا أراهن على اختفائها، تماما ثم إنه ليس من المؤكد أن الصراعات الأخرى الإيديولوجية لن تظهر في المستقبل. وطالما  أن القومية هي إيديولوجيا ( أو لأكون أكثر دقة طالما أن كل قومية تمتلك أيديولوجيتها الخاصة)  فإن هذه تعتبر في وضعية جيدة في كثير من بلدان العالم.

ومن الممكن كذلك أنه في غياب مجابهة مهيمنة بين الشيوعية السفيوتية والغرب الذي  تقوده الولايات المتحدة الأمريكية فإن طرفي النقيض الثقافيين الذين  انطمسا إبان الحرب الباردة يمكنهما البروز من جديد، بل بعض هذين الطرفين أخذ هو الأخر شكل أيديولوجيا باعتباره تأكيدا على هوية آسيويه خاصة من طرف بعض الحكومات والأوساط الفكرية في آسيا الشرقية وجنوب الشرقية. هذه الأيديولوجية ظهرت بكل وضوح مع نقاش ما يعرف بالطابع العرقي الأناني لحقوق الإنسان الذي تدافع عنه الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول والمنظمات الحكومية الغربية، ومن الأكيد أنه من المبالغة التأكيد على أن هذا النقاش أظهر صدام الحضارات. فما يشبه صدام الحضارات كما نتصوره من حيث هو منحى دينيا قد يظهر إذا ما توصلت الاتجاهات المتطرفة للتيار الإسلامي الجديد إلى فرض رؤيتها على العالم في كثير من الدول التي تملي عليها سياستها الخارجية وهو ما لم يحدث بعد.

ومن أجل تحديد مكانة الدين في العلاقات الدولية قد يكون من المفيد التمييز بين الحركات السياسية التي تستلهم من الدين قوامها أصالة والحركات الأخرى التي تستخدم الدين لتبرير أهداف سياسية ترتكز على مصالح أخرى، وهذا التمييز صعب بل مستحيل، وإذ ذاك لا شيء يمكننا من التشكيك في صدق المشاعر الدينية للتيار الإسلامي الذي يرتكب اعتداءات انتحارية وفي المقابل من المقبول التساؤل حول دوافع ثلاثة أحزاب حاضرة في الصراع البسني وهو صراع يتصور أنه ديني. أهو كذلك فعلا؟ وفي ما يبدوا لي أن ب.ج. و. رورك الذي لاحظ أن هذه الخنادق الثلاثة هي من عرق واحد وتتكلم لغة واحدة ولا يفرق بينها إلا معتقدها لا يصدقه أي شخص. ثمة نكتة  من ايرلندا الشمالية تترجم نفس الشكوك حول طبيعة العامل الديني للصراع الذي يجري فيها: إذ كان رجل ما يتجول في شارع مظلم بالبالفست فاستوقفه شخص ما مسلح خارج من مخبأ ووضع مسدسه عليه ثم سأله هل أنت ابروتستانتي أو كاتوليكي فأجاب الآخر مندهشا “أنا ملحد. ـ ملحد بروتستانتي أم ملحد كاتوليكي؟”.

ثم الحر ب والسلم: قد يكون حلوا أن نستطيع  التأكيد على أن الدين عامل سلم في كل مكان. وليس الحال هكذا للأسف!  في العالم المعاصر يمكن أن يكون الدين عامل حرب أكثر من كونه عامل سلم في حالات عديدة، سواء  كان داخل أمة أو بينها وبين أمم أخرى، بعض الحركات والمؤسسات الدينية تشعل نار الحرب الأهلية في شبه القارة الهندية والبلغان و الشرق الأوسط وإفريقيا  وأكتفي هنا بذكر الحالات الجلية، وقد يحدث أن تحاول بعض المؤسسات الدينية أن تعارض سياسات العدائية وأن تقترح احتكاما بين المتحاربين. فهكذا تدخل الفاتكان كوسيط في بعض الصراعات الدولية في أمريكا اللاتينية، كما نمت الحركات الدينية السلمية في عدة دول ( من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية إبان حرب افيتنام) وفي ايرلندا الشمالية حاول رجال الدين الكاتوليكيين والبروتستاتيين عبثا أن يتوسطوا في الصراع. قد يكون من الخطأ مع هذا الاكتفاء بتدخل المجموعات  والمؤسسات الدينية القائمة، فالقيم الدينية يمكنها أن تنتشر في المجتمع بأثيرات سلمية وفي غياب كل عمل شكلي من طرف الهيئة الدينية المشكلة. بعض الملاحظين رأوا أن اتساع رقعة قيم المسيحية عزز من مسار إنهاء التمييز العنصري في جنوب إفريقيا حتى ولو كانت الكنائس قد وقفت إلى جانب الأطراف المتحاربة على الأقل حتى السنوات الأخيرة من النظام حيث غيرت الكنيسة المعدلة والمكسوة بالثوب الإفريقي موقفها من التمييز العنصري.

