التفكير بعد هيدغر: هابرماس، آبل، رورتي – فتحي المسكيني

التفكير بعد هيدغر: هابرماس، آبل، رورتي – فتحي المسكيني

أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل


تقديم هيدغر في مهبّ المنعرج اللغوي

كيف يمكن أن نقرأ هيدغر “اليوم”، بعد “المنعرج اللغوي” للفلسفة المعاصرة، قراءة “موجبة”؟ – هذا التدقيق ضروري لأن القراءة “السالبة”، ليس فقط قد ذاعت، كما هو معلوم، منذ مقالة كارناب [1] سنة 1931، بل هي قد وجدت شيئاً من التأكد ضمن أعمال عديدة لاحقة حول هيدغر، نذكر منها بخاصة طريقة تخريج جلبار أوطوا (Hottois) لدلالة رفض هيدغر سنة 1927 للانخراط في “فلسفة اللغة” بوصفه علامة ملتبسة على ظاهرة “تضخم اللغة” (L’inflation du langage) في الفلسفة القارية المعاصرة [2]، ونقد هابرماس لهيدغر سنة 1985 ضمن محاضراته حول الخطاب الفلسفي للحداثة، حاكماً عليه بأنه لم يفلح في الإفلات من “براديغم الذات” [3]. إنّ أوطوا وهابرماس قد قرآ هيدغر في ضوء صيغة معينة للمنعرج اللغوي، ولكن قراءة سالبة، نعني بشكل يصرف جهوده إلى إثبات كيف أن نصوص هيدغر لا تلتزم بشروط الصلاحية النظرية التي تتأسس عليها المنطوقات العلمية أكانت تجريبية أم صورية. بيد أن ذلك لا يعني أن القراءة السالبة هي عمل بلا جدوى، بل نحن نفترض أنها تمدّنا، على نحو غير مباشر، بآفاق تأويلية لا تتوفر عليها القراءة “المذهبية” أو “المناضلة” لنصوص هؤلاء الفلاسفة.

بيد أن قراءة هيدغر قراءة موجبة إنما لم تصبح رهاناً فلسفياً حاسماً إلا مع آبل ورورتي، ثم مع هابرماس الأخير. لقد صار السؤال الجديد مع هؤلاء الثلاثة هو: كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟ غير أن الطريف هو أنهم لم يفهموا بعد هيدغر “بوصفه تنكراً مدرسياً لنصوصه أو دحضاً لأطروحاته “بواسطة التحليل المنطقي للغة” كما طمع في ذلك كارناب الشاب، بل هم قد حرصوا، بطرق مختلفة، على الإنصات الداخلي لهيدغر بوصفه جزءاً لا يتجزأ من منعرج لغوي معاصر تضافرت فيه جهود التحليليين والتأويليين من دون سابق اتفاق بين الفريقين. ولذلك فإن مرجع الأمر في العلاقة مع هيدغر هو إما القبول بالانتقال المعاصر من براديغم الوعي إلى براديغم اللغة، وإما عدم القبول. كل من يرفض هذا الانتقال هو يواصل التفكير بلا هيدغر أو بعبارة أدق قبل هيدغر، نعني من دون أن يخوض أي استشكال جذري لهويته أو لمعنى وجوده كما ينتجان عن نمط المعقولية الذي شكّل تقليد الإنسانية الحالية.

إن التفكير بعد هيدغر، كما هو الحال مع جميع عمالقة العقل البشري، هو إما ضده أو معه، لكنه في جميع الأحوال بالنسبة له وإزاءه. ونحن نقترح أن نمتحن هذين الطريقين، عسى أن نفلح نحن أيضاً في العثور على طريقنا إلى الخروج من العقل التأويلي الذي يتحكم في نمط تفكيرنا الحالي ولم نشرع في مساءلته إلا قليلاً.

 

1- التفكير ضد هيدغر

1.1- هيدغر وظاهرة تضخم اللغة في الفلسفة المعاصرة

في كتابه تضخّم اللغة في الفلسفة المعاصرة (L’inflation du langage dans la philosophie contemporaine) الصادر سنة 1979، أقدم جلبار أوطوا، على “محاولة تقييم وتأويل شامل للهوس اللغوي (Obsession langagière) الكوني للفكر المعاصر [4]، لا في صيغته الأولى في الحقل الأنغلوسكسوني، بل بخاصة في نطاق التفلسف القاري نفسه.

يقول: “لماذا كان المفكرون الأكثر بروزاً للعصر منقادين بشكل لا يُقاوم، كما بضرورة داخلية للفكر، إلى تلفظ وتأمل أطروحات بمثل فُجائية [القول بأن]: الوجود هو لغة، الكل هو حوار، الكتابة أقدم من تجربة حضور ما هو، اللغة لعب وعالم، اللغة تتكلم بأكثر ماهوية من الإنسان..؟

ذلك ما كان ينبغي فهمه [5]

في هكذا جملة جمع أوطوا بشكل واضح هيدغر وغادامير ودريدا (وآخرين لاحقاً مثل مرلوبنتي [6] أو آبل [7]) في سلة واحدة: إنّهم جميعاً يسلّمون بأنْ أرضية التفلسف هي اللغة، وأنّ معارك التفكير هي في جوهرها معارك لغوية. – بين أنّ ما هو طريف حقاً في كتاب أوطوا هو محاولته استجماع جملة التجارب الفلسفية المعاصرة تحت لواء مصطلح أساسي يسميه “الثانوية” (La Secondarité)، -ثانوية الفلسفة، حيث:

“يعبّر الثانوي أوّل الأمر عن قدر هامشية الفلسفة المعاصرة في معنى أن الفيلسوف يظهر وكأنه لم يعد يمكنه أن يتكلم إلا في هامش خطابات الآخرين [..]، وكي نعيّنها في عبارات المقاربة اللسانية المترع (Linguisтticistes)، تميّز الثانوية بكسوف العلاقة المرجعية لصالح التحرر اللامحدود للمعنى” [8].

إنّ العلم الوضعي قد استحوذ على كل ما هو خارجي عن اللغة (L’extralinguiticité)، أي على دلالة “المرجع” بعامة، حيث نصّب العلاقة التقنية بالموجود. بذلك لم يبق للفلسفة من ميدان خاص بها سوى “اللغة والمعنى”، حيث أخذت في الانحباس شيئاً فشيئاً، وصارت تستحق لقلب لا “فلسفة أولى”، بل “فلسفة ثانوية” (Philosophie Secondaire) [9]. ومع الفلسفة الثانوية “نحن ليس لنا اليوم سوى المعنى، كل المعنى. إن ذلك هو تعريف الثانوي [..] وإنّ الاستغلال اللامحدود للتراث اللغوي ينبثق من فكّ الارتباط العام للمعنى الذي هو واحدة من خصائص الثانوية”؛ إنّ “الثانوية” هي “الابتعاد المتزايد بالنسبة إلى النزعة النظرية (Théorétisme) والانحباس الجذري واللطيف أكثر فأكثر داخل اللغة” [10].

ولذلك لا يرى أوطوا في انكباب فلاسفة عصرنا على اللغة والخطاب والمعنى غير أعراض عن مرض خطابي هو “تضخم اللغة” (L’inflation du langage) [11]، يجدر بنا أن نبحث فيه بحثاً في جزء منه “كاريكاتوري، ومجذّر وسجالي ومعياري” [12].

إنه في ضوء هذه الأطروحة أتى أوطوا إلى قراءة هيدغر في ضوء المنعرج اللغوي المعاصر قراءة “سالبة” ربّ قراءة يمكن أن نكتفي منها بمقطعين:

 

1- هيدغر الأول والإعراض عن الكوسموس (La forclusion du cosmos)

إنه من اللافت للنظر أن أوطوا يأخذ منطلق قراءته لهيدغر من جملة تنطوي على تقاطع خطير مع أطروحة كارناب حول القضايا “الخالية من المعنى”. إنها جملة من الوجود والزمان، حيث يفترض هيدغر أن “كل موجود ليس من جنس وجود الدازين ينبغي أن يُتصوَّر بوصفه بلا – معنى (Unsinniges)، خُلوّاً في ماهيته من المعنى بعامة” [13]. وحده الدازين له معنى، أما الموجود “القائم” فهو “لا – معنى” ومجرّد من المعنى. هذا التقسيم الهرمينوطيقي لميداني المعنى واللامعنى خرّجه أوطوا بوصفه علامة على تقسيم آخر لما هو “خارج” الدازين إلى جهتين، جهة المعنى الفينومينولوجي – الهرمينوطيقي المشار إليه بلفظة “العالم” (Welt, monde) وجهة ما يسميه أوطوا باسم “الكوسموس” (Le cosmos)، معتبراً أنّه هو نفسه ما كان هيدغر [14] يشير إليه بواسطة المقولات الأنطولوجية التقليدية مثل “الواقع” (Réalité) و”الموضوعية” و”الطبيعية” [15]. إن وجه الاعتراض هو أن الخطاب الفينومينولوجي – الهرمينوطيقي يجد نفسه مرغماً بعض الأحيان على إقرار شكل من الوجود والواقع الكوسموسي الذي ليس له مكان ضمن جدول أنطولوجيته” [16]. إن هيدغر يؤجل النظر في معنى وجود “القيمومة” (Vorhandenheit) في انتظار التوفر على فهم الوجود بعامة [17]، لكنّه في واقع الأمر لا يفعل سوى “إخفاء عمى الفينومينولوجيا – الهرمينوطيقا إزاء عجزها أو نفورها الثاوي في جوهرها من أن تشير إلى عصر أو واقع أو موضع لا يكون من جنس الدازين” [18].

 

2- التباس موقف هيدغر الأول من مسألة اللغة

لئن كان أوطوا يميّز بين نمطين من اللقاء بين الفينومينولوجيا واللغة، أحدهما خارجي، فيه تكون اللغة “موضوعاً” لدراسة الفينومينولوجية مثل أي موضوع آخر، والآخر، داخلي، حيث إنّ “مسألة اللغة لا تكفّ عن الانبجاس [سواء] صراحة أو بشكل متخفّ في قلب الفينومينولوجيا نفسها”، فهو يفترض أن كتاب الوجود والزمان خاضع تماماً لواقعة “الثانوية” – ثانوية الفلسفة بالنسبة للعلم في العلاقة مع الموجود –، ومن ثم هو مخترق من أقصاه إلى أقصاه بتضخّم اللغة المعاصر [19].

– على هذا الأساس بنى أوطوا فرضية طريفة تقوم على أن ثمة في أعمال هيدغر الأول ازدواجاً في نظرته إلى منزلة اللغة: من جهة، أنه منذ مقالة 1912، أبحاث في المنطق وأطروحة التأهيل، نظرية المقولات والدلالة لدى دونس سكوت (1915)، إلى شهادات الترقّي نحو طريق اللغة (1959)، نحن نلاحظ أن فلسفة اللغة ومن ثم أن مسألة “الثانوية بعد – اللغوية” (La Secondarité métalinguistique) إنّما تشد انتباهه؛ ولكن من جهة أخرى، نحن نرى كيف أنه منذ كتاباته الأولى قد عبّر عن “إرادة عدم الاكتفاء بفلسفة لغوية” [20]. إن أطروحة أوطوا تتمثل هذا:

“إن إرادة نفي فضيحة أن تكون الثانوية الصريحة للفلسفة قدراً، إنما تغشنا، في وقت أول، على نحو ناجع بواسطة تجديد أنطولوجي (ومن ثم بإعادة تأكيد أساسي بإطلاق للفلسفة بالنسبة إلى العلم). لكنّها تؤدي آخر الأمر إلى عودة للثانوية أكثر خطورة وأكثر تعقداً وأكثر لطافة، على صعيد انحباس الفكر داخل اللغة، من الإزعاج الذي يخلّفه الخضوع بعد – اللغوي” [21].

لذلك ليس الوجود والزمان حسب أوطوا غير تحويل جوهري لقدر “ثانوية” الفلسفة: إنّه مشروع سيطرة على ظاهرة التضخم المعاصر للغة بإلحاقها بالمسألة الأنطولوجية ودراستها كمبحث من مباحثها. “لكن هذه الواجهة الرقيقة والمستقرة إنما لها وجه آخر يعبر مركزه التأكد المتعدد الأشكال للغة: ثمة كل إشكالية الكلام (Rede) والإنصات الأصلي والنداء والطبيعة الهرمينوطيقية للمنهج ولوجود الدازين” [22]. إنّ الوجود والزمان في ظاهره كتاب كلاسيكي، لكنه يحيل في واقع الأمر على “شكل محتشم وحاسم من الثانوية” [23].

أمّا هيدغر الثاني فلم يفعل سوى التخلي عن “المزعم النظري” الذي كان يحرص عليه في كتاب 1927، وانتهى إلى الإعراض الصريح عن “البنية المرجعية” للغة معلناً في نص يعود إلى 1964:

“إنّ قول اللغة ليس بالضرورة تعبيراً عن قضايا حول (über) الموضوعات. إنّه في معناه الأخصّ قول انطلاقاً مما (von) ينكشف ويأتي قبالة الإنسان بطرق شتى” [24].

هذا الموقف هو حسب أوطوا “انزلاق ملحّ أكثر فأكثر من الهيئة النظرية (Théorétique) إلى الثانوية الهرمينوطيقية” [25].

 

2.1- أطروحة هابرماس الأولى  (1985): فشل هيدغر في الإفلات من براديغم الذات

في الفصل الرابع من كتابه الخطاب الفلسفي في الحداثة، وتحت عنوان “العقلانية الغربية مخترَقَة بواسطة نقد الميتافيزيقيا: هيدغر” [26]، قدّم هابرماس سنة 1985 تقويماً عاماً لكتابات هيدغر من زاوية مسألة محددة هي تلك التي أشار إليها ماكس فيبر بفرضية وجود “صلة داخلية بين الحداثة وما يسميه العقلانية الغربية” [27]. لن نهتم هنا بطريقة هابرماس في تخريج مسألة “الحداثة”، نعني بطريقته في رسم معالم “وعيها بالزمان وبحاجتها لأن تجد في نفسها ضماناتها الخاصة” [28]، بل فقط بقراءاته لنصوص هيدغر في ضوء انتقال الفلسفة المعاصرة من براديغم الذات إلى براديغم اللغة “قراءة سالبة”. فما هي ملامح تلك القراءة السالبة؟ يجدر بنا أن نقف ضمن هذه القراءة عند المقاطع التالية:

 

1- مشروع هيدغر: “محاكمة العقل المركَّز على الذات [29]

يعترف هابرماس أن “هيدغر أعاد للفلسفة السلطان المطلق الذي كانت قد فقدته” منذ هيغل، وأن “أصالة هيدغر تكمن في كونه قد عيّن موقع الهيمنة الحديثة للذات ضمن تاريخ الميتافيزيقا”، لكنّه يفترض أن أهم مسألة لدى هيدغر هي أنه بنقده للنزعة الذاتية الحديثة قد استأنف مبحثاً هو منذ هيغل جزء من “الخطاب الفلسفي في الحداثة”، هذا المبحث هو “محاكمة العقل المركَّز على الذات (La raison centre sur le sujet) [30].

أما وجه الاعتراض الذي يرفعه هابرماس فهو أن هيدغر لا يأخذ في الحسبان ذلك التمييز بين “العقل Raison” و”الذهن Entendement” الذي استعمله هيغل لفهم ماهية التنوير، بل اكتفى بتسجيل الطابع”المتسلط للوعي بالذات ولم يعد يكتشف فيه أي مظهر مصالحة. و[هكذا] فإن هيدغر نفسه – وليس العقل المحدود للتنوير – هو الذي يرد العقل إلى الذهن” [31]. وبدلاً من أفق التنوير طفق هيدغر يبحث عن معنى”بدء آخر” للفكر خارج أفق الميتافيزيقا، وتحديداً في “نماذج الرومانسيين” وبخاصة لدى هلدرلين من جهة، و”قبل السقراطيين” من جهة أخرى، متأوّلاً “اكتمال الميتافيزيقا بوصفه عودة الإله المختفي” [32]، التي تشير، حسب عبارة رسالة في الإنسانية، إلى “فكر أكثر صرامة من الفكر المفهومي”، أي حسب هابرماس “ما وراء التفكر الذاتي، وبصفة عامة، ما وراء الفكر الناطق (Pensée discursive) [33].

في مقابل ذلك ينبّه هابرماس إلى أن “فلسفة الذات ليست أبداً هذه القوة المشيّئة التي تستولي على كل فكر نطقيّ ولا تترك أي منفذ سوى الفرار إلى لا توسط الوجد الصوفي. إن ثمة طرقاً أخرى (D’autres voies) للخروج من فلسفة الذات” [34].

 

2- فشل هيدغر في الإفلات من تأسيسية (Fondamentalisme) فلسفة الوعي كما ورثها عن فينومينولوجيا هوسرل [35]

يكرّر هابرماس في مواضع عديدة [36] أنّ هيدغر ما يزال “حبيساً” أو “في ظل” (Dans L’ombre) إشكالية فلسفة الذات أو الوعي كما أخذها عن هوسرل، وهو يأخذ معنى الانحباس في ثلاثة معان على الأقل: أ- أنه اكتفى بإعادة صياغة المسألة الأساسية لنظرية المعرفة في مصطلح الأنطولوجيا، أو اكتفى بـ “إضفاء الطابع الأنطولوجي (Ontologisation) على الفلسفة المتعالية [37]، وذلك يعني أنه لم يتحرر من الأفضلية التقليدية التي  يحظى بها “الموقف النظري” (Attitude Théorétique) [38]، ب- أنه ما يزال على علاقة وثيقة بالنزعة “التأسيسية” لفلسفة الوعي، عندما يقارن الفلسفة، ضمن “مقدمة” محاضرة “ما هي الميتافيزيقا”، بشجرة تتفرع في العلوم لكنها تتغذى من تربة الميتافيزيقا [39]؛ جـ- أنه في الوجود والزمان “يحتفظ بالموقف المتعالي الذي يتمثل في الإيضاح، بواسطة التفكر، لشروط إمكان وجود – الشخص بوصفه وجوداً – في العالم” [40]، إن افتراض هيدغر بأن “العلوم هي طرائق وجود للدازين”، هو في نظر هابرماس تعبير آخر عمّا سمّاه هوسرل “تأسيس العلوم في العالم المعيش” [41].

