الحكمة القديمة والميكانيكا الكوانتية – موسى ديب خوري

الحكمة القديمة والميكانيكا الكوانتية – موسى ديب خوري

ليس ثمة أنيَّة معزولة.

شرودنغر

الإنسان يصبح ما يفكر فيه.

أوبنشاد مايتريي

إن الأصالة قائمة أبدًا في الحاضر: فهي التجدُّد المبدع وهي الصيرورة الكلِّية. وهي ليست مجرد تراكم للإنجازات الكبرى، بل هي ما نستلهمه اليوم من حقيقة التجربة الإنسانية على مرِّ العصور. إن تجربتنا الماضية ماثلة فينا. فإن لم نستوحِ اليوم كلِّيتها، ولم نبعثها إبداعًا دفَّاقًا، فإننا سنقضي عليها شيئًا فشيئًا، وبالتالي نقضي على أنفسنا. علينا ألا تتجاوز تاريخنا – النفسي والروحي؛ فهذا التاريخ ليس محمَّلاً بالأحداث فقط، بل هو تجربة مستمرة يقوم على أساسها تطورنا المشترك مع الطبيعة. والتطور ليس حالة راهنة، أو درجة تلغي سابقاتها، بل صيرورة ذات تراث عريق.

هذا المنقول هو ما ندعوه بـ”الحكمة”: إنه حصيلة تجربة إنسانية خلاقة تمَّتْ على صعيدين: فردي وجمعي. الصعيد الفردي قاد الإنسان إلى وعي متزايد لموقعه في الطبيعة – وهو موقع روحي بالدرجة الأولى، كما نلحظ ذلك من أقوال الحكماء عبر العصور: “كونوا كاملين.”[1] والصعيد الجمعي بلغ بالإنسانية درب الكلِّية، درب وعي الفعل المشترك الذي عبَّر عنه تيار دُهْ شاردان بـ “تلاقي الكون”.[2] كذا فإن الحكمة هي خلاصة تجربة واحدة، تمَّت بأشكال مختلفة، وعبر عصور مختلفة؛ ولذلك تم التعبير عنها بصور شتى. غير أن جوهرها ظل أبدًا الحقيقة الكامنة، حقيقة التجربة الواحدة ذاتها، حقيقة التطور الكلِّي.

إن العلم يعود اليوم إلى ينابيع الحكمة بعد أن تراجعت هذه الأخيرة، خلال مراحل سابقة، إلى الفلسفة.[3] ويمكننا فهم هذا التحول في إطار التطور النفسي–العقلي للإنسان. ذلك أن كفة العقل رجحت على كفة النفس خلال العصور التي تلت اكتشاف الأبجدية؛ وبلغ هذا الرجحان أوْجَه في العصر الحديث، مع التطور العلمي والتقني. وبذلك تكون فترة التراجع هي فترة انتقالية في التطور الإنساني، نما فيها الفكر وطوَّر فيها العقل أدواته من أجل فهم الظاهرة الكونية. ويُعَدُّ رجوع العلم اليوم إلى ينابيع الحكمة عودة إلى التوازن النفسي–العقلي في التطور الإنساني. وبناءً على هذا، يمكننا إقامة المقارنة بين العلم الحديث والميكانيكا الكوانتية على أساس تاريخي راسخ، ألا وهو تاريخ التطور الإنساني.

ولعلنا نلحظ في دراستنا للحكمة ثبات رموزها وبنيانها المعرفي على مرِّ العصور. بينما نجد أن العلم الحديث لم يحصِّل أبدًا معرفة نهائية، إنما اعتمد على التجربة المتطورة باستمرار، رغم إصراره على اتباع منهج عقلي محدود. فللحكمة مبادئ ثابتة يمكن أن تتلخَّص بكلمات بسيطة مثل: الوحدة والكلِّية والتطور. أما العلم فإن نظرياته تتأسَّس على التجربة والبرهان؛ ولهذا فإن كافة مبادئه قابلة للتعديل بحسب تطور مناهجه.

كذا فقد اعتمدت الحكمة التعبير عن الحقيقة بالرمز لأن الحقيقة غير قابلة للكشف كليًّا، بأية لغة كان؛ في حين يحاول العلم باستمرار تطويع لغته لتناسب أوسع إطار للواقع، على الرغم من وقوعه، في معظم الأحيان، في مطبِّ تطويع الواقع نفسه للغته. في حالة الحكمة، تكون الحقيقة روح فاعلة وطاقة دينامية؛ بينما يبدو الواقع في حالة العلم آلة معقدة، مهما ألبسناه من صيغ جمالية. الحقيقة، في الحالة الأولى، كلٌّ واحد مع الوجود؛ بينما يظهر الواقع، في المنهج العلمي، وكأنه قانون صارم بعيد المنال. إن الحقيقة، في الحالة الأولى، أقرب إلى الحياة المتطورة وإلى الكون المتطور وإلى الإنسان المتطور؛ بينما لم يقبل العلم، إلى اليوم، صورة كلِّية للوجود تشتمل، في آنٍ واحد، على القانون الآني والديناميِّ للتطور.

***

يهدف هذا البحث إلى طرح أفكار عدد من علماء الفيزياء الكوانتية الذين نهجوا في بحثهم نحو العودة إلى التلاقي الكوني. وبحسب هؤلاء الفيزيائيين، لا بدَّ “من فتح الحوار ومن توسيع الأطر والمناظير ومن تطور روحي حقيقي.”[4] والعودة إلى عقائد الشرق متكررة في تاريخ الفيزياء الحديثة. فهي ترجع، على الأقل، إلى زمن أينشتاين Einstein وإدِّنغتون Eddington. كذلك كان هايزنبرغ Heisenberg نفسه يعتقد بوجود قرابة بين فلسفات الشرق الأقصى القديمة والمحتوى الفلسفي للنظرية الكوانتية. فهو يقول في مؤلَّفه فيزياء وفلسفة: “إن الفيزياء الحديثة ليست سوى جزء متميز جدًّا من عملية تاريخية عامة تهدف إلى توحيد عالمنا الحاضر وتوسيعه. ويمكننا أن نضيف أن هذا التوسيع بات اليوم يشتمل حتى على فهم الماضي الروحي للشعوب وإيقاظه من خلال سبره في الحكمة القديمة.”[5] ويضيف: “إن تفتح الفيزياء الحديثة يمكن أن يساعد في التوفيق بين المنقولات القديمة والتيارات الفكرية الجديدة. ويمكن للإسهام العظيم الذي قدَّمته اليابان مثلاً في الفيزياء النظرية بعد الحرب العالمية الثانية أن يُعتبَر دليلاً على وجود قرابة بين الأفكار الفلسفية النقلية للشرق الأقصى والمضمون الفلسفي للنظرية الكوانتية.”[6] كما أن نيلز بور N. Bohr كان شغوفًا جدًا بمبدأي الـ يِن/يَنغ في التاوية.