النقطة الثالثة التنمية الاقتصادية: إن النص المرجعي حول العلاقة بين الدين والتنمية الاقتصادية هو دراسة تقليدية لماكس فبير حول الخلق البروتستانتي والعقلية الرأسمالية. إن الجامعيين يناقشون هذا الكتاب منذ تسعين سنة. ومهما كان تصورنا عنه ( فقد ينتابني أن كون فيبيريا حقا) فمن الواضح أن بعض القيم تعزز التنمية الاقتصادية أكثر من غيرها. فشيء ما يشبه «الخلق البروتستانتية» لفيبير كان جد فعال في المراحل الأولى من النمو الرأسمالي ـ إنه خلق ـ  مستلهم من الدين أم لا ـ يعزز الانضباط الشخصي والعمل والزهد واحترام المعرفة. إن البروتستانتية الجديدة في أمريكا اللاتينية تعبر عن هذه القيم  في بعدها الأصيل والنظيف بدرجة أنني فكرت في أن أعنون مشروع البحث حول هذه القضايا والذي قام به مركز الذي أديره في جامعة بوصطون ب:« ماكس فبير بصحة جيدة ويعيش في اكواتمالا». وعلى النقيض من ذلك فإنه من الواضح أن الكاتلوكية الإبيرية التي تم فرضها في أمريكا اللاتينية لا تبشر بنفس القيم.

ومع هذا فإن التقاليد الدينة قد تتغير. فإسبانيا عرفت فترة مزدهرة من التطور والنجاح الاقتصادي  في سنوات انحطاط نظام أفرانكو، وأحد الأسباب هو تأثير (أوبيس ديي) التي تمزج بين أوتودوكسية متشددا وانخراط في اقتصاد السوق في المجال الاقتصادي. وقد أشرت إلى الصعوبات التي لا قاها الإسلام إزاء اقتصاد السوق المعاصر غير أن بعض المهاجرين المسلمين نجحوا بصورة مدهشة في بعض دول العالم (مثلا في إفريقيا شمال الصحراء، ويوجد تيار إسلامي قوي في إندنوسيا يمكنه أن يلعب دورا مشابها لدور أوبيس ديي في العالم الكاتوليكي، ومن المناسب أن ضيف أنه منذ سنين عديدة  تم افتتاح نقاش حول الدور المنوط بالكوفثيوسية في النجاح الاقتصادي بآسيا.

فإذا ما تبنينا أطروحة ” ما بعد الكونفثيوس” واعتبرنا أن الكونفثيوس دينا فستكون مساهمة كبيرة الدين في التنمية الاقتصادية.

و الحالات التي نبقى فيها مترددين إزاء هذا التحليل هي الحالات التي   يتعلق فيها الأمر بقيم لا تزال موظفة إبان فترة معينة من التاريخ الاقتصادي وليست لها تأثير خلال لحظات أخرى.

إن ” الخلق البروتستانتي” أو ما يعادله كان بدون شك فعالا خلال المرحلة التي أطلق عليها ورتل روستو « الإقلاع» لكنه لم يكن كذلك فيما بعد، وثمة قيم أخرى أقل تشددا ستكون أكثر عجزا في الاقتصاد المسمى اقتصاد ما بعد التصنيع في أوربا وأمريكا الشمالية وأسيا. إن التقشف وإن كان من الناحية الأخلاقية محبذا قد يشكل عائقا من الناحية الاقتصادية فالهدونستيون الغير الملتزمين الذي يصعب عليهم الخروج من الفقر في مجتمع في طور الإغلاق يمكنهم النجاح في اقتصاديات قائمة على معرفة المجتمعات الغربية.

وأخيرا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية: إن المؤسسات الدينية قد نوعت مواقفها في هذا الصدد وكان  لبعض  تلك المواقف نتائج سياسية مهمة كالنضال من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية وانهيار الشيوعية في أوربا، غير أنه كما أسلفت يوجد اختلاف في وجهات النظر الدينية حول طبيعة حقوق الإنسان، ونفس الشيء بالنسبة للعدالة الاجتماعية: فما هو عدل بالنسبة للبعض  قد يكون جورا بالنسبة للأخر، وأحيانا يكون من الواضح أن المواقف المتبناة من طرف مجموعات دينية حول هذه القضايا قائمة على الدين، من ذلك مثلا معارضة مبدأ الإجهاض ومنع الحمل من قبل الكنيسة الكاتوليكية الرومانية. وأحيانا حتى لو كان الرأي المعبر عنه حول العدالة الاجتماعية يبرره نص ديني فإنه يعكس بالخصوص انتماء رجال الدين إلى فئة اجتماعية ما وليست فئة دينية باعتبارهم يعبرون عن مصالحها، وحتى أبقى على نفس المثال  يبدو لي أن ذلك ينطبق على المواقف التي تتخذها المؤسسات الكاتوليكية الأمريكية حول العدالة الاجتماعية باستثناء ما يتعلق بالجنس والتناسل.