 

3- أنّ القول في الوجود لدى هيدغر الثاني ليس له مضمون قضوي (contenu propositionnel) [42]

إنّ الطريف هنا لدى هابرماس ليس اتهام هيدغر الثاني بأنه ليس “نسقياً” أو “حجاجياً”، بل في كونه يضعه داخل تاريخ “خطاب الحداثة” منذ نهاية القرن الثامن عشر [43]. وحسب هابرماس يمكن أن نحصى طبقتين من خطاب الحداثة منذ كانط، إحداهما تنبع من هيغل الشاب ومراهنته على ضرب من “ميتولوجيا العقل” بوصفها العلاج المناسب لـ “حاجة الفلسفة” التي يفرضها عصرنا؛ أما الثانية فهي تلك الحركة التي تذهب من شليغل إلى نيتشه مبدّلة حاجة الفلسفة التي عناها هيغل بحاجة ميثولوجيا جديدة تقوم على نقد جذري للعقل. وبعبارة أخرى، الطبقة الأولى تراهن على معالجة أزمة التنوير بواسطة الجدلية، في حين أن الطبقة الثانية تسعى إلى تدمير التنوير بواسطة الرومانسية.

إنه ضمن أفق الطبقة الرومانسية من خطاب الحداثة الذي يمتد من شليغل إلى نيتشه، إنما نزّل هابرماس أنطولوجيا هيدغر وذلك بوصفه “أوّل من رد هذه الحاجة العينية – بإضفاء الطابع الأنطولوجي عليها وإعطائها مظهراً تأسيسياً – إلى وجود يتحجب عن الموجود”؛ إن هيدغر يعتّم على أمرين خطيرين: أولاً أن أزمة عقلانية التنوير هي ناتجة عن “عقلنة ملتبسة” (Une Rationalisation ambiguë) للعالم المعيش، وليس مشكلاً راجعاً إلى قدر الميتافيزيقا؛ وثانياً أن “النقد الجذري للعقل هو فنّ ذاتوي أصلاً”، وليس مطلباً تاريخياً؛ بل أخطر من ذلك: إن اشتغال هيدغر على اللغة العادية ونقلها من مستوى المعنى السائد إلى المعنى الأصلي، يحوّل “التشويهات الجلية للممارسة التواصلية اليومية قدراً للوجود غير قابل للإدراك، يدير شؤونه الفلاسفة [44].

إنّ خطاب هيدغر الثاني عن الوجود يقع خارج نطاق “القضايا التقريرية الوصفية” حول أي موجود، بل هو لا يمكن أن يُدرك إلا “بواسطة الخطاب غير المباشر أو بالسكوت”، ومن ثم هو “غير قابل للتصور” [45]. – هنا نحن نعثر لدى هابرماس على تخريج “براغماتي” لافت للنظر للخطاب غير – القضوي حول الوجود لدى هيدغر الثاني.

يقول هابرماس: “إن الخطاب حول الوجود، الذي ليس له مضمون قضوي، هو على ذلك له معنى [فعل] لغوي ضمني (Illocutoire) يفرض الخضوع للقدر. وإن بُعده العملي – السياسي إنما يكمن في المفعول البياني (Perlocutoire) الذي يؤدي إلى طاعة رهبانية متفشية، على أهبة للرضوخ إلى نفوذ هائل ولكن غير متعين. إن ريطوريقا هيدغر الثاني تعوّض عن غياب المضامين القضوية التي يأباها النص نفسه بتعليم المرسل إليهم التعامل مع القوى المقدسة الزعومة” [46].

إن هابرماس قد حاول هنا أن يقرأ ما يقوله هيدغر الثاني عن معنى الوجود قراءة سالبة في ضوء “تحليل اللغة العادية” كما بسطه أستين (Austin)، وبخاصة تمييزه الشهير بين “القولي” (Locutoire) و”المتضمن في القول” (Illocutoire) و”المنجّر عن القول” (Perlocutoire) [47]. فيقرر هابرماس أن خطاب هيدغر الثاني عن “وجود” لا يمكن أن يُدرس بشكل “علمي”، كما يُدرس أي “موضوع” تاريخي أو سوسيولوجي، هو خطاب خال من أي فعل “تولي” (Locutoire) بالمعنى الذي يعطيه أستين لهذا المصطلح، أي القول الذي “يصف” حالة الأشياء (Un état de choses) وينقل لنا معلومة أو دلالة عن”مرجع” ما [48]، كما هو الحال في العلوم، بحيث يبدو أن هابرماس يرادف بين عبارتي “قضوي” (منتج لمنطوقات كاذبة أو صادقة) و”قولي” (في معنى أستين). لكن خطورة ما يقوله هيدغر الثاني لا تكمن فقط في أن خطابه عن الوجود ليس “قضوياً”، أي لا يتوفر على شروط “الفعل القولي” في العلوم، بل في أمرين آخرين: أولاً في كونه يتمتع بقدرة على الفعل بالكلمات (Acte illocutoire) بمصطلح أستين [49]، أي في إنتاج “قيم قولية فاعلة” يلخّصها هابرماس في قيمة “الخضوع للقدر”، قدر تاريخ الوجود؛ وثانياً في أن خطابه عن الوجود له مفاعيل عملية وسياسية تتخطى حدود القول الفلسفي، أي بمصطلح أستين الذي استعمله هابرماس هو خطاب يصرّف “فعلاً ناجماً – عن – القول (Perlocutoire acte) [50]، هي في حالة هيدغر الثاني “طاعة رهبانية” لـ “قوى مقدسة مزعومة” (Pseudo-sacrées) استقاها من ريطوريقا شعرية بلا حجاج.

2- التفكير مع هيدغر بعد هيدغر( آبل، رورتي، هابرماس الأخير)

1.2 قراءة آبل (Apel): هيدغر بوصفه صاحب الصيغة الهرمينوطيقية من المنعرج اللغوي المعاصر:

تمتلك أعمال آبل [51] أهمية بالغة بالنسبة إلى غرضنا، فهو يُعدّ من الأوائل الذين أعطوا صيغة استراتيجية حاسمة لبيان “الاتحاد في الوجهة (Convegence)” الذي يجمع على نحو خفي بين التقليد الهرمينوطيقي والتقليد التحليلي، وذلك من خلال سعيه منذ مطلع ستينات القرن العشرين إلى التكثيف عن “التواشج” (Affinity) الخفي بين طريقتي كل من هيدغر وفتغنشتاين في تدبير “اللوغوس” الفلسفي (Philosophical logos) في عصرنا [52]، وذلك بالدعوة إلى الانعتاق من جو العداوة الذي كان سائداً في العشرية التي تلت سنة 1945، حيث كان على الفلاسفة أن “يناضلوا في ميادين الفلسفة التحليلية (الأنغلوسكسونية والاسكندنافية) والفلسفة الفينومينولوجية (الأوروبية القارية) [بوصفها ميادين] مختومة على نحو هيرمسي ومتعارضة على نحو جامد”؛ ربّ دعوة ينبّه آبل إلى أنها قد صارت في وقت لاحق واقعاً فلسفياً ملموساً، وذلك حين “حدث اتفاق على طول الخط حول منعرج لغوي – براغماتي، بل حتى هرمينوطيقي – وذلك على نحو منتظم حتى فلسفة العلم (ما بعد الكونية) – وهذا الوضع ناجم على الأغلب عن الأثر التاريخي للاتحاد في الوجهة بين فيتغنشتاين وهيدغر – بواسطته اشتغلت البراغماتية الأمريكية بوصفها ما يسبر غوره ويوسّع مداه” [53].

إن اللافت للنظر هو أن آبل قد أتى إلى تخريج قراءته لهيدغر في نطاق “مقارنة” تكشف عن “تقارب الإنجازات الإيجابية (Positive achievements) لفيتغنشتاين وهيدغر” [54]، وذلك كتمهيد إلى “نقد” طريقة كل منهما في تخريج مسألة “اللوغوس” [55].

ففي القسم الثاني من مقاله وتحت عنوان “المنعرج اللغوي والهرمينوطيقي في الفلسفة”، حاول آبل أن يبحث في مسألتين يعتبرهما نموذجيتين ليس فقط في فهم “التقارب” بين هيدغر وفيتغنشتاين، بل بخاصة في بلورة نقد فيتغنشتاين وهيدغر لما  يسميه آبل “البراديغم قبل – الفيتغنشتايني وقبل – الهيدغري (Pre-Wittgensteinian and pre-Heideggerian paradigme)؛ يعني براديغم الوعي الحديث. هاتان المسألتان المشتركتان اللتان من خلالهما تمكّن كل من هيدغر وفينغنشتاين من الانتقال بالممارسة الفلسفة من براديغم الوعي إلى براديغم اللغة، هما: أ- “نقد النزعة الذهنية (Mentalism) للفلسفة الحديثة” [56]؛ وب- “تفكيك فهم العالم وفكرة الحقيقة في الميتافيزيقا الغربية بعامة” [57]. – نحن لن نقف عند المقارنة مع فيتغنشتاين وتقارب هيدغر معه أو العكس، بل إن ما يهمنا هو تجميع عناصر القراءة “الموجبة” التي صَرَّفنا آبل إزاء نصوص هيدغر.

بالنسبة إلى المسألة الأولى، حاول آبل أن يبين أن كتاب الوجود والزمان، لئن لم يقحم فيه هيدغر بعد مسألة “اللغة” بوصفها “بيتاً للوجود” و”سكناً للإنسان” كما فعل في رسالة في الإنسانية، فهو ينطوي في ثناياه على نقد لبراديغم الوعي الذي يمتد من ديكارت إلى هوسرل، على “تناسب (correspondence)” بيّن مع نقد فيتغنشتاين لعين البراديغم:

 

“إن الفرضيات قبل – اللغوية، إذا جاز التعبير، البصرية – الأيدوسية للفينومينولوجيا الهوسرلية قد تم تخطيها آنئذ لصالح الوجود – في – العالم الهرمينوطيقي الذي تم تأوله آنئذ دوماً على نحو لغوي، كما مثلاً في المنطوق البراديغمي التالي:

“من هذه التفسيرية اليومية، التي ضمنها ينشأ الدازين في أول أمره، لا يمكن له أبداً أن يتنصل. فيها ومنها وضدها؛ إنما يتحقق كل فهم وتفسير وتواصل أصيل وإعادة اكتشاف وتملك من جديد. إن الأمر ليس أبداً على النحو الذي بموجبه يوضع دازين بكر وغير مضلل بواسطة هذه التفسيرية أمام الميدان الحر لـ “عالم” في ذاته، من أجل أن يبصر فقط ما يعرض له”.

 

من البديهي أن هذا المقطع لا يمكن أن يكون ملائماً في سياق نقد فيتغنشتايني للغة والدلالة من دون لغط أبعد مدى. إنه بالأحرى يحتوي على مفتاح هرمينوطيقا لغوية ويحيل على ما تسمى “البنية – الأولية لفهم الوجود – في – العالم و، بما هي كذلك للفهم – الأولي للعالم – المعيش، المكشوف عنه “أول الأمر على نحو لغوي ومن ثم المشكَّل – سلفاً” [58].

إن هيدغر قد عيّن “الوضع  التأويلي (The hermeneutical stance) [59] الذي يمكن من نقل الفلسفة من براديغم الوعي إلى براديغم اللغة. هذا الوضع هو “البنية – الأولية لفهم الوجود – في – العالم و، بما هي كذلك للفهم – الأولي للعالم – المعيش، المكشوف عنه “أولَ الأمر على نحو لغوي ومن ثم المشكّل – سلفاً”، بمعنى الفهم اليومي للعالم ن حيث هو فهم كان قد تشكّل سلفاً ضمن اللغة التي يتكلمها الدازين قبل أن يبني سلوكاً نظرياً إزاء الموجود. إن اللغة اليومية سابقة على السلوك النظري [60]، ومن ثم هي تهيكلُ فهمنا للوجود في العالم قبل أن نفرض عليه مقولاتنا. لذلك فإن هيدغر يفترض أن الدازين لا “يُفهم” ولا “يُؤوَل” ولا “يتواصل” على نحو أصيل إلا ما كان من قبلُ متشكلاً بعدُ في التفسير اليومي لمعنى وجوده في العالم. إن الفهم اليومي للعالم بما هو “عالم – معيش” هو المصدر الذي لا يمكن للدازين أن يتنصل منه، من أجل أنه سابق على كل موقف نظري لاحق. وهذا الوضع التأويلي الأولي الذي توفره اللغة العادية هو نمط وجود الدازين أولاً وعلى الأغلب.

في ضوء ذلك يشير آبل إلى أن تحليل “التفسيرية اليومية (Alltägliche Ausgelegtheit)” لمعنى العالم في الوجود والزمان هو موقف يدخل في نطاق “هرمينوطيقا في اللغة” في تناسب تام مع تحليل فيتغنشتاين لـ “لعب اللغة” اليومية[61]. إن هيدغر قد طور في كتاب 1927 ضرباً من “نقد المعنى” ينبه إلى أن إدراكاتنا للموضوعات ليست “ظواهر وعي”، بل هي نتيجة فهمنا اليومي للعالم بوصفه “سياقاً دلالياً” (Meaning context) حيث “يحيل” كل موجود أدوي على آخر [62]. إن العالم حسب هيدغر هو عالم “علائقي (Relational)”، جملة من العلاقات والإحالات بين الموجودات تحت اليد تجد نموذجها في اللغة اليومية. في  هذا الإطار لا يتردد آبل في الحديث عن “التحليل العبقري (The genial analysis) للعالم العلائقي قبل النظري في الوجود والزمان [63].

من أجل ذلك فإن كل سلوك نظري يزعم أنه يقيم مسافة موضوعية عن الموجود، إنما يقوم حسب هيدغر على ضرب من “نزع العالمية (de- worlcling, eime Entweltlichung)” عن الموجود في العالم. هذا التخريج اعتبره آبل موقفاً طريفاً من قبل أن “هذا التصور البراغماتي للعالم – المعيش ينبغي أن يطبَّق حتى على شروط تقوِّمُ التنظير العلمي وترابطه مع الممارسة التجريبية، وذلك إذا أراد المرء أن يفكر مع هيدغر فيما أبعد من هيدغر الوجود والزمان [64]” الثاني بواسطة مفهوم “القتشال (Das Gestell)” حين ربطه صراحة بـ “البراكسيس” في شكل “التقنية”، وإن كان قد “أخفق في ربط هذا الاكتشاف بأي تقدير لظاهرة الصلاحية التذاوتية على نحو صارم، التي تستلزم أن تكون المنطوقات العلمية (كما الفلسفية) مؤيَّدة (Validated) عبر طريقة الخطاب الحجاجي” [65].

نحن لن نقف هنا عند نقد آبل لطريقة هيدغر في تخريج مسألة “اللوغوس”، بل نكتفي بالتأكيد على الأهمية الاستراتيجية لقراءته له بوصفه مشاركاً حاسماً، إلى جانب فيتغنشتاين، في تحقيق “المنعرج اللغوي – البراغماتي والهرمينوطيقي” في الفلسفة المعاصرة. رب قراءة انتهى هابرماس الأخير (سنة 1999) إلى تبنيها صراحة [66].

 

2.2- قراءة رورتي: هيدغر والمنعرج البراغماتي من نظرية المعرفة إلى الهرمينوطيقا أو هيدغر معاصرنا

في سنة 1967 نشر ريتشارد رورتي، تحت عنوان المنعرج اللغوي (The Linguistic Turn) [67]، مجموعاً فلسفياً (Anthology) هو بمثابة حدوث طوبولوجي لافت للنظر، لأنه يضم جملة النصوص التي شكلت ملامح التقليد الفلسفي الأنغلوسكسوني، وذلك تحت لواء ما سُمّي “فلسفة اللغة” (Linguistic Philosophy)، – تلك التي تعتبر أن حل المشاكل الفلسفية يكمن في أحد أمرين: إما بـ “إصلاح اللغة” (Reforming Language) أو بـ “فهم أكثر لشأن اللغة التي نستعملها حاضراً” [68]. إن بيان “المنعرج اللغوي”، الذي كان موجَّهاً في أول أمره إلى العالم الأنغلوسكسوني [69]، قد أصبح اليوم طريقاً “منهجياً” عاماً لم يعد ممكناً تفاديه، ليس فقط من أجل أن رورتي نفسه قد أخذ يطبقه سنة 1979 [70] ثم سنة 1982 [71] على الفلسفة القارية التي استثناها سنة 1967، بل لأن الفلاسفة القاريين أنفسهم، مثل آبل وهابرماس، قد انخرطوا بعدُ طواعية في التفكير “بعده”، بل وفي إعادة تدبير جملة الفلسفة المعاصرة القارية منذ كانط في ضوئه [72].

