الأنثروبولوجيا الدينية – روجي باستيد / ترجمة: لحسن الصديق

الأنثروبولوجيا الدينية – روجي باستيد / ترجمة: لحسن الصديق

 

%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%86

لحسن الصديق، أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ببني ملال

ملخص:

يتناول الأنثروبولوجي الفرنسي روجي باستيد Roger Bastide[2] في هذه الدراسة تخصصا دقيقا من فروع الأنثروبولوجيا. يتعلق الأمر بالأنثروبولوجيا الدينية من حيث ونشأتها وموضوعها وعلاقتها بمختلف فروع الانثروبولوجيا ومناهج اشتغالها التي تتمثل في استحضار المقاربة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما أثار الباحث أهم الفروقات بين الانثروبولوجيا الدينية والاثنوغرافيا والاثنولوجيا، وتوقف عند المشكلات الجديدة التي طرحت على المختصين في هذا العلم والتي تتعلق أساسا بوضعية الحدث الديني ضمن الاحداث الاجتماعية وعلاقة الديني بمختلف الظواهر المعاصرة كالتمدين والهجرة وغيرها، وتوقف بعد ذلك على دور اللغة كعامل يتدخل في صناعة معنى المقدس وإضفاء المشروعية عليه. ليخلص الى الطابع المتغير للظاهرة الدينية كتأسيس لوجهة نظره الخاصة وتجاوز للأطروحة الماركسية والفرويدية عن الدين. وقد استنتج في الأخير ان الصحوة الدينية( البروتستانتية والكاتوليكية) ليست الا بحثا عن إعادة توازن للدين الذي اصبح متجاوزا بفعل اختلاف زمنه الاجتماعي عن الزمن العادي.

 

النص الكامل للترجمة:

تختلف الأنثروبولوجيا الدينية عن الإثنولوجيا وعن التاريخ وعن علم اجتماع الأديان بالمعنى الذي يجعل منها محاولة لفهم الانسان بعيدا عن سديم وشواش الاحداث الدينية. فالإنسان يخلق منظومة رمزية يمكن وصفها بأنها “فوق طبيعية” أو تشكل ما يمكن تسميته “المقدس” والذي يتحكم فيها. طبعا، إن المهمة الأولى للأنثروبولوجيا الدينية تتمثل في تحديد ما يميز رموز المقدس عن الأنواع الأخرى من الرموز. ليست هناك وجهة نظر أخرى ممكنة إذا أردنا تجنب الوقوع في فخاخ التمركز داخل العرق غير الإنطلاق كل مرة من التعريفات التي يقدمها الأهالي ومن الترتيب والتصنيف الذي يقدمونه عن الأشياء من خلال معجم ثنائي : مقدس و مدنس.

لقد نشأت الانثروبولوجيا الدينية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومن سوء حظها أنها تناولت  في بداية نشأتها مجموعة من المشكلات الخاطئة: مسألة الأصل، تطور الدين وماهيته،… ومن هذا المنطلق كانت نكستها التي لم تستطع النهوض منها إلا الآن بعد تغييرها للمنظورات التي كانت تنطلق منها. يتم تقديم الأنثروبولوجيا الدينية اليوم كفصل من فصول الأنثروبولوجيا الاجتماعية (حيث يتم تحديد التشريعات الدينية ضمن البنيات الاجتماعية ويتم البحث عن الوظائف الكامنة وراء هذه التشريعات الدينية داخل المجتمع، وهو ما يتم الإشارة اليه اليوم كعلم مستقل. وفي هذه الحالة تتم دراسة الدين من انطلاقا بعدين: بعد تزامني (synchronique)كمجموعة أو نظام منسجم من الأفكار أو من الإشارات وبعد آخر تعاقبي تطوري (diachronique) كمجموعة تتحول وتتغير.

ففي الحالة الأولى تقترح الأنثروبولوجيا نماذج يتم القياس عليها، أما في الحالة الثانية فتقدم سيرورات عامة مثل سيرورة إعادة التوازن بين الديني ومختلف أوجه الحياة الاجتماعية كلما كان الفارق بينهما كبيرا أو كانت سيرورات تحويل الديني من مجال إلى آخر مختلفا عن الأول تماما.

 

  1. الإثنولوجيا الدينية والأنثروبولوجيا الدينية:

يجب التمييز بين الإثنولوجية الدينية والأنثروبولوجية الدينية. فالإثنولوجيا الدينية تهتم أساسا بالاختلافات على مستوى الاعتقادات والممارسات الدينية للاثنيات مقارنة لبعضها بالبعض: تنطلق أولا من تحليل الممارسات والخطابات حول الآلهة والطقوس الدينية من أجل الدخول في عملية تواصل معها. وعندما تصبح في مستوى ثاني مقارنة، تتبع منهجية استقرائية Inductive  تنتقل بشكل تدرجي من الخاص الى العام. لكن هذا العام يبقى دائما محليا في سياق ثقافي مرتبط بديانة محددة كنوع من الدين كالوثني مثلا أو المؤمن بتعدد الآلهة.

تهتم الأنثروبولوجيا الدينية، كما يحيل اسمها على ذلك، بالإنسان أكثر من اهتمامها بالإثنية. ويمكن القول بشكل دقيق أن معطيات الإثنولوجيا لا تصلح إلا لمساعدتنا على تحديد القواعد العامة للديانة نفسها عبر الثقافات التي تعتقد بها. وكنتيجة لذلك، تشكل الإثنولوجيا الدينية قاعدة وأساسا للأنثروبولوجيا لمساعدتها على الانتقال إلى مصاف العلوم من خلال الارتباط بتخصصات علمية كالعلوم البيولوجية والنفسية والاجتماعية.