ولقد تناولت في صفحات قليلة موضوعا معقدا وقد طلب مني أن أعطي وجهة نظر عامة وهو ما حاولته  فعلا، وليس بإمكاني البتة أن أخلص إلى استشراف متنوع  فمن كانوا يعلقون آمالهم على الدين ليلعب دورا في مشاكل هذا العصر ومن يخشونه سيصابون لا شك بالإحباط نتيجة وضوح المعطيات، ففي هذا المجال ليس ثمة خيار سوى مقاربة كيسة لكل حالة بمفردها غير أنه يمكن الإعلان عن قطعية يوثق بصدقيتها: وهي أن إهمال الدين في تحليل عالمنا اليوم هو مجازفة كبيرة /

Olivier roy

العلمانية وليدة الفصل بين الدولة والكنيسة

إن العلمانية في الغرب تشكلت أولا و قبل كل شيء على أساس مواجهة بين البابا والإمبراطور وبين الملك وروما بين الجمهورية والكنيسة أي بين مؤسستين، والمثال المعاكس الأمريكي ليس وحيدا: فضد منزلة الكنيسة الرسمية في ابريطانيا ثار الأباء المؤسسون للمراسيم الفاصلة بين الدولة والكنيسة وهو فصل لم يكن يعني إطلاقا الفصل  بين الدين والسياسة ( نظرا لأهمية الدين المدنية) وإنما كان ذلك الفصل على الطريقة الأمريكية كردة فعل على الإشكال الأوربي.

إن مسألة العلمانية في العالم الغربي ليست هي مسألة العلاقة بين الديني والدنيوي لأنه في العمق كل واحد من القضاءين يدعي القدسية، والعلمانية الفرنسية لم تستطع أن ترى النور في العالم الإسلامي نظرا لغياب محركين أساسين ولداها: دولة علمانية ومؤسسة دينية، فالاثنان في تنافس دائم ليس من أجل سلطة دنيوية ولكن بغية تراتبية دنيوية تبعا لفضاء مقدس وهو ما يفسر كون مصطفى كمال آتاتورك جلب إلى تركيا دولة يعقوبية بكامل معداتها الشرعية ( القومية والمدرسة و أسطورة الأمة الموحدة) وليس بحاجة إلا أن يقصي رجال الدين لأنهم لا يشكلون قطبا آخر للشرعية فهو يكتفي باستغلالهم ومن جهة أخرى، فإن الإحياء وإضفاء القداسة في الدولة الغربية كما رأينا لم يتم بمعزل عن تمسك الدولة بالقوام الديني كي تتأسس، فالقانون حينئذ قائم على الإرادة:  إرادة الله إرادة الأمير وإرادة الجسم السياسي، فالإرادة مهما كانت عامة أو خاصة فهي مقدسة والدولة في هذه الحالة حاملة لقيم: والقيم الجمهورية إيجابية. والنضال بين الدولة والكنيسة كان قويا (حتى إذا كانتا يتقاسمان نفس الإيمان) لأنهما يدعيان نفس الشرعية ونفس الفضاء وبناء المجتمع. وفي العمق ليست ثمة علمانية دون دولة قوية، و كما رأينا فإن  إعطاء مسحة قداسة على الدولة هو الذي مكن من ظهور فضاء علماني، فالبعد الديني شرط للعلمنة من خلال مرور إلى  العامل السياسي، وفي الإسلام ليست هناك كنيسة ولا تقديس للدولة، والنظام تعاقدي ليس بإرادة الشعب وإنما باعتباره محتملا فالسلطان أو الأمير يأخذ السلطة بقوة ويحتفظ بها في إطار تعاقد إلى حد ما علني بينه وبين العلماء ( طالما ظل يدافع عن الإسلام في الخارج ويدعي تطبيق الشرع في الداخل فهو شرعي) ـ فانتصاره أو انهزامه ليس إلا دليلا على التأييد أو اللامبالاة الإلهية. إن النظام ليس مثاليا أبدا ولا مقدسا وليس كذلك مصدرا للقوانين. إن الدولة في الإسلام كانت دوما ضعيفة ليس للاعتبارات التي قدمها موتسكيى ( استبداد رجل واحد) وإنما لأن المجتمع المدني استفاد من حماية عززها عاملان: العصبية والشريعة. فالسلطة القوية ليست بالضرورة مرادفة للدولة القوية.

لكننا إذا جمعنا بين الدولة والعلمانية فعلى الإسلام أن يمر بتجربة دولة عصرية قوية وليس بنظام استبدادي. و الديمقراطية لن تتأتى إلا حين تقوم دولة عصرية وفي هذا المعنى نتحدث دوما عن المثال التركي.