إن طرافة رورتي تكمن في إرساء أمرين منهجيين حاسمين: من جهة، يبدو أنه أول مَن قدّم، انطلاقاً من المنعرج اللغوي، توزيعاً جديداً لميدان تاريخ الفلسفة يقوم على التمييز فيه ما بين ثلاثة محاور للتفلسف [73]: محور “الأشياء” أو “الوجود”؛ ومحور “الأفكار” أو “العقل”، ومحور “الألفاظ” أو “اللغة” [74]؛ وثانياً أنه من أفلح وعن قصد، في وضع “الإطار المرجعي” للفلسفة التحليلية موضع  سؤال، وذلك بالاعتماد على مصطلح هذه الفلسفة نفسها [75]، لا في غير شيء وإنما من أجل أن يبين كيف أن “الفرق بين الفلسفة “التحليلية” وكل فلسفة أخرى هو، في الواقع، قليل الأهمية نسبياً، – وأن المسألة هي مسألة أسلوب وتقليد أكثر منها مسألة فرق في “المناهج” أو في المبادئ الأساسية” [76].

إنّ المكسب النظري المباشر لتخريج الفرق بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية تخريجاً “أسلوبياً” هو تحديداً إعادة الفلسفة التحليلية إلى “سياق” الفلسفة الغربية المعاصرة بوصفها “نوعية من بين نوعيات أخرى من الفلسفة الكانطية”، ومن ثم بيان كيف أن “الفلسفة التحليلية، بتركيزها على اللغة، هي لا تغير الإشكالية الديكارتية – الكانطية من أساسها، ومن ثم هي لا تقترح شكلاً جديداً من الفلسفة” [77]. لذلك فقد انصرف كتاب رورتي الفلسفة ومرآة الطبيعة  (1979) إلى التأريخ لدلالة الفلسفة التحليلية على نحو يردّها إلى الحدوس الموجّهة للتفلسف الحديث: إنَّ غرض الفلسفة هو “المعرفة”؛ أن المعرفة هي “تمثيل مطابق لما هو خارج العقل” وأن فهم المعرفة هو “فهم كيف أن العقل قادر على بناء مثل هذه التمثيلات”، ومن ثم “أن المهمة الأساسية للفلسفة هي أن تكون نظرية عامة في التمثيل” [78]. وهو يفترض أن نكتة الإشكال في الفلسفة من القرن السابع إلى الفلسفة التحليلية، مروراً بكانط ثم رسل وهوسرل، هي “تأسيس” ضرب من “نظرية المعرفة” تقوم على فهم طبيعة العقل الإنساني كيف يتمثل [79]. علينا أن نسأل: لِمَ أخذ الفلاسفة منذ ديكارت في حلم نفس الحلم: تأسيس نظرية في المعرفة هي فلسفة أولى أكثر تأميناً من العلم وتبرر معرفتنا بالعالم الخارجي؟ [80].

بيد أن قصد رورتي ليس الدفاع عن أصالة التقليد القاري – مثلاً عن هيدغر ضد كارناب [81] – بل إثبات كيف أن الفلسفة التحليلية نفسها قد انتهت إلى التخلي التدريجي عن رغبتها “التأسيسية” [82] الأولى – حيث “يكون الغرض الخاص بالفلسفة هو أن تحل مجموعاً من المشاكل التي يمكن التعرف عليها، مشاكل ناجمة عن نشاط العلوم الطبيعية ونتائجها” [83] – والانقلاب آخر المطاف، في حقبة ما – بعد – تحليلية، بعد فيتغنشتاين الثاني [84]، الذي يتلاقى هنا مع هيدغر وديوي (Dewey) [85]، إلى “فلسفة تهذيبية” (Edifyind philosophy) لا “تؤسّس” الحدوس وإنما توفر “أدوات التحرر من الخطابات والسلوكات العقيمة” [86].

يعلن رورتي ليس فقط أن الحقبة ما بعد التحليلية قد تميزت بضرب من “البرغمتة” (Pragmatisation) التدريجية للعقائد البدائية للوضعية المنطقية [87]، بل إن تخريج الفلسفة ما بعد التحليلية بوصفها “براغماتية جديدة” هو سياق وجيه تماماً لأن نستبصر كيف أن التقليد ما بعد التحليلي أو البراغماتي – الجديد (فنغنشتاين الثاني ومن بعده مثل كواين وأوستن وسيلار [88] وكون) [89]، والتقليد القاري (نيتشه ومن بعده مثل هيدغر  وغادمير ودريدا وفوكو)، إنما يشتركان في “التأكيد ضد – الأفلاطونية على الانتشار الكلي للغة” [90]. فإن مجاوزة فلسفة اللغة التحليلية لإشكالية كانط بواسطة “موقف طبيعوي وسلوكوي إزاء اللغة” قد “أدّى بها إلى “نفس نتيجة (The same outcome) رد الفعل “القاري” ضد الإشكالية الكانطية التقليدية، رد الفعل الموجود لدى نيتشه وهيدغر” [91]. ومن ثم فإن رورتي ينبه إلى:

 

“أن بَرَغْمَتَةَ الفلسفة التحليلية قد أشبع آمال الوضعيين، ولكن ليس بالشكل الذي نهضوا له. إنه لم يُعثَر على سبيل في الفلسفة تصير بها “علمية”، بل سبيل بها توضع الفلسفة جانباً. إن هذا الصنف بعد الوضعي للفلسفة التحليلية إنما يأتي بذلك إلى التشبه بتقليد نيتشه – هيدغر – دريدا في البدء بنقد الأفلاطونية والانتهاء بنقد الفلسفة بما هي كذلك. إن التقليدين هما في فترة ريب من منزلتها الخاصة. إنهما يعيشان بين ماض مهجور ومستقبل ما – بعد – فلسفي منظور نظر الأعشى” [92].

 

إن الانطباع العام لدى رورتي سنة 1979 هو أنه لم يعد يوجد تيار اسمه “الفلسفة التحليلية” اللهم إلا أن نعطي “معنى أسلوبياً أو سوسيولوجياً لهذه العبارة” [93]. إن هذا الإعلان يزداد خطورة حين نعلم أن ما ينتهي مع الفلسفة التحليلية هو التقليد الديكارتي في “فهم العقل بوصفه “مرآة للطبيعة” [94]، وتصور مهمة الفلسفة بوصفها “تأسيساً” للمعرفة المطابقة [95]، وأن التخلي عن فكرة “العقل – مرآة – الطبيعة” (L’esprit-miroir-de-la-nature) [96] هو في الوقت نفسه تخلّ عن التصور الذي أرساه التقليد الديكارتي عن “المعقولية” (La rationalité) [97]. نحن ننزاح من معقولية “العقل – مرآة – الطبيعة” إلى معقولية “اللغة” التي صارت تتوقف على طبيعة معرفة الفيلسوف بدلالة ما يقول [98]، ولكن أيضاً بطبيعة “السياق” [99] الذي يقول فيه.

وبعبارة طوبيقية، إن المعنى الحديث للمعقولية قد نجم عن “المنعرج الغنوصيولوجي” (Le tournant gnoséologique) الذي دشّنه القرن السابع عشر انطلاقاً من ديكارت، حين “عوّض المشكل القديم والوسيط للعقل بالمشكل الحديث للوعي” [100]. فإنّ مولد المعقولية الحديثة قد تم ضمن فهم معيّن للفلسفة بوصفها “نظرية في المعرفة”، بدأ في تأملات ديكارت، حيث ما يزال التفريق بين الفلسفة والعلم غائماً، ليجد اكتماله لدى كانط، حيث يصبح هذا التفريق حاداً بقتضى أن الفلسفة هي “نظرية معرفة” متميزة عن “العلم” لأنها “تؤسسه”. إن كانط هو الذي حدّد مهمة الفلسفة بوصفها “صناعة تأسيسية” (Une discipline fondatrice)، بحيث أن السؤال عن شروط إمكانية المعرفة قد أصبح مقياس الحكم على الفلاسفة المحدثين قبله وبعده [101]. وإذا كان الجيل الأول من الكانطيين قد تمثل مشروع كانط من خلال عبارة “نقد العقل” (Vernunftkritik)، فإنّ الأجيال اللاحقة من “الكانطيين – الجدد” قد استقرت على عبارة “مذهب المعرفة” (Erkenntnislehre) وخاصة “نظرية المعرفة” (Erkenntnistheorie) [102]؛ ومن كانط إلى الفلسفة التحليلية صارت الفلسفة – بوصفها – نظرية – في – المعرفة” علماً مؤسِّساً [..] يمكّننا من استكشاف الخصائص “الصورية” (أو، في صيغها الأكثر راهنية، “البنيوية” و”الفينومينولوجية” و”النحوية” و”المنطقية” أو “المفهومية” لأي ميدان من الحياة الإنسانية” [103].

وبرغم ظهور هيغل الذي منع الكانطية من الاستمرار في الهيمنة على ركح الفلسفة الألمانية [104]، وأنتج صورة عن الفلسفة لا تكمن مهمتها في “التأسيس”، بل في “تجسيد روح العالم” [105]، وبرغم نداءات نيتشه ووليام جيمس ضدّ “إرادة التأسيس بكل ثمن هذه” [106]، – فإن أغلب الفلاسفة، سواء أكانوا انغلوسكسونيين أو قاريين، قد ظلّوا كانطيين [107]؛ بل إن فكرة الفلسفة – بوصفها – نظرية – في – المعرفة التأسيسية قد وجدت في مطلع القرن الماضي وبشكل متواز لدى رسل من جهة وهوسرل من جهة أخرى استئنافاً حاداً [108]، ليست الفلسفة التحليلية غير تجذير له. ولكن ما وجاهة ذلك الاستئناف وذلك التحذير إذا كان الفكر المعاصر لم يعد ينطلق من “حاجة الفلسفة” التي جعلت تحول الفلسفة إلى نظرية في المعرفة مطلباً تاريخياً: فحسب رورتي إن القرن السابع عشر لم يشهد فقط “منعرجاً غنوصيولوجياً”، بل شهد بنفس الأصالة منعرجاً ثقافياً حاسماً من نطاق اللاهوت إلى أفق العلمنة (La secularization) تحت وطأة “حرب بين العلم واللاهوت” كان للفلسفة دور حاسم فيها من خلال وظيفة “التأسيس” [109]. هنا ينكشف كيف أن “تأسيسية” رسل وهوسرل لا تستند إلى حاجة العصر نفسها التي صدرت عنها تأسيسية ديكارت وكانط: “إن نبرة من اليأس تسكن صوتيهما، وذلك أنه في تلك اللحظة كانت المعركة من أجل علمنة الثقافة قد وَقَعَ كَسْبُها عملياً. إن الفيلسوف لم يعد يمكنه أن يعتبر نفسه بمثابة عنصر طليعة ثقافية، أو بوصفه حامياً للجنس البشري ضد قوى الاعتقادات الباطلة”، وذلك أن القرن التاسع عشر قد شهد واقعة ثقافية جدّ خطيرة هي أن “الشعراء الروائيين قد أخذوا مكان علماء اللاهوت والفلاسفة جميعاً في القيادة الأخلاقية للناشئة” [110].

إن خطأ التحليليين هو كونهم قد فهموا المنعرج اللغوي بأنه لا يعدو أن يكون “أدوات جديدة” لحل مشاكل قديمة هي عينها المشاكل التي طرحهاهيوم وكانط. ففي صيغته الأولى انطلق “المنعرج اللغوي” من الفكرة التي تقضي بأنه من أجل بناء تجريبية غير نفسانية، قد يجب إعادة صياغة المسائل الفلسفية بوصفها مسائل “منطقية”. كان المرء يعتقد أنه من الممكن، الآن، تقديم المذاهب التجريبية والظواهرية، لا بوصفها تعميمات تجريبية نفسانية، بل بوصفها نتائج لـ “تحليل منطقي للغة”. وبعامة أعم، كان ينبغي على كل موقف فلسفي متعلق بطبيعة المعرفة وامتداد المعرفة الإنسانية (مثلاً موقف كانط من مسبّقاتنا عن الإله والحرية والخلود) أن يقبل إعادة الصياغة في شكل ملاحظات عن اللغة. وإن مماهاة الفلسفة مع تحليل اللغة قد ظهرت بمثابة عملية جمع بين فضائل كانط وفضائل هيوم” [111].

إن قصد روتي هو أن أهمية المنعرج اللغوي لا تكمن في أنه “يمكّن الفلاسفة من حل جوهري للمشاكل التقليدية” [112]، بل في كونه يساعدنا على وضع حد لهيمنة تقليد لم يعد له ما يبرره. وبعبارة هابرماس إن نصوص المجموع الذي قدمه رورتي سنة 1967 بعنوان المنعرج اللغوي هي “بتلخيصها لتطور انتصاري [للفلسفة التحليلية]، إنما يجب في الوقت نفسه أن تسطر نهايته” [113].

– حسب رورتي لم ينجُ من شبح الكانطية، أي من سطو تقليد نظرية المعرفة، إلا ثلاثة، هم استثناءات الفكر المعاصر وهو يعني ديوي وفيتغنشتاين وهيدغر [114]: إن الفلسفة لدى هؤلاء الثلاثة قد كفّت فجأة عن مهنة “التأسيس” التي طبعت أعمالهم الأولى وانصرفت في الأعمال الأخيرة إلى التهيئة إلى نحو من “المنعرج البراغماتي” (Le tournant Pragmatique) [115] للفلسفة المعاصرة:

إنه بتتريله في هذا السياق إنما ينبغي أن نفهم عمل الفلاسفة الثلاثة الأكثر أهمية في عصرنا – فتغنشتاين وهيدغر وديوي. لقد حاول كل واحد منهم، في أعماله الأولى، أن يعثر على طريقة جديدة تجعل الفلسفة “مؤسِّسة” – طريقة جديدة في صياغة سياق حاسم للتفكير. حاول فنغنشتاين أن يبني نظرية جديدة في التمثيل، لا تدين بشيء للمذهب الذهني (Le mentalisme). وحاول هيدغر أن يبني مجموعاً جديداً من المقولات الفلسفية، لا تدين بشيء إلى العلم ونظرية المعرفة أو إلى التنقيب الديكارتي عن اليقين. وحاول ديوي أن يبني صيغة غير تأملية للرؤية الهيغلية للتاريخ. إن كل واحد منهم قد انتهى إلى الاعتبار بأن أعماله الأولى قد كانت وهمية، وأنها كانت تتميز بجهد للحفاظ على تصور ما للفلسفة، في الوقت الذي يتخلى فيه عن المفهومات التي بها تتقوم (مفهومات المعرفة والعقل المتحدرة من القرن السابع عشر). إن كل واحد منهم، قد تحرر، في أعماله الأولى، من التصور الكانطي، الذي كان يعزو للفلسفة مهمة تأسيسية، ونذره وقته لتحذيرنا من تلك الإغراءات نفسها التي لم يصمد أمامها فيما مضى” [116]. كل مستقبل الفلسفة يتوقف حسب رورتي على مدى المصداقية التي نمنحها لهذا الثالوث [117]، وبخاصة لهيدغر [118].

يمكن اعتبار القسم الثالث من كتاب رورتي الفلسفة ومرآة الطبيعة هو موضع حصد النتائج الحاسمة للمنعرج البراغماتي الذي أشير إليه. وبعبارة عامة يقدم رورتي ذلك المنعرج بكونه انعراجاً شبه درامي من “نظرية المعرفة إلى الهرمينوطيقا” [119]. وإن أول نتيجة خطيرة لهذا النحو من الانعراج المنهجي هو الافتراض التالي: أن علينا الاستعاضة عن رهان “نظرية المعرفة” على فكرة “المقايسة” (Commensuration) برهان آخر هو “الهرمينوطيقا” على “المحادثة” (Conversation):

إن نظرية المعرفة تتبلور على أساس الافتراض بأن كل المساهمات في إشكالية خطابية واحدة هي متقايسة. والحال، أن إحدى المهام الجوهرية التي اتخذتها الهرمينوطيقا، هي بالتحديد أن تكافح ضد هذا الافتراض.

“متقايس”، يعني لدي: ما يمكن أن نخضعه إلى جملة من القواعد، التي تنطق بالكيفية التي يكون معها ممكناً أن نتفق عقلياً حول ما من شأنه أن يغلق المناظرة، في كل نقطة يظهر عندها أن المنطوقات قد دخلت في نزاع [120].

إن قوة نظرية المعرفة، بما هي صناعة “تأسيسية”، تستمدها من فرضية “المقايسة” بين الأقوال؛ ربّ مقايسة هي العلامة الحاسمة على التصور التقليدي للفيلسوف بوصفه “حارس المعقولية” [121]. وعلينا أن نعترف أن الاعتراض على مبدأ المقايسة هذا يسقط التفلسف للتو في خانة “النسبانية”. فإذا لم يكن مقياس التفلسف هو ماهية “الوجود” كما لدى القدماء أو طبيعة “الوعي” كما لدى المحدثين أو بنية “اللغة” كما في الفلسفة التحليلية [122]، فماذا يكون؟ – إن طرافة رورتي هو أنه يغير السؤال أصلاً: إن القصد ليس العثور على نمط جديد أو آخر من “المقايسة” التي تضمن “أرضية تفاهم” حول “معقولية” القول الفلسفي، على نمط “نظرية المعرفة” التأسيسية، بل تغيير طبيعة المشكل الفلسفي نفسه. لذلك فالتوجه نحو “الهرمينوطيقا” بدلاً من “نظرية المعرفة” ليس بحثاً عن تأسيسية أكثر صلاحية، ترث السابقة وتملأ الفراغ الذي تركته [123]. إن الهرمينوطيقا محادثة (سقراطية)، في حين أن نظرية المعرفة هي تأسيس (أفلاطوني):

 

“فضمن المنظور الغنوصيولوجي، يشهد كل أمل في الاتفاق على وجود أرضية تفاهم تجمعنا (ربما دون أن نعلم) في حضن معقولية مشتركة. أما من وجهة نظر هرمينوطيقية، فالمعقول هو أن نقاوم نظرية المعرفة – أن نقاوم الفكرة القاضية بأنه قد يوجد مجموعة واحدة (ووحيدة) من الألفاظ التي بواسطتها يمكن لكل مساهمة في المناقشة أن تُصاغ –، هو أن نريد إدراك مصطلح محاورنا، وليس أن نحاول ترجمته في مصطلحنا [..] بالنسبة إلى نظرية المعرفة، أن نتحادث يعني ضمناً أن نفكّر؛ في حين أنه، بالنسبة للهرمينوطيقا، أن نفكّر معناه أن نتحادث على نحو عادي [..].

