الكاتب: Khalid

  • في مديح العدسات السوسيولوجية: قراءة في كتاب “التفكير سوسيولوجيا”

    في مديح العدسات السوسيولوجية: قراءة في كتاب “التفكير سوسيولوجيا”

    كتابةزيجومنت باومان و تم ماي
    ترجمةمحمد الشامي
    ليست هناك معرفة علمية لا تدخل تحت مقولة فرانسيس بيكون: “المعرفة قوة”؛ بيد أن تعريفنا للقوة ولطرق استخدامها وغاياتها يختلف من ثقافة لأخرى. والسلطة في عصر ما بعد الحداثة، – أو الحداثة السائلة، كما يحب باومن أن يسميها – ممثلة في القوى الرأسمالية لا تختلف عن مثيلاتها في أي نظام آخر من حيث أنها تعترف بهذه القوة في الحدود التي تخدم بها استمرارية النظام وتدعم مقاصده، حتى وإن بدا ذلك النظام في صورة سيولة وفوضى. وبناءًا عليه، تجد العلوم الإنسانية أنها بحاجة إلى تبرير وجودها أداتيا بما يواكب ذلك العمل الذي تقدمه العلوم الطبيعية، وأن خضوعها للمنهج التجريبي وحده ليس كافيا.

    وفي مواجهة هذه التوقعات، ومن اتجاه مختلف، يأتي هذا الكتاب عن “التفكير سوسيولوجيا Thinking Sociologically”، وقد اشترك في تأليفه زيجمونت باومن، صاحب سلسلة السوائل الشهيرة وأحد أهم علماء الاجتماع المتأخرين، إلى جانب تم ماي أستاذ الاجتماع بجامعة شيفيلد بإنجلترا.

    والاتجاه الذي ينطلق منه الكتاب إنما يعتد بأولوية الفهم، ذلك الفهم الذي قد يشكل تهديدا للنظام القائم على إسكات العقل، والاستحواذ المتسلط على الموارد بعقلانية ترشيدية مفككة، تنصب على العمليات الأدائية المختلفة دونما مراعاة لتأثيراتها الحيوية على الإنسان والبيئة والعمران.

    يحدثنا هذا الكتاب عن القيمة التي يقدمها لنا عالم الاجتماع في محاولات فهمه للمارسات غير المألوفة التي تشكل تحديا للنظام، وتلك التي يقوم عليها النظام دون أن يسائلها أحد أو يضعها في سياق أوسع تدخله فلسفة الأخلاق مثلا. وهنا تستقل القيمة عن حساب المنفعة الذي يعتني به النظام الرأسمالي.

    ولا يجب أن نفهم هذا التقييد بالنظام الرأسمالي على أنه قضية حصرية، بل إن الكتاب يقرب لنا روح علم الاجتماع كما يجب أن تكون، في مواجهة أي نزعة دوغمائية/وثوقية أو تسييس للمعرفة. لأن السوسيولوجيا، بما هي جزء لا يتجزأ من العلوم الإنسانية، ترفض الادعاء القائم على التفسيرات الواحدية التي تختزل ثراء الظاهرة الإنسانية، أو الجبرية الرافضة للديناميات المنبثقة عن الإرادة الحرة، فالإنسان على المستوى الوجودي يتصرف بعكس التوقعات؛ وعليه، فمفردات من قبيل التفسير النهائي والقانون الأبدي هي مفردات أجنبية عن علم الاجتماع الإنساني.

    “تُنير هذه المعرفة الوسائل التي ندبر بها حياتنا، ولكنها تفضي أيضا إلى التشكك في هذه المقدرة من خلال إنتاج دراسات وأعمال تحفز الخيال وتتحداه. وبما تكون هذه عملية شاقة تنظر إلى الأشياء المألوفة من زوايا غير متوقعة وغير مستكشفة. وعندئذ يمكن أن ينتابنا الارتباك بسبب معتقداتنا بشأن أشكال المعرفة وتوقعاتنا منها. وغالبا ما نتوقع منها أن تبرر أفكارنا القائمة، أو أن تتيح معرفة جديدة لا تشوش jصرفاتنا، بل تضيف إليها إضافة مجدية. بالطبع، ربما تلبي المعرفة السوسيولوجية كل هذه التوقعات. ومع ذلك ربما تشكك فيها برفضها إغلاق كل ما هو مفتوح أو غامض في حياتنا، وما ينتقل من المألوف إلى غير المألوف”(ص283).

    إذن فالتوقعات الضمنية والصريحة تطالب علم الاجتماع بدور مماثل لدور العلوم الطبيعية في تيسير مزيد من التحكم والسيطرة، الموجهان إلى الأوضاع البشرية هذه المرة. فالمعرفة التي تم تحديدها بالمعايير المسبقة “للعلم” الحديث، إنما هي أداة لتحويل الذوات في صورتها الجمعية من كيان فاعل إلى موضوع يمكن توجيهه والتحكم فيه من خلال فهم شبكة العلاقات والبواعث الكامنة. ولكن، أتلك حقا غاية الأمر؟ فلنصحب تلك العدسات السوسيولوجية، ولنحاول إمعان النظر من خلالها، ثم لنرى ما يمكننا أن نقوله وما يسعنا أن نقطع به من أحكام بعد ذلك.

    خصائص التفكير الاجتماعي

    يستعرض المؤلفان في المقدمة المعنونة بـ “صنع العدسات السوسيولوجية” خصائص الدراسة الاجتماعية وما يميز هذا العلم عن غيره من العلوم الإنسانية.

    فهذه المقدمة تتناول أهم الأسئلة التي تشغل الدراسة الاجتماعية، كما تهتم بمفهوم العلائقية في الفعل الإنساني، أي حقيقة أننا نولد ونموت في مجتمع لا يتحدد تاريخ ميلاده أو وفاته بالارتباط بحيوات أفراده، وأنه لا تخلو تجربة من تجاربنا من أن تكون منفعلة ومتأثرة بالأبنية الجتماعية المحيطة بنا، وأن كل واحد منا إنما يتخذ مؤطي قدميه في شبكة معقدة من الاعتماد المتبادل، وأن تلك العلاقات مؤثرة حتما في نظرته لنفسه وللعالم من حوله.

    ولعل قطب الرحى في هذه المقدمة هو الحديث عن طبيعة العلاقة بين علم الاجتماع وبين الحس العام Common Sense . لأن تشابك العلم مع هذا المفهوم لا يخلو من تفرد شيق، إذا ما قارناه بموقف العلوم الطبيعية من الأخير، فلا شك أنها قد نفضت يديها منه وكبر رجالها عليه أربعا واستقر الأمر على ذلك، وإن كانت هذه القطيعة لا تعني تحقق رسل العلم الطبيعي بالموضوعية الكاملة بله احتكارهم لأوصاف “العلمية” بطبيعة الحال، وحتى لو افترضنا ذلك، فمن المفارقات الساخرة أن لعلم الاجتماع ما يقوله في هذا الشأن، ذلك لأن “إنتاج المعرفة العلمية [الطبيعية. يشتمل] على عوامل اجتماعية توجه ممارسته وتشكلها، ويمكن أن يكون للنتائج العلمية تداعيات اجتماعية وسياسية واقتصادية لا يحددها العلماء كما هو الحال في أي مجتمع ديمقراطي”(ص29).

    إن ارتباط علم الاجتماع بالحس العام هو فرع عن ارتباط موضوع الدراسة السوسيولوجية بحياتنا اليومية. فكلٌ منا فاعل كامل الفاعلية في الظاهر بمقتضى إنسانيته، لكن هوية ذلك الفاعل –وهي أهم ما يملك– ليست نتاج خياراته المنفردة، وقل مثل ذلك في عواقب أفعاله واكتسابها للمعاني. نعم، إن لم يكن وجودنا العلائقي محوريا لهذه الدرجة، لم يكن انهيار التواصل تجربة مريرة لأي منا، ومن باب أولى، لم يكن لضمور قوتنا الناطقة وإحجامها عن الوجود بالفعل إلى الوجود بالقوة فارق ذو أهمية في حياة أي إنسان. إن كل شيء ها هنا مبدأه تأمل هذه الحقيقة، حينئذ تتحول كل الموضوعات والنقاشات اليومية العابرة إلى موضوعات للدراسة الجادة، بما تتضمنه من مناهج استقراء وفحص وفرض واستنباط وتأويل.

    فإذا أردنا مزيدا من البيان فلنقل إجمالا لما فصلته هذه المقدمة: إن موضوعات الدراسة الاجتماعية لا ليست بمعزل عن التداول المفتوح للحس العام، بيد أن هذه الدراسة تختص بما يأتي:

    1- أنها تتحمل مسؤولية التفسير فلا تطرح مقولاتها عارية عن الدليل، وتكشف عن مصادر
    الرؤى.
    2- أنها لا تنطلق من نطاق فردي محدد بتجربة خاصة، بل تسعى قدر الإمكان إلى الاستناد إلى
    عدد وافر من التجارب والمنظورات المقارنة بما يتجاوز ما يمكن الوصول إليه من تأملات
    تعتمد على سيرة فردية.
    3- تسعى السوسيولوجيا إلى فهم الوضع الإنساني عن طريق تحليل الشبكات المتعددة للاعتماد
    البشري المتبادل، وباعتبار السياقات التي تتولد فيها الأفعال، وليس بناءا على المقاصد والنوايا
    الفردية للفاعلين فحسب.

    الحياة في مجتمع: بين حرية الاختيار وحرية الفعل

    يناقش المؤلفان في الفصل الأول فكرة أن فهم الذات، والفعل، والهوية الاجتماعية، إنما يتم مع الآخرين ومن خلالهم.

    ومن الفروق المركزية التي ينبغي الوقوف عندها لإدراك الواقع الاجتماعي المعاصر: الفرق بين حرية الاختيار وحرية الفعل. فإننا إن كنا نعيش في أزهى عصور الليبرالية حقا، فإن ذلك يدفعنا للتساؤل عن حقيقة الحرية التي نتمتع بها وعن الجدوى من هذه الحرية في ظل التعجيز والتقييد الممنهج الذي يحيط بنا من كل ناحية، سواء أكان ذلك أمام الشؤون الشخصية أم أمام أشد القضايا الإنسانية إلحاحا.

    فحرية الاختيار لا تؤدي إلى حرية الفعل بالضرورة، بل إن الجهة منفكة بينهما تماما، والمفارقة هنا تكمن في أن حرية الفعل دائما ما تتقيد باختيارات سابقة لفاعلين آخرين، أو محددات مترسخة في البنية الاجتماعية بحيث لا تستطيع الإرادة الفردية تجاوزها. “وهذا يعني أن حرية الفعل في الحاضر توجهها كل من أحوال الماضي، وتراكمات التجارب، والقيمة التي يضيفها الآخرون على تلك الأحوال والتجارب”(ص46-47).

    والعنصر الأخير يلعب دورا كبيرا في أنطولوجيات الجماعات التي ننتمي إليها، والتي من خلالها ننعم بالتمكين ونعاني التقييد في ممارستنا اليومية للحرية.

    والحديث عن الجماعات موصول بمسألة الهوية، فتشكيل الهوية يتم في إطار اجتماعي بجدارة، ولا يتم ذلك بمحض الإرادة، “فالجماعة التي تحدد هويتنا وأفعالنا ربما لا تكون الجماعة التي اخترناها بوعينا وإرادتنا. وعندما التحقنا بها أول مرة أو عندما رآنا آخرون جزءا منها، لم يكن ذلك فعلا من أفعال الحرية، بل أحد مظاهر التبعية والاعتماد على الغير”(ص48)، ويتضمن تشكيل الهوية ذلك كلا من الغايات والوسائل.

    التواصل وتوليد الذاتية: الأنا الفاعلة والأنا المفعولة

    استلهاما من جورج روبرت ميد، الفيلسوف والاجتماعي الأمريكي، الذي تنافح نظريته عن الهوية
    باعتبارها حقيقة تكتسب من خلال التفاعل الإنساني. يحلل المؤلفان الجدلية التي تصاغ بين “الأنا الفاعلة”و”الأنا المفعولة”.

    فـ“الأنا الفاعلة هي حوار داخلي، وفيه تعمل اللغة وسيطا يساعدنا على تصور أنفسنا وحدة كاملة. أما الأنا المفعولة فهي تنظيم توقعات الآخرين في أفعالنا، بحيث نستجيب إلى الآخرين وفقا رؤيتنا لأنفسنا، وتلك الرؤية تتعرض دوما للتغيير وفقا للسياقات الاجتماعية المختلفة”(ص52).

    فبينما تسهم التنشئة الاجتماعية في إرساء القواعد الأساسية للعب، وتحدد الاستجابات المتوقعة للأقوال والأفعال المختلفة، وتتبلور إسهاماتها في ظهور الأنا المفعولة، تظل الأنا الفاعلة ساعية في اكتساب المزيد من الحرية بمقتضى خلقتها ولأنه لا مفر من الاختيار حتى في أكثر البيئات الاجتماعية تسلطا وأكثرها آلية.
    “وهذا يعني أن العلاقة بين تجارب الحرية والتبعية لا تصل إلى وجهة نهائية، بل إنها جزء من عمليات التغير، والتعلم، والمقاومة، والتفاوض، والتي تبدأ في المهد ولا تنتهي إلا في اللحد. فلا تكتمل حريتنا أبدا، بل هي صراع نخوضه في أغلب الأوقات ويحدد هويتنا وشخصيتنا. وتتشكل الأفعال الحاضرة بالأفعال الماضية، وكل منها ينطوي على شعور جنيني بالمستقبل”.(ص59).

    “نحن” و”الآخرون”: بين التفاعل، والفهم، والمسافة الاجتماعية

    للقرب والبعد بجميع تجلياتهما الزمانية والمكانية والفكرية واللغوية دور جوهري في تفعيل الانتماء أو القطيعة، والتفاهم أو التنميط، والتواصل أو التخاصم.. إلخ من المواقف التي يتخذها الفاعلون إزاء الجماعات المختلفة، أي تجاه الآخرين باعتبارهم أعضاءا في تلك الجماعات. ويتأثر التفاعل الاجتماعي بهذه التجليات، كما أنه يؤثر في تضخيمها أو تقزيمها، في ثنائية مدهشة ومحيرة من ثنائيات الدور الاقتراني. فالتفاعل يمثل الحرية الإنسانية، والقرب والبعد بكافة تجلياتهما يمثلان التقييد المتراكم، سواء أكان ناتجا عن العواقب المختزنة للأفعال أم كان متولدا من الحوادث الطبيعية فوق الاجتماعية عندما تتقاطع مع مسارات الفعل الحضاري.