ولئن لم يكن جميع هؤلاء العلماء على دراية معمقة بهذه المعارف القديمة لكن استمرارية المقارنة بين الفيزياء الكوانتية والحكمة القديمة تبدو واضحة وواعدة – على الأقل على مستوى الرمزية الثقافية، أي على مستوى تلاقح وتطور المعنى الثقافي. وقد كانت لبوهم D. Bohm خطوة حاسمة في هذا الاتجاه عندما التقى، في مناسبة تاريخية، بكريشنامورتي Krishnamurti في العام 1961. يقول: “لقد اهتممت به […] لأنه تحدث عن الراصد والمرصود، وهي المسألة المطروحة في الميكانيكا الكوانتية […]. ولا شك أنه كان يستند إلى النفس في حديثه، لكنني أشعر أن شبهًا كبيرًا كان قائمًا بين المجالين في كلماته.”[7]

إن الميكانيكا الكوانتية تشكِّل اليوم إحدى أعلى القمم التي بلغها العلم الحديث؛ وقد جاءتنا بنتائج ثورية على الصعيدين التطبيقي والمعرفي. وعلى الرغم من أنها زادت من غموض صورة الكون في مواضيع عديدة وفتحت أبوابًا جديدة للأسئلة، إلا أنها كشفت لنا عن إمكانات حقيقية لإيلاج الوعي في القانون الطبيعي. وهذا هو الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه أية مقارنة بين الحكمة القديمة والميكانيكا الكوانتية.

كذا فمن موجبات هذا البحث إثباتُ نظرة جديدة بدأت تتبلور بين المفكرين والعلماء. فمع فيض المعلومات والتطورات التقنية الكبرى يثبت عجزُ المنطق الكلاسيكي عن احتواء هذا الواقع الجديد. ويؤكد إدغار موران E. Morin، في ندوة انعقدت في السوربون، على “ضرورة عقلانية مفتوحة تفسر لنا كيف أن عنصرين متناقضين يصبحان واحدًا متماسكًا؛ في حين أن الديالكتيك يعطينا الانطباع عن وحدة تنقسم […]. وبهذا يجب أن تكون هذه العقلانية، خلافًا لأية عقلانية، متجددة باستمرار لتحافظ على حوارها مع اللاعقلي، أي أن تكون قادرة على النقد الذاتي، وأن تكون متحررة من المنطق ومنفتحة على الواقع المعقد، من دون أن تفقد دقتها ورصانتها. فنرى هكذا عالمنا بكلِّيته – الفيزيائية والبيولوجية والعقلية والروحية – من دون اختزال.”[8]

ولعل من شأن المؤتمرات المتوالية، التي انعقدت في سبيل إقرار معرفة حدسية وروحية، أن تساهم في النظرة الجديدة إلى الحياة في ضوء الاكتشافات الحديثة للعلم. لقد صرح جان شارون J. Charon في العام 1979 بأن “الفيزياء تفتح الباب على الروح”. وإبان الفترة نفسها أمل فريتيوف كابرا F. Capra – وهو آنذاك الفيزيائي النظري في بركلي Berkeley – في مؤلفه تاو الفيزياء أن “الغربيين سينضمون يومًا إلى مدرسة الفكر الشرقي”[9]. وقد تُوِّج هذا التوجُّه بحق في لقاء قرطبة في العام 1979 الذي أثار ضجة كبيرة.[10] وقد ساهم فيه كلٌّ من بوهم وبريان جوزفسون B.D. Josephson (حاصل على نوبل في الفيزياء) والفيزيائي أوليفييه كوستا دُهْ بورغارد O. Costa de Beauregard، الذي تصدى لفهم العلاقة بين الميكانيكا الكوانتية والبارابسيكولوجيا. وكان آخر هذه اللقاءات وأهمها مؤتمر البندقية الذي انعقد برعاية اليونسكو في العام 1986، واتُّفق خلاله، لأول مرة، على تصريح مشترك. وكان من المشاركين فيه كلٌّ من محمد عبد السلام (نوبل الفيزياء)، وجاك دوسيه (نوبل الطب والفسيولوجيا)، وبسراب نيكولسكو (فيزيائي)، ودافيد أوتوسون (فسيولوجي ورئيس لجنة نوبل للفسيولوجيا والطب)، وروبرت شِلدريك (بيولوجي)، وهنري ستاب (فيزيائي)، وغيرهم. ومن أهم النقاط التي اشتمل عليها تصريح البندقية[11] النقاط التالية:

  1. إننا نشهد ثورة مهمة في ميدان العلم، نتجت عن العلوم الأساسية من خلال الانقلاب الذي قامت به في حقل المنطق، وفي الإبستمولوجيا، كما وفي الحياة اليومية من خلال التطبيقات التقنية. إلا أننا نلحظ، في الوقت نفسه، وجود انحراف كبير بين النظرة الجديدة إلى العالم التي تنجم عن دراسة المنظومات الطبيعية وبين القيم التي مازالت سائدة في الفلسفة وفي العلوم الإنسانية وفي الحياة على صعيد المجتمع الحديث. فهذه القيم تعتمد، بدرجة كبيرة، على الحتمية الميكانيكية والوضعية أو العدمية. ونشعر أن هذا التطرف مؤذٍ جدًا ويحمل تهديدات عظيمة بتدمير جنسنا.

  2. وصلت المعرفة العلمية، بفعل حركتها الداخلية ذاتها، إلى تخوم يمكنها أن تشرع عبرها في الحوار مع أشكال أخرى للمعرفة. ونلحظ، وفق هذا المعنى، ومع الإقرار بوجود اختلافات أساسية بين العلم والمنقول القديم، أنهما ليسا متعارضين، بل متكاملان. إن التلاقي غير المتوقع والغني بين العلم ومختلف المنقولات القديمة يسمح لنا بالتفكير في ظهور رؤيا جديدة للبشرية، أو حتى عقلانية جديدة قد تقود إلى منظور ميتافيزيائي جديد.

  3. وفي حين أننا نرفض كلَّ مشروع توتاليتاري، وكلَّ منظومة فكرية منغلقة، وكلَّ طوباوية جديدة، فإننا نعترف، في الوقت نفسه، بالحاجة الملحة إلى بحث حقيقي متعدد المناهج pluridisciplinaireوعبرمناهجي transdisciplinaire، في تناول دينامي بين العلوم الصحيحة والعلوم الإنسانية والفن والمنقول Tradition القديم. وإلى حدِّ ما، فإن هذه الطريقة مرتسمة في المخ ذاته من خلال التفاعل الديناميِّ بين شطريه.

  4. يحجب التعليم التقليدي للعلم، من خلال عرضه الخطِّي للمعارف، اللقاءَ بين العلم المعاصر والرؤى العريقة. وإننا لنعترف بالحاجة الملحة إلى البحث عن مناهج تربوية تأخذ في الاعتبار إنجازات العلم التي باتت تتوافق الآن مع المنقولات الثقافية الكبرى والتي يبدو الحفاظ عليها ودراستها بعمق أمرًا أساسيًّا. وتمثل اليونسكو المنظمة المناسبة لتشجيع أفكار كهذه.