وأن نتصور الثقافة بوصفها محادثة، وليس بوصفها بنية تقوم على أسس، هو أن نذهب في اتجاه المفهوم الهرمينوطيقي للمعرفة المشار إليها للتو: إذ إن العمل على الربط بين المناقشة مع الأغراب (مثل اكتساب فضيلة أو مهارة جديدة بمحاكاة النماذج) هو مسألة (ρροvησϞ) وليس مسألة ɛπlστηµη” [124].

إن التصور السائد للأقوال يقوم على التمييز بين أقوال صارمة من جنس نظرية المعرفة، قائمة على “لوغوس” يضمن المقايسة مع “أساس” هو الذي يضمن حقيقة “المعرفة” بما هي “تمثيل مطابق” للواقع، وأقوال تقبع خارجة لازمة “المعقولية” لأنها لا تتوفر على ذلك النوع من المقايسة مع براديغم تأسيسي، ومن ثم هي مجرد “شأن ذوقي” أو “ذاتي” [125]. والحال إن هذا التقسيم، حسب النظرة البراغماتية للمعرفة التي يبسطها رورتي، ليس، سوى “مجرد فرق في الألفة” (Une simple Différence de familiarité) مع الخطابات لا غير [126]، فنحن حسب رورتي:

ورثة ثلاثة قرون من الريطوريقا القاضية بضرورة التمييز بين العلم والدين، والعلم والسياسة، والعلم والفن، والعلم والفلسفة، إلخ. وإن هذه الريطوريقا إنما تشكل عمود الثقافة الأوروبية. ونحن ندين لها بكوننا ما نحن. [..] بيد أن الإعلان عن ولائنا نحو هذه التمييزات لا يعني أنها “موضوعية” ومؤسَّسة على “علل” [..] وانطلاقاً من ذلك فإنه من الظاهر أنه من مصلحتنا أن نتخلى عن الفكرة القاضية بأن بعض القيم (“المعقولية”، “التراهة”) عائمة في مأمن من الزمان، بعيداً عن كل بنية تربوية ومؤسساتية” [127].

إن “المعقولية” و”الموضوعية” و”الحقيقة” قيم وليست خاصيات في الأشياء؛ إنها ليست نتاج “مطابقة” لا دور للإنسان فيها أو “مرآوية” (Spécularité) يقتصر دور الإنسان فيها على “النظر”، بل هي نتيجة ضرب من “الإجماع” (Consensus) [128] ضمن “جماعة” (Communauté) من المتحادثين حول مسائل تستدعي النقاش، لكنها ليست أبداً مسائل متقايسة: إن الهرمينوطيقا في المعنى “المطهّر والمحدود” المستعمل هنا هي بذلك “خطاب بعدي حول خطابات غير متقايسة”، وهو استعمال يرتبط فعلاً حسب رورتي باستعمال غادمير وآبل وهابرماس [129]. إن علينا ألا نفكر بالمعقولية بوصفها تُشير إلى معنى “قبلي” في العقل الإنساني، وذلك أن طريقتنا الحالية في فهم “المعقول” هي طريقة خاصة بإنسانية محددة هي “الغرب”، حيث تكون “الفيزياء هي براديغم “تسجيل” [130]، المعنى الممكن للعالم، وليس “القانون الخلقي” أو “الناموس الشعري”. فإن ما يميز “الغرب” هو أن “العقل” لا يمكن أن يُتصوَّر بمعزل عن “الطبيعة”، وأن “الفيزياء إنما تعطي قعدة صلبة لطريقتنا في كتابة التاريخ”، ولكن مع الانتباه إلى أن ذلك “ربما يعرّف الغرب، غير أن مثل هذا الاختيار لا يمكن له لا أن يتحصل على ضمانات غنوصيولوجية أو ميتافيزيقية، ولا أن يتطلبها” [131]. إن صرف جهود الفلاسفة إلى الاشتغال على نظرية المعرفة هو سلوك علينا أن نؤرخ له؛ إنه تولد عن محاولة كانط “جعل كل معارفنا متقايسة” انطلاقاً من الاعتقاد السائد منذ أفلاطون في “قابلية كل الخطابات للتقايس” (La Commensurabilité de tous les discourse) [132].

والحال إننا “في الواقع لا نتوفر على أية لغة، بإمكانها أن تصلح بوصفها رحماً محايداً ودائماً، في حضنه يمكن أن نصوغ كل الفرضيات المفسرة المقبولة، ولا نملك أية فكرة عن الطريقة التي بها نبني مثل تلك اللغة” [133].

هنا تبرز الحاجة إلى الهرمينوطيقا بوصفها بديلاً عن التوجه الغنوصيولوجي للفلسفة التقليدية [134]، وذلك كما يظهر ذلك خاصة في كتاب غادمير الحقيقة والمنهج، على إثر هيدغر الذي يستلهم منه: إن علينا أن نوفق بين “وجهة النظر الطبيعوية” التي تقود السلوك “الغربي” إزاء مسار العالم، مع “حدسنا “الكياني” (Existentialiste)، القاضي بأن وصف أنفسنا هو الشيء الأكثر أهمية الذي يمكننا فعله” [135]. إن الهرمينوطيقا لدى هيدغر وغادمير تساعدنا على التخلي عن رهان “المعرفة” (Connaissance, cognition) [136] لفائدة رهان آخر هو “التكوين” (Bildune)، أي “تربية النفس” Éducation auto-apprentissage) في نطاق المفهوم الرومانسي للإنسان بوصفه “خالق نفسه” (Autocréateur) [137]. إن معنى “الوعي بعمل التاريخ” (Wirkungsges chichtliches Bewusstsein) الذي يقترحه غادمير وسيلة لفهم علاقتنا بتراثنا وبأنفسها لا يعني “ترصد ما يوجد في العالم، أو ما يحدث في التاريخ، بقدر ما يتمثل في ما يمكننا أن نستخلصه من هذا وذاك لاستعمالنا الشخصي. ولأن التوجه الهرمينوطيقي لا ينظر إلى معرفة الوقائع إلا بوصفها مدخلاً تمهيداً إلى “بلورة وسائل تعبير جديدة وأكثر لطافة”، فإن ما يهم في أفق الهرمينوطيقا ليس وجهة النظر “الغنوصيولوجية”، وذلك أن الهرمينوطيقا ليست خطاباً جديداً في المنهج [138]، وإنما كتابة تقوم على أن “فن صياغة الأشياء يتفوق على [نزعة] امتلاك الحقيقة” [139]. فبدلاً من مطلب “المعرفة”، كما يصرّفه التصور الأفلاطوني والوضعي للعلم، تريد الهرمينوطيقا أن تحوّل الفلسفة، في ضوء الاشتغال الرومانسي على فكرة “التكوين” (Bildung) إلى ضرب مثير من “التهذيب” (edification) “للإشارة إلى هذا البحث عن صياغات جديدة، فضلى، أكثر إفادة وأكثر خصوبة” [140].

ما معنى “التهذيب” (L’édification)؟ [141] – إن القصد هو بلورة “تصوّر “كياني” “للموضوعية”، ليس له من أساس في آخر التحليل غير “معايير التبرير التي نسبح فيها” [142] في ثقافتنا. ولذلك فإن طرافة الهرمينوطيقا تكمن بدقة في كونها “طريقة “كيانية” لموقعة الموضوعية والمعقولية والبحث السوي داخل اللأوسع لحاجة الثقافة والتهذيب التي تخصّنا، كثيراً ما تعاكسها إرادة التمييز “الوضعية” بين الوقائع [..] والقيم [..] [143].

إن نكتة الإشكال تكمن بذلك في أن علينا أن نجيب عن هذا السؤال: “هل ينبغي أن نبقي على “شبكة” [التفلسف] الكانطية أم نتخلى عنها؟ هل علينا أن نواصل “بناء” نظريات المعرفة، أم علينا أن نتخذ “الاستراتيجية الهرمينوطيقية إزاء خصومنا”؟ [144].

فقد يبدو على الأرجح أن التوجه الهرمينوطيقي قد صدر عن فهم للتفلسف بوصفه ضرباً طريفاً من “السجال” مع الآخر؛ وإن “مثل هذا الشكل الهرمينوطيقي، ذي الاتجاه السجالي، هو مشترك بين هيدغر ودريدا، ويبرز للعيان ضمن اشتغالهما على تفكيك التراث الفلسفي” [145]. بذلك ينتهي رورتي إلى تمييز الفلسفات إلى نوعين مختلفين من الفلسفة: “الفلسفة النسقية” (Philosophie systématique) و”الفلسفة التهذيبية” (Philosophie édifiante)، ولكن من دون أن يؤدي ذلك التمييز إلى التفريط في إحداهما والاقتصار على الأخرى. وذلك أن الفلسفة التهذيبية ليست ممكنة أو مفيدة إلا بعد أن يكون المتفلسف قد احترف صناعة الفلسفة النسقية وتوجّس من بعض مسبقاتها من الداخل.

 

“فإن نتخذ على إثر سارتر وهيدغر وغادمير موقفاً “كيانياً” إزاء الموضوعية والمعقولية، هو أمر لا معنى له إلا متى وقفنا بوعي على مسافة من معيار نحن نحذقه من جهة أخرى حذقاً تاماً” [146].

إن الفرق بين فلاسفة نسقيين وفلاسفة تهذيبيين هو الفرق بين من يأخذ “نظرية المعرفة” محوراً لتفكيره، وهؤلاء هم “المهيمنون” والأفلاطونيون، وبين من يأخذ “التهذيب” مهمة خاصة بهذا التفكير، وهؤلاء هم “الهاشميون” أو النسبانيون أو الكلبيون؛ “النسقيون” هم الذين يواصلون الاعتقاد في إمكانية بناء “مشروع كلي للمقايسة” (Un projet de commensuration universel) من أفلاطون إلى الفلسفة التحليلية؛ في حين أن “التهذيبيين” هم الذين يحرصون دوماً على ألا نتأوّل أفكارهم “بوصفها إجابات عن المشاكل الفلسفية التقليدية” [147]. النسقيون هم فلاسفة “بناء” ويقدّمون تفكيرهم في شكل “حجاج” (Argumentation)؛ أما التهذيبيون فهم يتبعون أسلوباً آخر يقوم على “النقد اللاذع والمحاكاة الساخرة والكلم الجوامع”؛ النسقيون يبنون، مثل العلماء، للأبدية، في حين أن التهذيبيين “يدمرون لخير جيلهم الخاص”؛ النسقيون يريدون وضع خطاباتهم على “الطريق الملكية لعلم ما”، أما التهذيبيون فإنهم يريدون “تهيئة فضاء لمعنى الاندهاش ذاك الذي يثيره الشعراء في بعض الأحيان”؛ النسقيون مطمئنون إلى صفة “الفلاسفة” السائدة، في حين أن التهذيبيين متهمون بأنهم “ليسوا على كل حال فلاسفة” [148].

والإشكالية هي كيف نفرّق بين “أن نقول” وبين “أن نبني نظرية”؛ لكنّ ذلك لا يتوافر إلا متى قبلنا بأن يكون التفلسف “قولاً لشيء ما” أي “مشاركة في محادثة ما وليس مساهمة في بحث ما”؛ على أن ذلك لا يتوفر أيضاً إلا متى أخذنا على عاتقنا “أن نحرر أقوالنا من كل مجاز بصري وبخاصة مرآوي” [149]. إن علينا أن نقبل بالفلاسفة بوصفهم “مشاركين في محادثة” وليسوا أصحاب نظريات نهائية “حول وجود الأشياء”؛ وإن علينا ألا نخلط بين محبة الحكمة ومحبة الحجاج، وأن تمام الحكمة ليس في “اكتشاف اللغة الجيدة، بل في تأويلها بوصفها الحكمة العملية اللازمة لكل الذين يريدون المشاركة في محادثة ما” [150]. – وإنه من أجل ذلك ينبّه رورتي إلى ما يكتنف أعمال فلاسفة قاريين مثل آبل وهابرماس خاصة من رواسب قوية للكانطية [151]، تجعل نقاشهم مع الفلاسفة غير النسقيين مثل هيدغر وغادمير خاصة محفوفة بالمصاعب.

– في كتاب لاحق نشره سنة 1991 بعنوان محاولات حول هيدغر وآخرين (Essays on Heidegger and Others) [152] نلاحظ أن رورتي قد أخذ يفكر من خلال رسم طوبيقي آخر هو التمييز بين ثلاثة أجوبة عن  السؤال المتعلق بطبيعة علاقتنا مع التراث الفلسفي، ألا وهي تواليا الجواب الهوسرلي أو “العلمي”، حيث يشترك مع خصومه الوضعيين في اعتبار “العلم” نموذجاً للفلسفة التي تتميز من ثَمَّةَ عن “الفن” و”السياسة”؛ والجواب الهيدغري أو “الشعري” (Poétique)، الذي هو رد فعل ضد الجواب “العلمي”، وحيث يتلفت الفيلسوف عن العلماء صوب الشعراء؛ والجواب البراغماتي (ديوي) أو “السياسي”، الذي هو أيضاً رد فعل ضد الجواب “العلمي”، وحيث يُعْرِض الفيلسوف عن المنظّرين العلميين لصالح المهندسين والخادمين الاجتماعيين [153].

هنا تخفّ حدة التقسيم الذي رسمه رورتي سنة 1979 بين فلاسفة نسقيين يعملون داخل ورشة نظرية المعرفة وفلاسفة تهذيبيين يمارسون النقاش الهرمينوطيقي، وينتهي إلى الاعتراض على نعت فلاسفة مثل هيدغر ودريدا بوصفهم “ما بعد حداثيين” (Post-modernes)، بسبب ما يخلّفه هذا النعت من تحقيبات خطيرة داخل ثقافة ما [154]. لذلك يكتفي بوصف هيدغر ودريدا بأنهما يدخلان في زمرة “الفلاسفة ما بعد النيتشويين” (Post-nietzschéens)، وذلك “ضمن سلسلة النقاش (La Chaine conversationelle) التي تذهب، عبر كانط وهيغل، من ديكارت إلى نيتشه وما بعدهما، بدلاً من أن نرى فيهما باعثين أو متحدثين باسم قطيعة جذرية” [155].

 

إن رورتي يقترح خطة طريقة تماماً لتأويل التراث الفلسفي تتمثل في هذا الافتراض المثير:

“إذا كان ثمة شيء يمكن لمؤلّف مبدع أن يتمناه، فهو على الأكثر أن ينجح في إعادة بناء سياق (Recontextualisation) لأسلافه. [..] إن البراغماتية، كما قد يمكن توقعه دون عناء، إنما تشكل السياق الذي ضمنه ترسم المحاولات التي بين يدينا موقع الفلسفة بعد – النيتشوية” [156].

إن فهم “البحث بوصفه إعادة بناء سياق ما” (La recherché comme recontextualisation) هو الذي مكّن رورتي من أن يؤوّل في الوقت نفسه وبشكل متواز “الفلسفة الأوروبية بعد “النيتشوية” و”الفلسفة التحليلية بعد – الوضعية” في ضوء وجه من “الاتحاد في الاتجاه (Convergence) نحو تصور براغماتي” للغة، يقوم على “التخلي عن مفهوم التمثيل” ومعاملة اللغة بوصفها “جملة من الأدوات أكثر منها جملة من التمثيلات” [157].

إنه في هذا الإطار تحديداً أتى رورتي إلى الإقرار بأطروحة “براغماتية الوجود والزمان” التي جرّبها بعض الباحثين الانغلوسكسونيين [158]، وانتهى من ثم إلى إصلاح تمييز 1979 بين هيدغر أول “تأسييسي” وهيدغر ثان “براغماتيين”، وذلك بقلبه على نحو مثير بحيث صار هيدغر الأول هو البراغماتي الذي يرفض أن يردّ الفلسفة، كما فعل فيتغنشتاين الأول، إلى ثيوريا (Theoria)، في حين أن هيدغر الثاني قد “تلفّت عن المنطوقات والخطاب لصالح الألفاظ وحدها” [159]، وانتهى في كتاباته الأخيرة إلى الاشتغال على “أمل تحويل في “الفكر” لنوع الجلالة (Le genre de sublimité) الذي كان فيتغنشتاين الأول قد اكتشفه في المنطق” [160]. وهكذا إذا كان فيتغنشتاين الأول قد بدأ بتأسيس “المنطق” على ضرب من “التصوف”، وكان فيتغنشتاين الثاني قد انتهى إلى براغماتية ألعاب اللغة، فإن هيدغر الأول هو الذي بدأ براغماتياً، وإن هيدغر الثاني هو الذي انزلق بمنطق اللغة إلى ميدان “التصوف” [161].

