التأويل في الفكر الغربي المعاصر – فتيحة فاطمي

التأويل في الفكر الغربي المعاصر – فتيحة فاطمي

إذا بحثنا عن مدلول كلمة “تأويل” في معجم “لالاند Lallande” باعتباره من أهم القواميس الفلسفية المعاصرة، فإننا نجدها تعني التفسير أي “تفسير نصوص فلسفية أو دينية وبنحو خاص الكتاب (شرح مقدَّّس) تقال هذه الكلمة خصوصًا على ما هو رمزي”(1) فهذا التعريف للتأويل هو تعريف يخص الدين بالأساس لأنه يهتم بشرح الكتاب المقدّس، مما يعني أن الفلاسفة القدماء منهم وحتى المعاصرون لا يعتبرون التأويل مفهوما فلسفيا. رغم أنهم “مارسوا التأويل لا كأسلوب في التفكير فقط بل كآلية لبناء أنساقهم الفلسفية وعرضها على الناس منذ بداية تاريخ الفلسفة”(2)

حيث ورد مصطلح التأويل “هرمينوطيقا” عند “أرسطو Aristote” في العصر اليوناني إذ سمي الجزء الثاني من الأورغانون: بـ Perihermineias. أي في التأويل وإن كان بعيدا تماما عن علم الدلالة، فهو يهتم فقط بعملية التدليل، التي تقوم على التصور والحكم والإستدلال، فالتأويل عند أرسطو يعني حسب “ريكور P.Ricoeur” “أن تقول شيئا عن شيء آخر” وأن تكون الأصوات التي تلفظها الحنجرة ذات دلالة”(3) أي أن تُسْنِدَ أمرًا إلى أمر آخر، أحدهما موضوع والآخر محمول، أو إضافة معنى “محمول” إلى شيء “موضوع” وهذا يدخل فقط في القضايا الخبرية التي تخضع للصدق أو الكذب.

فالتأويل عند أرسطو بهذا، يقوم على المنطق، مما يجعله ينشد المعنى الأحادي، واليقين المطلق، لكن المناهج المعاصرة جدا، قد حددت مفهوم التأويل، ومنها معجم الفلاسفة -الفلسفة الحديثة- الذي أصدرهJean-Pierre Zarader في القرن XIX إذ يقول: بعد اللاهوتي “شلير ماخر Schleiermacher”، الذي اعتمد التأويل في الدراسات الإنسانية والتاريخية، ظهر “ديلثي Dilthey” الذي نشر عام 1861-1863 و1867-1870 حياة شلير ماخر وفي عام 1864 نشر كتاب حول المبادئ الأخلاقية لهذا المؤلف. أعطى ديلثي “للتأويل” توجها منهجيا، مطبقا في مختلف العلوم الروحية بالاعتماد على منهج الفهم، لتجنب منهج الشرح الخاص بالعلوم الطبيعية، أراد أن يجعل ديلثي من الهرمينوطيقا منهجا حديثا مطبقا في العلوم الإنسانية وفن التفسير.(4)

لكن مفهوم التأويل بعد ديلثي أخذ منحى آخر أكثر تطورا، نلمسه في المعجم الحديث للفلسفة والعلوم الإنسانية، إذ جاء في هذا المعجم إن التأويل أصبح يأخذ في الحسبان، تاريخانية الإنسان ووضعية وجوده، في العالم “المشكل الذي يطرحه السؤال عن التاريخ والإنسانية، ليس هو كما تطرحه المعرفة العلمية، لكنه متعلق بالوعي الفردي للحياة”، “غدامير H.Gadamer” الحقيقة والمنهج 1960، التأويل الفلسفي أصبح إذن تفكير نقدي على أكثر تأويلات الوجود الإنساني، بول ريكور، صراع التأويلات 1966(5). ولفهم هذا التعريف أكثر، ارتأينا تحليل مفهوم التأويل عند كل من غدامير وبول ريكور.

– عنـد غـداميـر H.Gadamer:

يحدد غدامير علاقة المؤول بالنص، بقوله:”لا يحاول المؤول وبحضور نص ما، تطبيق معيار عام لحالة خاصة، وإنما ينصب اهتمامه على الكشف عن دلالة أصلية تماما متوارية في المكتوب المراد معالجته”(6) .