***

يمكننا إرجاع التحول الكبير في النقاشات التي دارت حول الميكانيكا الكوانتية إلى العام 1946، عندما نشر جون بِلْ John Bell “المتراجحات” التي تحمل اسمه.[12] وقد أمكن بفضلها التوصل إلى تحقيق اختبارات تجريبية حاسمة. وقد تجلَّى ذلك، بصفة خاصة، بدءًا من العام 1970 في تجارب آلان أسبيه Alain Aspect وفريقه في ORSAY، حيث تبيَّن أن الميكانيكا الكوانتية أكثر انحرافًا وشذوذًا بظواهرها من الفيزياء الكلاسيكية.[13]

يعرض بوهم في مؤلَّفه رقصة الفكر، أو المعنى المنبسط[14] أهم طروحاته حول الفيزياء الحديثة. وهو يقدِّم ثورة ضد الفلسفة الميكانيكية التي تشكِّل القاعدة الرئيسية للعلم الحديث. فالوقت قد حان، بحسب بوهم، لإعادة ترتيب كاملة لمفاهيمنا حول الزمان والمكان والطاقة والمادة والسببية. وعلينا أن نعي، منذ الآن، أن “دراستنا للكون هي دراستنا لأنفسنا”[15]. يقول الفيزيائي جان بول سيراغ J.-P. Sirag في بحثه حول الفيزياء والوعي: “إذا كان ما نعرفه عن العالَم تابعًا لبنية الفكر فإننا، عندما نبحث في الفيزياء الجوهرية، نكون في طريقنا إلى توضيح وتفسير بنية الفكر نفسها.”[16] كذا فإن الميكانيكا الكوانتية، التي أعادت الصلة بين العارف والموضوع، تحتِّم رؤية جديدة وفهمًا أكثر انفتاحًا. وأهم العقبات، التي لا بدَّ للفيزياء الحديثة من تجاوزها لتحقيق هذا الانفتاح، هي النظرة التجزيئية. ويرى بوهم أن الخطأ الأكبر في الفلسفة الميكانيكية هو في كونها فلسفة تجزيئية؛ إذ هي تختزل الكون إلى مجرد تجميع لكينونات منفصلة ومنغلقة على نفسها، وبالتالي، غير قادرة على الاتصال الحقيقي. وتكون الطبيعة، وفقًا لهذه النظرة، آلة ضخمة، في حين يكون الإنسان نفسه مجردًا من الروح والمعنى. وفي ذلك انتقاص للحقيقة بالنسبة لبوهم الذي يحتل مفهوم “المعنى” مكانة خاصة عنده. ما معنى الكون؟ ما معنى الحياة الإنسانية؟ – ذلكما هما السؤالان الأساسيان. لقد انفصل الإنسان الحديث، كما يصرح بوهم، عن العالم وعن الآخرين. يقول: “إنه لا يستطيع رؤية نفسه مرتبطًا داخليًّا بالإنسانية ككل، وبالتالي، بالشعوب كافة […]. وهذا الإنسان يعتقد أن الفكر والجسم حقيقتان منفصلتان […]. والدليل على ذلك هو عدد العصابيين والذهانيين المتزايد في العالم، وهو أمر ناجم عن تجزئة النفس.” وباختصار، فإن “الفكر التجزيئي، كما يقول بوهم، يؤدي إلى ولادة واقع لا ينفك يتشتت في نشاطات غير منتظمة وشاذة ومدمرة”[17]. وبالتالي، يؤكد بوهم على المعنى بقوله: “إن حضارتنا عانت وتعاني مما يمكننا تسميته بإفلاس المعنى.”

يتلخص الحلُّ الفلسفي الذي يقترحه بوهم بكلمتين: “الانطواء” و”الانبساط”. فالكون “نظام منطوٍ” Implicate Order، تحييه حركة انفتاح، فيتجلَّى كـ”نظام منبسط” Explicate Order. والفرضية الكبرى التي يقدِّمها هي عدم وجود شيء منفصل انفصالاً كليًّا. فكلُّ الأشياء والكائنات مرتبطة بعضها ببعض. والإلكترونات نفسها، بحسب بوهم، تنطوي وتنبسط دون توقف: “فالمادة الصماء تتخلَّق باستمرار، بالانطواء والانبساط، ناسخة نفسها بنفسها […].”[18] وكما يشير بوهم فإن “فكرة الانطواء هذه هي فكرة قديمة معروفة منذ زمن بعيد جدًّا في الشرق”. والحق أن الفكرة الجوهرية في هذه الفرضية هي الوحدة الكلِّية التي تتأسَّس عليها الحكمة القديمة، أينما وُجِدَتْ. فهذه الحكمة تقوم على مبدأ “الكلِّ في الكل”: الجوهر الواحد واللانهائي المتجلِّي في العشرة آلاف شيء. إنه التاو Tao الذي تُحدِّثنا عنه الحكمة التاوية: “شيء ما تكوَّن في السرِّ، وُلِدَ قبل السماوات والأرض، في الصمت والخلاء، أحديًّا، سرمديًّا، حاضرًا أبدًا ومتحركًا أبدًا. قد يكون هو أم العشرة آلاف شيء. أنا لا أعرف له اسمًا، فأسمِّيه التاو.”[19]

إن الوعي والرغبة والإرادة والشعور والفكر كلَّها مظاهر لهذه الكلِّية؛ ولهذا فإنها تنطوي جميعًا وتنبسط. يقول بوهم: “[…] إن الفكر واللغة يشكلان نظامًا منطويًا، لكنهما يحتويان أيضًا بانطوائهما على المشاعر؛ والعكس صحيح، إذ تتضمن المشاعر منطويةً الفكر.” ويستخلص بوهم النتيجة التالية: “من الممكن أن شيئًا مماثلاً للفكر موجود في المادة الجامدة، في شكل منطوٍ على الأقل، كما أن الحياة متضمنة في المادة اللاحية […]. وهذا يقودنا إلى أن العقل والمادة هما وجهان للحقيقة الواحدة نفسها.”[20] ويتفق ذلك تمامًا مع ما جاء في الحكمة القديمة: “التاو ينسل الواحد، الواحد ينسل الاثنين، الاثنان تنسل الثلاثة، الثلاثة تنسل العشرة آلاف شيء، العشرة آلاف شيء تحمل اليِن وتحتضن اليَنْغ وتحقق انسجامهما بالدمج بين هاتين القوتين.”[21]