وبعامة، فإن اعتراضات رورتي على هيدغر الثاني قد تعود إلى هذا الإعلان: “إنني أنقد هيدغر الثاني بسبب كونه قد استسلم للرغبة في جعل اللغة [بمثابة] شبه – إله (Une quasi-divinité) [162].

إن تأليه اللغة هو معاملتها وكأنها “شيء يهيمن على الموجودات الإنسانية ويعارضها” [163]، وإنه في هذا الصدد علينا أن نقرأ معنى تأويل اللغة بوصفها “منزل حقيقة الوجود” (Das Haus der Wahrheit des Seins) كما يفعل هيدغر الثاني ضمن رسالة في الإنسانوية [164]، حيث ينزع هيدغر الثاني إلى جعل اللغة البديل الأخير عن “الإله” أو “الروح” [165]. إن ما ينقص فلاسفة مثل هيدغر ودريدا هو التوفر على رؤية “داروينية” للغة، منعتقة من التقسيم الذي أقرّه دلتاي بين “الطبيعة” (Natur) و”الروح” (Geist)، ولا تبحث إلا عن “حقيقة أخرى مفيدة حول اللغة” [166].

وهكذا إذا كان هيدغر يساعدنا على التخلص من “النزعة التمثيلية” (Le Représentationnalisme) للفلسفة الحديثة ومن “مركزية – اللوغوس” (Le Logocentrisme) التي هيمنت على تاريخ التفلسف الغربي، وذلك حين دعانا إلى وصف الأشياء على نحو “لا تمثيلي” و”لا – مركّز – على – اللوغوس”، – فهو من جهة أخرى قد انتهى إلى رد اللغة إلى معدن “شعري” يصرّ على مخاصمة كل ما هو “علمي” (نزعة “ترييض” العالم Mathématisation du monde) و”سياسي” (البراغماتية الاجتماعية) في الوقت نفسه [167]. إن هيدغر الثاني قد فضّل أن يقدم “جواباً شعرياً” [168] عن السؤال المتعلق بعلاقتنا  بتراثنا:

“فطبقاً لوجهة نظر مشتركة بين هيدغر ودريدا، يكون التراث الفلسفي سلسلة طويلة من المحاولات الرامية إلى جعل التاريخ الفكري (l’histoire intellectuelle) كشفاً عن “معقولية محجوبة” (Rationalité cache)، من أجل أن يبلغ إلى [ضرب من] مكر العقل [169] (List der Vernunft). وحيث تشير لفظة (Vernunft) إلى شيء لم يكفّ أبداً عن الوجود هنا، وليس مجرد نتيجة لمجازات مُنحت  راهناً إلى دلالة حرفية.

وحسب هيدغر، فإن الأمر يتعلق بالاحتجاج على [وجود] موضوعة بحث لا – تاريخي  (Anhistorique)، قد نسميه “العقل الإنساني”، “بنية المعقولية”، أو “طبيعة اللغة”، مثّلت موضوع البحث الفلسفي على مدى العصور [..] إن عبارات مثل “العقل الإنساني” و”المعقولة” و”الحس المشترك”، كما هي مستعملة من قبل الفلاسفة، إنما تنتسب، حسب هيدغر إلى الاستعمال غير الواعي، غير الأصيل [170] (Uneigentlicg) وغير المساءل للغة موروثة. [..] هذه التصريحات تعبر عما أسميه الجواب “الشعري” لهيدغر عن  مسألة علاقتنا بالتراث. وطبقاً لعرضه لهذا الجواب، تكون غاية الفكر الفلسفي أن يحررنا من اللغة التي نستعملها في الحاضر، وذلك بأن نذكّر أن هذه اللغة ليست لغة “العقل الإنساني”، بل من خلق مفكّرين من تاريخنا الماضي. هؤلاء المفكرون هم شعراء الوجود، الكاشفون عن لغز “الإنسان – قصيد الوجود” [171].

إنه ضد هذا “الجواب الشعري” الذي يقترحه هيدغر الثاني، إنما حاول رورتي أن يبني “الجواب السياسي” الذي ينسبه إلى التقليد البراغماتي [172]. فإذا كان البراغماتي يمكن أن يشارك هيدغر في اعتباره الشعراء والمفكّرين بمثابة المشرّعين السريين للعالم الاجتماعي، فهو يختلف عنه في نقطة حاسمة: أن المجتمع لا يوجد من أجل الشاعر أو المفكر، كما يظنّ هيدغر، بل بالعكس، إن الشاعر أو المفكر هو الذي يوجد من أجل المجتمع، كما رأى ذلك بحق هيغل وديوي [173]. إن البراغماتية تجد طرافتها في:

 

“إرادة تمديد الاعتراض الرومانسي على تقديس علوم الطبيعة الذي اعتمله عصر التنوير. وإنه يكفي أن  نخلّص الهيغلية والبراغماتية من الريطوريقا العلموية التي لهما (والتي يُحتفظ بها فعلاً لدى هيغل وديوي، والتي تخفي رومانسيتهما الأكثر أساسية) حتى نرى فيهما عملية تهدف إلى تهيئة الأرضية إلى نوع المجتمع التي كانت الثورة الفرنسية تأمل في بنائه” [174].

 

إن هذا النحو من رد الاعتبار للأصل الرومانسي المعاصر، من قبل رورتي، هو الذي قادنا إلى الافتراض بأنه لا يمكن أن نفهم “المناظرة الهيدغرية مع هيغل” – من حيث هي فعل حواري يتم داخل أفق الانتقال المتوعر من براديغم الوعي إلى براديغم اللغة – إلا متى  توفرنا قبلا على إيضاح للموقف “التأملي” الهيغلي في ضوء فلسفة اللغة التي يفترضها، وليست تلك الفلسفة غير فلسفة اللغة الرومانسية.

 

3.2- قراءة هابرماس الأخير: أفق العقل التواصلي هو التكامل بين الصيغة التحليلية والصيغة الهرمينوطيقية من المنعرج اللغوي

إن أهمية هابرماس منذ تسعينات القرن الماضي هو كونه قد أخذ على عاتقه أن يشتغل في الاتجاه الذي رسمه آبل منذ مطلع الستينات وأعطاه رورتي، بمشروع البراغماتية الجديدة، مسحة التحدي [175]، تحت العنوان العام للمنعرج اللغوي والعنوان الأخص للمنعرج البراغماتي لفلسفة اللغة [176].– نحن لن نهتم هنا بطبيعة التحالف النظري بين أعمال آبل وهابرماس وحدوده الخفية [177] ولا بالنقد اللاذع الذي دأب هابرماس على تصريفه ضد رورتي [178]، بل فقط بطريقة تخريج هابرماس لمصير الفلسفة المعاصرة بشقيها التحليلي والقاري، في صيغتها الأخيرة كما عرضها في الفصل الأول من كتابه الجديد الحقيقة والتبرير. مقالات فلسفية، الذي صدر سنة 1999.

إن أول ما يلفت الانتباه في عنوان الفصل الأول من هذا الكتاب هو عنوانه الجامع لكل محاولات القراءة المتزامنة التي اقترحها آبل ورورتي لنصوص التقليديين التحليلي والقاري. هذا العنوان هو “الفلسفة الهرمينوطيقية والفلسفة التحليلية. صيغتان متكاملتان للمنعرج اللغوي” [179].

يقول هابرماس: “إن هيدغر، وهو يتذكر هومبولدت والتراث الهومبولدتي [180] – ذاك الذي يقوم على لغويات متوجهة نحو المضامين – قد كان الأول في فهم الطابع البراديغمي للهرمينوطيقا التي وقع تطويرها في الأثناء من قبل دورين ودلتاي. في الحقبة نفسها، اكتشف فنغنشتاين هو أيضاً، ضمن الدلاليات المنطقية لغوتليب فريغ، براديغاً فلسفياً جديداً. إن ما سيسمى لاحقاً باسم “المنعرج اللغوي” قد تم إذن في نفس الكرة في صيغة هرمينوطيقية وفي صيغة تحليلية [181].

نحن نأخذ إقرار هابرماس بأن هيدغر هو “أول من فهم الطابع البراديغمي للهرمينوطيقا”، بوصفه إشارة حاسمة إلى أن هيدغر هو من دشّن المنعرج اللغوي بالنسبة إلى التقليد القاري، مثلما أن فتغنشتاين هو من افتتح المنعرج اللغوي بالنسبة إلى التقليد التحليلي. ربّ إقرار هو ما يفسر الاستعمال الموجب الذي دأب عليه آبل وهابرماس، ولكن أيضاً زملاؤهم في التفلسف “بعد” “المنعرج اللغوي” مثل رورتي، لمصطلح “الهرمينوطيقا”. فهؤلاء الثلاثة لا يترددون في تخريج الفلسفة القارية المعاصرة من هيغل إلى هيدغر وما بعده (غادمير خاصة، ولكن يمكننا أن نضيف دريدا وفوكو وريكور)، بوصفها تقليداً “هرمينوطيقيا”، وذلك كمقابل إجرائي لوسم التقليد الأنغلوسكسوني في جملته بوصفه “تحليلياً”.

لكن ذلك لا يعني أن هابرماس مثلاً هو فيلسوف هرمينوطيقي. فإذا كان رورتي قد قبل باستعمال مصطلح “الهرمينوطيقا” عنواناً للفلسفة “غير المرآوية” (Philosophie non spéculaire) [182] المبحوث عنها، وإذا كان آبل يقدّم أعماله بوصفها اشتغالاً “اضطرارياً” على “عودة جديدة إلى كانط – في معنى هرمينوطيقا متعالية” [183]، فإن طرافة هابرماس تكمن ليس فقط في حرصه الشديد على بناء أرضية حواء مشتركة بين التقليدين التحليلي والهرمينوطيقي بوصفهما “صيغتين” متوازيتين ومتكاملتين من المنعرج اللغوي المعاصر، بل وخاصة في سعيه إلى تجذير محاولة آبل “تحويل” فلسفة الوعي الكانطية بواسطة فلسفة اللغة من بيرس (Pierce) إلى فيتغنشتاين الثاني. إن الهدف هو إنتاج كانط محوَّل بواسطة فلسفة اللغة المعاصرة، ولكن في صيغتها “البراغماتية” كما دشّنها بيرس وانتهى إليها فيتغنشتاين الثاني.

يقول هابرماس: “إن الفلسفتين الهرمينوطيقية منهما والتحليلية هما بذلك، من وجهة نظري، نزعتان متكاملتان أكثر منهما تقليدان متنافسان [..] ونحن سنرى من هذه الناحية الأمر الذي فيه تكون صيغتا المنعرج اللغوي، اللتان دشّنهما فيتغنشتاين وهيدغر، مائلتين في الواقع نحو اتجاه واحد. فإنه من العجب، فعلاً، أن نلحظ أن تغيير البراديغم، في لحظة المرور من فلسفة الوعي إلى فلسفة اللغة يؤدي إلى عين الأولية التي من شأن قبلي المعنى (A priori du sens’l) بالنسبة إلى ملاحظة الوقائع. وإنه على هذا النحو من الحطّ من قدر البُعد المعرفي (La dimension cognitive) للغة إنما ترد، آخر المطاف، المحاولة الهادفة إلى استعادة قيمة النزعات المنادية بالكونية التي من شأن فلسفة اللغة [التي أرساها] هومبولدت (Humboldt). إنه ضدّ التناصية (Le contextualisme) الفيتغنشتانية لألعاب اللغة، وضد المثالية الهيدغرية (L’idéalisme heideggérien) لانفتاح العالم بواسطة اللغة، وضد إعادة التأهيل الغادميري للحكم المسبق، إنما اقترح آبل، على أرضية النقد الهومبولدتي لكانط، كانط محوَّلاً بواسطة البراغماتية [184].

إن هابرماس قد وجد في هومبولدت نقطة الارتكاز التي تمكّنه من التأريخ للمنعرج اللغوي القاري داخل تقليد الفلسفة الألمانية نفسها. وهذا الإجراء له أهمية استراتيجية بالنظر إلى غرضنا: إنه يبين كيف يمكن الاستهداء بمصطلح “المنعرج اللغوي” في رسم تاريخ الفلسفة الألمانية من كانط إلى هابرماس، مروراً بهيغل وهيدغر أساساً.

وحسب هابرماس فإن التقليد الهرمينوطيقي، القاري، قد ظلّ محكوماً بالتوتر بين “خصوصية الانفتاح اللغوي على العالم وكونية الممارسة الهادفة إلى التفاهم، الموجّه، بدوره، نحو الأشياء” [185]. “الانفتاح اللغوي على العالم” عبارة علينا أن نأخذها بوصفها إشارة جامعة إلى تقليد “التحليل الدلالي” (L’analyse sémantique) للغة، الذي ينسحب على طريقة القاريين في فهم مسألة اللغة، من الرومانسيين [186]، أي بما هي علامة على “رؤية للعالم” وعلى “شكل الحياة الخاص بشعب ما”، إلى هيدغر نفسه، حيث تصبح اللغة مقام “انفتاح على العالم” (L’ouverture au monde)؛ في مقابل ذلك، عاد هابرماس إلى لغويات هومبولدت بحثاً عن ملامح “التحليل البراغماتي” (L’analyse Pragmatique) لا يراهن على “المعنى” بل على “التفاهم”، ولا يقف عند “رؤية العالم” أو “شكل الحياة”، بل عند شروط “المحادثة” (La conversation) بين المتكلمين؛ وإنه هنا تحديداً يجد اعتراض هابرماس على هيدغر موضعه الخاص: أن هيدغر قد اختزل التوتر بين خصوصية الانفتاح على العالم وكونية التفاهم إلى العنصر الأول فحسب، مما خلق “تحدياً” أمام الجيل اللاحق [187]. وبعبارة أكثر دقة، إن الصعوبة التي تنخر موقف هيدغر هو التسليم سلفاً بضرب من “قبلي المعنى الذي تفترضه رؤى العالم المؤسَّسة على لغة ما” [188]. هذا التسليم بوجود معنى خاص بلغة معينة، لغة خاصة بشعب ما ضرورة، هو ما  يحرم الهرمينوطيقا من الأرضية الصالحة للبحث عن “الصلاحية التي يختصُّ بها قبلي متعال” ويجعلها تتصرف إزاء “الصورة اللغوية للعالم بوصفها كونا مغلقاً من حيث الدلالة (Sémantiquement fermé)”. على الضد من ذلك يعلن هابرماس أن “البراغماتيقا مكلَّفة باستخراج المظاهر الكونية (Les  aspects Universalistes) للمسار الذي يجب أن ينتهي بنا إلى التفاهم” [189]. البراغماتيقا تعني هنا فلسفة اللغة التي تتخطى التحليل الدلالي إلى التركيز على “الاستعمال الحي للغة” الذي يراهن على “الفهم المتبادل” (Se comprendre mutuellement) بين المتكلمين، ولكن أيضاً وفي الوقت نفسه على “التفاهم حول شيء ما (S’entendre à propos de quelque chose)، ومن ثم، إذا كان ممكناً، التوصل إلى اتفاق”، بحيث أن “استعمال اللغة لغايات التواصل (Communication) هو مرتبط بالوظيفة المعرفية (Cognitive) اللغة” [190]. إن رهان هابرماس هو اعتبار “تذاوت التفاهم” (L’intersubjectivité de L’entente) بمثابة شرط إمكان أي “ادّعاء للحقيقة”، وشرط “موضوعية التفكير” [191].

وهكذا إذا كان هابرماس قد عاد إلى لغويات هومبولدت لتأسيس التجاوز البراغماتي للتحليل الدلالي الذي انحسر فيه هيدغر، فإنه قد التقى آخر المطاف بشطر غير يسير من استنتاجات رورتي حول ضرورة تجاوز أفق نظرية المعرفة إلى أفق المنعرج البراغماتي ضمن تقليد فلسفة اللغة، وذلك برغم أن رورتي لم ينحصر في مهمته ضمن حدود المنهج التحليلي، كما يحرص على ذلك هابرماس، بل أيضاً على الهرمينوطيقيا بوصفها أداة تحقيق المنعرج البراغماتي، حيث يؤدي هيدغر دوراً حاسماً. وهكذا فإن هيدغر يؤدي في عملية التأريخ للفلسفة المعاصرة في ضوء المنعرج اللغوي دوراً حاسماً، وذلك أكان التفكير معه (رورتي) أو ضده (هابرماس).

إن أطروحة هابرماس تقضي بأن غرض الفلسفة القارية منذ نهاية القرن 18 – منذ هومبولدت، ولكن أيضاً منذ هيغل/ إيينا في صيغة مختلفة ركّز عليها هابرماس في مواضع اخرى [192] – قد تمثل في “التحويل البراغماتي للفلسفة الكانطية” [193]، أي في تحويل الفلسفة من التفكير ضمن براديغم الوعي إلى التفكير ضمن براديغم اللغة، وبعبارة أكثر لطافة، فرغ لها هابرماس في موضع آخر، إن تاريخ الفلسفة القارية المعاصرة قد يمكن تخريجه بوصفه “طرقاً مختلفة في نزع الطابع المتعالي” (Des manières de «détranscendantaliser») عن الفلسفة الكانطية، في الانتقال من “النزعة الذهنية” (Le mentalisme) للمنعرج الايبستيمولوجي من ديكارت إلى فيخته، إلى “مقاربة تذاوتية” (Approche intersubjective) دشّنها هيغل في نصوص إيينا، هي التي أدّت إلى المنعرج البراغماتي لفلسفة اللغة المعاصرة [194].