فهدف التأويل عنده هو كشف الحقيقة العميقة والأصيلة التي يتضمنها النص، بمعنى أن خلف ما قاله المؤلف في لغة إلى جانب ثقافته، لابد من إيجاد ما كان يريد قوله، لابد من البحث لتحقيق الحوار بين النص العقلي للمؤلف والمضمون العقلي للقارئ على الرغم من تباعد المكانين(7) غير أن عملية التأويل هذه لا تنطلق من فراغ، وإنما من فروض راهنة وأخرى قديمة، أي “بتحقيق الوعي من أحكامه المسبقة قديمة العهد ومن افتراضاته الراهنة”(8) مما يحقق علاقة الانتماء التي تربطنا بالتاريخ أو التراث، على اعتبار أن الفهم هو “إجراء وساطة بين الحاضر والماضي، وتطوير في الذات كل السلسلة المرتبطة بالمنظورات التي يحضر عبرها الماضي ويتوجه إلينا”(9)، وهذا لا يتحقق إلا بالاعتماد على فكرة “المسافة الزمنية”فليس”الزمن هوة ينبغي لنا تجاوزها لإيجاد الماضي، فهو في حقيقة الأمر الأرضية التي تحمل المستقبل وأين يتخذ الحاضر أصله … تتعلق المسألة في الحقيقة باعتبار”المسافة الزمنية” كمؤسس لإمكانية إيجابية ومنتجة للفهم”(10).

فالمحافظة على هذه المسافة الزمنية بين الموضوع والمؤول هي التي تسمح بإمكانية فهم الموضوع وقراءته قراءة جديدة، حيث تكمن أهمية المسافة الزمنية عند غدامير، في استبعادها لفروض غير صالحة وإظهارها لأخرى أكثر إيجابية تؤدي إلى الفهم الصحيح، وهي “ليست ذات سمو محدد وإنما تتطور وفق حركة متصلة للعالمية أو الثقافة الشاملة فالعالمية المطهرة بالزمن هي الخاصية الثانية المنتجة للزمانية، فتحفة هذه الأخيرة هو الكشف عن جنس جديد من “الأحكام المسبقة” يتعلق الأمر بأحكام مسبقة غير جزئية ولا خاصة وإنما أحكام تؤسس الأفكار الموجهة والمؤسسة للفهم الحقيقي”(11) وعليه فعملية الفهم متغيرة بتغير الآفاق والتجارب مما يؤدي إلى تعدد المعنى ونسبيته.

– عنـد بـول ريكـور P.Ricoeur:

عمل ريكور على وضع نظرية في التأويل، تختلف عن هرمينوطيقا غدامير التي لا تعير المْنَهجَ أيَّ اهتمام، ومن ثم تقع في الذاتية لا محالة، حيث وضع هرمينوطيقا جديدة، تهتم بعلم قواعد التفسير، يقول في ذلك: “فقد نشأ مفهوم الهيرمينوطيقا في بداية الأمر عند تفسير النصوص الدينية ومن بعدها النصوص الدنيويـة وهذا ما شكل الهرمينوطيقا كعلم قواعد التفسير”(12).أما مهمة الهرمينوطيقا الأساسية، هي “السماح لنص معين بأن يدل قدر المستطاع”(13) على اعتبار أن هذا النص، عبارة عن رموز، والرمز كما يحدده ريكور، يحمل معنىً أوليا وآخرَ ثانويا.ومن خلال الأول يمكننا الكشف عن الثاني، ومن ثم بلوغ فائض المعنى فالدلالة الرمزية إذا “مشكلة بحيث لا نرى منها إلا الدلالة الثانوية عن طريق الدلالة الأولية، حيث تكون هذه الدلالة الثانوية الوسيلة الوحيدة للدنو من فائض المعنى، والدلالة الأولية هي التي تعطي الدلالة الثانوية بصفتها معنى المعنى”(14) .

ولكي نفهم هذا النص أكثر، يقدم لنا ريكور مثال حول الرمزية عند فرويد، على اعتبار أن المرموز له، لا يظهر في إطار لغوي وإنما في إطار لا لغوي، أي ما يعبر عنه فرويد بالغريزة، وما يتبعها من رغبات وميول فهذه الأخيرة تعبر عن نفسها من خلال وسائط مثل الحلم، فالحلم في ظاهره يعبر عن شيء، وفي باطنه يعبر عن شيء آخر، يقول في ذلك:”وتحقق الرمزية، لأن المرموز له يوجد أولا في الواقع اللا لغوي الذي يطلق عليه فرويد باستمرار الغريزة، التي تلمس من خلال ممثليها التفويضيين والعاطفيين، إن هؤلاء الممثلين بتفرعاتهم يظهرون ويستترون في ظواهر المعنى التي تسمى بالأعراض والأحكام والأساطير والمثل العليا والأوهام… إن قوة الرمز تنبع من كونه يعبر عن مكر الرغبة من خلال ثنائية المعنى”(15) .