    بعبارة أخرى، يخبرنا الكتاب أن: “[مدى] القُرب يوجه التفاعل”، إلا أنه ثمة حقيقة أخرى تقضي بأن التفاعل مؤذن بالتغيير في خرائطنا التي نرسم فيها القريب والبعيد، ونميز فيها الصديق من العدو، وتتموضع فيها كافة الجماعات الإنسانية على مستويات متنوعة من التحديد والإبهام.

    ويقترب هذا من الاقتباس المأخوذ عن ألفرد شوتس إذ يقول : “كل الأعضاء الآخرين من الجنس البشري ربما يمكن تمثيلهم بخط تصوري أو خط متصل تنظمه المسافة الاجتماعية التي تزداد عندما ينكمش التفاعل في المستوى والكثافة. ويمتد هذا الخط من المعرفة المخصصة ]معرفة أعيان الأفراد[ إلى المعرفة المقتصرة على القدرة على تصنيف الناس إلى فئات معينة، ومنها: الأغنياء، والمتعصبين الكرويين، والجنود، والبيروقراطيين، والإرهابيين، والسياسيين، والصحافيين، وغيرهم”(ص63).

    على أن هذه المعرفة قد تكون أحادية الجانب، ولا تقتضي التفاعل الحقيقي بالضرورة، ثم تكون مع ذلك ذات أهمية عظمى، فخرائطنا الإدراكية تتجاوز حدود الزمان الحاضر، إلى السعي في تخليد الماضي ومحاولة هندسة المستقبل. وذلك لأن الهوية الاجتماعية عمل لا يمكن إنجازه في ظلال اللحظة الحاضرة فحسب، بل هي مفهوم مستحيل في غياب الذاكرة التاريخية والرؤية المستقبلية.

    تصور الهوية الاجتماعية

    قلنا أن تجليات القرب والبعد تتحكم في صور التفاعل، وتتصل قدرتنا على التفاعل بقدرتنا على التصنيف والتمييز، الذي يبدأ من التفرقة بين ضمير الهوية الجمعية: “نحن”، وضمير الأغيار: “هم”.

    وبمقتضى تمايز الأضداد، فإن كلا من الضميرين يمثل جماعة مغايرة للأخرى، ولا يمكن أن تتماسك
    إحداهما في غياب الأخرى، “وبهذا تصبح التقابلات أدوات نستعين بها لرسم العالم والإبحار فيه”(ص65)
    بغض النظر ما إن كان ذلك الإبحار على هدى أم على غير ذلك.

    ولأن الهويات الجمعية هي ماهيات متصورة في حقيقة الأمر، وواقع ضروري في رؤية أعضاء الجماعات، فإن ذلك يقتضي تسليط الضوء على بعض خصائص الجماعة وتهميش بعضها.

    ومن آثار ذلك أيضأ: أن “تصبح اليقظة ضرورة للجماعات التي تسعى بهمة ونشاط لحماية حدودها ضد التهديد الذي يمثله لها غير المؤمنين بمعتقداتها. فتميل هذه الجماعات إلى التحامل في رفض الاعتراف بأية فضيلة ربما يمتلكها الغرباء. مع ميل لتضخيم رذائلهم؛ حتى تتعزز عمليات التماسك والتضامن الداخلي لها.”(ص67).

    وليست أشكال الرهاب والإقصاء وشتى مظاهر العنصرية بعيدة عن هذه الممارسة الجوهرية. والتحامل على الغرباء في هذه الحالة يزداد طرديا بازدياد الشعور بانعدام الأمان الناتج عن اضطراب العادة وتصدع النظام الذي يتسبب عن طرح رؤى جديدة وطرق مغايرة للوجود والعيش، حتى وإن لم يحمل الغرباء دعوة تبشيرية بذلك، فإن وجودهم بحد ذاته، إلى جانب تعريفهم بأنهم غرباء، خليق بمسائلة النظام وخرق المألوف سواء تم ذلك شيئا فشيئا أو كان متجسدا في تهديدات راديكالية.

    وهنا يأتي سؤال في غاية الأهمية: “فهل لا بد من وجود أناس “آخرين” نتسامح “نحن” معهم، لكنهم لا يحظون بالحقوق نفسها، أم أن هناك أسبابا وجيهة لقبول ذلك التسامح بما يتوافق مع اعترافنا بمحدودية رؤية العالم التي نكونها عنهم؟ إن عواقب هذين المسارين مختلفة جدا. فالمسار الأول يعتمد على ممارسة سلامة النية، ويمكن أن يؤدي إلى مواطنة من الدرجة الثانيةـ بينما يمنح المسار الثاني الحقوق نفسها لجماعة خارجة ومن ثم مكانة متساوية”(ص69).

    إذن فوجود الغرباء بما هو مؤد أثناء عمليات الاندماج إلى مراجعة مسلمات وعادات وتوقعات الجماعة، سواءا على الأصعدة الفكرية أو السلوكية، دائما ما يستقبل بأنواع من التمييز أو التحقير الهادفة لإعادة رسم الحدود، على أن تلك الحدود ليست حدودا سلبية فحسب، بل إنها حدود إيجابية بما تعيد فرضه من علائق الانتماء وطقوسه كما تذهب ماري دوجلاس في كتابها: Purity and Danger.

    وفي هذا السياق، نجد المدينة بمظهرها الرأسمالي الحديث، وبتعقيدها الصاخب والمزدحم، تقدم طرازا آخر من الحياة مع الغرباء، فالحدود والتصنيفات التي يستمر إنتاجها والحفاظ عليها في أطر خاصة، يتسامح الأفراد مع غيابها في الإطار العام من خلال “التجاهل المهذب”.

    “وقد وجد إرفنغ غوفمان أن التجاهل المهذب أسلوب مهم للغاية يساعد على الحياة في المدينة مع الغرباء. وربما يصبح التجاهل المهذب أسلوبا اعتياديا لأنه يتسم بأنماط متقنة من التظاهر بأننا لا ننظر ولا ننصت، أو نتخذ وضعية توحي بأننا لا نرى ولا نسمع، أو لا نهتم بما يفعله الآخرون من
    حولنا”(ص78).

    فهذا التجاهل يمثل اتحاد الخصوصية والحرية بالقسوة واللامبالاة، والمسافة التي توفرها المدينة وإن كانت مفهوما قائما منذ القديم، إلا أن الصورة الفجة للامبالاة وتغييب الهوية والتجاهل العام، لهي طور غير مسبوق تشهده المدينة بخصائصها المعاصرة.

    ولا شك أن هذه اللامبالاة حيثما وجدت وجد تخدر في الضمير الأخلاقي وناتج عن فقدان للإحساس بالمسؤولية، فمع السرعة والتعقيد اللذان يمتاز بهما الوجود والسلوك الحضري الراهن، تفقد التعاملات الإنسانية حميميتها كما تفقد كثيرا من معانيها، وإذا أضفنا إلى ذلك غياب المرجع الأخلاقي المتعالي والحاضر في آن، فإن ذلك كله –بالضرورة- مؤذن بانهيار كافة القيم الأخلاقية في الحياة العامة، وذلك قبل أن تظهر هذه التصدعات في المساحات الخاصة بفضل النزعة الفردانية.

    إذن فنحن عندما نمر بالمساحات العامة، وعندما نشهد على أفظع جرائم الصمت، فإننا نعاين“تجريد القرب الفيزيائي من جانبه الأخلاقي، وبذلك ربما لا يستشعر الناس القرب الأخلاقي كما ينبغي مع أن الواحد منهم يعيش بالقرب من الآخر ويؤثر الواحد منهم في ظروف الآخر ووجوده… وبعبارة أخرى، ليس الغرباء أهدافا للعداء والعدوان، لكن لا يختلف الغرباء كثيرا عن الأعداء، لأن الغرباء (الذين نحن جميعا منهم في بعض الأحيان) محرومون من الحماية التي يوفرها القرب الأخلاقي.”(ص80).

    الجماعات وصناعة الروابط الاجتماعية

    يذهب المؤلفان إلى أن الجماعة بما تتضمنه من مرجعية، ومن روابط معترف بها، ومن مفارقات مهمشة، هي مسلمة يفترضها أعضاؤها، وهي دعوة وقضية تستخدم في تعبئة الصفوف وتجييش الطاقات، وليست حقيقة واقعة يمكن إقرار أسبقيتها على أية معايير تصنيفية أخرى وفقا للظرف الطبيعي.

    وتكمن المفارقة في أن إسناد هذه الرابطة الجمعية للظرف الطبيعي أدعى إلى تقديس الرابطة الجمعية المعينة بما يقتضيه ذلك من استدعاء للحتمية والجبرية، كما نراه في الإحالات إلى العرق والدم المشترك، أو إلى الوحدة العضوية بين الشعب والأرض.. إلخ من المقولات غير العلمية.

    ولعل من أهم القضايا في هذا الكتاب بأسره، هو ما يأتي في هذا السياق من التحول الحداثي من الأشكال التقليدية الشاملة للروابط الاجتماعية، إلى مأسسة الروابط الاجتماعية، المصحوبة بإيمان منقطع النظير بالعقلانية البيروقراطية.

    فنشأة “المؤسسات” إنما مثلت نشأة مفهوم جديد للجماعة، جماعة يتعهد أعضاءا بالتزامات وحقوق جزئية، محدودة بحدود طبيعتها العقدية.

    ترتبط المؤسسات بمفهوم تقسيم العمل، و”أدوار الأداء”، “وفي أثناء قيامنا بهذه الأدوار، ربما لا يهتم الآخرون بالأعمال التي نقوم بها في سياقات أخرى، بل إن ما يعرفه الواحد منا عن الآخر نحصل عليه من خلاص ملاحظة هذه العروض الأدائية والتفاعل فيها. لذا لا يأتي الفهم من رؤية الناس منعزلين… فعلى العكس من الجماعة المغلقة، يبدو أن المؤسسة تستوعب جزءا فقط من الأشخاص المشاركين”(ص92-91).

    يبشر ماكس فيبر بأن المنهج البيروقراطي هو خير ممثل للعقلانية العملية، فعندما يتصرف الموظف بصفته الرسمية فحسب، فإنه ينحي كافة توابع الهوية الاجتماعية المستقلة، من روابط عائلية، ومشاعر وعواطف، ومصالح خاصة لا تتماشى مع أهداف المؤسسة.

    ولقد نجح ماكس فيبر في رسم صورة ونموذج مثالي للعمل المؤسسي المجرد عن كل شائبة من شوائب الذاتية أو المشاعر المتعارضة مع عمليات الترشيد Rationalization والعقلنة الكاملة، على أن الكتاب لا يناقش مدى تحقق هذا النموذج في كافة الأنظمة البيروقراطية المألوفة لدينا، وإنما يناقش هذا النموذج من حيث هو.

    وأنا أزعم أنه يمكنني أن أجمل هذه المناقشة في سؤالين أساسيين. أولهما: ما مدى مشروعية استقلال العقلانية العملية ممثلة في النظام البيروقراطي عن سائر الاعتبارات الإنسانية في سياق حضاري؟ وهل يعفي هذا الاستقلال الظاهري أعضاء هذه البيروقراطية من المسؤولية الأخلاقية في الدوائر المتجاوزة لدائة السلم الإداري؟

    الثاني: ما هي الضمانات التي تحمي البيروقراطية من نفسها؟ أي ما الذي يمنعها من استبدال أهداف المؤسسة وتحويلها إلى أهداف ثانوية في مقابل تعظيم المؤسسة وجعلها غاية بحد ذاتها؟ وهل يحق لأهداف استدامة المؤسسة أن تتمادى إلى ذلك الحد على ضوء القيمة الوجودية للمؤسسة؟

    فهذان السؤالان في رأيي يتضمنان كل أسباب الفشل الحضاري للتجربة البيروقراطية ويجسدان الحمولة الأخلاقية التي تضع الإطار النموذجي للمؤسسة/الشركة في أزمة.

    وعلى كل حال، معلوم أن الصورة النموذجية للمؤسسة الفاضلة لا تواجه الآن مشكلة تحقق واقعي فحسب، وإنما تواجه أطروحات وخطوات تجديدية تتناول جوهر القضية برمتها. فمع ثورة التواصل الراهنة، ومع السرعة والتغير المستمر كقيمة كبرى لعصر ما بعد الحداثة، “يزداد عدم وضوح الحدود بين العناصر العامة والخاصة في حياتنا، وتتوقع المؤسسات المزيد من وقت أعضائها، وربما توفر لهم التسوق وشراء الهدايا لعائلاتهم- إذا شغل أحدهم درجة عليا في التراتبية الهرمية.

    لقد اتضح لنا أن هناك مراجعة لفكرة النموذج المثالي ومفهوم العقلانية بوصفها استبعادا للجوانب العاطفية في حياتنا. وربما ينصب اهتمام المؤسسة الآن على فتح أبواب الذكاء العاطفي، والاختبار السيكومتري للمرشحين… وينصب المزيد من الاهتمام على الجوانب الخاصة لحياة الموظفين… وهذا جزء من “الروح الجديدة للرأسمالية”” (ص99-100).


    ولكن ما يعنينا في هذا السياق هو أن البيروقراطية تظل أكبر مخدر أخلاقي في مجتمعنا الحديث، وذلك ما نجد ذكره بإسهاب في الفصل الرابع حيث أشير إلى أهم عاملين في ذلك:
    الأول: أن التأثير النهائي للنشاط المشترك في المؤسسة البيروقراطية أو الشركة الضخمة بعيد جدا عن مرأى معظم الفاعلين في ذلك النشاط وعن إحساسهم بالمسؤولية عنه. والثاني: هو اللامبالاة الناشئة عن الاعتياد المغيب للمسائلة الأخلاقية.