 

خاتمة غادمير ودريدا، تلميذا هيدغر، يتساءلان خفية: هل الإسلام، منسيُّ تاريخ الوجود الأوروبي، مستعد لاحتمال المنعرج اللغوي؟

إن علينا أن نتساءل: وماذا بعد؟ هل تخلّص الفكر الفلسفي الراهن من الإرث الهيدغري؟ نعني: إلى أي حد بَرئَ متفلسفة العصر من “الضلال” (L’errance) الساكن في سؤاله عن الوجود سبب كونه لم ير من “معنى” أو “حقيقة” أو “ماهية” لهذا الوجود إلا ما يستقيه من “عالم” معيش أو “انفتاح” كياني أو “هُنا” ذاتٍ ما أو “أفق” فهم ما أو “موضع” تاريخاني أو “خلوة” حقبة ما أو “لغة” شعب بعينه هو “اليونان” [195] التي اخترعها الرومانسيون والمثاليون الألمان وجذّرها هيدغر نفسه [196]؟ أجل، إن نكتة الصعوبة في “مفهومية الدازين” كما في طوبولوجية الو-جود” لدى هيدغر هي هشاشة مسألة “الكونية” (L’universalité) [197] التي تظل تؤرق كل “هرمينوطيقا” من الداخل، ما دامت كل هرمينوطيقا هي هرمينوطيقا هو ما وتراثٍ ما ولغةٍ ما. وإن ذلك لأمر جلل لأنه يهدد البُعد “الكسموبوليطيقي” للفلسفة منذ أول أمرها. ولئن كان حكم هيدغر على “الرومان” مثلاً معلوماً، حيث يفهم “الرومانية” (Romanité) الفلسفية بوصفها مجرد ظاهرة “مشتقة” من “اليونان” الأصلية نتيجة ترجمة “حاجبة” للمعاني اليونانية الأصلية [198]، – فإن سكوته عن السراثين “العبراني” [199] و”الإسلامي” (و”الفلسفة العربية” [200] معه) عند ارتسام خطاطة “تاريخ الو-جود” بوصفه عهداً، وهو ما يفترض ضمناً أن كلا منهما “لا يملك منزلة البدء” [201]، – قد ينطوي على دلالات لم يُكشف عنها بعدُ. وإن علينا أن نتساءل: ماذا لو لم يكن تفكير هيدغر غير الإمكان الفلسفي للمسيحية فحسب؟ – إن من يُنبِّهنا على ذلك ليس أحد المعادين لهيدغر بل أحد صحابته الكبار، هو غادمير الذي لا يتردد ليس فقط في الإقرار بأن ما قدّمه الوجود والزمان، عن مسألة مثل تجربة الموت مثلاً، إنما هو مستقى من مصادر مسيحية، بل في التساؤل عما إذا كان هيدغر الثاني قد فكّر “فيما أبعد من تجربته المسيحية الخاصة”، وأكثر من ذلك في التنبيه إلى أن “طريقة التفكير الغربي” ليست “الطريقة الوحيدة للتفكير” (Not the only way of thinking) وأن الإسلام مثلاً “يبدو أنه يفكر على نحو مختلف (Seem to think differently) [202]؟ قد يجدر بنا أن نتساءل: لم غاب الإسلام عن طوبيقا “تاريخ الو-جود”؟ – هذا التساؤل سجّله دريدا في سياق آخر، حين اجتمع سنة 1992 في جزيرة إيطالية تُسمى كابري (Capri)، مع غادمير وفاتيمو وآخرين، للـ”كلام في الدين” (Parler religion)، – قائلاً: “نحن نمثل ونتكلم أربع لغات مختلفة، لكن “ثقافتنا” المشتركة، لنقل ذلك، هي في أكثر جلائها مسيحية، وهي تكاد لا تكون يهودية – مسيحية. لا مسلم بيننا، واأسفاه، على الأقل بالنسبة إلى هذا النقاش الأولي، في اللحظة التي إنما نحو الإسلام قد يجب علينا أن نبدأ بتولية نظرنا” [203]. ربّ أسف عقّب عليه غادمير قائلاً:

“بلا شك إن تركيبة الفريق كان ينقصها التوازن، من حيث إن جميع أعضائها، ما عداي، قد أتوا من العالم اللاتيني. لقد كنت البروتستانتي الوحيد. أما ما هو أكثر حساسية، فهو بلا أي شك، كما أشار إلى ذلك دريدا، غياب تمثيل ما للإسلام [204].

قد يدعونا هذا النحو من الأسف الفلسفي على غيابنا داخل خارطة “تاريخ الو-جود” أن نتساءل تساؤلاً عثرنا عليه مرة أخرى لدى غادمير: هل المسألة، لدى هيدغر، خاصة بـ “لغة الميتافيزيقا”، “لغة الغرب”، أم بكل اللغات؟ مثلاً “الاستعمال الشرقي للصور”؟ ألسنا نعمل في نطاق “كلي واحد ووحيد، نعني اهية اللغة والعقل”؟ [205]، وما جدوى دعوة هيدغر للـ “حوار مع الشرق” [206] إذا كان يصرّح سنة 1966 بأنه على  قناعة بأن “الفكر لا يتحول إلا بالفكر الذي له المنبت والمقدور ذاته”، إن الحل ليس في الشرق بل في “التراث الأوروبي وفي إعادة تملّك لهذا التراث” فحسب، اعتقاداً بأنه حيثما “ولد العالم التقني” إنما ينبغي “أن يُتجاوز بالمعنى الهيغلي للفظ” [207]. وإن لجوء هيدغر الأخير إلى تكلم العبارة الرومانسية/ المثالية الهيغلية لا يعني أقل أو أكثر من أن من يتكلم ليس الأفراد، بل “اللغة الألمانية”، وهو معطى تاريخاني دافع عنه هيدغر قائلاً: إن الفرنسيين قد أثبتوا له “أنهم لا يبدؤون في التفكير إلا إذا تكلموا الألمانية: إنهم يؤكدون أنهم لا يستطيعون ذلك في لغتهم” [208]. فهل هذا مصير كل اللغات الأخرى؟ أم أن ما هو حقيق علينا ليس تكلم لغة “الغرب” – مردوداً، حسب هيدغر، إلى وجه “العدمية” فيه كما تعبر عنه “أمريكا” و”الأمركة” (Amerikanismus)، بل “تعلّم الحوار” (L’apprentissage de la contiguité) معه، حسب عبارة رشيقة لدومنيك جانيكو [209].

إن “تعلم الحوار” ليس فسحة ثقافية يستعيد فيها معنى “الحداثة” (Modernité) دلالة “الموضة” (Mode) [210] الذي يتوازى فيها، بل هو تدرب مضن على “إتيقا الاختلاف”، وجدنا أن باحثاً ألمانياً قد قطع شوطاً لافتاً لإخراجها، في مقالة ذات عنوان ذي دلالة هو “الاختلاف الذي لا يظهر. التأسيس الهيدغري لإتيقا اللغة” (Die unscheinbare Differenz Heideggers Grundlegung einer Ethik der Sprache [211]. فقد يبدو أن فكر الاختلاف الذي قام تاريخ الميتافيزيقا على “احتباس القول” (Versagung) فيه، لا يمكن أن يصبح الكفيل الفلسفي القادر على وضع حدّ تاريخاني لما سماه هيدغر ذات مرة “الماهية الحربية” (Kriegshaften Wesen) للذاتية [212] الحديثة، إلا متى أصبح الاختلاف هو “الإتيقا” الثاوية في “اللغة” التي نتكلمها نفسها. ولذلك فنحن نسأل مع الباحث الألماني بيتر تراوني (Peter Trawny): “بأي وجه يمكن لفكر الاختلاف الهيدغري أن يهبنا الدافع (Den Anstoβ) نحو إتيقا ما؟ [213]. – بذلك يبدو أن الشرط المطلوب هنا هو نقل مشكل “الاختلاف” من مستوى موضوع من مواضيع اللوغوس/ العقل – ، وهو مستوى لا يعرف معه هذا اللوغوس سوى إنتاج الهويات والتطابقات، – إلى مستوى اللوغوس/ اللغة العادية حيث يصبح الاختلاف “المنسي” و”غير القابل للظهور” (Unscheinbar) في “لغة الميتافيزيقا”، يونانية كانت أم حديثة، ليس شيئاً آخر غير “اللغة” نفسها [214]. أليس من اللافت للنظر أن السنوات “الفلسفية” الأخيرة قد شهدت “نزعة قوية نحو الإتيقا” [215] لم تجد محوراً لها سوى مسائل “الغيرية/ الآخرية (Andersheit) بين الديانات و”الأجنبية/ الغربة” (Fremdheit) بين الشعوب و”الاختلاف” (Differenz) بين الثقافات ونزاع “الهويات”؛ ولكن بوصفها مشاكل تؤدي فيها “اللغات” دوراً ليس باليسير في شيء؟ وإذا سلمنا بأن كل لغة إنما تنطوي من حيث المبدأعلى “ادعاءات صلاحية”(Prétentions de validité) كونية، فكيف يمكن أن تتأسس “الجماعة المثالية للنقاش” كما يرنو إلى ذلك آبل وهابرماس؟ – إن السقف “الإنسانوي” التقليدي لم يعد قادراً على مدّنا بأدوات الاستشكال الوجيهة.

بقي أن نسأل عندئذ: إذا كان  هيدغر يفترض أن “رسالة الشعوب الغربية الصانعة للتاريخ تتمثل، الساعة الحاضرة، من حيث الجوهر في إنقاذ الغرب. وأن الإنقاذ لا يعني هنا مجرد الحفاظ على الذي ما يزال موجوداً، بل يعني على نحو أصلي تبريراً مجدِّداً لتاريخه الخاص الماضي والحاضر. وأن التفاهم المتبادل بين الشعوب المتجاورة ضمن المر الأخص لها إنما يتضمن النجاح في اعتناق ضرورة هذا الإنقاذ بوصفه مهمة خاصة لكل واحد منها”[216]. – إذا كان يفترض ذلك، فما هو موضع الشعوب “غير الغربية” من إعراب تاريخ الو-جود؟ إلى أي مدى يمكنها أن تزعم أو تنجح في اعتناق ضرورة “إنقاذ الغرب” من عدميته؟ هل لغاتها “لغات ميتافيزيقية” يجدر بها أن تفكك تاريخ “الحضور” فيها، أم هي لغات تقبع أصلاً خارج “ناحية الفكر” (La contrée de la pensée) [217] – أو حسب عبارة لافتة لجان بوفري “ناحية العالم التي يسميها هيغل الغرب” [218] – التي تسمى “الميتافيزيقا”؟ هل مستقبل المعقولية قد أصبح مرة أخرى رهين طريقتنا في تخريج مسألة “الترجمة” من جهة ما هي سياق استقبال “الآخر، الغريب، الضيف” (L’autre, L’étranger. L’hôte) [219] وزيارته التاريخانية، أي كقدر آخر – في آن واحد؟ هل يعني ذلك أن هذا القدر لا مخرج منه إلا بشكل “تفكيكي”، كما يبشرنا بذلك دريدا، – انطلاقاً من الإقرار بأن كل تفكير إنما ينطلق من ضرب من “الألم اللغوي” (Une souffrance langagière) السابق، ليس فقط الناجم عن “تعدد اللغات” والطابع المفرط للغة الواحدة (Une langue, c’est déjà trop) وإرهاصات “اللامعقول” (le non-dit) فيها، بل المتأتّي أيضاً وعلى نحو متوار من “أنماط الرقابة الأكثر لطافة دوماً، والتي هي في حالة دريدا، أنه “لم يمكنه أبداً أن يتكلم أو يسكن لغة “أسلافه” (العربية والعبرية)” [220]، وفي حالتنا نحن، أنه محكوم علينا سلفاً بالتفكير خارج لغتنا وخارج تراثنا، وربما لمدة ليست قصيرة؟ أم أن الترجمة إنما تعاني دوماً من “لا تعين” (Indétermination) سابق – كما ينبهنا إلى ذلك الفيلسوف الأمريكي كواين (Quine) – حيث إننا “إنما نترجم دوماً داخل لغتنا، ومن الداخل، ومن ثم أنه لا يوجد “معنى” محض نترجمه، بما أن “المترجم “يقرأ” لغته الخاصة داخل اللغة الأهلية [..] إن الترجمة تبقى داخلية، “محايثة” للغتنا الخاصة. إنه لا يوجد منفى خارج اللغة التي تعلمناها” وأنه من الخرافة أن نعتقد في “المنفى خارج ثقافتا” [221]؟ إن القصد هو أن كل مترجم إنما  يحمل في ماهية الترجمة نفسها زماناً لغوياً “سابقاً إلى القلب” حسب عبارة جميلة للجاحظ. ولأنه سابق على القلب فإن علينا أن نسأل: ما هي الخطوات التي قطعها الفكر لدينا في “تفكيك” الزمان اللغوي/ زمان لغتنا، الذي يخصنا؟

ماذا يجدر بنا أن نفعل: هل علينا أن نشارك / الهيدغريين الذين اكتفوا، على الأغلب، إلى حد الآن، بالاحتفاء الاستطيقي بالـ “لغز” (Geheimnis) الذي يعبر “القشتال” (Gestell) كخيط رفيع بين “القدر” / Geschick و”الخطر”/ Gefahr، في أفق “الغرب” [222]، أم نطالب على نحو ما – بعد – هيدغري، وذلك وسباب ليس أقلها أن تكون “إيكولوجية”، أي متعلقة بمسألة الـ “oɩkoϛ“/ المنزل أو “السكن  بوصفه وجود الإنسان” [223]، – بقدر تاريخاني أدنى من “المعقولية بوصفها اقتساماً” (La rationalité comme partage) [224] للعنصر “الإنساني” (L’humain)، وليس “ما فوق الإنساني” لإمكانية “الإنسان الأخير”؟ – نحن نرنو بذلك إلى جهة لم يكن السفر “الروحاني” (Spiritual) حسب عبارة نحتها دريدا [225] – الذي أنجزه هنري كوربان “من هيدغر إلى السهرودي” (De Heidegger à Sohravardi) [226]، سوى خطوة خافتة فقط من طريق علينا أن نتساءل بكل ما أوتينا من جد تاريخاني: إلى أي مدى نحن نتحلى اليوم بـ “الطمأنينة” (Gelassenheit) اللازمة لاحتضانه أو بـ “الجلاء” (Lichtung) المناسب لاستشراقه في طرافته الخاصة؟

 

 

 

 


الهوامش والمراجع:

[1]  Carnap, Rudolf, «Le dépassement de la métaphysicque par locanalyse logique du langage» (1931), in: Antonia Soulez (Sous la direction de), Manifesto du cercle de Vienne et autres écrits (Paris: PUF, 1985) pp. 155-177.

[2]  G. Hottois, L’inflation du langage dans la philosophie contemporaine. Causes formes et limites (Bruxelles: Éditions de l’université de Bruxelles, 1979) pp. 28-29. Aussi: Du sens common à la société de communication. Études de philosophie de langage (Paris: Vrin, 1989) pp. 85-104.

[3]  – را:

Habermas, J., Le discourse philosophique de la modernité. Douze conférences. Traduit de L’allemand par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz (Paris: Gallimard, 1988), pp. 157-190. Aussi: «Penser avec Heidegger contre Heidegger» (1953), in: Profils philosophiques et politiques, Trad. Fr. (Paris: Gallimard, 1974): 89-99.

[4]  G. Hottois, L’inflation du langage, op. cit. p. 19.

[5]  من هامش رقم (5) حتى رقم (12): المرجع نفسه ص: 19، 20، 28، 45، 47،  24، 70، 71، 20، 21، 24، 27، 28، 26.

[6]  المرجع نفسه ص: 19، 20، 28، 45، 47،  24، 70، 71، 20، 21، 24، 27، 28، 26.

[7]  المرجع نفسه ص: 19، 20، 28، 45، 47،  24، 70، 71، 20، 21، 24، 27، 28، 26.

[8]  المرجع نفسه ص: 19، 20، 28، 45، 47،  24، 70، 71، 20، 21، 24، 27، 28، 26.

[9]  المرجع نفسه ص: 19، 20، 28، 45، 47،  24، 70، 71، 20، 21، 24، 27، 28، 26.

[10]  المرجع نفسه ص: 19، 20، 28، 45، 47،  24، 70، 71، 20، 21، 24، 27، 28، 26.

[11]  المرجع نفسه ص: 19، 20، 28، 45، 47،  24، 70، 71، 20، 21، 24، 27، 28، 26.

[12]  المرجع نفسه ص: 19، 20، 28، 45، 47،  24، 70، 71، 20، 21، 24، 27، 28، 26.

[13]  يقول هيدغر: “فإذا أمسك المرء بهذا التأويل الأنطولوجي – الكيانوي لمفهوم “المعنى” من أساسه، فإن كل موجود ليس من جنس وجود الدازين؛ لابد أن يُتصور بوصفه لا – معنى (unsinniges)، خلواً في ماهيته من المعنى  بعامة.”بلا – معنى” لا يدل هنا على أي تقييم، بل يعبر عن تعين أنطولوجي. إذ وحده اللا – معنى يمكن أن يكون مضاداً – للمعنى (widersinnig). إن [الموجود] القائم يمكن، من جهة ما ملاقٍ ضمن الدازين، أن يعرج بوجه ما على الوجود، مثلاً حوادث الطبيعة المكسرة والمدمرة”.

Heidegger, M., Sein und Zeit (Niemeyer, Tübingen 1993 q)/ Être et Temp. Traduit en français par Emmanuel Martineau (Édition Authentica, 1985) et François Vezin (Paris: Gallimard, 1986), p. 152.

[14]  نفسه: ص 211-212.

[15]  G. Hottois, L’inflation du langage, op. cit. p. 35-36.