تجدر الإشارة الى أهمية التكامل المنهجي بين هذه العلوم لأن هناك طموح وسعي لجعل الأنثروبولوجيا الدينية فصلا تابعا للأنثروبولوجيا الاجتماعية التي ليست للأسف سوى تسمية أخرى لعلم الاجتماع.  في حين أن الأنثروبولوجيا الاجتماعية لا تدرس الدين كدين، كما أشار الى ذلكSpiro بل تدرس وظيفته داخل المجتمع والتي تتمثل في الرقابة الاجتماعية واندماج الفرد داخل الجماعة والثورة على الطقوس بصفة عامة وطقوس العلاج بصفة خاصة… ومن الأكيد أنه لا يمكننا نفي مجموعة من الوظائف التي يقوم بها الدين والتي تجعله مفيدا بالنسبة للمجتمع، لكنها تهتم أيضا بدراسة الانسان باعتباره من يبني ويصنع منظومة من الرموز الدينية.

هناك مسألة أخرى، في نظري، تفرض ضرورة الفصل بين الأنثروبولوجيا الدينية عن الإثنولوجيا الدينية. فهذه الأخيرة تهتم أساسا بدراسة أديان المجتمعات الصغيرة (القبائل على الخصوص) وتترك لعلم آخر هو علم اجتماع الأديان مهمة دراسة الأديان العالمية المعروفة، والتي تخترق الإثنيات وتتجاوزها: المسيحية والإسلام والبوذية. وعلى العكس من ذلك، نجد في الحدود بينها الأنثروبولوجيا الدينية والتي تبحث عن اكتشاف النظام الذي يمكن أن ينطبق في نفس الوقت على الديانات العالمية والديانات المحلية للجماعات الصغرى كالاسترالية والهند- أمريكية…

تعترضنا صعوبات كبيرة في هذه المهمة بالضبط. تتعلق الأولى بإمكانية السقوط في العموميات التي ليست لها أية أهمية بسبب أبعاده المتشابهة، وهو الأمر الذي يقع عندما ننطلق من الإنسان للوصول إلى الأديان التي أنتجها هذا الإنسان بنفسه، وهو الخطأ الذي وقعت فيه النظرية الفرويدية (مثل تصور G Roheim) أو ما يمكن أن نصفه بفلسفة الأديان ( تصور Taylorو Frazer). لكن هذه الصعوبة لا تمثل إلا انعكاسا لخلل في المنهج. فعوض الانطلاق من الانسان للوصول إلى انتاجاته، يجب، عكس ذلك، الإنطلاق من إنتاجات الانسان والصعود الى الانسان الذي أبدعها وهو ما عبر عنه ” كلود ليفي ستراوس” بعبارة مهمة جدا سماها ” ندبة الانسحاب” (la cicatrice de leur arrachement).

يجب أن نعتبر الأديان مثل أنظمة من العلامات والرموز بالمعنى الواسع للكلمة: أي وسيلة وأداة أو إشارات أو رموز تندرج تحت نفس العنوان مثل الرسم والكلمة. إنه انجاز مدرسة كريول (Ecole de Griaule) التي يجب ذكرها والتذكير بها. لكن هذا غير كافي، فلتجاوز الصعوبات المتعلقة بالعمومية وشساعة الدلالات يجب أن نأخذ بعين الاعتبار نوعا من التفاضل وأن نجدد المحاولة عبر مجموعة من التغيرات ونأخذ بالاعتبار كل هذه الاختلافات، دون أن نهمش أية واحدة منها، على مستوى أو مستويات متصلة. سنلاحظ الفرق الأساسي بين هذا التعريف وتعريف كاسيرر Cassirer فإذا كان لهذا الأخير الفضل في تحديد أساسيات الفعل الديني الرمزية، فإنه قد تناول هذه الرمزية من خلال أنثروبولوجيا ايمانويل كانط Kant. إنه قام بعملية اختصار التفاضل إلى مجرد تعارض وحيد بين التفكير المنطقي والتفكير الأسطوري.

تتمثل الصعوبة الثانية في هذا الارتباط الذي نسعى الى تحقيقه بين البيولوجيا والسيكولوجيا (التحليل النفسي بشكل خاص) والاثنولوجيا وعلم الاجتماع أخيرا. باختصار، تكمن الصعوبة في أننا نحس أنه من خلال الإثنولوجيا المقارنة وحدها أو علم الاجتماع الديني لن نستطيع تغطية غير جزء قليل من الفعل الديني ولن نتمكن من دراسة الدين ككل وأن هذه الأجزاء كلها ستكون مجالا لاشتغال علوم أخرى. إننا إذن مدعوون لإعادة بناء موضوع علم الانثروبولوجيا الدينية الذي لن يكون عبارة عن تعايش بسيط لوجهات نظر مختلفة، بل إننا عندما نستطيع بناء موضوعه لن نلاحظ أي تداخل للاختصاص بين مختلف العلوم الأخرى.

ربما يمكن تسجيل مؤاخذة على وجهة النظر هذه بانها تتميز بقدر كبير من الثبات. فالانتروبولوجيا القديمة مثل نماذج كل من تايلور (Taylor) أو دوركايم (Durkhiem) أو ليفي بروهل (Levy Bruhl) لا تهتم ، عكس ذلك، إلا بعامل التطور. وقد أسست النظريات المعروفة: كالشامانية Manisme أومذهب حيوية المادةAnimisme  أو ما قبل الأرواحيةPréanimisme  أو السحرية Magisme التي انتقدها لانج (Lang) ورفضها وانتقدها أيضا الأب شميدت(Le Père Schmidt) من خلال حديثه عن الطقوس البدائية للآلهة الكبار. لكن تصور المعارضين لهذا التصور كما هو الأمر أيضا بالنسبة للمدافعين عن التطورية يعتبر أن بحثا من هذا النوع هو بحث في التاريخ، وبتاريخ افتراضي بشكل خاصHypothétique  . وقد أشار ايفانس بريتشارد Evans Pritchard إلى ما قادتنا إليه الصراعات والمواجهات النظرية، إذ كشفت عن نقص كبير لدى الباحثين الشباب في مجال الأنثروبولوجيا على مستوى تقدير أهمية الفعل الديني.