    خاتمة

    يناقش الكتاب إضافة إلى الروابط الاجتماعية، وقضايا التفاعل والإقصاء والتعايش، وما يتعلق بالهوية الاجتماعية وتكوينها، يناقش الكتاب مجموعة من القضايا الاجتماعية التي من شأنها أن تعزز لدى القارئ ملكة التفكير سوسيولوجيا: من بينها العلاقات التبادلية/التعاقدية والتراحمية، وما يتعلق بالجسد والجنسانية والصحة، ومفهوم الزمان، والتقابل بين الثقافة والطبيعة، التكنولوجيا وتأثيرها على الفعل البشري.. إلى غير ذلك. فيمكننا أن نستخلص من ذلك كله مجموعة من الرؤى الثاقبة فيما يتعلق بمجتمع العولمة وبالحداثة السائلة التي نحياها، فضلا عن الثمرة الأساسية التي يستهدفها هذا الكتاب، وهي التعريف بالتفكير الاجتماعي عمليا.
  • المعيارية: العدالة الناقصة

    المعيارية: العدالة الناقصة

    كتابةابراهيم الخطيب
    تروي الصحفية البريطانية افوا هارسك في أحد مقالاتها في جريدة الجارديان عن تجربتها في جامعة أكسفورد البريطانية، وعن حجم التمييز الذي وجهته؛ لكونها من أصول إفريقية، وتروي كيف أنها في أثناء دراستها لدرجة البكالوريوس شعرت بعزلة شديدة في بيئة جامعية يهيمن عليها أصحاب البشرة البيضاء، وأنها في أثناء إقامتها في المدينة شكّك الكثير من الناس في كونها تلتحق بجامعة كأكسفورد لا تقبل إلا أبناء النخبة في بريطانيا. وأبدت الكاتبة امتعاضها من عجز المؤسسات التعليمية عن تحقيق عدالة في توزيع أحقية القبول، ما أدى إلى نقص في تمثيل الأقليات، ما يجعل حضورهم مستغربًا في الجامعة.

    وفي إطارٍ متصل أجرت الصحيفة نفسها تحقيقًا مفصَّلاً عن تقرير لوزير تعليم سابق في الحكومة البريطانية، اتهم فيه جامعات النخب، وعلى رأسها أكسفورد وكامبردج، بالعجز عن تحقيق توزيع عادل لمقاعد القبول؛ إذ إنه يتهم الجامعتين بجعل فرص الطلاب البيض أعلى بمرتين من الطلاب من الأقليات في فرص الحصول على مقاعد دراسية.
    وهذا يطرح تساؤلًا مهمًّا عن مدى قدرة جامعات النخب في بريطانيا لتكون أكثر شمولية للأقليات في حق الالتحاق بمقاعدها الدراسية، يبرر هذا الحالة الرئيس السابق لحزب العمال البريطاني المثير للجدل جرمي كوربن -في مقابلة بثتها قناة BBC الرابعة- بأن المشكلة تكمن في وجود ما يسميه ممارسات عنصرية ممنهجة (systematic racism) في المجتمع البريطاني، والتي تخفيها منظومة من القواعد والتشريعات الخاصة التي تضع معايير تحدد أحقية الأفراد بالخدمات، هذه المعيارية، بالنسبة لكوربن، هي المصدر الأساسي للحالة الإقصائية للفئات الأقل تمثيلاً في جامعات النخب. المنظومة المعيارية، بالنسبة له أيضًا، هي كمية الطابع تُهمّش الفروقات الاجتماعية، وتزيد من حالات التفاوت الاجتماعي.

    كنت أناقش هذا الأمر مع أحد الأكاديميين البريطانيين، مجادلًا بأن مثل هذه الادعاءات غير دقيقة، وكان ردّه صادمًا لي، عارضني الصديق بأن المسار المعتاد للنخب السياسية والكثير من أبناء الطبقة فوق المتوسطة في بريطانيا بأن يلتحق أبناؤهم بمدرسة إيتون كولج أو هارو أو أي من نظيراتها في بريطانيا، هذه المدارس خاصة فائقة الثراء، لا يلتحق بها إلا أبناء الأثرياء، وغالبًا ما ينتهي المطاف بهؤلاء الطلاب أن يلتحقوا بجامعات النخب كأكسفورد أو كامبردج أو دورم أو سانت أندرو، وأكثر المسارات إثارة للجدل هو التحاق هؤلاء لدراسة برنامج البكالوريوس في الفلسفة والسياسة والاقتصاد بجامعة أكسفورد أو ما يعرف ب ( PPE )، وهو المسار المعتاد لكبار الساسة البريطانيين، وتحديدًا أعضاء حزب المحافظين؛ مثل: بوريس جونسون، وديفيد كاميرون، وغيرهم الكثير.

    يجادل صديقي، ونحن نجلس ببهو معهد التعليم بجامعة لندن، بأن هذه العنصرية مضمرة أمام عيوننا الآن، فبينما نحن جالسون كان البهو ممتلئًا بالأكاديميين، ومعظمهم، إن لم يكن جُلّهم، من ذوي البشرة البيضاء، بينما يقف على المدخل اثنان من حراس الأمن من أصول إفريقية، وتقوم بأعمال النظافة عاملة من لون بشرتها يتضح أنها من أصول إفريقية. أضاف الزميل أن الملونين في الجامعة لا تجدهم إلا في مثل هذه الأعمال، وهذا دليل على عجز كبير في النظام المعياري في تحقيق ما أسماه بالعدالة الشاملة في الفرص؛ إذ يعجز النظام عن تجاوز القواعد التنظيمية في المساوة بين الأقران غير المتساوين في التجربة الاجتماعية والمتساوين في القاعدة التنظيمية، والتي تُقاس بقيمة رياضية – كنتائج اختبارات معيارية للقبول أو غيرها، ويرى بأنه من الضروري على نظام التعليم البريطاني أن يتجاوز المعيارية في التنظيم، وأن يتبع نظامًا أكثر شمولية في توزيع الفرص، يتجاوز نتائج الاختبارات، ويحاول أن يفهم التفاوت الاجتماعي الذي قد يحرم البعض من الوصول إلى مبتغاهم. وقبل أن أعرض مآلات المعيارية، ووجهها غير العادل وبعض صورها بالمجتمع العربي؛ لعلّي أبدأ بعرض تاريخي يبين جذور المعيارية في العصر الحديث، وكيف نمت وأنتجت أشكالًا مختلفة من القواعد التنظيمية للتجمعات البشرية.

    يجادل توماس ديف أستاذ تاريخ التشريع والمعرفة المعيارية في معهد ماكس بلانك في ألمانيا بأن الحالة التي قادت البشرية لإنتاج المعرفة المعيارية تكمن في الرغبة الملحّة لاتخاذ القرار، فوجود قواعد تنظيمية تعمل كبنية تحتية للقرارات التي يتخذها الفاعلون في الإطار الاجتماعي تكون أكثر “شرعية”، وتوفر ملاذًا آمنًا لصانعي القرار بحجة شرعية ما يقومون به إن خضعت لقواعد تنظيمية معيارية، وكعادة النظرية المعرفية؛ يُسقط الباحثون على الحالة التطورية لتاريخ التشريع كونه نابعًا من جذور المعرفة الدينية، فيرون في المعارف الدينية نموذجًا أساسيًّا للمعيارية التي تهدف إلى قوننة النظم الاجتماعية.

    تطور هذا المنهج المعياري لاحقًا في الفترة الأكثر علمنة، ويتجلى هذا التطور في التوسع بتشريع العلاقات في النسق الاجتماعي، كما في القوانين والتشريعات المدنية في العصر الحديث. وبذلك تُشكّل الحالة التشريعية اللبنة الأولى والأكثر تأثيرًا بالتجمع البشري ، من خلال شعارات الحوكمة والعدالة مُورست تشريعات حولت فيها الكثير من علاقات الإنتاج (Relations of production)- أو الممارسات الاجتماعية والمادية والسياسية، فصارت مقعدة ضمن أحكام تحاول ضبط إيقاع تلك العمليات ما يؤصل تحكيم المعيارية في الكثير من الممارسات المجتمعية.
    ولعل تأصل المعيارية أصبح أكثر تجذرًا لدرجة أصبح فيها معيار التنمية والتطور المؤسسي يُقاس بالتوسع في الحوكمة؛ ما يُحوّل المعرفة المعيارية إلى حالة تشريعية مزمنة لاصقت التجمعات البشرية، واستشرت في هيكل التنظيم الاجتماعي والثقافي، ولتتحول المعيارية إلى ممارسة أصيلة لتحقيق أشكالًا من العدالة الاجتماعية.

    يكثر الحديث عن المآلات التي تنتج عن التوسع في المعيارية والحوكمة، بل وقد يسخط عليها البعض، كالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، ويرى فيها حالة من ممارسة التسلط وإعادة إنتاج القوة بين أيدي النخب الاجتماعية، بل إن فوكو اشتهر بنقده الواسع للمعايير كونها تاريخية متحولة تسعى القوى الفاعلة في المجال السياسي إلى تثبيتها، فقيم كالجنون والتمدن والعقلانية، ما هي إلا صور تاريخية لما تَعنيه هذا القيم؛ يعاد إنتاجها في المجال الاجتماعي بشكل مطرد ما يجعلها أكثر ثبوتًا، لكن هذا النقد لا يعني عدم الحاجة إلى الحوكمة، بل، كما أسلفت في هذا المقال في المعيارية، يكمن سلاح ساحر يُمكّن من تشكيل مساحات واسعة لاتخاذ القرار.

    وتجدر الإشارة إلى أن الحركة النقدية المتوحشة لدى فوكو وأتباعه قد تجعل منا متجمدين في مكاننا دون القدرة على المضي إلى الأمام. ولن أحاول أن أتقمص طريقًا ثالثًا بين المعيارية ونقدها، كما في المدرسة الاجتماعية الأنجلو أمريكية، والتي تجلت ببروز أنثويو قدن حين تواءمت أفكاره مع حكومات الوسط في أمريكا في فترة بيل كلينتون وبريطانيا في حكومة توني بلير، ولكن في الوسط يكمن المخرج لمأزق النقد اللاذع للمعيارية والحاجة للتنظيم.
    قبل استجلاب بعض النماذج الناجحة في التنظيم ومغالبة المعيارية؛ أود أن أستدعي بعض الصور الاجتماعية التي تدل على وجود إشكال هيكلية في التنظيم الاجتماعي في المجتمع العربي، وكيف أن مثل هذا التنظيم من الممكن أن يعيد إنتاج التفاوت، واحدة من أجل هذا الصور تكمن في تكدس أبناء طبقة اجتماعية ما في إطار مهني معين، فمثلاً غالبية الرياضيين هم من أصحاب لون بشرة معينة في الخليج أو تتركز مهن كحراسة الأمن أو غيرها من المهن التي لا تتطلب تميزًا تعليميًّا بين أبناء فئة اجتماعية أو أبناء مناطق معينة، وغياب هذه الفئات أو قلتهم في المهن التي تتطلب تعليمًا عاليًا، قد يعزو البعض هذا للفروقات الفردية، ولكن هنالك أنماط خفية تخلق حالة أكثر تعقيدًا من التفاوت؛ فالأبناء الذين يتربون في بيئات محدودة ماليًّا أو لآباء أقل تعليمًا يكونون أكثر عُرضة لعدم الحصول على الدعم الكافي للتوافق مع متطلبات التميز والارتقاء المجتمعي (Social mobility). بمعنى أدق مثل هؤلاء قد لا يحصلون على نفس الفرص التي يحصل عليها أبناء فئات اجتماعية أكثر وصولاً إلى الخدمات؛ سواء بسبب الفروقات المادية أو المعرفية. لذلك نجد أبناء الأطباء والمهندسين أو المدرسين أكثر قدرة على اتباع مسارات مشابهة لآبائهم، أو بمعنى أصح؛ تجد الكثير من المهن تصبح وكأنها مواريث يُورثها الآباء للأبناء، وهذا لا يعني بالضرورة وجود فساد في تطبيق القوانين والمعايير فحسب؛ بل يدل أيضًا على عدم مقدرة المعايير على قراءة التجارب الاجتماعية لخلق فرصة مكافأة بين الجميع وردم التفاوت.

    ربما ركزت كثيرًا على الفرص التعليمية في هذا المقال؛ وذلك لكونه مثلاً يوضّح أوجه المعيارية غير العادلة، وأيضًا لقناعتي الشخصية بأن التعليم هو البوابة الحقيقية والأمثل لتحقيق الارتقاء المجتمعي بين افراد المجتمع، وللتغلب على المعيارية نجد مثلاً بعض الدول كفنلندا تعمل على تحسين البرامج التعليمية في المناطق الأكثر فقرًا؛ عن طريق التوسع في برامج الدعم اللاصفية. أيضًا نجد في مؤسسات التعليم العالي في بريطانيا وأمريكا مثالًا جيدًا عن طريق تخصيص مقاعد للطلاب من الفئات الأقل تمثيلاً في المجتمع، والتأكد بأن الجامعات تحقق تمثيلاً واسعًا لكل الفئات في جميع التخصصات. في مثل هذه التشريعات تقرأ مفاهيم التفاوت على أنها سرديات تتجاوز القيم العددية للاختبارات المعيارية، وتحاول فيها المؤسسات المجتمعية أن تفكك حالة الحرمان لتؤصل عدالة اجتماعية أكثر تمثيلاً للواقع الاجتماعي، تقوم فيها هذا المؤسسات بمغالبة المعيارية لأجل مفهوم جديد للعدالة.
  • الأنماط الأفريقية في الكتابة الذاتية

    الأنماط الأفريقية في الكتابة الذاتية

    الكاتبأشيل مبيمبي
    ترجمةدعاء عبد النبي
    لقد برزت على مدى القرنين الماضيين تيارات فكرية تهدف إلى منح السلطة لعناصر رمزية معينة
    مندمجة في الخيال الجماعي الأفريقي. وقد اكتسب بعض هذه الاتجاهات أتباعاً، بينما ظل البعض
    الأخر مجرد خطوط عامة. وقليلون هم المتميزون في الثراء والإبداع، وقليلون هم الذين يتمتعون
    بقوة استثنائية. عند تقاطع الممارسات الدينية مع التحقق في المأساة الإنسانية، ظهرت فلسفة أفريقية متميزة. ولكن على الرغم من كونها محكومة في أغلبها بروايات الخسارة، فإن مثل هذا التأمل في السيادة الإلهية وتاريخ الشعوب الأفريقية؛ لم يسفر عن أي تحقيق فلسفي لاهوتي متكامل منهجي؛ بالقدر الكافي لتحديد مأسي البشر ومخالفاتهم في إطار نظري منفرد 2 . ولا تقدم أفريقيا أيضا شيء يضاهي، على سبيل المثال، الفلسفة الألمانية التي قامت من لوثر إلى هايدجر لا على التصوف الديني فحسب، بل أيضاً، وعلى نحو أكثر جوهرية، على إرادة تجاوز الحدود بين الإنسان والإله. ولا يوجد أي شيء يضاهي المسيحية اليهودية، التي بالجمع بين الرغبة والحلم، واجهت بدون وساطة تقريباً مشكلة المطلق ووعوده، والسعي وراء هذا الاخير إلى تحقيق أكثر عواقبه تطرف في مأساة ويأس، وفي الوقت نفسه التعامل مع تفرد المعاناة اليهودية على انه مقدس مع المخاطرة بجعله محرماً 3 . صحيح أنه، بعد الأمثلة من هذين السردياتين الكبيرتين فإن الأساليب الأفريقية المعاصرة لكتابة الذات ترتبط ارتباطا لا ينفصم مع إشكاليات تكوين الذات والفلسفة الحديثة للذات. ومع ذلك؛ هناك تنتهي أوجه التشابه.