[16]  من هامش (16) حتى (23) ص 37 – 212 – 38- 67-63-69.

[17]  ص 37 – 212 – 38- 67-63-69.

[18]  ص 37 – 212 – 38- 67-63-69.

[19]  ص 37 – 212 – 38- 67-63-69.

[20]  ص 37 – 212 – 38- 67-63-69.

[21]  ص 37 – 212 – 38- 67-63-69.

[22]  ص 37 – 212 – 38- 67-63-69.

[23]  ص 37 – 212 – 38- 67-63-69.

[24]  Heidegger, M., «Quelques indications sur des points de vue principaux du colloque théologique consacré au «Problème d’une pensée et d’un langage non-ob-jectivants dans la théologie d’aujourd’hui»; in: Ernst Cassirer, Martin Heideger, Débat sur le Kantisme et la Philodophie, (Davos, Mars 1992) (Editions Beauchesne, Paris, 1972), p. 129.

[25]  G. Hottois, L’inflation du langage, op. cit. p. 69.

[26]  عنوان الفصل هو “العقلانية الغربية مخترقة نقد الميتافيزيقا: هيدغر”:

Habermas, J., Le discourse philosophique de la modernité. Op. cit., p. 157.

[27]  من هامش (27) حتى (42) المرجع نفسه. ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[28]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[29]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[30]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[31]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[32]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[33]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[34]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[35]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[36]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[37]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[38]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[39]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[40]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[41]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[42]  ص: 1- 157 – 164 – 158 – 159 – 160 – 161 – 163 – 166- 167 – 171.

[43]  نفسه: 166 – قال: “فمنهم من بسطوا آمالهم لدى القوة التفكّرية للعقل، أو على الأقل ضمن [ضرب من] ميثولوجيا العقل؛ في حين أن البعض الآخر قد استدعى القوة الميتو – بويطيقية (mytho-poétique) لفنّ مدعوّ إلى أن يكون مركز الحياة العمومية المبعوثة من جديد. إن ما كان هيغل قد سمّاه حاجة الفلسفة قد تحوّل – من شبيغل إلى نيتشه – إلى حاجة إلى ميثولوجيا جديدة، مؤسَّسة على نقد للعقل. بناء عليه، فإن هيدغر هو أول من ردّ هذه الحاجة العينية – بإضفاء الطابع الأنطولوجي عليها وإعطائها مظهراً تأسيسياً – إلى وجود يتحجب عن الموجود. بواسطة هذا الانزياح، حجب هيدغر العنصرين معاً، أن هذه الحاجة هي راجعة إلى باثولوجيات العالم المعيش الخاضع إلى عقلنة ملتبسة (Une rationalization ambiguë)، وكذلك أن المعيش الذي [يشكّل] خلفية النقد المجذِّر للعقل هو فنّ ذاتوي أصلاً. إن هيدغر بلغته المشفَّرة هو قد جعل من التشويهات الجلية للممارسة التواصلية اليومية قدراً للوجود غير قابل للإدراك، يدير شؤونه الفلاسفة. وفي نفس الوقت هو يجعل فكّ الشفرة مستحيلاً، إذ إنه يزيح ممارسة التفاهم (L’entente)، الذي حُط من قدره هكذا بوصفه ممارسة محادثة ذاتية ناسية للوجود، عامية وحاسبة [..]”.

[44]  المرجع نفسه: ص: 166.

[45]  المرجع نفسه: ص: 167.

[46]  المرجع نفسه: ص: 167.

[47]  را:

J. L. Austin, Quand dire, c’est faire. How to do Things with words (1962). Introduction, traduction et commentaire par Gilles Lane (Paris: Éditions du Seuil, Coll. Points/ Essais, 1991).

من المعلوم أن أستين (Austin) قد عرض تمييزه بين “القولي” و”المتضمِّن في القول” و”الناجم عن القول” ضمن كتابه الذي نُشر بعد موته How to do things with words (كيف نفعل الأشياء بالكلمات) سنة 1962. وهو ينطلق في بناء نظريته من التمييز بين منطوقات “معاينة” (constatifs) تنقل لنا معلومات عن وقائع معينة، وتقبل الصح والخطأ، ومنطوقات “إنجازية” (Performatifs) لا تصف شيئاً ولا تنقل معلومة ولا تقبل الصح والخطأ، بل تنتج مفاعيل، وحيث يكون “التلفّظ تنفيذاً لعمل ما (Austin 1962: 3-7). ولتدقيق هذا التمييز والتغلب على إمكانية الخلط بين منطوق “المعاينة” ومنطوق “الإنجاز” افترع أستين تصنيفاً لأنماط القول إلى ثلاثة: 1- فعل القول نفسه ويسميه “قولي” (locutoire)، أي القول من حيث هو “أصوات”  أو “فعل فونيقي” (Acte phonique) و”ألفاظ” أو “فعل فاطيقي” (Acte phatique) و”مرجع” أو “فعل ريطيقي” (Acte rhétique)، تخبر عن وقائع؛ 2- الفعل نفسه من حيث هو متضمن في عملية القول أو متحقق بواسطة القول (Illocutoire)؛ 3- الفعل الطافح أو المنجّر عن عملية قول شيء ما (Perlocutoire) (نفسه: 93). وحسب أستين فالغرض هو بيان: 1- “دلالة” (Signification) الأفعال “القولية”؛ و2- “قيمة” (valeur) الأفعال المتضمنة – في – الأفعال – القولية؛ و3- “مفاعيل” (Effets) الأفعال الناجمة – عن – الأفعال – القولية (نفسه: 120).

[48]  المرجع نفسه: 1، 94.

[49]  المرجع نفسه: 99.

[50]  المرجع نفسه: 101.

[51]  نحن نستعمل بخاصة مقالاً لآبل بعنوان “فيتغنشتاين وهيدغر: لعب اللغة وأشكال الحياة (Wittgenstein und Heideger: language games und life forms)، نشر في صيغته الألمانية لأول مرة سنة 1967، وترجمه إلى الإنكليزية كريستوفار ما كان (Christopher Macann) ونشره ضمن المجلد الثالث من مجموع مارتن هيدغر. تقويمات نقدية. (Martin Heidegger: Critica Assessments)  سنة 1992، مع قدر واضح من التحيين. ونحن نستعمل هذه الترجمة الإنكليزية – لكن نقاش آبل مع هيدغر لم ينقطع فهو حاضر في جل كتاباته اللاحقة.

انظر:

Apel, Karl-Otto, Discussion et responsabilité I. L’Éthique après Kant. Traduit de l’allemand par Chr. Bouchindhomme, M. Charrière et R. Rochlitz (Paris: Les Éditions du Cerf, 1996), pp. 20-21, 57-58; Discussion et responsabilité II. Contribution à une éthique de la responsabilité. Traduit de l’allemand par Chr. Bouchindhomme et R. Rochlitz (Paris: Les Éditions du Cerf, 1998), pp. 140, 143-152; «Constitution du sens et justification de la validité. Heidegger a-t-il dépassé la philosophie transcendantale par sa conception de l’Histoire de L’Ȇtre»?. Traduit de l’allemand par Denis Dumas, in: Les Etudes philosophiques 3 (1990): 373-396.

[52]  Apel, «Witthgnstein und Heidegger», op. cit. p. 341; Discussion et responsabilité II. Op. cit. p. 143.

[53]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[54]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[55]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[56]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[57]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[58]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[59]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[60]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[61]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[62]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[63]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[64]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[65]  المرجع نفسه: ص. 341 – 342 – 343 – 349 – 358 – 347 – 353 – 350 – 352.

[66]  يقول هابرماس الأخير: “إن هيدغر، وهو يتذكر هومبولدت  والتراث الهومبولدتي – ذاك الذي يقوم على لغويات متوجهة نحو المضامين – قد كان الأول في فهم الطابع البراديغمي للهرمينوطيقا التي وقع تطويرها في هذه الأثناء من قبل درويسن ودلتاي.في الحقبة نفسها، اكتشف فتغنشتاين هو أيضاً، ضمن الدلاليات المنطقية لغوتليب فريغ، براديغماً فلسفياً جديداً. إن ما سيسمى لاحقاً باسم “المنعرج اللغوي” قد تم إذن في نفس الكرة في صيغة هرمينوطيقية وفي صيغة تحليلية.

Habermas, J., Vérité et justification (1999). Traduit de l’allemand par Rainer Rochlitz (Paris: Gallimard, 2001), p. 11.

[67]  ينسب رورتي عبارة «The linguistic turn» إلى فيلسوف تحليلي هو غوستاف بارغمان (Gustay Bergmann). انظر:

Rorty, R., The linguistic Turn. Recent Essays in Philosophical Method. Edited and with an introduction by Richard Rorty (Chago and Londen: The University of Chigao Press, 1967) p. 9, note 10; Consequences of Prahmatism (Essays: 1972 – 1980) (New York: Harvester Wheatsheaf, 1982), p. xxi; Essais sur Heidegger et autres écrits. Traduit de l’anglais par Jean-Pierre Cometti (Paris: P.U.F., 1995), p. 81.

[68]  Rorty, R., The Linguistic Turn. Op. cit. p. 3.

[69]  Habermas, J., Vérité et justification, op. cit. p. 169.

[70]  Rorty, R, L’homme spéculaire (titre original: Philosophy and the Mirror of Nature, 1979). Traduit de l’anglais par Thierry Marchaisse (Paris: Editions du Seuil, 1990), pp. 287-288, 350-352, 379, 393-394.

[71]  Rorty, R. Consequences of Pragmatism, op. cit. p. xviii-xx.

[72]  إن المتصفح لكتابات الفلاسفة القاريين يكتشف أن رورتي لم يكن يتحدث عن وضعية تفكير انغلوسكسونية مغلقة على نفسها، بل هو قد حاول أن يفسر نزعة فلسفية تولدت عن قراءة متزامنة لكتابات هيدغر وفتغنشتاين معاً، كما نرى ذلك خاصة أولاً لدى آبل الذي ناقش أطروحته في نهاية الخمسينات، ثم لدى هابرماس في وقت لاحق. إن مهمة الفلسفة قد أصبحت فجأة: إعادة تدبير تاريخ الفلسفة بوصفه “تعاقباً لبراديغمات ثلاثة” (Une succession de trios paradigms)، براديغم الوجود وبراديغم الوعي وبراديغم اللغة، إشارةً إلى “الميتافيزيقا و”نظرية المعرفة” و”فلسفة اللغة”، ثم على وجه الخصوص تدبير جملة الفلسفة المعاصرة بوصفها “قفزاً من براديغم إلى آخر”: من براديغم الوعي إلى براديغم اللغة، على نحو يغيّر ليس فقط من نوعية المشاكل بس من طريقة طرحها أيضاً. را:  Habermas, J.,Verité et justification, op. cit. p. 176.

[73]  المرجع نفسه ص: 17.

[74]  المرجع نفسه.

[75]  المرجع نفسه.

[76]  المرجع نفسه: 18. وهي أطروحة سوف يستأنفها رورتي سنة 1982. راجع:

Rorty, R. Consequences of Pragmatism, op. cit. p. 217, 220, 223-224.

[77]  Rorty, R, L’homme spéculaire, op. cit. p. 18.

[78]  المرجع نفسه: 13.

[79]  المرجع نفسه: 14.

[80]  المرجع نفسه: 251.

[81]  Rorty, R., The linguistic Turn. Op. cit. pp. 5-6.

[82]  Habermas, J., Vérité et justification, op. cit. p. 175.

[83]  Rorty, R. Consequences of Pragmatism, op. cit. p. 211.

[84]  المقصود هو مؤلف كتاب المباحث الفلسفية الذي نُشر سنة 1953، في حين يكون فيتغنشتاين الأول هو مؤلف الرسالة المنطقية – الفلسفية المنشور سنة 1921.

[85]  Rorty, R, L’homme spéculaire, op. cit. p. 15.

[86]  المرجع نفسه: 22.

[87]  المرجع نفسه: 20.

[88]  المرجع نفسه: 193.

[89]  المرجع نفسه: 238.

[90]  Rorty, R. Consequences of Prgamatism, op. cit. p. xix.

[91]  المرجع نفسه: xxi.

[92]  المرجع نفسه: xxi.

[93]  Rorty, R, L’homme spéculaire, op. cit. p. 197.

[94]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[95]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[96]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[97]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[98]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[99]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[100]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[101]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[102]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[103]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[104]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[105]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[106]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[107]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[108]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[109]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[110]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[111]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[112]  المرجع نفسه. ص: 234 – 15 – 195 – 217 – 203 – 177 – 148 – 154 – 156 – 161 –  155 – 157 – 14 – 186 – 190 – 288 – 279.

[113]  Habermas, J., Vérité et justification, op. cit. p. 169.

[114]  المرجع نفسه: 186.

[115]  استعمل رورتي عبارة “المنعرج البراغماتي” في:

Rorty, R, L’homme spéculaire, op. cit. p. 169.

[116]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[117]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[118]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[119]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[120]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[121]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[122]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[123]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[124]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[125]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[126]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[127]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[128]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[129]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[130]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[131]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[132]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[133]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[134]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[135]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[136]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[137]  المرجع نفسه. ص: 431 – 186 – 346 – 350 – 351 – 349 – 352 – 354 – 353 – 366 – 379 – 380 – 381 – 386 – 392 – 394.

[138]  يقول غادمير: “وفي الأصل فإن الظاهرة التأويلية ليست أبداً بمسألة منهج”.

Gadmer, G.H., Vérité et méthode. Les grandes lignes d’une herméncutique philosophique. Edition intégrale revoe et complétée par Pierre Fruchon, Jean Grondin et Gilbert Merlio (Paris, Seuil, 1996), p. 11.

[139]  المرجع نفسه: 395.

[140]  المرجع نفسه: 396.

[141]  يقول رورتي: “أن نهذّب (أنفسنا أو الآخرين) يمكن أن يأخذ شكل النشاط الهرمينوطيقي الذي يتمثل في أن ننشئ علاقات بين ثقافاتنا الخاصة وأية ثقافة أخرى، أو أية حقبة تاريخية أخرى، أو بين صناعتنا وصناعة أخرى قد يبدو أنها تتسدد نحو أهداف غير متقايسة في لغة غير متقايسة. بيد أن ذلك قد يأخذ أيضاً شكل النشاط “الشعري” الذي يتمثل في بلورة غايات جديدة، ومفهومات جديدة أو صناعات جديدة، ثم ممارسة ضرب من الهرمينوطيقا المقلوبة: إعادة تأويل محيطنا المألوف في اللغة الغريبة لسياقنا النظري الجديد. في الحالتين، يكون مثل هذا النشاط [..] تهذيباً (édifiant) دون أن يكون بنائياً (constructif) – على الأقل، متى فهمنا من “البنائي”، هذا الصنف من العملية الخاصة بالخطاب السوي، التي تسمح بتحقيق برنامج بحث. وذلك أن الخطاب التهذيبي من المفترض أن يكون غير سوي، وأن غرابته هي تحديد هذا الذي ينزعنا من عاداتنا القديمة ويجدد وجودنا.

إن التباين بين الرغبة في التهذيب و[الرغبة في] الحقيقة لا يعبر لدى غادمير على ضغط يتعلق الأمر بحله أو بموازنته. فإذا كان ثمة نزاع، فإنه بين التصور الأرسطي – الأفلاطوني القاضي بأن الطريقة الوحيدة لأن نكون مهذبين هو الترقي إلى معرفة ما يوجد خارجنا (أن نعكس الوقائع بشكل  مطابق – أن نحقق ماهيتنا بمعرفة الماهيات)، والتصور الذي ينسب البحث عن الحقيقة بأن يعتبره بمثابة طريقة من بين طرائق أخرى للتهذيب. إن غادمير على حق عندما يرتسم على ذمة هيدغر منظوراً انطلاقاً منه يظهر البحث عن المعرفة الموضوعية (التي طوّرها الإغريق انطلاقاً من النموذج الرياضي) بوصفه مشروعاً إنسانياً من بين مشاريع أخرى”. را:

Rorty, R, L’homme spéculaire, op. cit. pp. 396 – 397.

[142]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[143]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[144]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[145]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[146]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[147]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[148]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[149]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[150]  المرجع نفسه ص: 397 – 399 – 400 – 401 – 402 – 404 – 405 –  406 – 408 – 409.

[151]  يقول رورتي: “ألا يقترح علينا هابرماس وآبل، مثلاً، أن نخلق صنفاً جديداً من وجهة النظر المتعالية، قد تمكننا أن نفعل ما فعله كانط في عصره، وتجعلنا نتفادى السقوط سواء في العلومية (Scientisme) أم في التاريخوية (Historicisme) [..] إنني قد أكّدت على وجوب التخلي عن البحث عن خليفة لنظرية المعرفة، وأن نحاول بالأحرى أن نأخذ مسافة عن الفكرة القاضية بأن هدف الفلسفة قد يكون بلورة سياق دائم للبحث. وبخاصة علينا أن الانعتاق من فكرة أن الفلسفة قد تفسر ما يتركه العلم غير مفسَّر. وهكذا فإن كل محاولة تهدف إلى تطوير “براغماتيقا متعالية” أو “هرمينوطيقا متعالية” هي، من وجهة نظري، مريبة تماماً”. را:

Rorty, R, L’homme spéculaire, op. cit. pp. 416 – 417.

[152]  را:

R. Rorty, Essais sur Heidegger et autres écrits (1991). Traduit de l’anglais par J-p. Cometti (Paris: P.U.F., 1995).

[153]  المرجع نفسه: 13.

[154]  المرجع نفسه: 2.

[155]  المرجع نفسه.

[156]  المرجع نفسه:3.