وهكذا يؤكد بوهم أنه ليس ثمة تباين بين الموضوع الفيزيائي ومعناه: إنهما مظهران لحقيقة واحدة شاملة. وهو يرى أنه لا يوجد سوى دفق وحيد للحقيقة، ويجب، بالتالي، عدم فصل المادة عن الفكر والنفس عن الجسم. يقول: “قادني التأمل في فرضية بوهر، التي لا يمكن وفقًا لها تصورُ أية صيرورة كوانتية فردية، إلى تطوير التفسير السببي للنظرية الكوانتية، وهو يرتكز على رؤية لامثنوية للعلاقة بين الفكر والمادة.” وترتكز نظرية بوهم هذه، في جوهرها، على فرضية كلِّية تعتمد مفهوم الانطواء والانبساط الذي يحقق التوازن المطلوب للوجود الديناميِّ. يقول بوهم: “بما أن النظام المنطوي في الطبيعة ليس سكونيًّا، بل ديناميكيٌّ في جوهره، في صيرورة ثابتة من التحول والتطور، فقد دعوته، في شكله الأعم، بالحركة الكلِّية Holomovement. فكلُّ الأشياء القائمة في النظام المتجلِّي والنظام المنطوي تنبعث من الحركة الكلِّية، حيث تكون منطوية فيها ككمونات، لتعود إليها في النهاية. وهي لا تدوم سوى بعض الوقت. وفي أثناء هذه الديمومة ينحفظ وجودُها بواسطة صيرورة ثابتة من الانفتاح والعودة إلى الانغلاق، الأمر الذي يشيِّد في النظام المتجلِّي أشكالَها الساكنة والمستقلة استقلالاً نسبيًّا […]. وهذا الوصف الذي ينطبق على سلوك المادة، كما تصفها الفيزياء الكوانتية، ينطبق ببداهة أكبر على الفكر […]. وبالتالي فإن الصيرورة العامة للنظام المتضمن هي صيرورة مشتركة للفكر وللمادة. وأخيرًا فإن ذلك يعني أن الفكر والمادة يُبديان تشابهاتٍ قوية جدًّا، بحيث إن اختبارًا بسيطًا يكفي لإظهارها. ويبدو من المنطقي، إذن، تعميق الأمر إلى أبعد من ذلك، والإشارة إلى أن النظام المنطوي يمكن أن يعبِّر عن العلاقة الحقيقية بين الفكر والمادة دون إقحام ثنائية ديكارتية بينهما.”[22]

إن هذه العلاقة الحميمة بين الفكر والمادة تطرح بصورة أوضح إمكانية التأثير المتبادل بين طرفي هذا التجلِّي للمبدأ الواحد. “فكلُّ تغيُّر للسوما soma [أي للجسم] هو تغيُّر للمعنى، وكلُّ تغير للمعنى هو تغير للجسم.”[23] ويؤكد بوهم أخيرًا على وجود الانبساط–الانطواء، أو السريان الكامل، بشكل من الأشكال، بين المادة والطاقة والمعنى، بحيث يشتمل كلُّ مصطلح من هذه المصطلحات على المصطلحين الآخرين في هذا الثالوث. إنه شكل آخر لوحدة “الحق والطريق والحياة”. وبحسب بوهم، “يمكننا القول، بطريقة ما، بأننا المجموع الكلِّي لمعانينا.”[24] ويقدم لنا بوهم التوجُّه الروحي لهذه المسألة في السؤال التالي: “أمن الممكن للكائن الإنساني أن يدخل فعليًّا في تماس مع هذه الطاقة الكونية وأن يكون واعيًا لها؟”[25] لعل الجواب السديد يأتينا مباشرة من الحكمة القديمة في أوبنشاد مايتريي: “الإنسان يصبح ما يفكر فيه – ذلكم هو السر الأبدي.”[26]

***

أما بسراب نيكولسكو (الفيزيائي النظري في المركز الوطني للبحث العلمي CNRS في فرنسا والمتخصص في فيزياء القسيمات الأولية) فقد فضل دراسة الحكمة القديمة في إطارها الغربي، ممثَّلة بالصوفي الألماني يعقوب بوهمه J. Bohme (1575-1624)، وذلك في مؤلَّف بعنوان العلم والمعنى والتطور: دراسة في يعقوب بوهمه.[27] ويتفق نيكولسكو مع بوهم تمامًا حول الأفكار الرئيسية. ففي حين يعارض بوهم أولاً الفلسفة الميكانيكية، يفضل نيكولسكو مهاجمة العلموية scientisme (الإغراق في المنهجية العلمية)، بما هي تكريس للعلم طريقًا وحيدًا للمعرفة وتأليه له. لكن الطريقتين تلتقيان، لأن علم العلمويين هو تحديدًا العلم الميكانيكي الذي بسببه فَقَدَ العالَمُ سحرَه، أي فقد معناه، وبات غريبًا عنَّا إلى درجة أننا لم نعد قادرين على التواصل معه.

إن الديناميَّة الداخلية للفيزياء هي التي تستحث على التساؤل حول الحقيقة، وبخاصة حول انتظامها الذاتي. ويقبل نيكولسكو، باستناده إلى أفكار عدد من الباحثين، مثل برنار دسبانيا B. d’Espagnat، بأن العلم يعيد فعليًّا بعث مسألة المعنى. وهو يرى هذا المعنى الخفي كرابطة بين الشكل والمادة، يتساوق مع ثالوث بوهمه في كوسمولوجياه التي ترتكز على ثلاثة مبادئ: “ينبوع الظلمات وقدرة النور والتوالد خارج الظلمات بقدرة النور”. إنه ثالوث الوجود: الأب والأم والابن. وبفضل هذه المبادئ الثلاثة ولدت العوالم الثلاثة المنفصلة بعضها عن بعض والمتداخلة في آنٍ واحد: عالم النار وعالم النور والعالم الخارجي. “هو الذي قضى على الظلام بقدرة النور”، كما جاء في أحد الأناشيد الفيدية المرفوعة إلى إندرا.”[28]

كذا نرى أن الثالوث يشكل أحد المبادئ الرئيسية في فلسفة نيكولسكو. هو ذا يقول: “إن التأمل المسيحي حول الثالوث […] يشكل التيرب[29] الذي سمح بولادة العلم الحديث.”[30] ومن أهم الأفكار التي يعالجها نيكولسكو، بالمقارنة مع فلسفة بوهمه، تتعلق بالانفجار البدئي Big Bang أو بالنجاحات التي تصادفها اليوم مصطلحاتٌ من نحو “التعقيد” أو “الانتظام الذاتي”. لكنه يقف، بشكل خاص، عند مفهوم اللاانفصالية non-séparabilité. أفلا يُفترَض فينا، كما يقول، تفسير هذه اللاانفصالية فلسفيًّا بوصفها إشارة إلى اللاانفصالية المعمَّمة التي تميِّز كوسمولوجيا يعقوب بوهمه؟[31]

إن فيزياء اللامتناهي في الصغر، بحسب تعبير نيكولسكو، هي “وادي الدهشة” (التعبير للصوفي فريد الدين العطار في منظومته منطق الطير) الذي يخبئ مفاجآت سحرية للمسافر. ذلكم هو عالم الميكانيكا الكوانتية بالنسبة لمسافر، إذ “يصادف فيه قسيمات كوانتية تظهر له كموجة وكجسيم في آن واحد”. لكن ما يصعق هذا المسافر بعد حين هو اللاانفصالية: “إنها رؤية ساكنَيْن في وادي الدهشة هذا يقطنان مجرَّتين مختلفتين ويتأثران معًا في آنٍ واحد ككلٍّ واحد، مما يتجاوز بمراحل قدراته على قبول المجهول.”[32] وعندئذٍ فإن على المسافر أن يفهم أن عليه كسر حاجز عادات الفكر القديمة والانفتاح على رؤيا جديدة للواقع.