فالإسلام فاته قطار التاريخ  بالنسبة للكثيرين ويمكنه بتبني تربية قوية أن يقطع المراحل، وهو ما يبرر بعض أشكال الاستعمار ( المحميات مثلا) وتأييد أنظمة استبدادية علمانية ( الرئيس بن على في تونس) أو تدخلات عسكرية كانت نتيجتها وضع دولة ما تحت وصاية طويلة (العراق بعد التدخل الأمريكي 2003)[2]. إن النقاش قد انتقل من العلمنة إلى إشكالية الدولة، وليس في الأمر مثار للدهشة لأننا رأينا كيف أنه في التقاليد الأوربية وخاصة الفرنسية لا يمكن الفصل بين التفكير حول الديمقراطية العلمانية وبين إشكالية الدولة، هل لأن القوالب هي إنتاج تاريخ خاص ليس له قيم عالم أم لأنه يجب المرور بنفس الظروف التاريخية التي أنتجت العلمانية ( تعزيز العنف وسوء التفاهم) كي يتم تبنيها.

المخيال السياسي للإسلام:

هل هناك ثقافة سياسية مسلمة؟

بعيدون من أن نمثل استمرارا لأربعة عشر قرنا من التاريخ، نرى أن الرجوع  إلى الإسلام كان مطاطا ولا يشكل أي نموذج محدد سلفا ويتكيف مع الأنظمة السياسية المختلفة، ومع هذا فإن الرجوع التلقائي إلى ثقافة سياسية مسلمة يوحي بأنه قد يكون ثمة ثوابت وشكل تخيلي للسلطة يفرض بنية العلاقة التي يقيمها المسلم مع العامل السياسي والذي يجد اليوم صعوبة في الجمع بين نمط الدولة العصرية والديمقراطية، كيف نتخيل وقتئذ عودة العامل الديني إلا بشكل فوضوي؟ فالفوضوية تفترض ديمومة نمط من التفكير مكسو بالحداثة ولكنه يرجع كفائض يؤسس حقيقة هوية تبحث عن ذاتها، نحن نحاول دوما أن نعرف هذا الثابت الديني والمبدأ والعقلية والثقافة التي تفسر ردات الفعل المختلفة التي يقوم بها كل مجتمع على النظام الاجتماعي و الشكل السياسي والممارسة الاقتصادية والعلاقة بينه و الفضاء وتعريف الذات.

والمشكل يبقى دوما هو كيف يمكن للدين أن يمارس وظيفته في الاجتماعي والسياسي؟ كيف يمكنه تحديد سلوك منتسبيه؟ بالطبع يمكننا أن نفكر بلغة عقلية: فالمتدين   قد تملكته داخليا الضوابط التي بمقتضاها يرى أن ليس ثمة فرق بين الدولة والدين وهو إذن لم يصل إلى تكيف مع العلماني لكن لماذا تملكت صاحب الدين داخليا هذه الضوابط بعينها ولم  تتملكه آخرى؟ أي علاقة بين الوازع  والممارسة؟ هل تحريم الزنا في المسيحية أدى إلى انخفاض عدد الزناة في العالم المسيحي بالتأكيد لا، حتى ولو كان قد ساهم في إنشاء سوق من الإجرامية يتم تسيره في إطار تنوع كبير من الأجوبة والأدوات. فالضابط ليس إذن بريئا ولكنه لا يمارس  دوما وظيفته بصورة مباشرة.

إن الوازع الديني لا يقوم بدوه كوازع اجتماعي وسياسي إلا لأنه أعيدت صياغته وترجم في آليات تفترض كلها تدخل هيئات أخرى ( أنظمة أخرى من ضوابط): القانون، السكينة العامة وكذا أشكال من الدين تختلف بحسب الزمان والمكان. فالمبدأ الديني لا يوجد إلا من خلال إعادة القراءة  والتوظيف أي إعادة التدين.

لقد بينا في هذا الكتاب أنه بالنسبة إلينا كان الفاعل الأساسي لإقامة ما نسميه العلمانية هو النظام السياسي وليس المبدأ العقائدي فمن خلال العامل السياسي وجدت العلمانية طريقها إلى الوجود، وهو أمر ينطبق على الإسلام بينما كانت العلمانية تقوم على أساس تغيرات في أنماط المعتقد لدى المنتسبين إلى الدين.

فمن المهم إذن أن نرى كيف  أن مفاهيم دينية ستعبر عن نفسها  بعبارات اندماج في الكون ومشروع اجتماعي وعلاقة بالعلمانية والأرض.