[157]  المرجع نفسه.

[158]  عن حيثيات تغيير رورتي لطريقته في تخريج براغماتية هيدغر ومن ثم لدوره ضمن المنعرج اللغوي المعاصر، هو يفيدنا في هامش من كتاب 1991 بأنه لم يكن يعلم إلى أي حد يمكن قراءة الوجود والزمان بطريقة براغماتية إلا بعد الاطلاع على دراسة لباحث انغلوسكسونس يُدعى روبارت براندوم (Robert Brandom) بعنوان “مقولات هيدغر في الوجود والزمان” (Heidegger’s Categories in Being and Time)، وقد نُشر هذا المقال، كما يُشير رورتي، في مجلة Monist – 1983، العدد 60. – لكن المقصود بخاصة هو كتاب لباحث يُدعى مارك أوكرانت (Mark Okrent) بعنوان صريح هو: براغماتية هيدغر (Heidegger’s Pragmatism)، وهو صادر سنة 1988 بنيويورك.

– عن استئناف رورتي للقراءة البراغماتية لهيدغر الأول ونقده البراغماتي لهيدغر الثاني، انظر خاصة الفصل 2 من كتاب 1991 بعنوان “هيدغر البراغماتية ومسألة العرضية (Heidegger, le pragmatisme et la question de la contingence) (Rorty، المرجع نفسه: 43- 79). على أن الفصول الأربعة المخصصة لهيدغر من كتاب 1991 لا تخلو من إيضاحات رشيقة لنفس التأويل (مثلا: المرجع نفسه: 5- 6، 16، 28، 82 – 84..).

[159]  المرجع نفسه: 84.

[160]  المرجع نفسه: 85.

[161]  المرجع نفسه: 82 – 85.

[162]  المرجع نفسه: 6.

[163]  المرجع نفسه.

[164]  M. Heidegger, Brief über den «Humanismus» – Lettre sur L’bumanisme Texte allemande traduit et présentè par Roger Munier. Collection Philosophie de l’Esprit Bilingue (Paris: Aubier, 1983), p. 42.

[165]  R. Rorty, Essais sur Heidegger et autres écrits, op. cit. p. 6.

[166]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[167]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[168]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[169]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[170]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[171]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[172]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[173]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[174]  المرجع نفسه: ص: 17-18- 22 – 25 – 26 – 32 – 28 – 29.

[175]  إن صدى أعمال آبل حاضر حضوراً صريحاً في أعمال رورتي منذ كتاب الفلسفة ومرآة الطبيعة وبخاصة في قسمه الثالث حيث طرح رورتي مسألة الانتقال من نطاق “نظرية المعرفة إلى الهرمينوطيقا”. فههنا يأخذ رورتي عن آبل ليس فقط فكرة “التعارض السائد بين الفلسفة التحليلية و”الهرمينوطيقا”، بل بخاصة هو يعلن أنه يشترك معه، إلى جانب غادمير وهابرماس، في الدلالة الجديدة التي يحملها مصطلح “الهرمينوطيقا”.

Rorty, R, L’homme spéculaire, op. cit. pp. 378-379.

[176]  عن عرض دقيق لدلالة “المنعرج اللغوي” لدى هابرماس، ثمّ عن دلالة “المنعرج البراغماتي” في فلسفة اللغة، وهو رهان التفكير لدى آبل ورورتي أيضاً، وإن في صيغ مختلفة، انظر خاصة:

Habermas, J., La pensée postmétaphysique. Essais philosophiques. Traduit de l’alemand par R. Rochlitz (Paris: Armand Colin, 1993), 52-57, 77 sq; Vérité et justification (1999). Traduit de l’allemand par Rainer Rochlitz (Paris: Gallimard, 2001), pp. 167 sq.

[177]  Habermas, J., Vérité et justification, Ibid. pp. 12, 30-36.

[178]  عن أمثلة عن نقد هابرماس لتوجه رورتي:

Habermas, J., La pensé postmétaphusique. op. cit. pp. 175-177; Vérité et justification, op. cit. pp. 167 sqq.

[179]  Habermas, J., Vérité et justification, Ibid. p. 11.

[180]  يشير هابرماس هنا ضمناً إلى حالة هيدغر في الوجود والزمان على هومبولدت، را: Heidegger, M., Sein und Zeit/ Être et Temps, op. cit. 119, 166.

[181]  Habermas, J., Vérité et justification, op. cit. p. 11.

[182]  “الفلسفة غير المرآوية”، هو لدى رورتي عنوان الفصل 8 من كتاب الفلسفة ومرآة الطبيعة، المعروف في الترجمة الفرنسية بعنوان “الإنسان المرآوي”، را:

Rorty, R, L’homme spéculaire, op. cit. pp. 393 sqq.

[183]  Apel, Karl-Otto, Discussion et responsabilité I. L’Éthique après Kant, op. cit. p. 40.

وخاصة ص62، حيث يقول: “إنه يمكن القول غن الفلسفة المتعالية المحوَّلة سيكون لها وضع سميوطيقا متعالية، تحتوي، من حيث هي أساس لنظرية أفعال اللغة، على براغماتيقا متعالية للغة، ومن حيث هي أساس “للعلوم الإنسانية القائمة على الفهم”، على هرمينوطيقا متعالية”.

[184]  Habermas, J., Vérité et justification, op. cit. p. 12.

[185]  المرجع نفسه: 13.

[186]  يقول هابرماس مستشهداً بمقتطفات من أعمال هومبولدت: “إن مرجع هذا المظهر من اللغة المشكّل لرؤية للعالم، هو المفهوم الرومانسي للإنسان: “أن الإنسان يفكر ويحس ويعيش في نطاق اللغة فحسب، وإنما عبرها فحسب يجب أن يتكون”. [التشديد من عندنا] را:

Habermas, j., Vérité et justification, op. cit. p. 13.

[187]  المرجع نفسه: ص13 – 16 – 17 – 19 – 126 – 20 – 125 وما بعدها.

[188]  المرجع نفسه: ص13 – 16 – 17 – 19 – 126 – 20 – 125 وما بعدها.

[189]  المرجع نفسه: ص13 – 16 – 17 – 19 – 126 – 20 – 125 وما بعدها.

[190]  المرجع نفسه: ص13 – 16 – 17 – 19 – 126 – 20 – 125 وما بعدها.

[191]  المرجع نفسه: ص13 – 16 – 17 – 19 – 126 – 20 – 125 وما بعدها.

[192]  المرجع نفسه: ص13 – 16 – 17 – 19 – 126 – 20 – 125 وما بعدها.

[193]  المرجع نفسه: ص13 – 16 – 17 – 19 – 126 – 20 – 125 وما بعدها.

[194]  المرجع نفسه: ص13 – 16 – 17 – 19 – 126 – 20 – 125 وما بعدها.

[195]  “اليونان” بالأمس و”الألمان” اليوم، را:

M. Heidegger, Qu’est-ce qu’une chose? Traduit de l’allemand par Jean Reboul et Jacques Tarniniaux (Gallimard, Paris, 1971), p. 61.

[196]  VOLPI, Franco, «Heidegger et la romanité philosophique», in: Revue de Métaphysique et Morale, n° 3 (2001), p. 7.

[197]  ربّ صعوبة كانت المحرك الذي أقام عليه غادمير إشكالية الحقيقة والمنهج: ههنا حاول غادمير أن ينجز ما وعد به هيدغر تحت عنوان “هرمينوطيقا العيانية”، وما أشار إليه ضمن “هرمينوطيقا الدازين” في الوجود والزمان، نعني تحرير الهرمينوطيقا من طابعها “الابستيمولوجي” الذي ضخّه فيها دلتاي، وإحداث نحو من “المنعرج الانطولوجي” فيها، يكون هو العلامة الحاسمة على “كونية” الهرمينوطيقا، وذلك ببيان كيف أن “بُعد الفهم أو، بشكل أكثر مطابقة، بُعد البحث في الفهم واللغة إنما يخصص ليس فقط نمط معرفة في العلوم الإنسانية، بل أولاً وقبل كل شيء العنصر الجوهري للتناهي الإنساني. “رب تناه لا يمكن معرفته إلا من خلال “براغماتيقا لغوية” يشدّها مبدأ أساسي هو حسب غادمير “الظاهرة الأصلية للهرمينوطيقا”، يقضي بأنه كل “قضية” منطقية بوصفها “جواباً على سؤال ما” را:

Grondin, J., (1990), «L’universalisation de l’berméneutique chez Hans-Georg Gadamer”, in: Archives de Philosophie 53 (1990), pp. 538 – 539; 540-541.

عن مسألة “الكونية” لدى غادمير والمناظرة التي عقدها هابرماس معه، را:

Margolis, Joseph, «Les trios sortes d’universalité dans l’herméneutique», in: Archives de Philosophie, 1990, n° 3, pp. 560 sq.

[198]  المرجع نفسه: ص5.

[199]  وهو سكوتٌ كان بول ريكور قد بكّر إلى تسجيله واستفسار هيدغر نفسه عنه إبان محادثات سيريزي (Entretiens de Cerisy) سنة 1955، دون أن يتلقى جواباً. لكنه مشكل لم يحض بدراسة خاصة تكشف النقاب عن أسراره، إلا مع الباحثة القديرة مارلين زرادير (Zarader) تحت عنوان طريف “الدَيْن اللَّا مفكَّر فيه. هيدغر والميراث العبراني” را:

Zarader, M., La dette impensée. Heidegger et l’héritage hébraique (Paris: Seuil, 1990), 17 sq.

P. Ricoeur, «note introductive», in: Heigegger et la question de Dien. Recueil préparé sous la direction de Richard Kearney et J. St. O’Leary (Paris: Grasst, 1980) p. 17.

[200]  عن سكوت هيدغر عن “الفلسفة العربية” في تاريخ الميتافيزيقا، را:

Fayes, J. – p., «Heidegger and the Thing», in: Martin heideger. Critical Assessments. Edited by Christopher Macann. Vol. IV (London: Routledge, 1992), pp. 23, 29.

[201]  المرجع نفسه.

[202]  يقول غادمير: “بلا ريب إن الوصف الذي أعطاه الوجود والزمان إنما هو وصف مستمد من المصادر المسيحية. على أن طريقتنا الغربية في التفكير هي بلا ريب ليست الطريقة الوحيدة في التفكير حول تجربة الموت. فإن ديانات أخروية أخرى، مثل الإسلام، يبدو أنها تفكر على نحو مختلف” را:

Gadamer, H.G., «The beginning and the end of philosophy», in: Martin Heidegger, Critical Assessments. Edited by Christopher Macann. Vol. I: Philosophy (London and New york: Routledhe, 1992), pp. 27-28.

[203]  را:

Derrida, Jacques, «Foi et savoir. Les deux sources de la «religion» aux limites de la simple raison», in: La religion. Sous la direction de Jacques Derrida et Gianni Vattimo (Paris: Seuil, 1996): 13.

[204]  را:

Gadamer, H. – G., «Dialogues de Capri», in idid. P. 221.

[205]  Gadamer, H. – G., «Les fondements philosophiques du XX siècle», in: La sécularisation de la pensée. Recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo (Paris: Seuil, 1988) pp. 184.

[206]  قا:

Heidegger, M., Hölderlins Hymnen «Germanien» une «Der Rbein»/ Les Hymnes de Hölderlin: La Germanie et le Rbin (Paris: Gallimard, 1988), pp. 134, 204.

إن هذه الدعوة إنما تظل موقفاً “استطيقياً” وليس قراراً مفهومياً ملزماً، والدليل الحاسم على ذلك أنه حيثما كان هلدرلين يفهم “ترجمة” (النصوص الإغريقية) بوصفها “عوداً إلى العنصر غير الإغريقي (l’élément non grec) وهو مبحث “شرقنة” الأصلي («orientalisation» de l’oriinal) عنده، وذلك تجاوزاً للبدء الإغريقي نحو ما قبل الأصل، نحو ما يسميه “الشرق” و”نحو “آسيا”، – نلاحظ أن هيدغر لا يتخطى الإغريق، ويحرص طيلة تأويله لشعر هلدرين على تقديم “هلدرين مقطوع عن يُعده «الشرقي».

Zarader, M., La dette impensée. Heidegger et l’héritage hébraique, op. cit. pp. 110 – 112.

[207]  يقول هيدغر: “إن قناعتي هي أنه إنما انطلاقاً من الموضع العالمي نفسه، حيث ود العالم التفني الحديث، فحسب، يمكن أن يتهيأ تحول عميق، وأنه لا يمكن أن يحدث بتبني بوذية زن (Zen) أو تجارب أخرى وقعت في الشرق. إن التحول العميق للفكر إنما يحتاج إلى مساعدة التراث الأوروبي وإلى تملك جديد لهذا التراث. فإن الفكر لا يتحول إلا بالفكر الذي له عين المنبع وعين المصير”. را:

Heidegger, M., «Martin Heidegger interrogé par Der Spiegel», in: Ecrits politiques 1933-1966 (Paris Gallimard, 1995), pp. 267 – 268.

[208]  المرجع نفسه.

[209]  Janicaud, D., A nouveau la philosophie (Paris: Albin Michel, 1991) p. 122.

[210]  Habermas, J., Le discourse philosophique de la modernité, op. cit., p. 11.

[211]  Trawny, p., «Die unscheinbare Differenz. Heideggers Grundlegung einer Ethik der Sprache», in: Phénoménologie française et phenomenology allemande. E. Escoubas & B. Waldenfels eds./ Hreg. (Paris: L’Harmattan, 2000).

[212]  المرجع نفسه: ص 96.

[213]  المرجع نفسه: ص 73.

[214]  المرجع نفسه: ص 99، حيث يقول ترافني (Trawny): إن “الاختلاف بما هو اختلاف” (Differenz als Differenz) لا يوجد فقط ضمن اللغة بوصفها موضوعاً عنه يمكن أن يُتكلم، بل، كما فسّر ذلك هيدغر آخر الأمر، هو اللغة ذاتها. وحتى نقول ذلك على نحو أكثر حيطة: ليس “الاختلاف” موضوعاً من شأن الـ Ʌ oyos الكوني، بل هو يجد نفسه ضمنه على نحو بحيث أن كل تفكير إنما هو معيَّن فيه على نحو لا يظهر (unscheinbar).

[215]  المرجع نفسه: ص69.

[216]  M. Heidegger, «Chemins d’explication», in: Heidegger Cahier de L’Herne (Paris: Ed. de L’Herne, 1983) p. 72.

[217]  Mattéi, J-F., «Le crepuscule de la philosophie: Heidegger et Platon», in: Les Etudes Philosophiques 1 (1986), p. 39.

في  هذا المقال نحن نعثر على نموذج مما يمكن أن يكون “التفكيك” ما بعد الميتافيزيقي للغة العربية، حيث يقول عن “المراحل الأساسية للميتافيزيقا” التي تدّبرها هيدغر بأنها “تكشف عن رقم / صفر/ شفر (Le chiffre) الوجود، الذي يقول في نفس الوقت الواضح والخفي، اللغز والعدم الذي للانفتاح الذي منه يتأتى الألق الأول للغروب” (ص 37 – 38). إن اللافت للنظر أن ماطّي يأخذ لفظة chiffre في معناها الأول في اللاتيني cifra، أي «zero»، المتأتي هو ذاته من العربي sifr/ صفر الذي يعني حسب تفسير ماطيّ “فارغ” (vide). والمغزى هو أن اللفظ العربي “صفر” يمنحنا، حسب ماطيّ، إمكانية تخريج ازدواج معنييْ “الوضوح” و”الخفاء” و”اللغز” و”العدم” و”الانفتاح” في دلالة “الوجود” في خلوة “الغروب” (L’Occident) في شكل “إبوخيا” ɛπiχη أي ما يجعل الوجود يشكّل “عصراً” أو “حقبة” (fait époque)، وعلى ذلك “يحتقب” (se retire) (نفسه).

[218]  Beaufret, J., Dialogue avec Heidegger. Tome 2, Philosophie moderne (Paris: Minuit, 1973) p. 139.

حيث يقول بوفري: “إن خاصية الفكر في هذه المنطقة من العالم التي سمّاها هيغل الغرب هي كونه قد صار فلسفة [..] الغرب، وهيغل يعرف ذلك، إنما في صلبه هو يحتوي على شرقه الخاص، الذي منه تأتى، كما زلزال أصلي، الفلسفةُ التي تقطعه بدْياً عن الشرق”.

[219]  Jervolino, D., «Herméneutique et traduction. L’autre, l’étranger et l’ôte», in: Archives de philosophie 63 (2000), pp. 79 sqq.

[220]  Grondin, J., «La definition derridienne de la deconstruction», in: Archives de philosophie 62 (1999), p. 9.

[221]  Laugier S., «Charité traduction radicale et prélogicité», in: Revue de Métaphysiqne et de morale, n° 1 (2001), pp. 64 sq.

[222]  M. Heidegger, «La question de la technique» in: Essais et Conférences (Paris: Gallimard, 1958) p. 38.

[223]  M. Heidegger, «Bâtir, habiter, penser», in: Essais et Conférences, ibid. p. 174.

[224]  Janicaud, D., La puissance du rationnel (Paris: Gallimard, 1985), pp. 283 sq.

[225]  Derrida, J, Heidegger et la question. De l’esprit et autres essais (Paris: Fkammarion/ Champs, 1987), pp. 17, 24, 27.

[226]  Corbin, H., «De Heideger à Sohravardi. Entretien avec Philippe Némo», in: Henry Corbin. Carbier de L’Herne (Paris: Editions de L’Herne, 1976), pp. 23 sq.

 

 

error: المحتوى محمي