لكن هذا الانفتاح يضعنا أمام مشكلة جوهرية، عالجها بوهم بأن فرض مصطلح “المعلومة الفعالة […] الذي يشير إلى أن للمادة سلوكًا فكريًّا أوليًّا […]. فثمة سلوك من الطبيعة نفسها متحقق على المستوى الكوانتي، وذلك بالمعنى الذي يتحيَّن فيه شكلُ تابع الموجة عبر حركة القسيمات […]”[33]. لكن إمكان التواحد في الكلِّ يظل قائمًا في عالمنا الخارجي الكبير، كما يقرِّر بوهم، وإن كان هذا التحيُّن لا يظهر على مستوى الفيزياء النيوتونية. ترى، إلى أيِّ حدٍّ يمكن لتواحد العارف مع موضوع المعرفة أن يعكس تواحد العارف مع العارفين الآخرين؟ وهل يمكن أن نخلص إلى المعرفة ذاتها عبر تجارب مختلفة؟ يقول شرودنغر في نهاية مؤلَّفه الموسوم بـرؤيتي للعالم: “من المدهش، على الرغم من انفصال حقل وعيي عن حقل وعي الآخرين، أن ولادة لغة مشتركة ونموَّها يقودان إلى التعرف على تماثل بنيوي واسع لجزء معين من تجربتنا المعيشة، وهو الجزء الذي ندعوه بالخارجي […].”[34] ويستنتج شرودنغر من ذلك حقيقة العالم الخارجي وواقع “أننا جميعًا تجلِّيات مختلفة للواحد”[35].

ولعل اللغة، بتضمُّنها للفكر، هي التي تشوش إدراكنا للتماثل البنيوي في تجربتنا، ليس فقط خارجيًّا بل وداخليًّا أيضًا. ويقر فريتيوف كابرا بدور الفكر في تحليل التجربة وتفسيرها على المستويين الصوفي والفيزيائي؛ لكنه يؤكد “أن دوره محدود ولا يستطيع القيام بذلك إلا جزئيًّا”[36]. ويعترف الصوفيون أن التجربة الصوفية الفردية تحافظ على خصوصيتها، حتى في إطارها الكلِّي، ضمن تدرجاتها المختلفة. ويمكننا أن نتساءل فعلاً إذا ما كان بالإمكان تحقيق تجربة كلِّية واحدة في تماثلاتها عند عدد من المتصوفة، مادامت الإنسانية جمعاء لم تصل بعد إلى مستوى هذا الاتحاد الذي يعبِّر عنه تيار دُهْ شاردان بـ”التلاقي الكوني” أو بالاتحاد في نقطة أوميغا.[37] ويشير كابرا إلى عجز اللغة، في كلِّ الأحوال، عن التعبير عن هذه التجربة، فيقول: “يتفق جميع الصوفيين على أن المنطق واللغة يجب أن يتراجعا في نهاية الأمر لأنهما لن يستطيعا إدراك التجربة كليًّا. ونجد الأمر نفسه في الفيزياء؛ إذ يمكن للفكر أن يقترب من هذه الحقيقة، لكن ذلك يبقى تقريبيًّا ومحدودًا. ولن نستطيع أبدًا معرفة الحقيقة النهائية بواسطة العلم، علم التقريبات فقط؛ وأقصد بذلك استحالة صلة مطلقة بين الواصف والشيء الموصوف. وهذا ينطبق على الصوفي أيضًا؛ إذ ما إن يبدأ بالحديث عن خبرته حتى يخضع للإشراطات العلمية نفسها”[38].

ومع ذلك فإن شرودنغر يذهب إلى أبعد من ذلك. فمع خصوصية التجربة الصوفية يظل الوعي الكلِّي واحدًا في النهاية عبر الخبرات المختلفة. ويؤكد شرودنغر “أن الأنيَّات المختلفة تشكِّل وعيًا واحدًا”؛ أو بعبارة أدق: “إن الوعي نفسه هو الذي يدرك الموضوع بأشكال مختلفة في أنيَّات مختلفة.”[39] وبالنسبة له فإن “التعددية التي ندركها ليست إلا ظهورًا، لكنها غير موجودة في الحقيقة”[40]. وهذا يطابق ما تقول به الحكمة القديمة من أن العالم مايا maya، أي وهم! ونجد في بوذية مهايانة (عقيدة “العقل فقط”) تعبيرًا عن هذه الفكرة بالكلمات التالية:[41]

هكذا تكون أنواع الوعي تحولات.

ما يميز وما لا يميز هما،

بسبب هذا، غير حقيقيين.

لهذا السبب، كلُّ شيء عقل.

ويحاول شرودنغر، بأسلوب وصفي بديع، أن ينقل إلينا هذه الصورة بشكل آخر:[42] يتصور إنسانًا جالسًا أمام منظر طبيعي ساحر يشتمل على لانهاية من الصور البديعة ويتساءل: “ما الذي جعله ينبثق من العدم فجأة ليتمتع للحظة قصيرة بهذا المشهد؟ إن كافة شروط وجوده هي أقدم من الصخرة التي يجلس عليها. لقد كافحت البشرية طويلاً عبر أجيالها لتكرار هذا المشهد. إن هذا الإنسان الجالس على الصخرة يعرف الألم مثلنا، كما وفرحًا قصيرًا.” ثم ينهال علينا شرودنغر بسلسلة من الأسئلة المدهشة: “ترى هل هو إنسان آخر؟ ألم يكن هذا الإنسان هو أنتم أنفسكم؟ ما أناكم؟ ما هو الشرط الذي أدَّى لأن يكون هذا الكائن الوليد هذه المرة هو أنتم – أنتم تحديدًا وليس إنسانًا آخر؟ ثم ما هو المعنى المفهوم بوضوح والمتوافق مع علوم الطبيعة الذي يجب إعطاؤه لهذا الفرد الآخر؟” ويجيب شرودنغر ببساطة: “يتجلَّى ههنا فكر الفيدنتا الجوهري. فليس من الممكن أن تكون وحدة المعرفة هذه، والشعور والاختيار، قد انبثقت جميعًا من العدم […]؛ بل لنقل بالأحرى أنها أبدية في جوهرها ولامتبدلة وواحدة عدديًّا عند كافة الناس، وحتى عند كافة الكائنات الحاسَّة.”[43]

إن ما بلغته الميكانيكا الكوانتية من توغل في أعماق الوجود المادي قد كشف لها عن وحدة خفية لا تزال مظاهرُها غير مستقرة استقرارًا كاملاً. فالإلكترون، الذي يمكن أن ينتظر تأثيرنا ليظهر لنا بما يتوافق وذلك التأثير، لم يعد مجرد قسيم يمكننا تحديده وفقًا لنموذج منفصل وآلي. وهذا الإلكترون نفسه، الذي يستطيع أن يكون على صلة آنية بإلكترون آخر بعيد عنه بعدًا شاسعًا، يفلت من إطار فهمنا للظاهرات ومن نمط تفكيرنا ويلغي أيَّ تصور تجزيئي للوجود. فههنا، أمام أعيننا، ثمة وحدة معرفية تتحقق تجريبيًّا عبر مسافات شاسعة.