 وما يهمنا ليس المبدأ العقائدي في حد ذاته وإنما في الصياغات التي قدم بها من حيث دمجه لصاحب المعتقد في الكون، وهذا الدمج ليس تجريديا، حتى ولو كان صاحب المعتقد يتوهم أنه يمتلك إيمانا ورؤية للخلاص صالحة لكل زمان ومكان فإنه من البديهي أن يعبر عنها في سياق معين، لا يمكننا فهم شيء مثلا من الخصومات الدينية خلال مرحلة ما من التاريخ (القرن الخامس والسادس عشر بالنسبة للمسيحية) إذا لم نعتبرها خصومات أبدية.

ويمكننا الحديث بالتأكيد عن مخيال سياسي إسلامي بمعنى نظريات تتردد عن السلطة لدى العلماء والمفكرين، لكن المدهش هو عدم الفاعلية، فهم لم يساهموا أبدا في تحديد نظام سياسي إلا إذا غادروا المجال القضائي إلى المجال الإيديولوجي( الخميني) وهي ظاهرة حديثة، فما يحدثه المبدأ العقدي ليس النظام  السياسي وإنما مخيالا سياسيا  يرتبط بشكل حتمي بالتفسير الذي نقوم به. و المخيال السياسي المهيمن اليوم سواء لدى الإسلاميين أو لدى الأصوليين الجدد هو نفس المخيال الذي كان  لدى النبي صلى الله عليه وسلم  ولكن هذا المخيال ليس نقلا للماضي(لماذا انتظر المسلمون كل هذه الفترة كي يروا بأن نمط الحاضرة المحمدية هو وحده الشرعي). إن تحيين الماضي هو كما كان دوما محاولة امتلاك شكل من العصرنة، فلنأخذ مثال الخلط الدائم بين الإسلاميين والأصولين الجدد[3] فبالنسبة للإسلاميين إعادة الأسلمة تمر عبر  الدولة وبالنسبة للأصوليين تمر عبر الورع الشخصي وهم مع هذا يتقاسمون نفس المخيال السياسي: وهو مبدأ أن المجتمع الإسلامي المثالي هو المجتمع الذي  كان أيام النبي. لكن هذه القوالب لا يتم توظيفها بشكل مباشر. فعدد من العلماء والمؤلفين الأكثر عصرنة خصصوا صفحات بأكملها لتحديد الشروط التي يجب تحققها كي نصبح خليفة لكن أي شخص لم يسع بشكل جدي إلى أن يغدو خليفة: فالموضوع تم أخذه من جديد من طرف حركات سياسية (كحزب التحرير، حزب شبه سري يوجد اليوم في لندن ويجد منتسبيه ضمن الشباب الإسلامي من الجيل الثاني) وفق منطق منبت الصلة بالقانون الإسلامي التقليدي ( خليفة حزب التحرير يتم اختياره من طرف الحزب نفسه وليس من طرف شخص ما: إن تصورا كهذا يجعل الحزب فاعلا سياسيا وريثا للماركسية)[4].

وفي الواقع إذا تمكنا من إعداد قائمة بما سيشكل قاعدة المخيال السياسي الإسلامي ( الخلافة عدم الفصل بين الدين والسياسة) سنرى أن هذه القوالب تستغل عبر توظيف  قضائي وإيديولوجي. فالمبدأ العقدي ليس له إطلاقا أثر مباشر على العامل السياسي فهو لا يستغل إلا إذا تمت إعادته وترجمته وتعريفه من جديد عبر إيديولوجية سياسية وفق إعداد قضائي وضمن أدوات للسلطة تعلق بوضعية سياسية محددة:  سنرى فيما بعد كيف أن الدولة الإسلامية هي أعداد إيديولوجي خاص بالقرن العشرين.

 لكن بعض المؤلفين كساميل هينتكتون ( والرأي السائد) يتصور علاقة ما  بين المبدأ العقدي النظام السياسي وهي  علاقة قد تأخذ بعدها المادي في الثقافة: الثقافة الإسلامية أو العربية الإسلامية. وخلاصة  القول أنه حتى إذا تصورنا أن المجتمع المسلم قد تمت صياغته تبعا لمسار من العلمنة فإن الإسلام لم يطبع ثقافتها السياسية ولا العقلية الفردية للفاعلين كما لم تتخل أوربا المعلمن نهائيا عن مسيحيتها. إن النظرة الشمولية للإسلام تستمر في إيديولوجية سياسية في الشرق الأوسط (حيث القومية  العربية ليست إلا علمنة للقومية الإسلامية). وصعوبة التفكير في مؤسسات سياسية مستقلة وتصور مواطن معزول عن روابطه القبلية أو عن محل انصهاره الفعلي مع المجموعة: كل هذا قد يكون مؤشرا على استمرار ثقافة عربية إسلامية رافضة لإقامة دولة عصرية.