    حالت عوامل مختلفة دون التطور الكامل للمفاهيم التي ربما تكون قد فسرت معنى الماضي
    الأفريقي والحاضر بالإشارة إلى المستقبل، ولكن قد يطلق على اهمها اسم التاريخانية. إن الجهد
    المبذول لتحديد الشروط التي بموجبها يمكن للذات الأفريقي أن يحقق الذات الكاملة، ويصبح واعياً بذاته، ولا يكون مسؤولاً أمام أي شخص آخر، سرعان ما واجه التفكير التاريخي في شكلين قادته إلى طريق مسدود. الأول من بين هؤلاء ما يمكن تسميته الراديكالية الأفريقية، بما تحمله من
    الأدوات والانتهازية سياسية. والثاني هو عبء ميتافيزيقا الاختلاف (المذهب الوطني). 4 استخدم
    التيار الأول للفكر – الذي احب ان يقدم نفسه علي أنه (ديمقراطي) و (راديكالي) و (تقدمي) –المقولات الماركيسية والقومية لتطوير تصور للثقافة والسياسة التي يتم فيها التلاعب بخطاب
    الاستقلالية والمقاومة والتحرير بمثابة المعيار الوحيد لتحديد شرعية الخطاب الأفريقي الأصيل 5.
    تطور التيار الفكري الثاني من خلال التركيز على (الحالة الأصلية). روجت لفكرة هوية أفريقية فريدة؛ تأسست على الانتماء إلى العرق الأسود.


    هناك ثلاثة أحداث تاريخية أساسية لكل من تياري الفكر، وتفسير هذه الأحداث على نطاق واسع:
    العبودية، والاستعمار، والفصل العنصري. وقد نسبت مجموعة معينة من المعاني القانونية إلى هذه الأحداث الثلاثة. اولاً؛ على مستوى الذات الفردية، هناك فكرة أنه من خلال عمليات العبودية
    والاستعمار والفصل العنصري، اصبحت الذات الأفريقية معزولة عن نفسها (التقسيم الذاتي). من المفترض أن يؤدي هذا الانفصال إلى فقدان الألفة مع الذات، لدرجة أن الذات، بعد أن اصبحت
    بعيدة عن نفسها، قد نزعت إلى شكل هام من الهوية (الذاتية). ليس فقط الذات التي لم تعد معترف بها من قبل الاخر؛ لم تعد الذات تتعرف على نفسها 6 .


    المعنى القانوني الثاني له علاقة بالملكية. وفقاً للسرد السائد، أدت الأحداث الثلاثة إلى نزع الملكية، وهي عملية أدت فيها الإجراءات القانونية والاقتصادية إلى مصادرة مادية. وعقب ذلك تجربة فريدة من الخضوع تميزت بتزوير تاريخ إفريقيا من قبل الآخر، مما أدى إلى حالة من القطيعة و (الاغتراب). ويقال ان هاتين المرحلتين – عنف التزوير والمصادرة المادية – هما المكونان الرئيسيان لتفرد التاريخ الأفريقي والمأساة التي هي أساسه 7 .


    أخيراً، هناك فكرة التدهور التاريخي: من المفترض أن العبودية والاستعمار والفصل العنصري قد
    أغرقوا الذات الأفريقية؛ ليس فقط في الإذلال والذل والمعاناة المجهولة ولكن أيضاً في منطقة من
    اللا وجود والموت الاجتماعي تتميز بإنكار الكرامة، الضرر النفسي الشديد وعذاب المنفي 8. هذه
    العناصر الأساسية الثلاثة للرق، والاستعمار والفصل العنصري تعمل كمركز موحد لرغبة الأفارقة
    في معرفة أنفسهم واستعادة مصيرهم (السيادة) والانتماء لأنفسهم في العالم (الحكم الذاتي).


    باتباع نموذج التأمل اليهودي في ظواهر المعاناة والصدفة والمحدودية، ربما تم استخدام هذه المعاني الثلاثة كنقطة انطلاق للتفسير الفلسفي والنقدي للصعود الطويل الظاهر نحو العدم؛ الذي شهدته إفريقيا طوال تاريخها. كان لابد من إشراك اللاهوت والأدب والسينما والموسيقي والفلسفة السياسية والتحليل النفسي أيضاً. لكن مثل هذا التركيب لم يحدث 9 . وفي الواقع؛ فإن انتاج المعاني المهيمنة لهذه الأحداث؛ كان نفسه مستعمراً من قبل التياران الأيديولوجيان اللذان تم تقديمها أعلاه – الأداة الوحيدة والتيارات الأخرى – اللذان يدعيان التحدث باسم أفريقيا ككل 10.


    في الملاحظات التالية؛ أقوم بفحص هذين التيارين في الفكر واستخلص نقاط ضعفهما. من خلال
    هذه المناقشة، وأقترح طرقاً للخروج من الطريق المسدود؛ الذي قادوا فيه التفكير في التجربة
    الأفريقية للذات والعالم. وذلك مقابل حجج النقاد؛ الذين يساون بين الهوية والعرق والجغرافيا، وأظهر كيف ان التخيلات الأفريقية الحالية للذات ولدت من ممارسات متباينة ولكنها متداخلة في
    كثير من الأحيان، والهدف منها ليس فقط تسوية النزاعات الواقعية والأخلاقية حول العالم ولكن
    لفتح الطريق ايضاً للأنماط الذاتية. من خلال التأكيد على الصدفة التاريخية وعملية تكوين الذات،
    فإن هدفي هو إعادة تفسير الذاتية على أنها زمان.

    نموذج الأدوات: التخيلات البدائية


    إن تيار الفكر الماركسي والقومي يتخلله التوتر بين العمل التطوعي والظلم. له أربع خصائص رئيسية. السمة الأولى، إنه يظهر نقصاً في التأمل الذاتي ومفهوماً فعالاً للمعرفة والعلم، بمعني أنه
    لا يوجد أي منها. المفهوم الأداتي للمعرفة والعلم، بمعنى انه لا يتم الاعتراف بأي منهما على أنه مستقل. هم لا يفيدون إلا بقدر ما يتم تعبئتهم للخدمة في الصراع الحزبي 11 . لهذا النضال الحزبي أهمية أخلاقية جوهرية، حيث يزعم أنه يعارض التحرر الثوري لقوى المحافظة 12 .


    السمة الثانية هي رؤية ميكانيكية وموحدة للتاريخ. تنسب السببية إلى كيانات خيالية وغير مرئية
    تماماً، ولكن يقال مع ذلك إنها تحدد في نهاية المطاف حياة الفرد وعمله. وفقاً لوجهة النظر هذه،
    يمكن اختزال تاريخ إفريقيا في سلسلة من الاستعباد، يتم سردها في سلسلة مستمرة. من المفترض ان يتم تحديد التجربة الأفريقية للعالم بشكل مسبق من خلال مجموعة من القوي – دائماً نفس القوي، على الرغم من ظهورها بأشكال مختلفة – والتي تتمثل وظيفتها في منع ازدهار التفرد الأفريقي، لهذا الجزء من الذات التاريخية الأفريقية لا يمكن اختزاله لأي شخص اخر.


    ونتيجة لذلك، يقال إن أفريقيا ليست مسؤولة عن الكوارث التي تحل بها. من المفترض أن ينطلق
    المصير الحالي للقارة ليس من الخيارات الحرة والمستقلة ولكن من إرث التاريخ المفروض على
    الأفارقة – الذي احترق في أجسادهم بسبب الاغتصاب والوحشية وجميع انواع الشروط الاقتصادية 13 . إن صعوبة الذات الأفريقية في تمثيل نفسها كموضوع للإرادة الحرة من المفترض أن تنطلق من هذا التاريخ الطويل من الاستعباد. يؤدي هذا البناء للتاريخ إلى موقف ساذج وغير نقدي فيما يتعلق بما يسمي النضالات من أجل التحرر الوطني والحركات الاجتماعية؛ التأكيد على العنف باعتباره السبيل المميز لتقرير المصير؛ الولع بسلطة الدولة؛ استبعاد نموذج الديمقراطية الليبرالية؛ والحلم الشعبي والسلطوي لمجتمع جماهيري 14 .


    السمة الثالثة هي الرغبة في تدمير التقاليد والاعتقاد بأن الهوية الأصلية تمنح من خلال تقسيم
    العمل الذي يؤدي إلى ظهور طبقات اجتماعية، تلعب البروليتاريا – الحضرية أو الريفية – دور
    الطبقة العاملة بامتياز 15 . يؤدي القول بأن الطبقة العاملة هي الفاعلية العملية الوحيدة القادرة على الانخراط في النشاط التحريري الشامل إلى إنكار أي تعدد محتمل لأسس ممارسة السلطة
    الاجتماعية 16 .


    اخيراً؛ تعتمد هذه المدرسة الفكرية القومية الماركسية على علاقة جدلية أساساً بالعالم، علاقة تقوم على ثلاثية من الطقوس البلاغية. تتعارض الطقوس الأولي مع التعريفات الغربية لأفريقيا
    والأفارقة ودحضها من خلال الإشارة إلى الأكاذيب وسوء النية التي يفترضونها مسبقاً. الثانية
    يستنكر ما فعله الغرب (ولا يزال يفعل) لأفريقيا باسم هذه التعريفات. والثالثة يقدم أدلة ظاهرية –من خلال استبعاد التمثيلات الغربية الخيالية لأفريقيا ودحض ادعائه باحتكار التعبير عن الإنسان
    بشكل عام – من المفترض ان تفتح مساحة يمكن للأفارقة أن يرووا فيها، أخيراً خرافاتهم الخاصة.
    يجب تحقيق ذلك من خلال اكتساب لغة وصوت لا يمكن تقليدهما لأنهما بمعنى ما خاصين
    بأفريقيا بشكل أصيل 17 .

    ومع ذلك، فإن ما قد يبدو أنه تجسيد للإرادية يصحبه هنا نقص في العمق الفلسفي ومن المفارقات عبادة للإيذاء. ومن الناحية الفلسفية، أعاد المستعمر السابق الاستيلاء على موضوعات هيجل للهوية والاختلاف كما هو موضح بشكل كلاسيكي في علاقة السيد والعبد. في حركة تتكرر مع عدم التفكير للممارسة الإثنوغرافية يخصص المستعمر السابق مجموعة من السمات التاريخية الزائفة لكيان جغرافي يندرج في حد ذاته تحت اسم عرقي. تُستخدم السمات والاسم بعد ذلك لتحديد أو تمكين التعرف على أولئك الذين بحكم امتلاكهم لتلك السمات أو تحمل هذا الاسم يمكن القول؛ إنهم ينتمون إلى المجموعة العرقية والكيان الجغرافي المحدد على هذا النحو. تحت ستار (التحدث بصوت واحد) يتم تكرار رقم (الموطن الأصلي). يتم ترسيم الحدود بين الاخر الاصلي وغير الأصلي؛ وعلى اساس هذه الحدود يمكن التمييز بين الأصيل وغير الأصيل.


    في النقد التالي؛ سأجادل (1) ان مثل هذه الروايات القومية والماركسية عن الذات الإفريقية والعالم كانت سطحية (2) نتيجة لهذه السطحية فإن صياغات الحكم الذاتي والاستقلالية التي تولدها تقوم في أحسن الأحوال على قاعدة فلسفية ضعيفة؛ و (3) ان امتيازهم للضحية على الذات مشتق، في نهاية المطاف من فهم أصلاني مميز للتاريخ – فهم للتاريخ كشعوذة. تأكيد الذات، والاستقلالية، والتحرر الأفريقي – باسمه يطالب بالحق في الذات – ليست قضايا جديدة.


    مع انتهاء تجارة الرقيق عبر المحيط الاطلسي في منتصف القرن التاسع عشر، اكتسبت الشكوك
    بين الأوروبيين بشأن قدرة الأفارقة علي حكم أنفسهم – أي، وفقاً لهيجل اكتسبت الدوافع للسيطرة
    على جشعهم المتوحش وقسوتهم 18 . وارتبطت هذه الشكوك بشك آخر أكثر جوهرية كان ضمنياً في الطريقة التي حلت بها الأزمنة الحديثة المشكلة العامة المعقدة للتغير ووضع العلامة الأفريقية داخل اقتصاد التغيير هذا. وقد استجابت كل من الحركات الخيرية الغربية والمثقفين الأفارقة في ذلك الوقت لهذا الشك من داخل نموذج التنوير 19 .


    إرث التنوير


    لاستخلاص الأثار السياسية لهذه النقاشات، ربما ينبغي أولاً أن أشير إلى المشروع المركزي في
    فكر التنوير لتعريف الطبيعة البشرية من حيث امتلاكها لهوية عامة. الحقوق والقيم؛ التي يجب أن
    يتقاسمها الجميع مستمدة من هذه الهوية العالمية في الجوهر. إنه متطابق في كل موضوع بشري؛ لأنه يحتوي على سبب في مركزه.