لا يتعلق الامر هنا بالأحداث التاريخية المهمة مثل حدث العلمانية sécularisation  الذي لم يتم تسليط الضوء عليه بما يكفي. إن الأنثروبولوجيا الدينية تتضمن إذن نوعا من الدينامية وتشير الى دراسة التغيرات. فالفعل الديني يتحرك أكثر من كونه يختفي. فمع أشكال التعبد التي ظهرت مع العلمانية مثل “عبادة البطل” Heros-(culte)أو ” عبادة النجم” Vedette  وطقوسهما التي هي عبارة عن شطحات وممارستهما الاحتفالية ظهرت الطوائف الوثنية ( اليهودية والمسيحية) والتي تعبر عن التقاء وتلاقح بين ثقافات  هي بمثابة خصوم لبعضها البعض  او بعض الكنائس الباطنية التي تعددت مع توسع عملية التمدين. إن الديني لا يوجد دائما فيما نسميه الأديان إذ نجد أن الأديان غالبا ما تعرف تراجعات وتشريعات للدفاع ضد الديني ويمكن أن نلمس ذلك في الواقع من خلال بعض الميولات العاطفية البسيطة ذات الطبيعة الأخلاقية الخالصة، مثل أخلاقية طبقة اجتماعية كالطبقة البورجوازية مثلا. إن الأنثروبولوجيا الدينية تهتم بدراسة عمليات الانتقال والتعويض بخصوص هذه الميكانيزمات.

  1. مجال الأنثروبولوجيا الدينية

يتوجب على الإنسان الدخول في صراع مع الطبيعة المحيطة به من أحل الحفاظ على استمراره، لكنه لا يواجه العالم فقط من خلال حاجاته البيولوجية، بل انه يعطي للأشياء معاني تنزع عنها معناها البسيط ليدخلها في منظومة من الرموز والقيم. وتنطلق الأنثروبولوجيا الدينية من التأمل في حقيقة الوجود الإنساني إلى جانب النشاط التقني والنشاط الخاص المرتبط بالشرط الإنساني: النشاط الرمزي. لكن ما الذي يميز الرموز الدينية – أفعال إدراك و بناء للرموز – واستعمالها كمجموعة من المواقف في مواجهة رموز ثقافية أخرى؟ باختصار، ما الذي يميز مجال الدين ؟

إن السؤال لا يعني شيئا كثيرا بالنسبة للشعوب التي كنا نسميها قديما بالشعوب البدائية لأن مجموع الثقافي يتواجد لديها في نفس الوقت بنفس القدر إلى جانب مجموع الديني. إننا نجد أن الأسطورة تحدد إشارات حول المزارع والصياد والقناص مثلما تحدد شكل تصميم مسكنه وطريقة أكله وممارسته للجنس وطقوس الموت والدفن لديه. ومن الأكيد أن الاثنوغرافي يهتم بكل ما هو غرائبي وأسطوري أثناء اشتغاله الميداني مقارنة بما هو أساسي للحياة اليومية العادية، ونجده أحيانا يخاطر في إعطائنا صورة تبالغ في إعطاء قيمة للسلوكات الدينية على حساب جوانب أخرى. ليس كل شيء رمزيا، بل نجد الى جانب الأسطوري تفكيرا تجريبيا اختباريا يستمد من التجربة الغنية المرتبطة بالأشياء الطبيعية. يجب إذن أن نرسم حدودا لدائرة المقدس بالنسبة لمجال المدنس. لقد اعتقدنا مع دوركايم أن الديني يتحدد من خلال هذا التعارض ذاته. في نظري، يجب ألا ننطلق من منظورات متمركزة على أعراقنا ومفاهيمنا ونفرضها على الآخرين. بمعنى آخر، يجب ألا نبحث عن تفسير لهذا الشعور تجاه المقدس: كفئة من النومين(catégorie du numineux) حسب Rodolph Otto أو الوعي الجمعي المتولد عن اجتماع الأفراد حسب إيميل دوركايم أو أية نظرية أخرى.

يكفينا الانطلاق من الأنظمة كما هي وكما نتلقاها من الأهالي، ونصف، عند كل شعب، مجموع التمثلات التي يسميها “دينية” إلى جانب التشريعات والأعراف التي تؤطرها والحركات التي يقوم بها الافراد وهم يؤدون شعائر المقدس. كما يجب أن نتفادى أن يستلبنا الموضوع حينما نشتغل فنصبح جزءا منه لنتمكن خلال مراحل لاحقة من المقارنة ونحن خارج الموضوع وخارج هذه الأنظمة ذاتها.

إننا لا نرفض اعتبار الأنثروبولوجيا الدينية بمثابة دراسة للامعقول أو اللامنطقي او بمثابة استحضار للعاطفة الخالصة أثناء دراسة الظواهر من نوع المقدس. إن الإضافة النوعية التي جاءت بها المدرسة “الوظيفية” هي إبرازها أن العادات والتقاليد التي تظهر لنا خلال الوهلة الأولى ” لا عقلية” تشكل نوعا من الحياة المنسجمة لأنها تؤدي وظيفة ما. وأن عملية التلقين تمكن من نضج الفرد بنفس الطريقة التي تقوم فيها القواعد المعقدة للكهانة والعرافة من ضمان الرقابة السياسية للرؤساء والاباء. في مقابل ذلك، نجد النظرية الوظيفية تبقينا رهينة للأنثروبولوجيا الاجتماعية، حيث نبحث عن العقلاني في الكامن والخفي داخل الأعراف والتشريعات الدينية وفي العلاقة مع مجموع الحياة الاجتماعية. هناك نجد نوعا آخر من العقلانية التي تقودنا الى الديني وتقوم بتحديده.

فإذا اعتبرنا ان هناك تعارضا بين الديني عند البدائيين والعقلانية فإننا نحاكم سلوكياتهم عبر فهمنا للعقلانية والخرافة، لكن ما نسميه نحن اليوم بالأسطورة ليس الا ما كان يمثل العقلانية ولا نتمكن الان من فهمه. إنه العقلانية من مرتبة أدنى، أو حطام الأنظمة خلال مراحل تاريخية، إن شئنا القول، والتي فقدت اليوم انسجامها وتماسكها الداخلي. إن أهم ما جاء به ليونهارد Leenhardt  في الاعمال التي أنجزها على أهالي La nouvelle-Caledonie يتمثل في كونه بين أن التفكير الأسطوري لا يعتبر فكرا لا عقلانيا، وأنه يشكل نوعا من العقلانية تماثل عقلانيتنا.