“وهكذا، كما يقول شرودنغر، فإن الحياة التي تحيونها ليست فقط جزءًا من الوجود كلِّه، بل هي، بمعنى ما، الكل!” ويتابع: “وهذا ما يعبِّر عنه البراهمانيون بالصيغة المقدسة التالية: تات تفام أسي tat tvam asi، ذاك هو أنت.”[44]

إن هذه الوحدة الجوهرية للوجود، التي تتجاوز الوحدة المكانية إلى الوحدة المعرفية، تتجاوز الزمان أيضًا إلى حضور آنيٍّ للكل. يقول بوهم: “هناك نظام كامن واحد، يُبرِز نفسه عبر مجموعة من اللحظات. وفي الجوهر، كلُّ اللحظات هي بالفعل واحدة؛ إذ الآن هو اللانهاية.”[45] ويتفق شرودنغر تمامًا مع بوهم، إذ يقول: “أبدًا ودائمًا […] لا يوجد سوى الآن. الواحد هو نفسه الآن. إن الحاضر هو وحده الذي لا نهاية له.”[46] إن عبارتَيْ هذين العالمين تعكسان واقع ارتباط التعددية بالزمن: فالزمن هو علَّة الموت والحياة؛ أما “الآن” فهو الحضور الكلِّي، والتجدد الذاتي الأبدي. يقول بوهم: “كلُّ شيء، بما في ذلك الإنسان، يموت كلَّ لحظة في اللانهاية ويولد ثانية (الانطواء والانبساط). ما سيحدث عند الموت أن مظاهر معينة لن تولد ثانية في لحظة معينة. لكن جهاز تفكيرنا يدفعنا لمواجهة ذلك بخوف عظيم في محاولة للحفاظ على الهوية.”[47]

ألا يمكننا مقارنة هذه الكلمات، التي لا يبدو، للوهلة الأولى، أنها صادرة عن فيزيائي، بكلمات معلِّم الزن Zen دوجن كيجن Dogen Kigen في مقالته الكائن والزمن؟ يقول دوجن كيجن في حديثه عن الكائن–الزمن[48]:

الكائن–الزمن يعني أن الزمن يندغم بالكائن […]. إن الإنسان يواحِد نفسه بالعالم، أي مع الزمن. علينا قبول أن ثمة في العالم ملايين الأشياء وأن كلاً منها هو العالم كلُّه. تلكم هي النقطة التي تبدأ عندها دراسة البوذية. وعندما نصل إلى فهم ذلك ندرك أن كلَّ شيء وكلَّ كائن حيٍّ يمثل الكلِّية، حتى وإن كان لا يعي ذلك […]. كلُّ كائن–زمن يمثل كلِّية الزمن، وكلُّ نقطة من الزمن تشتمل على كافة الكائنات وعلى العالم بأسره […].

أنا والزمن غير منفصلين […]. عندما لا نفكر في الزمن كشيء يأتي ويذهب فإن هذه اللحظة تكون الزمن المطلق بالنسبة لي […].

لا تعتبروا الزمن مجرد شيء يمر؛ ولا تعتقدوا أن وظيفته الوحيدة هي أن يمر. فلكي يمرَّ الزمن يجب أن يكون هناك فصل بينه وبين الأشياء. وباعتقادكم أن الزمن يمر فإنكم لا تعرفون حقيقة الكائن–الزمن. وبكلمة واحدة، كلُّ كائن في العالم بأسره هو زمن خاص في متَّصل واحد […].

وتجد حكمة معلِّم الزن هذه صداها في تعاليم كريشنامورتي: “فالمحلِّل والموضوع المحلَّل، كما يقول، أليسا ظاهرة وحيدة؟”[49] كذا فإن اعتبار الزمن سيالة تمر باتجاه وحيد يؤدي إلى انفصال الفكر عن الموضوع، وإلى تشتت العالم، وبالتالي، إلى حتمية وجود نقطة بدء بالنسبة لأية ظاهرة؛ في حين تساهم هذه السيالة نفسها، كلما ابتعدنا عن نقطة البدء، في انحراف التوجُّه الأصلي للحركة وتبدُّده، مما يؤدي إلى الشواش والوهم. وإذا عمَّمنا ذلك على الكون أفلا تتطابق نظرة دوجن كيجن، إلى حدٍّ بعيد، مع النظرة الكوانتية، حيث يؤكد ولادة لحظية متجددة للكون، كما لو بقفزة كوانتية Quantum Leap، لأنه ببساطة وجود آني؟ يقول كريشنامورتي: “ما يدوم ليس أبديًّا؛ الأبدية ماثلة في اللحظة.”[50]

إن رموز هذا الحضور الكلِّي في الحضارات القديمة عديدة. ولعل أهمها تقاطع خطَّيْ الصليب، العمودي/الروحي والأفقي/الزمني، في نقطة واحدة. وكذلك هو رمز الدائرة الكاملة والنقطة الثابتة في مركزها. ولا يتردد نيكولسكو، مع تمسُّكه بالمنطق العلمي، في الانطلاق من الرؤية الكوانتية لنشوء الكون، ليصل إلى الخلق الذاتي auto-création وإلى الانتظام الذاتي auto-organization، ومن ثم إلى رمزية الخيمياءAlchimie القديمة، في التعبير عن هذا الحضور دائم التجدد للوجود، فيقول: “إن أكثر الصور موافقةً لتصوُّر هذه الدينامية ذاتية الحقيقة للوجود هي صورة الأوروبوروس Ouroboros، الثعبان الذي يعضُّ ذنبه، وهو رمز غنوصي قديم، كما ورمز كمال التدبير الخيميائي العظيم.”[51]

يقول لاوتسو Lao-tseu: “العشرة آلاف شيء تعلو وتهبط بلا توقف، تخلق ولكن لا تمتلك، تشتغل إنما ليس لحسابها، تنجز العمل ثم تنساه؛ ومن هنا فهي تدوم إلى الأبد.”[52] إنها صورة أخرى للحضور الذاتي، المتجدِّد أبدًا والفاعل أبدًا. وهذا الحضور هو التاو، الذي لا يمكن وصفه أو التعبير عنه: “التاو الذي يمكن الإخبار عنه [وصفه] ليس هو التاو الأبدي. الاسم الذي يمكن تسميته ليس هو الاسم الأبدي.”[53]

***

حاولت خلال هذه الدراسة الموجزة عرض الأفكار الفلسفية لعدد من الباحثين الفيزيائيين الذين اهتموا بالحكمة القديمة ووجدوا قرابة بين الأبحاث العلمية الحديثة ونتائجها الفلسفية والتجربة الروحية التي تحققت عبر الأزمنة. ولعل هذا العرض يُبرِز لنا، في النهاية، أساس الحوار المعرفي الحقيقي الذي يدور حول طبيعة الوجود وعلاقة الإنسان به. وقد حاولت التركيز على هذه الناحية فيما يتعلق برؤيا الوحدة والكلِّية في كوننا، ولم أهتم لتفاصيل المقارنات التي قد لا تنتهي والتي قد لا تصح جميعًا بين الفيزياء الحديثة والحكمة القديمة.