    إن ممارسة العقل لا تمنح الأفراد الحرية والاستقلال الذاتي فحسب، بل تمنح أيضاً القدرة على إرادة الحياة وفقاً للمبادئ الأخلاقية وفكرة الخير. الشيء الذي يجب ملاحظته هنا، هو السؤال
    بالنسبة للمفكرين الأوروبيين هو أنه خارج هذه الدائرة، لا يوجد مكان لسياسة كونية. وبالنسبة للمفكرين الأوروبيين في فترة إلغاء عقوبة الإعدام، كان السؤال المطروح حقاً هو ما إذا كان
    الأفارقة سيوضعون داخل الدائرة أو خارجها – أي ما إذا كانوا بشراً مثل كل الاخرين. بعبارة
    أخرى: هل يمكننا أن نجد بين الأفارقة نفس الشخص البشري متخفياً فقط من خلال تسميات وأشكال مختلفة هل يمكننا اعتبار أجساد الأفارقة ولغاتهم وأعمالهم وحياتهم نتاجاً للنشاط البشري كإظهار الذاتية – أي وعي مثل وعينا – من شأنه أن يسمح لنا بالنظر إلى كل منها على حدة على أنها ذات أخرى (الأنا المتغيرة).


    اقترحت مجموعة أولية من الإجابات، أن يظل الأفارقة ضمن حدود الاختلاف الوجودي المفترض.
    مدرسة الفكر التنويرية هذه – كما يتضح من المواقف التي اتخذها هيجل وكانط – حددت في
    العلامة الأفريقية شيئاً فريداً وحتى لا يمحى، يفصلها عن جميع العلامات البشرية الأخرى. أفضل
    دليل علي هذه الخصوصية كان الجسم الأسود الذي كان من المفترض الا يحتوي علي أي نوع من
    الوعي والا يكون له أي من خصائص العقل أو الجمال 20 . وبالتالي؛ لا يمكن اعتباره جسداً مؤلفاً من لحم مثل جسد المرء لأنه ينتمي فقط إلى نظام الامتداد المادي وللشيء المحكوم علية بالموت والدمار. ان مركزية الجسد في حساب التفاضل والتكامل السياسي؛ هي التي تفسر الأهمية
    المفترضة في مجرى القرن التاسع عشر من خلال نظريات التجديد الجسدي والأخلاقي والسياسي
    للسود وفيما بعد لليهود.


    وفقاً لهذا الجانب المظلم من عصر التنوير، طور الأفارقة مفاهيم فريدة للمجتمع والعالم وللصالح الذي لم يشاركوه مع الشعوب الاخرى. لقد حدث أن هذه المفاهيم لم تظهر بأي حال من الأحوال قوة الابتكار والعالمية الخاصية بالعقل. كما أن تمثيلات الأفارقة أو أرواحهم أو أعمالهم أو لغاتهم أو أفعالهم – بما في ذلك الموت – لا تخضع لأي قاعدة أو قانون يمكنهم بناءً على سلطاتهم الخاصة تصور أو تبرير معناه. وبسبب هذا الاختلاف الجذري كان من المشروع استبعادهم بحكم الأمر الواقع وبحكم القانون من مجال المواطنة الإنسانية الكاملة والتامة: فلم يكن لديهم ما يساهمون به في العمل الكوني 21 .

    حدث تحول كبير في الأنماط الأفريقية للكتابة الذاتية مع ظهور استعمار رسمي موجه من الدولة
    لأفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر. بينما استمر مبدأ الاختلاف الوجودي، أصبح الإهتمام بتقرير
    المصير مرتبطاً بحتمية (أن تصبح حضارياً). وهكذا تم إدخال انزلاق طفيف في الاقتصاد القديم
    للتبادل. لم يتم رفض فرضية عدم التشابه لكنها لم تعد قائمة فقط على فراغ الإشارة على هذا النحو. أَعطيت اسم: العرف. إذا كان الأفارقة أنواعاً مختلفة من الكائنات فذلك لأن لديهم هوية خاصة بهم. هذه الهوية لم يتم إلغاؤها. على العكس من ذلك؛ كان من المقرر إدراج الاختلاف في نظام مؤسسي متميز، نظام أصلي أجبر على العمل ضمن إطار استعماري هرمي وغير متساوي بشكل أساسي. وبعبارة أخرى؛ تم الاعتراف بالاختلاف ولكن فقط بقدر ما ينطوي علي عدم مساواة علاوة على ذلك كان يعتبر طبيعياً لدرجة أنه يبرر التمييز وفي أقصى الحالات 22 .


    في وقت لاحق واصلت الدولة الاستعمارية استخدام مفهوم العرف – أي فرضية عدم التشابه، في
    طبعة منقحة – كنمط من الحكومة في حد ذاته. تم إنتاج أشكال محددة من المعرفة لهذا الغرض؛
    كان هذا هو الحال بالنسبة للإحصاءات وطرق القياس الأخرى، كما تم نشرها في التعدادات
    وأدوات أخرى متنوعة مثل الخرائط والمساحات الزراعية والدراسات العرقية والقبلية 23 . كان
    هدفهم تقديس الاختلاف والقضاء علي تعددية وتناقض العادات 24 . كان هناك تناقض في عملية
    التجسيد هذه، من ناحية، بدأ الامر وكأنه اعتراف. ولكن من ناحية أخرى، شكل حكماً أخلاقياً، لأنه
    في النهاية تم تحديد العرف فقط بشكل أفضل للإشارة إلى مدى فشل عالم المواطن الأصلي في
    طبيعته في التوافق مع عالمنا – أنه باختصار، ليس جزءًا من عالمنا وبالتالي؛ لا يمكن ان يكون
    بمثابة الاساس لممارسة العيش معاً في مجتمع مدني.


    كان النهج الثالث الذي قدمه التنوير يتعلق بسياسة الاستيعاب. هنا، من المفيد إجراء مقارنة مع
    التجربة اليهودية. تماماً كما هو الحال مع صورة (السود)، كان الاحتجاج بشخصية اليهود كنموذج
    اصلى الاخر إلى الغرب مركزياً لمفهوم التنوير في بيلدونغ Bildung (العملية التكوينية التي يتحرك
    من خلالها الفرد نحو الاستقلال الذاتي). كان ينظر إلى اليهود على أنهم نفي لوعد التنوير بالتحرر
    من خلال استخدام العقل. من حيث المبدأ، استند مفهوم الاستيعاب إلى إمكانية وجود تجربة عالمية مشتركة بين جميع البشر – أو بالأحرى على امكانية وجود مثل هذه التجربة على أساس التشابه الأساسي بين البشر. لكن هذا العالم المشترك بين جميع البشر وهذا التشابه، لم يكن من المفترض أن يمنح مسبقاً للجميع.


    الأسود على وجه الخصوص كان لابد من تحويله إليه. كان هذا التحول هو الشرط لإدراكه
    والاعتراف به كإنسان زميل ولإنسانيته التي لا يمكن تحديدها بطريقة أخرى للدخول في العلاقة.
    بمجرد تلبية هذا الشرط، يمكن المضي قدماً في مشروع الاستيعاب، مع الاعتراف بفردانية أفريقية
    متميزة عن الهويات القبلية العامة. يمكن أن يكون الحقوق الأفريقية يتمتع بها الافراد، ليس بسبب
    خضوعهم لقاعدة العرف ولكن بسبب وضعهم كأفراد مستقلين قادرين علي التفكير بأنفسهم
    وممارسة العقل وهي القوة البشرية الخاصة 25 . للتعرف على هذه الفردية – أي هذه القدرة على تخيل أهداف مختلفة عن تلك التي تفرضها العادة –كان التخلص من الاختلاف. يجب محو هذا الاخير أو إلغاؤه إذا أصبح الأفارقة مثلنا، إذا كان من الآن فصاعداً تعتبر الذات المتغيرة. وهكذا، فإن جوهر سياسات الاستيعاب يتألف من إزالة جوهرية من الاختلاف الجمالي، على الاقل بالنسبة لفئة من السكان الاصليين؛ الذين جعلتهم تربيتهم وتنميتهم المناسبة للمواطنة والتمتع بالحقوق المدنية. وهكذا، افتتح الاستيعاب الطريق من العرف إلى المجتمع المدني ولكن؛ عن طريق الطاحونة الحضارية للمسيحية والدولة الاستعمارية 26 .


    بعد انتهاء تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر وظهور الاستعمار الرسمي، تناول النقد الأفريقي
    لأول مرة مسألة الذات من حيث الحكم الذاتي والتصوير الذاتي. ورث هذه اللحظات الثلاث، لكنه لم يخضعها إلى مفهوم نقدي متماسك. بل علي العكس من ذلك، فبالانضمام إلى برنامج التحرر
    والاستقلالية، قبلت في الغالب، المقولات الأساسية المستخدمة بعد ذلك في الخطاب الغربي لتفسير التاريخ العالمي 27 . كانت فكرة الحضارة واحدة من هذه المقولات. سمحت بالتمييز بين الانسان وغير البشري – أو الذي لم يصبح بشكل كاف حتى الآن والذي قد يصبح إنساناً إذا تم إعطاؤه تدريباً مناسباً 28 . كان يعتقد ان الثلاث اتجاهات لهذا التدريب هما التحول إلى المسيحية، ادخال اقتصاد السوق، اعتماد أشكال عقلانية مستنيرة للحكومة 29 . في الواقع، لم يكن الأمر يتعلق بفهم إلى ما أدى إلى العبودية وما تعنية بقدر ما كان الأمر يتعلق بافتراض بشكل مجرد ضرورة تحرير الذات من الحكم الاجنبي.


    من المؤكد أن المفكرين الأفارقة أخذو على محمل الجد تحدي الاضطراب الاستعماري؛ سعياً لأن
    يكونوا اسيادهم فقد استجوبوا أحياناً أخلاقيات الحداثة الاستعمارية بلهجات عامة. في أوقات اخري، سعوا إلى الحصول على الفوائد المادية للحكم الاستعماري لمصلحتهم الخاصة. كان قادة المقاومة في وقت ما من التاريخ يتنقلون بين الخيارات المبدئية والتحالفات المشبوهة. بعد (خط متعرج من مئات المسامير)، سكن معظمهم في مناطق التبعية الغامضة والمجهولة إلى حد كبير 30 . وفي استخدمهم الجدلي لأفكار الغرب، استجلبوا مفاهيم جديدة ونماذج استطراديه من أجل الدفاع عن حدود محلية جديدة وترويض ما اعتبروه تهديدات للحداثة. في هذه العملية اخترعوا رواية تحرر مبنية حول الطابع الزمني المزدوج لتقليد مجيد – وان كان ماضياً – ومستقبل مسترد (القومية) 31 .


    لكن بالنسبة إلى المفكرين الأفارقة المعاصرين، كان التحرر من العبودية معادلاً قبل كل شيء
    لاكتساب السلطة الرسمية. كان السؤال الأخلاقي والفلسفي الأساسي – أي كيفية لإعادة التفاوض
    على رابط اجتماعي أفسدته العلاقات التجارية (بيع البضائع البشرية)، وعنف الحروب التي لا
    نهاية لها والعواقب الكارثية للطريقة التي تمارس بها السلطة – كان يعتبر ثانوياً. لم يفترض النقد
    الأفريقي أن مهمته الأساسية هي التفكير السياسي والأخلاقي الفلسفي في طبيعة الخلاف الداخلي؛
    الذي أدي إلى تجارة الرقيق والسيطرة الاستعمارية. ولم يهتم كثيراً بطرق إعادة اختراع الوجود
    معاً في موقف بدا فيه فيما يتعلق بفلسفة العقل التي يدعي انه يتبناها، أن كل المظاهر الخارجية
    لحياة بشرية محتملة غير موجودة ولماذا تم تمريره للسياسة؟ كان له علاقة بالقدرة على التدمير
    والربح أكثر من أي نوع من فلسفة الحياة أو العقل.


    من المؤكد أنه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، جاءت القوميات الأفريقية لتحل محل مفهوم الحضارة بمفهوم التقدم. لكنهم فعلوا ذلك بشكل أفضل لتأييد الخصائص الغائية للعصر 32 . كان هذا هو الحال في الماركسية. رواية ماركس كلاً من موضوع التاريخ وغاياته معروفان. في هذا التقليد فإن الحدود النهائية للتاريخ هي مجتمع خال من السلع. يستلزم الغاء تسليع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية إلغاء سلطة السوق وانهيار التمييز بين الدولة والمجتمع. مثل هذه العمليات وما يترتب عليها من تكوين علاقات إنتاج جديدة قد تنطوي على منطق قسري أو حتى إرهاب. يمكن حشد هذا الاخير كوسيلة لتسهيل مرور التاريخ. أما بالنسبة لموضوع ماركس فهو موجود بالكامل كمجرد انعكاس وتأثير الانتاج المادي. العنف الثوري ينظر إليه على أنه قوة تماسك والغرض منها هو انتاج إعادة تشكيل أخلاقي للذات وتحويل وعيها وكذلك الظروف المادية 33 .


    إذا كانت نظرية ماركس في التجربة الغربية تساوي التحديث مع الحداثة وتم تصوريها كعلم فإن
    نفس السرد في السياق الأفريقي سرعان ما أصبح مرتبطاً بالسياسة كممارسة مقدسة. على هذا
    النحو تتطلب السياسة الاستسلام الكامل للفرد لمستقبل مثالي والأمل في بعث جماعي يتطلب بدوره تدمير كل ما كان يعارضها. في إطار هذا المفهوم للسياسة على أنها ألم وتضحية اعتقاد راسخ في الوظيفة المعاكسة للعنف. كقربان للحياة على المذبح العام للثورة يمكن أن يكون العنف مستبدلاً أو تعويضياً. يمكن ان يعني ايضاً التضحية بالنفس – وفي هذه الحالة ارتبط منطق التضحية بمنطق الهبه. تم نشر العنف التكفيري أو الاستبدال– وتم إطلاق العنان للموت – باسم الماركسية. تم تخفيف القتل نفسه واخفائه من خلال الإسناد إلى حقيقة أخلاقية نهائية في حين أن اثبات الفضيلة والأخلاق يكمن في الألم والمعاناة 34 .