لقد طرحنا منذ البداية سؤالا يتردد دوما: كيف يمكننا أن نقول بأن المبدأ العقدي هو الذي يحدد السلوك لدى أصحاب المبدأ؟ بالنسبة للأصوليين المتشددين الجواب فيما يبدو واضحا، فصاحب المعتقد نفسه هو الذي يقرر أن يضع تعاليم معقتده نصب عينيه وبالنسبة، للمسلم الاجتماعي الذي لا يحتاج إلى إبراز معتقده هناك لجوء إلى مفهوم الثقافة الذي يفترض أن يتم توظيفه من أجل تبيان كيف أن مجتمعا  ما قد يكون محكوما بالعامل الديني  دون أن يكون هذا الأخير باديا في أي مكان لا في القانون ولا في  المؤسسات.

 وفي النهاية فإن الثقافة يتم تصورها على أساس  أنها فاعل يمكن الدين من قولبة المجتمع وقولبة العقليات، إنه المفهوم الأساسي لإشكالية صدام الحضارات: والحضارات دينية في جوهرها حتى ولو كانت معلمنة، لا يمكننا الفلاة من الدين،  والثقافة هي الوسيط بين الدين والمجتمع: إنها هي ما يتبقى من الدين إذا تبخر الإيمان. العلمنة هي إذن استمرار للعامل الديني دون تقديس له وهو يتماشى وهذا الشكل المستعاد من المثالية الدينية ويتماشى مع التحاليل  التي نقدمها عادة عن علمانيتنا.

فنحن إذن أمام حالتين تحاصران الإسلام في شبه جزيرته: دين معلمن يجد تعبيره في الثقافة ودين أصولي يتم التعبير عنه في أشكال من الإلزامية السلطوية. فحتى ولو لم نكن لدينا معتقد فسنبقى مسلمون، فتخوش من الفئوية يتم تفهمه بسهولة، لأن المسلم الاجتماعي يغدو حينئذ بالضرورة قابلا لأي إحياء ديني للثقافة أو للمعتقد الذي يحمله في داخله: فالأصولية إذا يتم تصورها على أنها امتداد للثقافة الأم. والعلمانية حقا تفترض آنذاك تخل عن كل رجوع إلى هوية غير هوية المواطنة السياسية.

ومشكل هذا التحليل الذي يطمح إلى تفسير الثقافة بالدين هو أن العامل الديني المؤسس لا يمكن فصله بحد ذاته: هذه الثقافة العربية الإسلامية تنبع في واقع الأمر من أنتربولجيا المجتمعات العربية أكثر مما تنبع من الإسلام بحد ذاته إنها تدخل واستمرارا كاذب ( في الإسلامية الأموية و العروبية الأممية) ويجهل الاقتباسات (  مثلا العروبية الأممية تنبع أكثر من الأممية العرقية على النمط الجرماني الذي تم تحليله بخصوص أوربا، نفس الشيء بالنسبة للدولة الإسلامية التي تنبع من إشكالية عصرية للدولة الأيديولوجية). وفي الواقع فإن ثقافة الإسلامية هي بناء خيالي مركب من عدة عناصر، من المبدأ العقدي، ومن قوالب تاريخية، ومن ملامح اجتماعية، ومن عقليات صهرت كلها تحت اسم الثقافة. عبارة الثقافة عبارة إطنابية: الثقافة الإسلامية أو المسلمة قد تكون العنصر الثابت والحاضر في كل المجتمعات المسلمة المحتلة و المتنوعة فنجد فيها بصورة عامة ما أدرجناه فيها عند المنطلق، ومن جهة أخرى حتى إذا كانت الثقافات ذات أصول الدينية ( لن نناقش الأمر هنا) فإن بعض القوالب    (كالدولة والديمقراطية يمكنها أن تستقل بذاتها وأن تنفرد: لكن الإشكال هو تجذرها في النموذج السياسي، في سياق  جديد وليس عدم مواتاة مفترضة مسبقا،  ثم هل يجب أن نعرف ما إذا كان اقتناء هذا النموذج يفترض المرور عبر اللحظة التاريخية التي ولدته، غير أن السياق فصل الأراضي (  الهجرة مثلا) يفصل النماذج السياسية المستعملة في الثقافة الأم وبصورة عامة فإن الخطأ الكبير للمذهب الثقافي فيما يتعلق بالإشكال الديني هو تصور الأصولية على أساس أنها إحياء للبعد الديني لثقافة تقليدية في حين أن الأصوليات العصرية هي على العكس جزء لا يتجزأ من مسار الهدم الثقافي، إنها عودة الدين التي تشكك في الرابطة بين الثقافة والدين بصورة ربما أكثر راديكالية من المسارات البطيئة للعلمنة، إنها حتما إشكالية العولمة تتجلى في مختلف الحالات: عولمة نمط العامل القضائي والسياسي أو عولمة أشكال التدين التي ترتبط نسبيا بالمضمون الديني للمعتقدات. لقد ذكرنا بالحوار بين البروتستانتية والرأسمالية ورأينا كيف أن خُلُق شغل جديد قد بدأ يشق طريقه في إطار الرأسمالية ولكن كيف أنه بدأ يتسرب إلى الخارج لا فقط بالنسبة للكاتولوكيين وإنما كذلك بالنسبة للمسلمين ( في إطار مسياد: نقابة تركية تضم المؤسسات الصغيرة وهي تتطلع إلى خُلُق جديد للشغل)[5] والإشكال حينئذ هو ما إذا  كان هذان الشكلان من أشكال العولمة هو على العكس من النظر القروي للعولمة الفرنسية، هل نمو هذه الأنماط الجديدة للدولة أو المجتمع (بصورة صريحة المجتمع المدني) ونمو الأصولية الفردية والخالية من الثقافة، وبكلمة واحدة فإن العولمة تعزز نمو الأصولية الدينية وتضعف في الوقت نفسه نمط الدولة الذي سمح بالعلمانية وهو بدون شك ما يحدث اليوم. وثمة سؤال فرعي يتمثل في معرفة ما إذا كان هذا الأمر مرغوبا فيه، ولكن للإجابة على هذا السؤال، لا بإلقاء أماني علمانية أو دينية، ينبغي أن نفحص ديناميكية هي قيد التحرر.