ولعل زملاء نيكولسكو في مركز البحث العلمي الوطني يتساءلون حول العديد من المقارنات التي يقدِّمها ضمن رؤيته الصوفية؛ لكننا، مع ذلك، نثمِّن جرأته على طرح هذه الأفكار من موقعه كعالِم، وإن لم تكتسِ أحيانًا بالمنطق العلمي. وإننا، بدورنا، نسأل زملاء نيكولسكو إذا كانوا قانعين داخليًّا بانغلاقهم وبجمود منطقهم؟ وبالمقابل، نجد أن أفكار بوهم وشرودنغر أكثر ترابطًا ومنطقية ضمن مفهوم العقلانية الجديدة التي يناديان بها. ولسنا نشك أبدًا في أن هذا الحوار المعرفي لا يزال في بداياته وأنه لن ينتهي عند نقطة انفصال.

في إحدى المقابلات طُرِحَ على فريتيوف كابرا السؤال التالي: “إن النظريات العلمية تتغيَّر باستمرار، في حين أن الرؤيا الصوفية تبقى نفسها. ففيمَ إذن أهمية مقارناتكم؟” يعكس هذا السؤال الشكَّ في جدوى هذه المقارنات، كما يمكن لبعضهم أن يعتقد. وكان جواب كابرا على النحو التالي: “بلى، إن العلم يعرف أنه لا يملك حاليًّا الإجابات الصحيحة […]. لكن يجب أن نعرف أننا عندما نضع هذه النظريات، عبر مراحل متتالية مع نماذج جديدة، فإن المعرفة لا تتغير تعسفيًّا، والنظرية الجديدة لا تنسف سابقتها نسفًا كاملاً. كذلك فإن وحدة الطبيعة الجوهرية وسمة تماسك الكون والطبيعة الديناميَّة لهذه الظاهرات لن تنسفها الأبحاثُ المستقبلية.”[54]

كذا يمكننا القول، مع فريتيوف كابرا، أن مستقبل هذا الحوار واعدٌ ومشرق. وعلينا أن نثق في النهاية بقيمة التجربة الإنسانية. إن مسألة الآلية الكونية هي جوهر هذا الحوار العلمي–المعرفي. وفي حين كان ديفِد بوهم يصوِّر عالَم القسيمات كعالَم حيٍّ، كان عالم البيولوجيا جاك مونود J. Monod يقلص الحيَّ إلى آلية حيوية–كيميائية حصرًا. وقد نشر برنار دسبانيا لدى صدور كتاب مونود الصدفة والضرورة بحثًا بعنوان “فيزيائي يردُّ على جاك مونود”، جاء فيه: “لا شك أن بإمكاننا أن نحلم بعلم موضوعي، لكن نظرية بِلْ بخاصة تجبرنا على تغيير نظرتنا. فإذا كانت الميكانيكا الكوانتية صحيحة قطعًا فهذا يستجرُّ عدم كفاية كلِّ فلسفة طبيعية ذات قاعدة ميكانيكية ذرية.”[55]

يمكننا، بالتالي، أن نلاحظ بسهولة نقطة الافتراق الحاسمة في هذا الحوار، أو فلنقل نقطة التحول التي يمرُّ بها العلم. إن الإنسان قادر اليوم على الاتصال بالأرض كلِّها، وعلى تعديل برنامجه الوراثي، وباختصار، كما يكتب نيكولسكو: “إننا نقف على نقطة افتراق طريقين بين التدمير الذاتي والتطور.” وبلغة تيار دُهْ شاردان يقرِّر نيكولسكو أن هذا التطور لا يرتبط أبدًا بالتطور الفيزيائي–الكيميائي، بل هو يتم “على مستوى آخر، هو مستوى الثقافة والوعي أو الإنسانية بما هي اتحاد لجميع البشر”[56].

إن الفيزياء الحديثة، والعلم الحديث بعامة، بحاجة ماسة إلى هذه النفحات الروحية، ليس فقط على صعيد إعادة التوازن الأخلاقي لحياتنا، بل وحتى على صعيد مفاهيمنا المعرفية. إننا أحوج ما نكون اليوملإعادة الصلة مع حقيقة أنفسنا، ولإعادة إيماننا بوحدة الكون وبوحدتنا معه. وإن كنا غير قادرين على وصف الحقيقة كاملة، بل وإن كان يتعذر أن نصف المطلق يومًا، لكن ذلك لا يمنعنا من احترام تجربة الإنسان الروحية والنفسية على مدى العصور، وبخاصة أنها كانت تخلص دائمًا إلى وحدة الإنسان والعالم. في أوبنشاد برهادارانياكا، وهي أشهر وأقدم وأطول أوبنشاد – وتعني “كتاب الغابة العظيم”، وقد اشتهرت بفكرة “نيتي نيتي”، أي “لا هذا ولا ذاك”[57] (وهي العقيدة الصوفية التي تقر بعدم إمكانية وصف المطلق) – نجد التصريح التالي: “لا يوجد في العالم تنوع.”[58]

إننا نحيا في محيط من الطاقة الواحدة والكلِّية. لكن السؤال الذي يراودنا باستمرار، كما يقول بيير داكو: “ماذا يوجد في أعماق هذه الطاقة العظيمة، وفي باطن الارتجاجات الهائلة لهذه القسيمات الأولية التي تنقلب الواحدة منها إلى الأخرى؟ أهي الطاقة الصرف أم العدم؟” إن هذا يذكِّرنا بفكرة بوهم: “لن تتكشف أبدًا القوانين الفيزيائية الأولية بعلم يحاول أن يحطم العالم ومكوناته!” ترى، وراء ماذا نسعى من هذا التحطيم المحموم؟ ويعلِّق داكو مجددًا: “بلى، إننا نسعى وراء شيء غير المادة.”[59] ويأتينا، مرة أخرى، تصريح أوبنشاد برهادارانياكا: “لا يوجد في العالم تنوع”، بينما تتردد في أذهاننا حكمة أوبنشاد مايتريي: “الإنسان يصبح ما يفكر فيه – ذلكم هو السر الأبدي!”

*** *** ***

تنضيد: نبيل سلامة

[1] إنجيل متى 5: 49.