    إن إمكانية التفكير الفلسفي السليم في الظرف الأفريقي قد تنحت جانباً ولم يبق سوي مسألة القوة الخام: فمن يستطيع أن يلقيها؟ كيف تم إضفاء الشرعية على التمتع بها؟ في تبرير الحق في السيادة وتقرير المصير والنضال من أجل انتزاع السلطة من النظام الاستعماري تم حشد فئتين مركزيتين: فمن ناحية شخصية الأفريقي كموضوع ضحية وجريح، ومن ناحية أخرى تأكيد التفرد الثقافي الأفريقي 35 . تطلب كلاهما استثماراً عميقاً في فكرة العرق وتطرف الاختلاف نفسه. في قلب نموذج الضحية ما بعد الاستعمار نجد قراءة للذات والعالم كسلسلة من المؤامرات. تعود أصول نظريات المؤامرة هذه إلى المفاهيم الماركسية 36 . التاريخ الافريقي كما يعتقد؛ ليس هناك سخرية ولا صدفة. يقال لنا أن التاريخ الأفريقي تحكمه في الأساس قوي خارجة عن سيطرة الأفارقة. يتم اختزال التنوع والاضطراب في العالم وكذلك الطابع المفتوح للإمكانيات التاريخية يتم تقليصها إلى حلقة متقطعة لا تتغير تتكرر بلا حدود وفقاً لمؤامرة تثيرها دائماً قوي خارجة عن متناول إفريقيا. يتم التعبير عن الوجود دائماً تقريباً على انه تلعثم في النهاية من المفترض أن يكون الأفريقي الأداة السلبية لتمتع الاخر. في ظل هذه الظروف لا يمكن أن تكون هناك رؤية راديكالية أكثر جذرية من تلك التي تقترح أن تنفصل أفريقيا نفسها عن العالم – الحلم المجنون بعالم خالٍ من الآخرين.


    يتم هذه الكراهية للعالم بأسره (والتي تشير إلى رغبة عميقة في الاعتراف) وهذه القراءة بجنون
    العظمة للتاريخ كخطاب (ديمقراطي) وراديكالي وتقدمي للتحرر والاستقلال – الأساس – يدعى
    بسياسات أفريقية 37 . وعلى العكس من ذلك فإن الخطاب علي النقيض من ذلك، فإن عصاب الإيذاء يعزز نمط تفكير يتسم في أن واحد برهاب الأجانب والعنصرية والسلبية. لكي يعمل هذا المنطق يحتاج إلى خرافات. يجب أن تخلق خيالاً يتحول لاحقاً إلى اشياء حقيقية. يتعين عليها انتاج أقنعة يتم الاحتفاظ بها عن طريق إعادة تصميمها لتناسب احتياجات كل فترة. ويقال إن مسار التاريخ الأفريقي يحدده العمل المشترك بين زوجين شيطانيين شكلهما عدو – وضحية. وفي هذا الكون المغلق، الذي يتكون فيه (صنع التاريخ) من القضاء علي أعدائه ينظر إلى السياسة علي أنها عملية تضحية وفي النهاية ينظر إلى التاريخ علي أنه يشارك في اقتصاد ساحر عظيم 38 .


    نثر مذهب الفطرة

    بالتوازي مع هذا التيار الفكري الذي يسعي إلى تأسيس سياسة أفريقية على مقولات الاقتصاد السياسي الماركسي (بينما ينظر إلى السياسة على أنها تضحية والتاريخ كشعوذة)، تطور تكوين بلاغي يتعلق موضوعاته الرئيسية بالهوية الثقافية. يتسم تيار هذا الفكر بالتوتر بين حركة عالمية تدعي العضوية المشتركة في الحالة الإنسانية (التشابه) وحركة معارضة خاصة. تؤكد هذه الخطوة الاخيرة على الاختلاف والخصوصية من خلال إبراز وليس الأصالة على هذا النحو ولكن مبدأ التكرار (التقليد) وقيم الأصالة. النقطة التي تلتقي فيها هاتان الحركتان السياسيتان والثقافيتان هي العرق. اسمحوا لي ان استعرض بإيجاز تاريخ إشكالية الفكر الأفريقي.


    في البداية هناك مفهوم العرق ومكانته المتميزة منذ فترة طويلة في ممارسات عرضية طارئة
    للتعرف على الصفات البشرية. تاريخياً أنشأت معظم نظريات القرن التاسع عشر علاقة وثيقة بين
    الذات البشرية والذات العرقية. تم فهم العرق على أنه مجموعة من الخصائص الفسيولوجية المرئية والخصائص الأخلاقية التي يمكن تمييزها. كان من المفترض أن تميز هذه الخصائص أنواعاً
    بشرية بخصائص مميزة 39 . علاوة علي ذلك جعلت هذه العلامات من الممكن تصنيف هذه الأنواع ضمن تسلسل هرمي كانت آثاره العنيفة ذات طبيعة سياسية واقتصادية وثقافية 40 . كما اشرت بالفعل كانت التصنيفات سائدة خلال فترة تجارة الرقيق في المحيط الأطلسي استبعدت العواقب في واقع الأفارقة من دائرة الإنسانية أو في أفضل الأحوال أعطتهم مكانة أدني في التسلسل الهرمي للأعراق.


    لقد دفع هذا الإنكار للإنسانية (أو إسناد الدونية) الاستجابات الأفريقية إلى مواقف متناقضة، وما إلى ذلك، غالباً ما يتم تبنيها بشكل متزامن 41 . هناك موقف عالمي: (نحن بشر مثل أي شخص اخر) 42 . وهناك موقف خاص: (لدينا ماض مجيد يشهد لإنسانيتنا) 43 .الخطاب بشأن الهوية الافريقية في معضلة تكافح من خلالها من اجل تحرير نفسها: هل تشارك الهوية الافريقية في الهوية الإنسانية العامة 44 ؟.ينبغي للمرء أن يصر باسم الاختلاف والتفرد علي إمكانية وجود أشكال ثقافية متنوعة في إطار إنسانية واحدة – ولكنها أشكال ثقافية لا يكون هدفها الاكتفاء الذاتي وتكون دلالتها النهائية عالمية؟ 45


    لا يمكن قياس الكثافة الدفاعية لتأكيد (نحن بشر مثل أي شخص آخر) يمكن قياس فقط فيما يتعلق بعنف الإنكار الذي يسبقه ويجعله ليس ممكناً فحسب بل ضرورياً 46 . من جانب الآخر إن إعادة التأكيد علي الهوية الإنسانية التي أنكرها الآخر، ينتمي في هذه الحالة إلى خطاب إعادة التأهيل والوظائف كوسيلة للتحقق الذاتي 47 . ولكن علي الرغم من أن الهدف من خطاب إعادة التأهيل هو التأكيد علي أن الأفارقة ينتمون أيضاً إلى الإنسانية بشكل عام إلا أنه لا يتحدى خيال العرقي 48 . أن الدفاع عن إنسانية الأفارقة يصاحبه دائماً بزعم أن عرقهم، تقاليدهم، وعاداتهم لها طابع محدد.


    في السرديات الأفريقية المهيمنة عن الذات، يعد نشر العرق عاملاً أساسياً ليس فقط في الاختلاف
    بشكل عام بل وأيضاً في فكرة الأمة، حيث من المفترض أن تخدم المحددات العرقية كأساس
    أخلاقي للتضامن السياسي. في تاريخ الانتماء الأفريقي، العرق هو الموضوع الأخلاقي وفي الوقت
    نفسه حقيقة متأصلة للوعي. الأسس الأساسية لعلم الإنسان في القرن التاسع عشر وهي التحامل
    المؤيد للتطور والإيمان بفكرة التقدم لا تزال على حالها؛ وتأميم الأمة (السوداء) وتأميم العرق
    (الأسود) يسيران جنباً إلى جنب، لا يفترقان. سواء نظرنا إلى الزنجية أو الأشكال المختلفة للنزعة
    الأفريقية في هذه الخطابات الثورة ليست ضد الأفارقة الذين ينتمون إلى عرق متميز ولكن ضد
    التحيز الذي يضع العرق في مرتبة أدني.


    العنصر التالي الذي يجب مراعاته هو التقليد والمكانة المميزة التي يحتلها في هذا التيار الفكري
    الوطني. ونقطة البداية هنا هي الادعاء بأن الأفارقة يتمتعون بثقافة أصلية تمنحهم ذاتاً خاصة غير
    قابلة للاختزال لتلك التي لدى أي مجموعة أخرى. وبالتالي؛ فإن إنكار هذه الذات وهذه الأصالة من
    شأنه أن يشكل تشويها. وعلى أساس هذا التفرد من المفترض أن تعيد أفريقيا اكتشاف علاقتها
    بنفسها ومع العالم وأن تمتلك نفسها وأن تهرب من المناطق الغامضة والعالم الغامض (القارة
    المظلمة) التي خصصها لها التاريخ. بسبب تقلبات التاريخ من المفترض أن الأفارقة تركوا التقاليد
    وراءهم. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى الوراء من اجل استعادته وهو الشرط الضروري لتجاوز
    مرحلة الذل والألم الوجودي الناجم عن الانحطاط التاريخ للقارة.


    ان التركيز علي إنشاء مخططات المرء الخاصة للسيطرة علي الذات وفهم الذات والكون وانتاج
    المعرفة الذاتية أدت جميعها إلى المطالبة ب (العلم الأفريقي) و (ديمقراطية أفريقية) و (لغة
    أفريقية) 49 . الحث على جعل إفريقيا فريدة من نوعها يتم تقديمة كمشكلة أخلاقية وسياسية واعادة اكتساب القوة لرواية قصة المرء – وبالتالي الهوية – يبدو انه مكون بالضرورة لأي ذاتية. في النهاية لم يعد الأمر يتعلق بالمطالبة بوضع الأنا المتغيرة للأفارقة في العالم ولكن بدلاً من ذلك
    التأكيد بصوت عال وبقوة على تغييرهم.


    هذا هو البديل الذي يجب الحفاظ عليه بأي ثمن. يتم الإشادة بالاختلاف ليس كعرض من أعراض
    عالمية أكبر ولكن؛ باعتباره مصدر إلهام لتحديد المبادئ والمعايير التي تحكم حياة الأفارقة في
    استقلالية كاملة وفي معارضة العالم عند الضرورة. أن النسخ الأكثر نعومة تترك الباب مفتوح أمام
    إمكانية (العمل نحو العالمية) وغثراء العقلانية الغربية من خلال اضافتها إلى (قيم الحضارة
    السوداء) أو (العبقرية الخاصة بالجنس الأسود). وهذا ما يسميه ليوبولد سنجور نقطة التقاء العطاء والاستلام التي يفترض أن تكون إحدى نتائجها خلاصة الثقافات.


    منذ القرن التاسع عشر، سعي أولئك الذين يؤكدون أن الأفارقة لديهم هويتهم الثقافية الخاصة، وأن هناك أصل أفريقي معين، إلى إيجاد طائفة عامة ومكان يمكنهم أن يرسخوا فيه نثرهم. اتضح أن المكان الجغرافي هو افريقيا الاستوائية، يحدها عالم خيالي تماماً في مواجهة التقسيم الوهمي الذي اخترعه الأوربيون وردده هيجل وآخرون 50 . بطريقة ما يجب جمع الأعضاء المفككين في هذه المدينة الخيالية معاً مرة أخرى. وبالتالي؛ فإن جسد تاريخ القارة المقطوع يتم إعادة تشكيله في ضوء الأسطورة. جرت محاولة لتحديد موقع الافريقية في مجموعة من الخصائص الثقافية المحددة التي تخص الإثنولوجية ومن المتوقع أن يتقدم البحث. ينطلق التأريخ القومي بحثاً عن البقية المفقودة في الإمبراطوريات الأفريقية القديمة وفي مصر الفرعونية 51 . في نثر الأصلانية (وكذلك في بعض إصدارات السرديات الماركسية والقومية) تم تأسيس شبه تكافؤ بين العرق والجغرافية.

    تشتق الهوية الثقافية من العلاقة بين المصطلحين حيث تصبح الجغرافيا الموقع المميز الذي من المفترض أن تتجسد فيه مؤسسات وقوة العرق (الأسود) 52 . وتحدد الأفريقية علي وجه الخصوص؛ المواطن الأصلي والمواطن من خلال اتصافهم بالسود. في هذه الأساطير لا يصبح السود مواطنين؛ لأنهم بشر يتمتعون بحقوق سياسية ولكن بسبب عاملين خاصين: لونهم وسلطة مميزة. يتم دمج الأصالة العرقية والاقليمية وتصبح أفريقيا أرض السواد. نظراً لأن التفسير العرقي هو أساس علاقة مدنية مقيدة فإن كل ما ليس أسوداً هو في غير محله وبالتالي؛ لا يمكن أن يدعي أي نوع من الإفريقية. الجسد المكاني والجسد العرقي والجسد المدني هم من الآن فصاعداً يشهد كل منهم على أصل مجتمعي أصلى يكون بموجبه كل من الأرض أو يشارك نفس اللون أو الأجداد أخاً او أختاً.

    فكرة أفريقية ليست سوداء هي ببساطة فكرة غير واردة. من هنا جاءت استحالة تصور وجود أفارقة من أصل أوروبي أو عربي أو آسيوي على سبيل المثال أو أن الأفارقة قد يكون لهم اصول متعددة. إحدى نتائج تجارة الرقيق في المحيط الأطلسي هي أن السود يعيشون في أماكن بعيدة هل يمكن أن نأخذ في الحسبان تسجيلهم داخل أمة محددة عنصرياً وجغرافياً عندما فصلتهم الجغرافيا والتاريخ عن المكان الذي جاء منه أسلافهم؛ لأن الفضاء الجغرافي الأفريقي يشكل الوطن الطبيعي للسود أولئك الذين سلبتهم العبودية يجب أن يعودوا إلى أرض ابائهم… ويكونوا في سلام 53 .