علاوة على ذلك، فإذا كنا مهووسين في عواطفنا، فيكفينا التذكير أن مجتمعاتنا الغربية والتي تمت بلورة قيمها المثالية عبر قرون من التربية العلمية، فإنها لا زالت تتضمن في الحياة الشخصية للأفراد وضمن شبكات الحياة الاجتماعية قدرا من اللاعقلانية أكثر مما تتضمنه الحياة الاجتماعية للشعوب التي تسمى “بدائية”. وقد كان ماركس على حق عندما اعتبر أنه يوجد اليوم من الأساطير أكثر مما كان لدى الحضارات القديمة، واعتبر ، علاوة على ذلك، أن هذه من مهمات الأنثروبولوجيا الدينية، أي دراسة آثار حركة العقلنة هذه والتي سماها ماكس فيبر Max Weber المحددة لمسيرة المجتمعات المعاصرة. إنها لا تمثل إلا نوعا من التبرير الخاطئ والذي تسمح بظهور أنواع من الصراعات والتوترات والاساطير القديمة وميكانيزمات للدفاع ضد نفحات العواطف والمشاعر.

ربما لن يكون الأمر مجحفا جدا، كما قد يبدو لنا لأول وهلة، إن قلنا إن الثقافات البدائية تتضمن من العقلانية أكثر من عقلانيتنا، إذ أن هذه الأخيرة، عوض أن تقطع مع العواطف بشكل تام وجدري، تطلق العنان للخيال ليقودها أكثر مما تقودها الملاحظة الموضوعية وقواعد الرياضيات. ففي المجتمعات البدائية يتم أخذ العواطف بعين الاعتبار ضمن إطار العقلانية وعليها أن تخضع لقوانين هذه الأخيرة.

  • المشكلات الجديدة للأنثروبولوجيا الدينية

تهتم الأنثروبولوجيا القديمة قبل كل شيء بأصل وطبيعة الدين، بمعنى آخر، إنها تركز على المشكلات المعقدة جدا. فمن الضروري إذن من أجل جرد هذه المشكلات التذكير بالنظريات الكبرى التي تجعل الدين مجرد نتيجة للأحلام والإندهاش أمام ظواهر الطبيعة التي يعجز الانسان عن إخضاعها والتحكم فيها. فالإنتقادات التي قدمها ايميل دوركايم حول الأنيمية[3] أو حول مذهب عبادة الطبيعة Naturalisme تبقى دائما قائمة، رغم أن الأطروحة التي يرغب في تأسيسها ،والتي تجعل من الدين نوعا من التعبير المتعالي للوعي الجمعي في مقابل الوعي الفردي، لم تعد صلبة ومتماسكة بما يكفي.

  • وضعية الحدث الديني ضمن الاحداث الاجتماعية.

تهتم الانتروبولوجيا الاجتماعية حاليا، كما يؤكد على ذلك مايير فورتر Mayer Forter بموقعة الأحداث الدينية في سياق الحياة الواقعية، بمعنى آخر، إنها تهتم إما بتاريخ الأفراد أو بمجموع العلاقات الاجتماعية. فلنبدأ بتاريخ الأفراد. فهي تحاول الإجابة عن السؤال التالي: بأي مقياس يمتلك الدين مجموعة من التشريعات التي تشكل شخصية الفرد خلال سنوات طفولته الأولى؟ وبأي مقياس، مقابل ذلك، يشكل الدين نشاطا جزائيا للتخلص من التوترات الداخلية؟

يمكن الإحالة على كارديني Cardiner الذي ميز بين التشريعات الثانوية التي تجعل من الدين عاملا ثانويا لا يساهم بشكل كبير في تكوين وبلورة شخصيات الافراد ولكنه يعتبر انعكاسا لمشكلاتهم. وفي مستوى آخر، تهتم الأنثروبولوجيا بموقعة الحدث الديني ضمن مجموع العلاقات الاجتماعية: هل ينتمي الديني الى البنيات الفوقية أم أنه يشكل جزءا داخل البنية؟ هل يجب اعتباره بمثابة أيديولوجية تطفو فوق الوقائع الموضوعية والتي تنتج صورة مشوهة عنها؟ ألا يمكن اعتباره مجرد لغة من اللغات التي يتم التعبير بواسطتها عبر مجموعة من الاشكال الرمزية مثل باقي أشكال التعبير ذات الطبيعة الاقتصادية والسياسية للبنية؟ وبمعنى آخر، هل يشكل الديني جزءا من البنية من نفس مرتبة الاقتصادي والسياسي؟

إن العلاقة بين هذه المجالات إذن، ليست عمودية بين مستويات مختلفة لنفس الواقع الاجتماعي، بل هي علاقات أفقية بين متغيرات أو بين تشريعات تؤثر وتتأثر ببعضها البعض على نفس المستوى الواقعي. لقد عودتنا أنثروبولوجيا شمال أمريكا على اعتبار الثقافات بمثابة بنيات كلية يترابط الكل داخلها، وأن كل عنصر منها لا يمكن فهمه إلا انطلاقا من الكل. ومن جهته، أثار مارسيل موس في دراسته للظاهرة الاجتماعية الكلية انتباهنا الى الطابع المشرق لنفس الظاهرة – ظاهرة الهبة أو الزواج مثلا- فهي تظهر بأحد هذه الابعاد لكنها تمتد على أبعاد أخرى فتأخذ صفات دينية واقتصادية وسياسية واجتماعية وجمالية ونفسية والتي يمكن إثارتها ومناقشتها واحدة بعد الأخرى. فهي تشكل واقعة واحدة لكنها متعددة الأبعاد. إضافة إلى ذلك تهتم الأنتروبولوجيا الاجتماعية أكثر فأكثر بروابط الواقع و بالميدان الواقعي الأكثر صلابة من مجال الأنواع والماهيات والجواهر، لأنه يسمح بالملاحظة التجريبية والإمبريقية بين السياسي والديني على سبيل المثال وبين طقوس الزراعة والاقتصاد الزراعي وبين نظام المعتقدات والتحالفات والعشائرية والعلاقات السلالية.