[2] “تلاقي الكون” هي إحدى العبارات المفاتيح في رؤيا تيار دُهْ شاردان للعالم. راجع مؤلَّفه ظاهرة الإنسان ومؤلَّفاته التالية. كذلك انظر رسالته:

  1. Teilhard de Chardin, Lettres de Voyages, 1923- 1955, FM, La Découverte, Paris, 1982 ; p. 398.

[3] يؤكد ندره اليازجي على أن الحكمة القديمة تراجعت في العصور الغابرة إلى الفلسفة وأن العلم الحديث هو عودة إلى الحكمة. راجع دراسته “الحكمة القديمة والعلم الحديث”، الكاتب العربي، عدد 12، 1985.

[4] P.Thuiller, « La mécanique quantique va-t-elle ré-enchanter le monde ? », La Recherche, N° 215, 1989 ; p. 1411.

[5] فيرنر هايزنبرغ، فيزياء وفلسفة: ثورة في الفيزياء المعاصرة، بترجمة د. أدهم السمان، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1984؛ ص 197.

[6] المرجع السابق، ص 194.

[7] مرجع الهامش 4، ص 1415.

[8] ندوة السوربون “نحو عقلانية جديدة”، تغطية ومشاركة سمير كوسا، الصفر، عدد 10، شباط 1987؛ ص 42.

[9] F. Capra, Le Tao de la physique, Tchou, Paris, 1979.

راجع أيضًا مرجع الهامش 4، ص 1411.

[10] راجع أعمال هذا المؤتمر الصادرة عن دار Stock، باريس، بعنوان العلم والوعي Science et conscience.

[11] راجع كتاب العلم يواجه تخوم المعرفة، مراجعة سمير كوسا، الصفر، عدد 17، أيلول 1987؛ ص 28. وللاستزادة حول هذا الموضوع راجع: “مؤتمر البندقية” Colloque de Venise، الصادر عن منشورات اليونسكو، باريس، و”تصريح البندقية” La Déclaration de Venise، دار Félin، باريس.

[12] كانت مشكلة التعيُّن والاحتمالية هي التي أثارت الجدل الشهير بين بوهر وأينشتاين في الثلاثينات. وقد طرح كلٌّ من أينشتاين وبودولسكي Podolsky وروزن Rosen تجربة فكرية لإظهار استحالة التوفيق بين التخمينات الكوانتية والمفاهيم الكلاسيكية الاستنتاجية للحتمية، وبشكل خاص للتعيُّن. وقد أدى ذلك إلى إدخال مفهوم جديد في الميكانيكا الكوانتية هو اللاتعيُّن indetermination الجوهري، حين ترتبط ظاهرات غير متصلة سببيًّا بعضها مع بعض. وفي العام 1965 بيَّن بِلْ أن أية نظرية محلية، ذات متحولات من النمط الكلاسيكي، لن تستطيع إيجاد نتائج النظرية الكوانتية عينها. وفي العام 1982 تم برهان ذلك على يد آلان أسبيه، ثم العديدين من بعده، في تجارب حاسمة ودقيقة، مجسِّمة فكرة التجربة المعروفة بمفارقة أينشتاين برودلسكي روزن EPR.

[13] مرجع الهامش 4، ص 1410. راجع أيضًا: أ. شيموني، “حقيقة العالم الكمومي”، مجلة العلوم الكويتية، المجلد 6، عدد 5، أيار 1989؛ ص 84. ويفصل المقال في التجارب التي بيَّنت أن كائنين تفصل بينهما عدة أمتار ولا يملكان أية وسيلة اتصال بينهما يمكن أن يشتبكا معًا؛ أي أن سلوك كلٍّ منهما مرتبط بسلوك الآخر، مما يجعل أية عملية قياس نجريها على أحدهما تؤثر آنيًّا في نتيجة القياس التي نجريها على الآخر.

[14] D. Bohm, La danse de l’esprit, Éd. Séveyrat, 1985.

والعنوان الأصلي للكتاب هو: The Unfolding Meaning.

[15] المرجع السابق نفسه. انظر أيضًا مرجع الهامش 4، ص 1411.

[16] مرجع الهامش 4، ص 1411.

[17] مرجع الهامش 14، ص 36.

[18] مرجع الهامش 14، ص 24.

[19] Lao-tseu, Tao tö king, Gallimard, 1967.

[20] مرجع الهامش 4، ص 1411.

[21] مرجع الهامش 19.

[22] D. Bohm, « La relation Esprit-Matière », 3e millénaire, N° 21, 1991.

[23] مرجع الهامش 14، ص 99.

[24] مرجع الهامش 14، ص 117–119.

[25] مرجع الهامش 4، ص 1412.

[26] سرفبالي رادهاكرشنان وتشارلز مور، الفكر الفلسفي الهندي، بترجمة ندره اليازجي، دار اليقظة العربية، دمشق، 1967؛ ص 174.

[27] B. Nicolescu, La science, le sens et l’évolution, Éd. du Félin.

[28] من “أناشيد إلى الله” (التعددية، إلى أندرا)، عن غريفث، مرجع الهامش 26، ص 29.

[29] التيرب هو التراب الذي تزيد فيه نسبة المواد العضوية عن 50%، أي أنه تربة خصبة.

[30] مرجع الهامش 27، ص 34.

[31] مرجع الهامش 4، ص 1413.

[32] مرجع الهامش 4، ص 1413.

[33] مرجع الهامش 22.

[34] E.Schrödinger, Ma conception du monde: Du Veda d’un physicien, Mercure de France, Le Mail, 1982 ; p. 156.

[35] المرجع السابق نفسه.

[36] Fritjof Capra, « Vers une nouvelle vision du monde », Entretien de Coussa, Le Lotus Bleu, N° 4, 1989.

[37] “نقطة أوميغا” Ω، في مفهوم تيار دُهْ شاردان، هي القطب الروحي الذي تسعى البشرية إلى الاتحاد به عبر تطورها.

[38] مرجع الهامش 36.

[39] مرجع الهامش 34، ص 29.

[40] مرجع الهامش 34، ص 39.

[41] مرجع الهامش 26، ص 426.

[42] مرجع الهامش 34، ص 42.

[43] مرجع الهامش 34، ص 43.

[44] مرجع الهامش 34، ص 44.

[45] د. بوهم، “هذا الخوف”، الصفر، عدد 17، ص 93.

[46] مرجع الهامش 34، ص 44.

[47] مرجع الهامش 45.

[48] Philipe Kapleau, Les trois piliers du zen, Appendice : « L’être et le temps selon Dogen », Stock+plus, 980 ; p. 277.

[49] Krishnamurti, La première et dernière liberté, Stock+Plus, 1979 ; p. 316.

[50] المرجع السابق، ص 378.

[51] مرجع الهامش 27، ص 136.

[52] مرجع الهامش 19.

[53] مرجع الهامش 19.

[54] مرجع الهامش 36.

[55] مرجع الهامش 4، ص 1414.

[56] مرجع الهامش 4، ص 1413.

[57] مرجع الهامش 26، ص 126.

[58] مرجع الهامش 26، ص 138.

[59] بيير داكو، علم النفس الجديد وطرقه المدهشة، بترجمة وتقديم سامي علام، دار الغربال، دمشق، 1990؛ ص 232.

error: المحتوى محمي