    المرآة المحطمة

    لقد رأينا للتو ان الخطابات الأفريقية المهيمنة على الذات تطورت ضمن نموذج عنصري.
    وباعتبارها خطابات انعكاسية فهم يرسمون سلطتهم الأساسية الأفريقية من الأساطير؛ التي يزعمون أنها تعارض وتعيد إنتاج انقساماتهم: الفرق العنصري بين الأسود والأبيض؛ المواجهة الثقافية بين الشعوب المتحضرة والمتوحشة؛ التعارض الديني بين المسيحيين والوثنيين. الاقتناع بأن العرق موجود وهو أساس الأخلاق والجنس. لقد تم إدراجهم في سلسلة نسب فكرية تستند إلى هوية إقليمية وجغرافيا عرقية إلا أن أسطورة العنصرية تحجب حقيقة أنه في حين أن جشع الرأسمالية العالمية قد يكون أصل المأساة. فإن فشل الأفارقة في السيطرة علي طمعهم الإنتهازي وقسوتهم الخاصة أدي أيضاً إلى العبودية والقهر 54 . والأهم من ذلك وراء حلم التحرر السياسي وخطاب الاستقلال الذاتي كانت هناك عملية شاذة أدت إلى تعزيز شعور الأفارقة بالاستياء إزاء الوقوع ضحية.

    من بين كل المحاولات التي بذلت خلال القرن العشرين لكسر هذا الحلم الفارغ فإن هذا الاسلوب المنهك في التفكير كان هناك محاولتان ذات أهمية خاصة لمناقشتنا. في البداية؛ هناك جهود لتفكيك التقاليد (وبالتالي أفريقيا نفسها) من خلال اظهار أن أفريقيا قد اخترعت 55 . ومن وجهة النظر هذه، فإن أفريقيا في حد ذاتها لا توجد إلا على أساس النص الذي يظهرها كخيال للآخر. ثم يتم منح هذا النص قوة هيكلية إلى درجة أن الذات التي تدعي التحدث بصوتها الحقيقي دائماً ما تتعرض لخطر الحكم عليها بالتعبير عن نفسها في خطاب مسبق يخفي خاصتها أو يلومها أو يجبرها على التقليد. وهذا يعني أن أفريقيا لا توجد إلا علي أساس مكتبة موجودة من قبل وهي مكتبة تدخل وتلمح إلى نفسها في كل مكان حتى في الخطاب الذي يدعي دحضها لدرجة أنه فيما يتعلق بالهوية والتقاليد الأفريقية أصبح من المستحيل الآن التمييز بين الأصل والنسخ 56 . يمكن قول الشيء نفسه عن أي مشروع يهدف إلى فصل أفريقيا عن الغرب.


    في سياق ذي صلة طرح طريق ثاني إشكالية الهوية الأفريقية باعتبارها هوية قيد التكوين 57 . ومن
    وجهة النظر هذه لم يعد ينظر إلى العالم على أنه تهديد. بل أن الأمر على العكس من ذلك، فقد
    تخيلنا شبكة واسعة من التقارب. وخلافاً للأساطير الاجتماعية فإن الرسالة الأساسية هنا، هي أن
    بوسع كل شخص أن يتخيل ويختار ما يجعله أو يجعلها أفريقياً.


    إلى حد كبير كل من هذه الانتقادات مدفوعة باعتبارات منهجية. أنهم لا يتطرقون إلى جوهر
    المسألة: كيف يمكن التعامل مع الاشباح التي يستحضرها اتباع القومية الأصلية وما يسمى
    بالراديكاليين في محاولاتهم الخاصة لتهجين الهوية الأفريقية – في نفس الوقت الذي تظهر فيه
    الممارسات الابداعية والاجتماعية للفاعلين الأفارقة؛ أن أنظمة أخرى من الواقع يجري تأسيسها. أو
    بعبارة أخرى كيف ينبغي لنا أن نتصور بإبداع وبطريقة غير متجانسة الدلالات متعددة الأغراض
    المكونة من العبودية والاستعمار والفصل العنصري؟


    على المستوي الفلسفي يجب إعطاء الأولوية لاستجواب نموذج التاريخ الذي تبلور بالفعل والذي لا يمكن للمرء إلا أن يمر به أو يتكرر – ولمعالجة ما فلت من هذا القرار في التجارب الأفريقية
    الفعلية للعالم. على مستوى أكثر انثروبولوجيا، يجب أن يواجه الهوس بالتفرد والاختلاف بنظرية
    التماثل. ومن أجل الابتعاد عن الاستياء والرثاء بسبب فقدان خاصية الاسم يجب أن نفسح مجالاً فكرياً لإعادة التفكير في تلك الفترات الزمنية التي تتفرع دائماً في نفس الوقت نحو عدة مستقبلات
    مختلفة وبذلك نفتح الطريق أمام امكانية تعدد الأسلاف.


    اخيراً؛ على الصعيد الاجتماعي يجب اعطاء الاهتمام للممارسات اليومية المعاصرة؛ التي يتمكن
    الأفارقة من خلالها من التعرف على الفة غير مسبوقة والحفاظ عليها مع العالم – وهي ممارسات
    يخترعون من خلالها شيئاً خاصاً بهم ويجذب العالم بشكل عام 58 .


    اسمحوا لي ان افحص بإيجاز بعض الاستفسارات الفلسفية الحقيقية المهملة بواسطة النقد الأفريقي في تفكيره في الرق والاستعمار والفصل العنصري. والسؤال الاول الذي ينبغي تحديده يتعلق بوضع المعاناة في التاريخ – وهو مختلف الطرق التي تلحق بها القوى التاريخية الأذى النفسي بالهيئات الجماعية، والطرق التي يتشكل بها العنف ذاتيا. وهنا اعتبر من المناسب اجراء مقارنة مع التجارب التاريخية الأخرى 59 .


    في الواقع تمثل المحرقة، العبودية، والفصل العنصري أشكالاً من الألم الأصلي. فجميعها تتميز
    بمصادرة الذات من قبل قوي لا يمكن وصفها. في كل حالة تتخذ القوى أشكالاً مختلفة. ولكن في
    المجمل، فإن التسلسل المركزي هو نفسه: حيث يقابل التسمم الأخلاقي الذي تستدعيه إدارة القتل الجماعي مثل الصدى، وضع الحياة بين فجوتين بحيث لا يعود الشخص يعرف ما إذا كان ميتاً أو حياً. هذا المزيج من العداء المدمر وتفكيك الذات يشكل التضاريس المشتركة من قبل هذه الأحداث الثلاثة. والواقع أن الأحداث الثلاثة تشكل في النهاية شاهد ضد الحياة نفسها. وبحجة أن الأصل والعرق هما معيار أي نوع من التقييم فإنهما يهتمان بالحياة. السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن إنقاذ الحياة من هذه العملية السلبية المستمرة؟


    المسألة الثانية تتعلق بعمل الذاكرة ووظيفة النسيان. هل من الممكن الجمع بين العبودية والاستعمار والفصل العنصري كذكرى؟ أي أنه ليس في نوع من التميز بين ما قبل وما بعد الأحداث أو ماضيها ومستقبلها بل فيما يمكن تسميته القوة الوراثية لهذه الاحداث – الكشف عن استحالة عالم بدون عالم آخر وثقل المسؤولية الخاصة التي تقع على عاتق الأفارقة أنفسهم في مواجهة المأساة (التي ليست العنصر الوحيد!) في تاريخهم. وهنا تكتشف المقارنة بين التجارب الأفريقية والتجارب اليهودية عن اختلافات عميقة. وعلي النقيض من الذاكرة اليهودية للهولوكست ليست هناك علي نحو صحيح ذاكرة أفريقية للرق؛ 60 أو إذا كانت هناك مثل هذه الذاكرة فإنها تتميز بالحيود (الانحراف). 61 في أفضل الأحوال تعتبر العبودية جرحاً يعود معناه إلى مجال اللاوعي وبكلمة واحدة السحر 62 . وعندما تبذل جهود للتذكر الواعي فإنها لم تفلت إلا نادراً من التناقض؛ الذي يميز الإشارات المماثلة في سياقات تاريخية أخرى 63 .


    وهناك سببان لهذه الصعوبة في مشروع تخليد ذكرى الرق. اولاً، بين ذكري الرق بين الأمريكيين
    الأفارقة عن العبودية وذاكري الأفارقة القاريين هناك منطقة غامضة تخفي صمتاً عميقاً – صمت
    الذنب ورفض الأفارقة مواجهة الجانب المزعج من الجريمة التي تنطوي مباشرة على مسؤوليتهم
    الخاصة. ذلك لان مصير العبيد السود في الحداثة لا يرجع فقط إلى الإرادة الاستبدادية وقسوة
    الآخر، على الرغم من ثبوت ذنب الآخر. والدلالة البدائية الأخرى هي قتل اخ علي يد اخ (حذف
    المقطع الأول من اسم العائلة) في عبارة جاك لا كان – باختصار المدينة المقسمة. على طول مسار الأحداث التي أدت إلى العبودية هذا هو المسار الذي تحاول أن تمحوه الخطابات الأفريقية المهيمنة عن الذات.


    الاستئصال هنا مهم لأنه يمكن عمل الوهم بأن زمن العبودية والبؤس كانت واحدة على جانبي
    المحيط الأطلسي. وهذا غير صحيح. وهذه المسافة هي التي تمنع الصدمة والغياب والخسارة من
    أن تكون واحدة علي جانبي الأطلنطي 64 . طالما أن الأفارقة القاريون يهملون إعادة التفكير في الرق– ليس مجرد كارثة كانوا ضحاياها فحسب، بل كنتيجة لتاريخ لعبوا دوراً فعالاً في صياغته – فإن الدعوة إلى العرق باعتباره الأساس الأخلاقي والسياسي للتضامن ستتوقف إلى حد ما على سراب الوعي 65 .


    التحدي الثاني لاستعادة الذاكرة هو من نوع اخر. وفي اجزاء معينة من العالم الجديد يقمع أحفاد
    العبيد الافارقة ذكرى الرق. والدراما العائلية التي أدت إلى المأساة وكذلك بؤس وجودها في الوقت الحاضر تنكر باستمرار. لا شك أن هذا الإنكار لا يعادل النسيان في حد ذاته. وهو في الوقت نفسه
    رفض الاعتراف بأسلاف الشخص ورفض تذكر فعل يثير مشاعر العار. وفي ظل هذه الظروف،
    لا تكون الأولوية في الواقع إعادة الاتصال بالذات وبأصولها 66 . ولا يتعلق الأمر باستعادة علاقة
    كاملة وايجابية مع الذات، لأن هذه الذات قد تعرضت للضرر والإهانة بما يتجاوز أي حد. ولأن
    رواية الرق قد حكم عليها بأن تكون في حالة خمول فإن شبح يضطهد الموضوع ويطارده ويكتب
    على اللاوعي له لغة جسد يجب قمعها باستمرار. فالوجود في الوقت الحاضر يستلزم نسيان اسم
    الأب في نفس الفعل الذي يدعي المرء أنه يطرح فيه مسألة الأصل والنسب. وهذا هو الحال بشكل
    خاص في جزر الأنتيلAntilles )) 67 .


    الثغرة الثالثة في التفكير الفلسفي الأفريقي حول الأحداث الثلاثة هي مسألة رمزية المنفي. ويستخدم هذا التعبير المجازي لمعسكر الاعتقال لمقارنة حالة العبودية بمأزق يهود أوروبا فضلاً عن مقارنة العلاقات بين العرق والثقافة في الوعي الحديث، على مستوى أكثر عمومية. ولكن هذه المقارنة تتسم بشيء من التسرع والسطحية 68 . في الحقيقة، الخيال اليهودي يتأرجح باستمرار بين مجموعة من الأساطير المتناقضة والتوترات غير المحلولة ولكنها مثمرة- أسطورة الاستبداد مقابل واقع التشريد القسري، والحقيقة التجريدية للتشريد مقابل الوعد بالعودة – باختصار، فترة زمنية معلقة تكمن فيها الرؤية المزدوجة للشتات وإسرائيل، وغياب الأرض لا يعني بأي حال من الأحوال انقطاع الاستمرارية اليهودية. واخيراً، بعيداً عن الطوارئ والتجزئة والإرهاب، كان كتاب،
    التوراة، وهو نص يعاد تسجيله على نحو مستمر من خلال عملية التفسير والتعليق.


    خلف ظهور هذا التمزق، فإن تجربة العبيد الأفريقية في العالم الجديد تعكس هوية متشابهة إلى حد ما، حتى لو اختلفت أشكال التعبير عنها، وعلى الرغم من عدم وجود كتاب على هذا النحو. مثلهم مثل اليهود في العالم الأوروبي يتعين عليهم أن يرووا أنفسهم وأن يرووا العالم وأن يتقربوا من هذا العالم من موقع حياتهم وعملهم وطريقتهم في التحدث (اللغة) تكاد لا تكون واضحة مغطاة كما لو كانت ملامحهم شبحية. عليهم أن يبتكرون فن الوجود في خضم الحرمان – علي الرغم من أنه بحلول هذا التاريخ يكاد يكون من المستحيل إعادة سحر الماضي وإلقاء سحر علي الحاضر (ربما باستثناء التعبير المنسجم عن جسد يتم تحويلة باستمرار من الوجود إلى المظهر، من الاغنية إلى الموسيقي) 69 . ولكن بعد قول ذلك سينتهي التشابه. وعلي النقيض من المحرقة، فإن تجارب الشعوب السوداء من العبودية في العالم الجديد وغيره من الأماكن لم تفسر بأي حال من الأحول – فلسفياً أو سياسياً أو ثقافياً – مما يبرز إمكانية تأسيس نظام عالمي 70 .


    لقد قللت الانتقادات الماركسية والقومية من شأن مجموعة واسعة من التجارب الأفريقية من الغزو الاستعماري. ولقد اثبت التاريخ الحديث أن الأفارقة قدموا إجابات مختلفة تماماً للخيارات التي فرضتها عليهم أوروبا بسبب الغزو، وقال إن الانقسامات الاجتماعية التي تشكلت على مدى فترة تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي قد زادت حدة في ظل الاستعمار. وأدت المصادر الجديدة
    للثروة المكتسبة في أوج تجارة الرقيق وعواقبها إلى قلب النظام الاجتماعي؛ الذي كان قائماً من
    قبل. وتشككت الديانتين التوحيديتين الرئيسيتين؛ الإسلام والمسيحية في الأسس الكونية للمجتمعات المحلية. مع تصاعد العنف السياسي والابتزاز خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تم تحرير ممارسة السلطة من الوساطة من خلال أي خطاب للمسؤولية السياسية. وأدت التحولات في علاقات القوة التي تفاقمت بسبب حروب الخلافة المحلية، إلى أزمة شاملة في السلطة. وفي معظم الأماكن يمكن القول أن التقدم الاستعماري في المناطق الداخلية من القارة اتخذ طابع ثورة العبيد الزاحفة 71 .