فمن خلال هذه الثنائية الرمزية، يتمكن المؤول من الانفتاح على عالم النص، وإدراك معانيه الممكنة المتعددة، وهكذا تقوم “الرمزية -عندما تؤخذ على مستوى تجليها في النصوص- بتفجير اللغة وعوض عن انكفائها على ذاتها، وهذا ما يطلق عليه الانفتاح”.(16) فالرمزية بهذا تمكن المؤول من القبض على المعاني الممكنة المتعددة للنص، والمساهمة في إنتاج فائض المعنى.

إن الفرق بين تأويل غدامير وتأويل ريكور، أن عدو غدامير هو الوعي المنهجي الذي يخص الفهم والتفسير، أي أن عدوه هو ديلثي أو المنهجية، أما عدو ريكور ليس هو الوعي المنهجي، وإنما هو ضد التأويلية Anti-herméneutique التي لا تعتقد في المعنى تماما، غير أن اهتمام ريكور منصب على إدراك المعنى، إذ يفترض أن العلامات والنصوص ترد دائما إلى نفسها، يعتمد على التحليل المتأني ليتبين بأن النص يتحدث عن شيء، ووجود ليس هو الخطاب.

ومنه فهناك اختلاف بين غدامير وريكور، فالأول يتكلم عن تأويلية ظواهرية، والثاني عن ظواهرية تأويلية، وهناك فرق واسع بين الظواهرية والتأويلية(17).

ومن خلال هذا التعريف للتأويل في الفكر الغربي المعاصر، ندرك حجم المسافة التي تفصلنا عنه، ذلك أن الفكر الإسلامي،وإن كان يسعى إلى الانفتاح على المعنى، إلا أنه مازال سجين المعنى الأحادي ومن ثم التقوقع على الذات، وانغلاقها على ذاتها بدلا من التفتح على الآخر وإدراك المعاني الخفية ومن ثمة الخروج من أزمة اليقين.


الهوامش:

(1) أندريه لالاند: موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خلي، تعهده وأشرف عليه حصرا أحمد عويدات، منشورات عويدات، بيروت-باريس، ط2، 2001، م2، ص555.
(2) عبد السلام حيمر: حول مفهوم التأويل، ضمن مجلة الملتقى، مجلة شهرية تعنى بالثقافة والفكر والأدب، ع5-6 س3-2000، تصدر عن ملتقى مراكش، ص33
(3) P.Ricoeur: De l’interprétation: essai sur Freud, SEUIL, Paris, 1965, p29-30.
(4) Jean Pierre Zarader: Le vocabulaire des philosophes philosophie moderne XIXe siècle, préface de Bernard Bourgeois, Ellipses édition marketing S.A, 2002, Tome 3, p584.
(5) Louis Marie Morfaux et Jean Lefranc: Nouveau vocabulaire de la philosophie et des sciences humaines, Armand Colin, Paris, 2005, p228.
(6) هانس غيورغ غدامير: مدخل إلى أسس فن التأويل، ترجمة وتقديم: م.ش.ز، ضمن مجلة فكر ونقد السنة الثانية، العدد16، فبراير1999، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ص89.
(7) Georges Gusdorf: Les origines de l’herméneutique, Bibliothèque scientifique Payot, France, 1988, p227.
(8) هانس غيورغ غدامير: مدخل إلى أسس فن التأويل، ص94.
(9) المرجع نفسه، ص99.
(10) هانس غيورغ غدامير: مدخل إلى أسس فن التأويل، ص99.
(11) المرجع نفسه، ص97.
(12) بول ريكور: إشكالية ثنائية المعنى، ترجمة فريال جبوري غزول، ضمن كتاب الهرمينوطيقا والتأويل، تأليف مشترك بين الباحثين، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط2 ، 1993، ص139.
(13) بول ريكور: البلاغة والشعر الهرمينوطيقا، ترجمة مصطفى النحال، ضمن مجلة فكر ونقد، مرجع سابق، ص114.
(14) بول ريكور: نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ، المغرب، ط1، 2003، ص97.
(15) بول ريكور: إشكالية ثنائية المعنى، مرجع سابق، ص141.
(16) المرجع نفسه، ص141.
(17) Jean Crodin: De Gadamer à Ricœur- peut-on parler d’une conception commune de l’herméneutique, In: Paul Ricœur de l’homme faillible à l’homme capable, coordonné par Gaëlle Fiasse, Presses Universitaires de France, 2008, p44-49.
error: المحتوى محمي