في العالم المعاصر والخاضع للتحولات السريعة يمكننا دراسة التحولات التي تلحقها الظواهر مثل التمدين على القيم الدينية، كما يمكن أن ينصب البحث على ظواهر أخرى مثل الهجرة القروية والهجرات الدولية وتطور التكوين وظهور وسائل الاعلام. ومن الأكيد أنه مع تطور العلم والتقنية، فإن السحر الذي كان بمثابة وسيلة الإنسان لإخضاع الطبيعة سيصبح مطلبا بدون معنى. وفي نفس الوقت، نجد أن  ظاهرة التمدين التي فصلت الإنسان عن مجموعته (عشيرته) التي نشأ فيها وقدفت به داخل لعبة من المنافسات، لتجعله مرغما على استهلاك قدر أكبر من السحر: ” سحر علمي” الذي حاول منح الإنسان المكتئب والمتعلم الثقة في ذاته. كما أن علم التنجيم وتوارد الخواطر ذات الأصول الشرقية والروحانية الكارديسية Kardésite  تناسب بالنسبة لساكنة مدننا الكبيرة السحر القديم للمزارع المنقرض الذي كان يستجيب لإرادة الشمس والمطر لزيادة غلته ووفرة صيده.

على العكس من ذلك، يؤثر الديني على باقي الاحداث الاجتماعية من أجل توجيهها نحو مسارات محددة. وهكذا، ففي نفس الوقت الذي عوضت فيه الديانات العالمية الديانات المحلية القبلية، فهي تقوم بعملية مراقبة الافراد لئلا يحققون التواصل فيما بينهم إلا من خلال تشريعات وأعراف خاصة. لقد انفصلت الكنيسة عن الإثنية والطبقة الاجتماعية ومجموعات القرابة الدموية لتشكيل أنواع جديدة من أشكال التضامن التي تؤثر على السياسة (صراع الكنيسة والدول، مواثيق، التحكم في أحزاب سياسية من طرف رجال الدين) أو أنها تؤثؤ على الاقتصاد (الصناعة الأبوية، العائلة ضد الصراع الطبقي، تحول الطبقات الزراعية الى منظمات فلاحية-تجارية لمحاربة الهجرة القروية، خلق تعاونيات للإنتاج والاستهلاك اعتمادا على الانتماء المسيحي البروتستانتي…) وهي المجالات التي تشكل محور اهتمام علم اجتماع الأديان الحالي.

  • الدين والنشاط الرمزي للإنسان

إن هذا العلم – علم اجتماع الأديان- لا يبدل قصارى جهده في دراسة هذه اللعبة الديالكتيكية وإلا سيتم الخلط بينه وبين علم الاجتماع. فالدين عبارة عن نظام يمكن دراسته لذاته بارتباطه بالنشاط الرمزي للإنسان. إن هذا هو المجال الأكثر أهمية بالنسبة للانثروبولوجية الدينية رغم أنه أقل تطورا مقارنة بالسابق. ويجب التأكيد على ضرورة التمييز بين مختلف المشكلات التي يطرحها ودراستها بشكل متأن وهادئ إذ يتم التعبير عن الدين بواسطة طقس هو بمثابة توظيف وتحكم في اللغة والمقدس. ومن هنا يمكن التساؤل: هل القواعد التي توجه هذا التحكم هي قواعد نحوية؟

لقد أجابت المدرسة السوسيولوجية سابقا والفينومينولوجية حاليا عن هذا السؤال بالإيجاب: فمجموعة الإشارات والحركات التي يقوم بها الفرد أثناء القيام بالطقوس الاحتفالية الدينية هي بمثابة إعادة إنتاج للسرد الاسطوريRecit mythique  . وهكذا فعندما يسود اللانظام في الطبيعة يتم لعب أسطورة الخلق، وعندما يأتي الجفاف وتحرق المزروعات يتم القيام بلعبة الطوفان وتتم إعادة التوازن الاجتماعي بطلب مطر الخصوبة. وسواء تضمنت هذه النظرية قدرا كبيرا من الحقيقة، وهذا ما نعتقده، أم لا فإن كل ديانة هي >> mimesis . لذلك لابد من تسجيل بعض الملاحظات، أولها أنه توجد بعض الاساطير لا تتأسس على طقوس مناسبة لها مثل أسطورة Narcisse عند الاغريق. كما توجد طقوس لا توجد أساطير مناسبة لها مثل بعض أشكال التضحية. فالأسطورة كسرد تبدأ في الإنفصال أحيانا وبشكل بطيء جدا انطلاقا من أساس هو أساس التفكير الأسطوري الذي لم يتم تشكيله بعد فيقع في شراك بعض الطقوس الغرائبية وبعض الحركات الخاصة.

ليس المهم إذن هو أن نقطع الديني أجزاء ( الأسطورة، العقائد، الطقوس، الأعراف، التشريعات…) لكن المهم هو أن نأخذه في وحدته الحية كنشاط ثقافي إجمالي يتم التعبير عنه بلغات متعددة انطلاقا من لغة الإشارة الى اللغة المنطوقة ومن اللباس الكهنوتي الى الكتابات والنقوش على جدران الكهوف والذي ينتج عنه إطلاق تسميات مختلفة وإخفاءها حسب طبيعة البناء التركيبي لثقافة ما. فالباحث في الأنثروبولوجيا الدينية مدعو الى البحث عن النماذج اللاواعية الثاوية وراء النماذج الواعية التي يتلقاها عبر مخبريه المحليين والتي يمكن أن يتعرف من خلالها على الديانات القبلية أو التي يمكن للكتب أن تمنحها له إذا تعلق الأمر بالديانات الكونية. تعتبر هذه النماذج بمثابة القواعد التي يتبعها الافراد دون أن يلقوا لها بالا والتي تشكل البنية التركيبية لمختلف أشكال التعبير الثقافية. فهل أصبح ما تحدثنا عنه سابقا واضحا بما يكفي؟ إن الأنظمة الدينية هي أنظمة منطقية عقلانية. وهي نوع من العقلانية تخضع لقواعد الانسجام تأخذ شكل كل Gestalt . وهذا ما يطرح مجموعة من المشكلات سنقوم بعدها واقتراح حلول لها. يتعلق الأمر أولا بنموذج ثقافي، وكنتيجة لذلك، يمكن للبيولوجيا أن تدخل ضمن الأنثروبولوجيا التي نحن بصدد الحديث عنها. فعندما ندرس احتفالا ما، نلاحظ أن الإشارات التي تصدر عن الافراد تشكل كتلة من العلاقات المحركة والتي تستجيب لقوانين بيولوجية. وهي بمثابة تعبير طبيعي عن المشاعر. وعندما تعترينا أزمة نلاحظ أننا نستجيب لبعض إشراطات وحتميات الجسد الذي لا يعطي إلا مورفيمات Morphemes. إن الثقافة باعتبارها هي التي تربط بين هذه المورفيمات هي التي تمنحها معنى يمكن من التواصل.