قوس الدولة الإسلامية وخلق فضاء علماني

إن تاريخ العالم الإسلامي يظهر أن السلطة كانت دائما علمانية وغير مقدسة غير أن إعادة الأسلمة في القرن العشرين شككت في  التوازن بين السياسية والدين نتيجة إعادة قراءة للإسلام (الإسلامية والأصولية الجديدة) التي تتراءى لنا كأنها عودة للأصول ولكنها في حقيقة الأمر هي أدلجة للدين، فالإسلامي والأصولي إذا أكدا على ضرورة الرجوع إلى زمن محمد(ص) فهم أول من سيقول بأنه لم توجد أي تشكلة سياسية في العالم الإسلامي تطابق الدولة الإسلامية الحقيقة فمشكل الدولة إذا هو مشكل عصري تشكل على أساس نموذجين:

أ ـ إعارة جهاز دولة علماني وسلطوي على النمط الأوربي إما تحت نموذج استبدادي متنور منذ القرن التاسع عشر (محمد عالي في مصر) ثم مع مصطفى كمال آتاتورك ورزا شاه في القرن العشرين أو تحت أنظمة من النمط الفاشي أو الاشتراكي (الحزب الواحد أو الزعيم الروحي أو دور مصالح الأمن والجيش الخ) من الناصرية إلى البعثية مرورا بجبهة التحرير الجزائرية وهذه الأنماط من العلمانية السلطوية لم تستطع إطلاقا أن تتبنى الديمقراطية باستثناء تركيا.

ب ـ الدورة الإسلامية: التي أنتجها تحول معين للإسلام في قالب إيديولوجيا سياسية تحت التأثير الواسع لفلسفة السياسية الأوربية حيث الدولة هنا هي التي تصوغ المجتمع.

وبخصوص الدول العلمانية السلطوية فإن المطالبة الشعبية بالدولة الإسلامية ظهرت بالتحديد كمطلب احتجاج للمجتمع وكبحث عن أصولية خاصة إذا فقدت هذه الدول شرعيتها المناهضة للإمبريالية والوطنية (مصر بعد عبد الناصر والجزائر بعد أبو مدين).

إن رفض العلمانية هو تعبير عن رفض نظام، والأمل في أن مستقبل النظام سيكون تحت رقابة قانون لن يكون هو قانون الرجال وبالتالي سيقضي على الارتشاء وعلى كل سلطة شخصية، الأمر لا يتعلق فقط باحتجاج مجتمع تقليدي وإنما على العكس بإرادة امتلاك للدولة من أجيال جدد تولدت من التحولات الناتجة على مستوى الدولة: طلاب ومجتمع حضري  والتكنوقراطيين.

وقد درست سابقا تناقض الدولة الإسلامية[6].

ونكتفي هنا بالقول أن تعريفه سواء لدى  الماوردي أو الخوميني أو الإخوان المسلمين ليس مستمدا من الشريعة ولا من التقاليد السياسية للعالم الإسلامي، ولكنه يمثل في الحقيقة قراءة إسلامية لمفاهيم سياسية عصرية (الدولة والثورة والإيديولوجيا والمجتمع) إذن بالتحديد تفكير حول الاستقلالية وأولوية السياسي آخذين مفهوما وسطيا هو مفهوم الأيديولوجيا: الدولة الإسلامية لم تعد هي الدولة التي تعترف بالشريعة كقانون لدولة ولكنها دولة تأخذ الدين كأيديولوجيا للدولة.