وفي مستوى ثاني، فنحن مدعوون الى طرح سؤال معرفة ما إذا كانت هذه التراكيب الثقافية تظل “ثقافية” أم أنها مجرد تراكيب إنسانية وكفى. لقد أثار كلود ليفي ستراوس هذا الاشكال في كتابه “الانثروبولوجيا الاجتماعية” عندما تساءل عما إذا كان هناك “ترتيب للترتيب”، وهو أمر ممكن نظريا. يوجد من غير شك تحليل متعالي للعقل بمختلف مستوياته. لكن تجدر الإشارة الى أن كلود ليفي ستراوس يتحدث هنا عن بنيات التبادل وبنيات التبعية والتي لا يظهر فيها الدين إلا كموضوع للتبادل ( يجب على عشيرة ما أن تقوم بطقس للقبيلة، فترد عليها عشيرة أخرى بطقس آخر: هبة مقابل هبة) أو كمبدأ من مبادئ التراتبية ( لكن الذي يهم هنا هو السلم التراتبي وليس المبدأ الذي ينتج عنه). وفي كلتا الحالتين فالديني كيفما كان ينفلت للعالم أو الدارس ويصبح بين قوسين.

وعلى العكس من ذلك، يمكننا اقتراح بنية، لكنها تظل مجرد بنية ثقافية باعتبارها لا شعورية عند مريديها. إن هذا هو جوهر ما يميز الانثروبولوجيا الدينية عن الانثروبولوجيا الاجتماعية. فعندما قال ايفانس بريتشارد ” إن السحر لا يعتبر واضحا ،وإذا اعتبرناه لذاته (يصبح لا عقلانيا محضا). لكن لا يمكن فهمه إلا إذا أخذناه في إطار السياق الثقافي للمعتقدات باعتبارها جزءا من نظام التفكير والفعل الذي ينبع من نظام التفكير هذا” ويمكن التعبير عن ذلك بشكل آخر: إن الانثروبولوجيا الدينية هي التي تحدد الثقافية، وإن هذه البنيات الثقافية تكون عقلانية ( رغم أن هذه العقلانية تختلف عن تلك التي عودنا عليها العلم). وعلى كل حال فنحن خارج نظام ” التفكير المتوحش” وفي قلب ” التفكير المدجن”.

  • مشكلات التغيرات

إن المجموعة الأخيرة من المشكلات هي تلك التي تتعلق بالتغيرات. لقد أكدنا كثيرا على مقاومة الأديان للتغيرات وقد ركز ميرسيا إلياد على بعض النماذج عبر مختلف الانقلابات الدينية كتلك المتعلقة بالجنة المفقودة وأخرى تتعلق بمركز العالم. وقد ركز Halbwachs على أهمية “الذاكرة الجماعية” في الاحداث الدينية. وبالفعل فالدين ككل حدث اجتماعي يقوم بتغيير كل شيء من خلال مقاومته لكل أشكال التغيير ويقاوم كل شيء من خلال التغيير. أولا، فمن خلال الالتقاء بين الحضارات تتفاعل الأديان فيما بينها، ويمكنها أن تشكل نوعا من التراتب عندما يفرض شعب منتصر قوانينه وتشريعاته ويعتبرها الديانة الرسمية ويتم تحويل ديانة المنهزم الى نوع من السحر والشعوذة. لذينا نموذجين من هذه السيرورة، الأول قدمته لنا مدرسة التحليل النفسي انطلاقا من النصوص التقليدية لسيجموند فرويد حول ” الغريب” أو الآخر الذي يمنحنا إياه التاريخ، مثل تغيير ديانة الوثنيين بعد الضغط عليهم من طرف المسيحيين. وقد قدموا نماذج لهذه الابليسة، فهذان النموذجان لا يتعارضان بل يمثلان فقط مستويات مختلفة للتفسير. فمن جانب النموذج الأول، نجده يؤكد على مبدأ التوفيقية التي يمكن أن تكون ضمن الطبقة العليا المنتصرة ( توفيقية من طابع فلسفي مثل ذلك النموذج الذي عرفه عهد الإمبراطورية الرومانية) أو داخل الطبقة الدنيا المنهزمة ( التوفيق بين الآلهة الافريقية والصلحاء الكاتوليكية بأمريكا الزنجية). ومن الطبيعي أن تأخذ التوفيقية أشكالا مختلفة حسب الديانات التي دخلت في تماس فيما بينها: الإسلام، الكاتوليكية، البروتستانتية من جهة، والديانات الافريقية أو الاسيوية من جهة أخرى.

وتجدر الإشارة الى أنه تم تسجيل ملاحظات مشتركة في مناطق مختلفة. انه لا يمكن القول ان ما وقع هو مجرد تقارب بسيط بين ديانتين يحتاج الى إعادة التفسير باستحضار احدى هاتين الديانتين، بل ينتج عن ذلك خلق أنظمة موحدة أصيلة لا تكون لا مسيحية ولا إسلامية ولا بوذية ولا أنيمية، وليست مجرد إضافة بسيطة لمكونات بل إنها حقائق فريدة من نوعها.

من الأكيد أن تقلص المسافات في العالم الناتج عن وسائل الاتصال وتطور العلاقات الدولية تجعل سيرورة التثاقف مثيرة لاهتمام المتخصصين يوما بعد يوم. لكن في نفس الوقت لا يمكننا ان نقلل من قيمة الاحداث التي يسلط عليها المؤرخون الضوء: تغيير الدين بشكل إرادي، الابداعات على مستوى البنية الداخلية للحضارة الوحيدة في طور تغيرها. وهنا أيضا سنلاحظ حضور قدر كبير من التنوع في السيرورات كالتغيرات الدورية والانتقال من طائفة الكنيسة ومن انقسام للكنيسة الى طوائف. وقد تم تقديم نماذج ديمغرافية بعد نجاح إشاعة ما وتزايد عدد الافراد الذين اعتنقوا دينا جديدا. كما تم بناء نماذج سوسيولوجية (كل مجموعة تسعى بشكل دائم الى المأسسة وتنظيم نفسها غير مبالية بالحماسة البدائية) كما تم بناء نماذج نفسية (إن الحياة الدينية تمر دوما، سواء بالنسبة للأفراد أو للجماعات من لحظات غليان ونوع من الدفء النسبي، والتي يتم خلالها التركيز على ما يوجد خارج الذات لدعم وتعويض ما لا يمكن تغذيته وإشباعه داخل الذات).

إنه من غير المحتمل أن نجد جماعات بشرية تمتلك نظاما للمعارف التجريبية في غياب نظام للمعارف يعتمد الأسطورة، فهناك دائما مجال المدنس الى جانب مجال المقدس. ورغم ذلك فإننا نجد الجماعات البشرية التقليدية التي تتضمن عددا محدودا من الساكنة تشترك في نفس نظام القيم وتحدد بشكل مماثل أفعال التضامن الاجتماعي الى جانب اشكال التضامن الديني، كالارتباط بالجد المشترك أو عبادة الأرواح وقد يتجلى الآلهة أحيانا ضمن البشر، ويدخل الجميع في علاقات تواصل وتبادل غير محدود.  ونجد أن مفهوم “الظاهرة الكلية” عند مارسيل موس يشكل تجسيدا فعليا لهذا التفسير الاجتماعي والمادي والديني، لكن مع استحضار ذلك الفرق الذي يمثل قانون التغيير ( الانتقال من التضامن الآلي الى التضامن العضوي عند دوركايمDurkhiem ، ومن الجماعة الى المجتمع عند تونيTonnies، ومن ثقافة الفولكFolk  الى ثقافة الحضر عند ريدفايلد Redfield ). فالحياة الدينية تنفصل عن باقي الحياة الاجتماعية فتصبح ” الظاهرة الكلية” معوضة بنوع من الجدل بين التشريعات ( ومنها التشريعات الدينية) والتي تصبح مستقلة وتتبادل التأثير والتأثر فيما بينها داخل نفس المجتمع، لكن دون أن تختلط وتتماهى فيما بينها.

تجدر الإشارة الى فكرة أساسية سبق أن أكد عليها كورفيتش G Curvich وألح عليها كثيرا، وهي المتعلقة بتعدد الأزمنة الاجتماعية. إن الزمن بالنسبة للتشريعات الدينية هو زمن بطيء مقارنة بزمن التشريعات الأخرى. وسيحصل أنه، في لحظة ما، سيكون الفارق بين الدين وباقي المجتمع كبيرا، وسيدرك المؤمنون بذلك الدين ذلك الفارق. وسينتج عن ذلك عدة ظواهر مثل ظاهرة السعي نحو الخلاص، أي ظاهرة اليقظة أو الرغبة في الإصلاح أو إعادة التوازن، وتقدم الحركات الحاملة لهذه الفكرة نفسها حاملة لإيديولوجية تدعو الى العودة الى الماضي. فالرغبة في الخلاص تعتري الرافضين لواقع الدين المطالبين بالعودة الى التقاليد القديمة للأجداد ويقدم الداعية نفسه مثل البطل المنقذ المانح للحضارة.

وتندرج هذه اليقظة الروحية في إطار الفراغ الروحي والدعوة المتحمسة للكنائس البدائية. ويرتكز الإصلاح الديني على مقاومة تناقص مستوى الايمان من خلال الدعوة الى الرجوع الى النماذج القديمة كنماذج تمثل الايمان بشكل خالص. إلا أن هذه الأيديولوجيات تتأسس على نوع من المغالطة، لذلك تعتبر أطروحة الخلاص مجهودا لإنقاذ الديانة القديمة المهددة بالطقوس والممارسات الجديدة والتي تعتبر أكثر فعالية ضد الهشاشة الاجتماعية مقارنة بالطقوس القديمة وبالشكل الذي يمكن من إعادة التوازن المفقود. إنها عملية لإعادة البناء مخطط لها. فالصحوات الدينية مثل تلك التي نشأت ببلاد الغال Galles أو تلك التي نشأت بألمانيا وكل الحركات الإصلاحية (الإصلاح البروتستانتي خلال القرن السابع عشر، العصرنة الكاتوليكية لأواخر القرن التاسع عشر) تسعى إلى إعادة الدين كموضوع لوحدة المجتمع الذي تعرض لتحولات وتغيرات وفتح قنوات للتواصل الذي أصبح مستحيلا وإعادة التوازنات المفقودة بين الديني والاجتماعي. ويتم فعل ذلك وكأن القساوسة ورجال الدين يسعون الى ارجاع الثقة للوعي الديني الذي خمد وانطفأ، معلنين أن هدف الإصلاح هو المحافظة على الموروث، في حين أن المقصود هو التغيير او التحويل.