وفي دولة كهذه مثل إيران الإسلامية ليس العامل الديني هو الذي يحدد مكانة العامل السياسي وإنما العكس. الموطن الوحيد الذي أقيمت فيه دولة إسلامية هو إيران وليس ذلك صدفة فنحن نجد فيه القطبين الأساسيين الدولة والكنيسة.

ولقد بينا كيف أن الثورة الإسلامية ساهمت في جعل المجتمع دولة[7] ولكن خصوصا انطلاقا من هذه الحالة أمكن لإشكالية حقيقية للعلمانية أن تنمو بمعنى الفصل بين هيئة المنتجين للمعرفة والطوابق الدينية والمسيرين للدولة.

إن الأدلجة ليست إلا رجوعا للعامل السياسي وتأكيدا لهيمنة السياسة على القانون الشرعي التقليدي لكن تأثير نظام إسلامي كهذا هو أن يولد العكس: علمنة متسارعة مع ـ بخصوص إيران ـ تهاو للممارسة الدينية، وبخصوص افغانستان بعد انهزام الطالبان نزع المسحة السياسية عن الإسلام.

ففي إيران إلى جانب الإصلاحيين هناك الدينيون التقليديون الذين يطالبون لا بالعلمنة (فهم يحرصون على أن يظل المجتمع المدني دينيا) وإنما بالفصل بين الكنيسة والدولة كي يتم إنقاذ الأولى.

إن منزلة آية الله السيستاني في العراق وإن كانت لا تساوي خطيا منزلة رجل الدين الشيعي العراقي السامي خلال القرن العشرين يجب أن نقرأها على ضوء فشل الثورة الإسلامية الإيرانية: السيستاني لا يريد دولة إسلامية قد تفصل المبادئ التي تقوم على الشرعية الدينية وتفرض إذ ذاك أن تتدخل في تسيير الشؤون اليومية للعامل السياسي.

فالإشكال ليس إذا هو استمرار الثقافة الإسلامية ولكن بروز أشكال جديدة من أدلجة الدين ومن التدين في إطار الدولة القومية العصرية.

الثورات الإسلامية تقود إلى خلق علمانية بالفعل لأنها بتسييسها المفرط للعامل الديني تجعله يفقد دوره كملاذ يقود معتنق هذا الدين تقليديا ويجعله مؤمنا جديدا حالما بفضاء روحي خارج الفضاء السياسي فما تبقى للسلطة إذن لم يعد الدين وإنما جهاز سياسي متدين يستعمل النظام الأخلاقي كي يحافظ على وضعيته كسلطة، وفي هذه الحالة فإن عودة الشعور الديني تتم خارج العامل السياسي وخارج الدين الرسمي وحتى خارج الإسلام الشيعي الأورتودوكسي: عودة إلى الصوفية والحلولية واهتمام بالمسيحية دون الحديث بالطبع عن الإلحادية.

إن تسييس العامل الديني قد قاد إلى الفصل بينه والعامل السياسي والمطالبة بالديمقراطية قد تكون في نهاية المطاف علمانية.

 

 

 


[1]  ـ  هي صيغة تعدية لفعل دان بالشيء ومعناها جعله يدين به.

  • ـ بتير ال برجير: أستاذ في جامعة بوصطن حيث يدير معهد الدراسات الثقافة الاقتصادية.

[2]  ـ إن الاحتلال العسكري للعراق من طرف الولايات المتحدة الأمريكية قائما على أساس بداغوجية التضييق والإدارة الأمريكية في العراق اتخذت كنموذج لها إعادة بناء ألمانيا سنة 1945: تعليم شعب أنهكه الاستبدال فضائل ا لديمقراطية ولم تكن النتائج فيما يبدو مرضية.

[3] ـ هذا الخلط واضح في كتاب كرلين فروست حول رمضان الذي يرفض أن يعبره من إخوان المسلمين مثلما نفرض آ ران شيوعيا وجيباه تود أسكير لأنه ما نفهم من كلمة اخوان ا لمسلمين؟ وفاء لتيار فكري أو إنماء لتنظيم أو إرادة إقامة نمط دولة ما أو مدرسة للتفكير أو تشكلة فكرية أو قناعة أيديولوجية؟ فهناك أكثر من طريقة تشكل أو انتماء للمركسية أو ترودسكية أو العمل  الفرنسي أو الفاشي كذا أيضا إخوان المسلمين.

[4]  ـ حول حزب التحرير يمكن رجوع إلى موقع: www.hizb-utthrir.org.

[5]  ـ أنظر أطروحات شهادة دراسات المعمقة كولد كن بيركو آلية الإسلام نحو إستراتيجية ترقية إجتماعية من خلال قطاع الخاص حالة المسياد 1999.

[6] ـ أولفي روي :فشل الإسلامي السياسي:، مرجع سابق.

[7]  ـ فرحات خوسروخافار وأولفي روي “إيران كيف تخرج من ثورة إسلامية”، سي 1999.

error: المحتوى محمي