يرتبط قانون التفاضل الاجتماعي بقانون آخر قد أثاره Becker من قبل بشكل خاص وقد خصص له دراسات مهمة: يتعلق الامر بعلمنة تدريجية وتطورية لمعارفنا وأنشطتنا. ويجب أن نحصر فكرنا دائما في هذا الاطار، ولم نكن نفكر انه بسبب ذلك نرى الدين اليوم في حالة احتضار يتغير فقط ليأخذ أشكالا جديدة لم تكن تخطر ببالنا من قبل. يجدها الأنثروبولوجي حيث لا ينتظر ان يراها. كما في الواقع، يكتشف داخل الكنائس التاريخية مجموعة من الأقنعة ذات المظاهر الدينية والتي تغطي بكذبها وزيفها أفعال اللامبالاة وتنفي ما هو ديني من الأساس، عوض أن يكتشف الفهم الحقيقي للمقدس. ولقد قدمنا أمثلة سابقة عن لعبة الغميضةCache-cache  بين الانسان والمقدس: تكاثر الأساطير، إبداع أنواع جديدة من اإاحتفالات الدينية اللائيكية، تحويل الديني الى التجربة السياسية في الوقت الذي نجد فيه السياسي يحمل قناع الديني لئلا يصرح باسمه الحقيقي.

لم نستطع الإشارة الى بعض سيرورات التغير التي قدمتها الأنثروبولوجيا الدينية. فغالبا ما يطرح على الانثروبولوجي السؤال بصدد هذه السيرورات مادامت في السابق قد كانت من اختصاص المؤرخ كالتالي: ألسنا هنا بصدد القيام بعمل المؤرخ مع نوع من الحرية في التعامل مع الحدث التاريخي؟ ألم نخرج عن إطار العلم دون أن ندرك ذلك؟ بالتأكيد لا. فالمؤرخ ينفي الحتمية لكنه يكتشف أن ما سماه كورفيتشGurvitch «العلل الخاصة” التي تكون خلال لحظة خاصة من الزمن موضع التقاء عرضي ووحيد لعوامل متفاوتة تنضاف للأسباب السابقة. في مقابل ذلك نجد أن عملية الإنكار تدخلنا في نظرية ودوامة غير منتهية من الصراع النظري. ومن الصعب الإجابة عن هذه الأسئلة دون إدخال الأنثروبولوجيا في علاقة مع مختلف العلوم الإنسانية.

إن هذا الانفتاح على هذه العلوم هو ما يمكن الأنثروبولوجيا الدينية من الإجابة عن هذه الأسئلة. ففي إطار نفس الوضعية الاجتماعية يمكننا أن نجد من الناحية النفسية حلولا متعددة. كما يمكن تحقيق نفس الطموح النفسي بتقديم حلول اجتماعية متعددة. وهكذا تكون الحاجة إلى الحماسة كطموح نفسي سببا في تكوين رهباني( والذي يناسب عند الكنيسة الكاثوليكية ما تمثله الطوائف الدينية تجاه الكتاب المقدس عند البروتستانتية) أو انحلال الكنيسة الى مجموعة من الطوائف الكاريزمية وحركات الصحوة الدينية. وعلى النقيض من ذلك، فإن أطروحة الخلاص والفعل الاجتماعي يمكن أن تكون نتيجة لنوع من التصوف والباطنية ( كما هو الحال عند الهنود الكاراني Guarani) إذ نجد لديهم نوعا من القلق الجماعي تجاه الدولة ونوعا من الظلم والشذوذ الاجتماعي و الاحتجاج ضد بيروقراطية الكنيسة. يبدو إذن أننا لن نتمكن من الوقوف إلا على الحالات الخاصة والتي تستدعي كل واحدة منها تفسيرا خاصا. وإذا أردنا الإفلات من هذه الخلاصة، ألن نكون خارج مجال الأنثروبولوجيا الدينية؟ هل بإمكاننا تقديم تفسيرات مغرقة في العمومية مثل تلك التي تقدمها الماركسية وأن نجعل من الدين بنية فوقية مرتبطة بأشكال الإنتاج وتطورها أو مثل ذلك التفسير الذي تقدمه نظرية التحليل النفسي التي تربط السلوكات الثقافية بمختلف أنواعها بوجود عقد إنسانية متشابهة ودائمة؟

في كلتا الحالتين نجد أن هناك نفي للديني، بما أن الماركسية لا تأخذ بعين الإعتبار النشاط الرمزي للإنسان وبما أن التحليل النفسي تختصر كل الإشكالات الرمزية إلى أقنعة الليبيدو وتتخطى الرقابة الاجتماعية، فغالبا ما يتم اللجوء الى الصمت. وفي هذه الحالة يبدأ التأمل و تبدو بوادر الحل في الظهور. لا يمكننا أن ننسى أن أنثروبولوجيا ايمانويل كانط تتأسس، ليس فقط على نقد العقل الخالص، بل أيضا على نقد العقل العملي. إننا نجد في المجال الديني نوعا من الافراط في الدلالة مقارنة مع المدلول. وينتج عن ذلك إمكانية تآكل المعاني القديمة وخلق نوع من الحرية في ادعاء امتلاك العقل العملي والذي سيظهر نشاطه بوضوح في مجال الرمزية من خلال تغيير الدلالات وتعويض القيم القديمة بقيم جديدة. إننا إذن سنجد الشبكة الموحدة للفصول الأخيرة للأنثروبولوجيا الدينية عند تقاطع البنيات الاجتماعية المتغيرة والبنيات المادية ( والتي تتحقق من خلال الأنظمة الرمزية المنسجمة). والتي تتواجد بدون شك داخل شبكة موحدة تمكن الفصل الأخير من الأنثروبولوجيا الدينية المخصص للتغيرات من الحصول على قاعدة علمية من نفس الطبيعة وذات نفس القيمة مثل باقي الفصول الأخرى التي سبقته.

 

 


[1] مصدر الدراسة: Roger Bastide ,Religion, enthropologie religieuse, encyclopoedia Universalis( en ligne), consulté le 8/12/2016 URL : http://www.universalis.fr/encyclopedie/religion-l-anthropologie-religieuse/

[2] عالم اجتماع وانثروبولوجي فرنسي عاش ما بين 1898 و1947. عرف بدراساته المتخصصة حول أنثروبولوجيا البرازيل خاصة ما يتعلق بالاثنيات الافريقية هناك والديانات الافريقية الكاريبية. كما ان له اهتمامات بالتلاقي بين الحضارات.

[3] مذهب ينسب الأرواح للأشياء.