    من نواح عديدة كان الاستعمار اختراعاً مشتركاً. كان نتيجة للعنف الغربي وكذلك عمل سرب من
    المساعدين الأفارقة الذين يسعون لتحقيق الربح. حيث كان من غير العملي استيراد المستوطنين
    البيض لاحتلال الأرض، جعلت القوي الاستعمارية عموماً السود استعمار المتجانسين الخاصة بهم
    باسم الامة الحضرية Metropolitan. بشكل أكثر حسماً، (غير صحي) على الرغم من أنها قد
    تبدو للناقد، يجب الاعتراف بأن الاستعمار مارس قوة إغواء قوية للأفارقة على المستوي العقلي
    والأخلاقي لا يقل عن المستوى المادي. وقد وعد النظام الاستعماري بإمكانات متعددة للارتقاء إلى
    أعلى. ولا أحد يستطيع أن يجزم بما إذا كانت مثل هذه الوعود قد تحققت بالفعل. وأدى الاستعمار بوصفه نسيجاً منكسراً ومعاد تشكيله إلى ما لا نهاية على نشوء يوتوبيا – هلوسة مشتركة بين
    المستعمرين والمستعمرين 72 .


    وتكفي الامثلة المذكورة لتوضيح أن اللجوء إلى الوسائل وعدم معالجة هذه المسائل المحورية بشأن الحياة – أشكالها وامكانياتها وما ينكرها – النقد الأفريقي، يسيطر عليه الاقتصاد السياسي والنزعة القومية، قد حدد منذ البداية البحث عن الهوية السياسية ضمن نطاق عملي بحت وفي إطار زمني قصير الاجل. وعندما طرحت اسئلة اثناء أوج الاستعمار عما إذا كان الحكم الذاتي ممكناً لم يكن الهدف ابداً هو تناول المسألة العامة المتعلقة بالوجود والزمان – وبعبارة أخرى؛ الحياة – ولكن بدلاً من ذلك تيسير كفاح السكان الاصليين للسيطرة على جهاز الدولة. أن القدرة على المخاطرة بحياة المرء أي بعبارة هيجل؛ القدرة علي وضع حد لحالة العبودية وإعادة الولادة من جديد كموضوع للعالم – يظهر في نثر التوثيق الذاتي. وفي النهاية، يمكن القول إن كل شيء هنا يأتي إلى أسفل ذلك، هيكل منحرف: الأصولية.


    الذات ، المدينة والمدينة العالمية Self, Polis, and Cosmopolis

    اذاً اين نحن اليوم؟ ما هي طرق تصور الهوية في العمل وما هي الممارسات الاجتماعية التي
    تنتجها؟ ولكن ماذا حدث لمناطق الإيذاء والعرق والتقاليد؟

    اولاً، يجب أن أشير إلى أن مواضيع مناهضة الإمبريالية قد استنفدت. غير أن هذا لا يعني أن
    الشعور بالاضطهاد قد تجاوز. في الواقع، تم إحياء النقاش ضد الإمبريالية خلال ثمانينيات
    وتسعينيات القرن العشرين في شكل نقد لبرامج التكيف الهيكلي والمفاهيم الليبرالية الجديدة لعلاقة الدولة بالسوق 73 . ولكن في الفترة الانتقالية، واجهت ايديولوجية الوحدة الأفريقية واقع الدول الوطنية التي على عكس الحكمة المستلمة تبين أنها أقل اصطناعاً مما كان يعتقد. وكان التطور الأكثر أهمية هو التقاطع الناشئ بين المواضيع القديمة المناهضة للإمبريالية (الثورة) و(مناهضة الاستعمار) وبين اطروحات أصحاب النزعة الوطنية المعادية للإمبريالية. والآن تتجمع شظايا هؤلاء المعارضين للعولمة لإعادة إطلاق ميتافيزيقا الاختلاف وإعادة إحياء التقاليد وإحياء الرؤية المثالية للهوية الأفريقية المتشابهة مع السواد.


    كما شهد موضوع العرق تحولات كبرى. كانت الحالة المتطرفة في جنوب أفريقيا (وغيرها من
    المستعمرات الاستيطانية) سبباً لدفع الناس لفترة طويلة في الغرب وفي أفريقيا إلى تصور مفاداه أن المعارضة القطبية بين السود والبيض تلخص في حد ذاتها القضية العرقية برمتها في افريقيا. ومع ذلك، فإن ذخيرة الخيال العرقي ورمزية الدم التي تشكلت على اساسها اتسمت دائما بتنوعها الشديد. فعلي مستوي المعارضة البسيطة بين السود والبيض، كانت الانقسامات العرقية الأخرى تعمل دوماً على وضع الأفارقة في مواجهة بعضهم البعض. ويمكن هنا أن نعدد ليس فقط أكثر الناس وضوحاً– الافارقة السود في مقابل الأفارقة من أصول عربية أو جنوب اسيوية أو يهودية أو صينية – بل وأيضاً مجموعة الاشخاص الأخرين الذين يمكن أن يشهدوا على مجموعة الألوان وضمهم إلى مشاريع الهيمنة: الافارقة السود في مقابل الكريول Creoles، اللبنانيون – السوريون، الملونون والبربر Berbers والطوارق Tuaregs والبرازليون من أصل افريقي Afro-Brazilians
    والفولاني Fulanis؛ امهارس Amharas مقابل اورومو Oromos؛ والتوتسيس Tutsis ضد
    الهوتوس Hutus لأعطى بعض الأمثلة التوضيحية.


    الحقيقة – بغض النظر عن التعريف الذي يعطيه المرء لهذا المفهوم – كانت الوحدة العرقية في
    أفريقيا دائماً أسطورة. ولكن هذه الأسطورة تنهار حالياً تحت تأثير عوامل داخلية (وخارجية)
    مرتبطة بصلات بين المجتمعات الافريقية والتدفقات الثقافية العالمية. فحتي لو ظل التفاوت في
    السلطة وامكانية الوصول إلى الملكية قائماً (ناهيك عن القوالب النمطية للعنصرية والعنف)، فإن
    فئة البياض لم تعد لها نفس المعاني التي كانت لها في ظل الاستعمار أو الفصل العنصري. على
    الرغم من أن حالة البيض لم تصل إلى نقطة من الانسيابية المطلقة التي من شأنها أن تفصلها مرة
    واحدة وإلى الابد عن أي ذكر للسلطة والامتيازات والقمع، فمن الواضح أن تجربة الأفارقة من
    أصل أوروبي اتخذت جوانب أكثر تنوع في جميع انحاء القارة أكثر من أي وقت مضي. لم تعد
    الأشكال التي تصور بها هذه التجربة – ليس فقط من قبل البيض أنفسهم ولكن أيضاً من قبل الآخرين – هي نفسها. وهذا التنوع يجعل من هوية الأفارقة المنحدرين من أصل أوروبي هوية
    مشروطة و محددة . 74


    ويمكن أن يقال نفس الشيء عن الافارقة من أصل جنوب آسيوي أو لبناني – سوري، حتي وأن
    اختلفت الظروف التاريخية التي اصبحوا فيها مواطنين وموقفهم علي الخريطة الاجتماعية عن
    مواقف البيض والسود 75 . تشير حالة أبناء شمال أفريقيا من أصل عربي إلى حدوث تحولات في
    مجال حقوق الإنسان.


    من جانب تستمر العلاقات والتأثيرات التاريخية بين المغرب العربي المتوسط وأفريقيا جنوب
    الصحراء الكبرى في القمع وسردها في الفولكلور باستمرار. رسمياً كمسألة سياسة دولة؛ الهوية
    المغربية هي عربية إسلامية. ومع ذلك؛ وبالنظر إلى النطاق التاريخي، يمكن أن ينظر إليها علي
    أنها تنطلق من مزيج توفيقي بين الصحراء والبربر وشبه الجزيرة العربية، وحتي المساهمات
    اليهودية والتركية 76 .من ناحية أخرى، كان الإسلام بمثابة مصطلح لمصفوفة اجتماعية ثقافية يتم من خلالها الالتزام بنفس العقيدة والانتماء إلى طائفة دينية واحدة لا تلغي علاقة العقيدة، كما نري في موريتانيا، أو في الشرق في المنطقة العربية النيلية (السودان علي وجه الخصوص).


    ما يمكن أن نراه هو أن رمزية الدم والألوان تتواصل تدريجياً. وكما هو الحال في أجزاء أخرى من
    العالم يتقاطع وينتج العرق والطبقة، والعرق والجنس في أفريقيا وينتج آثار العنف، على الرغم من
    التناقض المتأصل في مثل هذه العمليات. وبشكل عام، يمكن القول إن أشكال الوعي العرقي تتغير
    في جميع انحاء القارة. يعمل انتاج الهويات العرقية خارج المعارضة الثنائية السوداء / البيضاء
    بشكل متزايد وفقاً للمنطق العارض المميز حيث تفقد الحدود القديمة الجانب الميكانيكي وتتضاعف فرص التجاوز. ومن نواحٍ عديدة، يظهر عدم استقرار الفئات العرقية على أن هناك عدة أنواع من البياض والسواد 77 .


    أنا أركز هنا على مجمل التقاليد ويستند مشروع إعادة سحر التقاليد على مجموعة من الأفكار
    المجزأة والممارسات الاجتماعية – على تصور يستمد مرجعيه من المصادر المحلية والعالمية. اقوى نواقل هذا الخيال هي الحركات المجتمعية. وعلى النقيض من وجهة النظر الكونية والعالمية، التي تميل إلى التأكيد على القدرة على فصل نفسها عن أي نوع من الجوهر، فإن هذه الحركات تستمد قوتها من إعادة تأهيل المنشأ. والفكرة هي انه لا توجد هوية لا تؤدي بطريقة ما إلى تساؤلات حول الأصول والارتباط بها بغض النظر عن تعريفها أو مقدار الخيال الذي قد يكون
    متأصلاً في هذا التعريف.


    الاختلاف فيما يتصل بالأصول من المفترض ان يكون نقطة البداية للوعي بالهوية. ولكن من
    المتوقع في الوقت نفسه أن تترجم كل هوية من هذا القبيل إلى مصطلحات إقليمية. في الواقع؛
    بالنسبة لهذه الطريقة في التفكير لا توجد هوية بدون حدود إقليمية – الوعي الحي بالمكان والسيطرة عليه سواء عن طريق الولادة أو الغزو أو الاستيطان. يمكن العثور على الاقليمية في اوضح
    مظهرها في المواطن المحلية – أو بعبارة أخري، المنزل والمساحة الصغيرة والتركة الموروثة
    حيث يتم تعزيز العلاقات المباشرة والمتقاربة من خلال العضوية في علم الانساب المشترك. هذه
    هي المصفوفة الحقيقية أو المفترضة التي تعمل كأساس للمساحة المدنية ؛ في الواقع، الجنازات
    والدفن هي واحدة من الطرق الرئيسية لطقوس العضوية في المجال المدني كما هو منصوص عليه داخل المنزل 78 . ويمكن بالتالي ملاحظة أنه تنشأ المواطنة من مجموعة من المقولات الايديولوجية (الانتماء والأصول) والمقولات المكانية (الاقليم والموقع)، التي يمكن تعريفها بأنها القدرة على التمتع بمسكن والقدرة على استبعاد الأجانب من هذا التمتع والحق في الحماية والوصول إلى مجموعة من السلع والموارد الجماعية الموجودة في الحيز المحدد على هذا النحو.


    إن مصطلحات القرابة المستخدمة في عملية المطالبة بالمواطنة هذه – أي العلاقات من قبيل النسب والنسل والتراث – يمكن تحويلها في إطار عمليات العولمة المعاصرة إلى مواد قابلة لإعادة
    التدوير. ومن وسائل هذا التحويل المعجم الدولي للحقوق. وسواء كان الحق الذي يحتج به حجة
    معينة يشير إلى حماية البيئة أو إلى مطالبات الأقليات أو الشعوب الأصلية فإن الاستراتيجية في كل
    حالة تتمثل في تأكيد هوية مجروحة. تم تشكيل الجرح في أفريقيا المنحدرة ويتجسد هذا الجرح في حرمان مجتمع منفصل من حقوق محددة يحاول استعادتها من خلال اللجوء إلى المعجم الدولي. وهناك وسيلة أخرى لإعادة سحر التقاليد وإعادة تدوير الهويات المحلية التي أصبحت في المقدمة الآن، الا وهي السوق. دور السوق في هذه العملية واضح بشكل خاص في سياقات السياحة وسياسة التراث.


    دول الحرب وأنظمة السيادة الإلهية


    ولكن إذا دخلت عمليات التبادل الرمزي العالمية في الذاتية الافريقية (من بين مستويات أخرى)
    على تحويل الهويات إلى سلعة تحت شعار التقاليد، واحدة من المواقع الرئيسية لقد تبين أن وساطة كتابة الذات بين التدفقات العالمية والممارسات المحلية لإعادة سحر التقاليد كانت حرباً، أو بعبارة أدق حالة حرب. أن حالة الحرب في أفريقيا المعاصرة والتي تتجاوز مجرد النظر في جوانبها التجريبية (على سبيل المثال، تشكل الميليشيات وخصخصة العنف وتجارة الاسلحة والتهريب)، لابد وأن ننظر إليها في واقع الأمر باعتبارها تجربة ثقافية عامة تعمل على تشكيل الهويات، تماماً كما تفعل الأسرة، والمدرسة، وغير ذلك من المؤسسات الاجتماعية. وعلى نحو أكثر حسما تستدعي حالة الحرب أنظمة ذاتية يجب استكشافها بإيجاز.


    ويمكن اعتبار أول آثار حالة الحرب الدخول إلى منطقة من عدم الوضوح. هذه مساحة تقع خارج
    نطاق سلطة الانسان حيث تختفي الحدود بين سيادة القانون والفوضى وتصبح القرارات حول
    الحياة والموت تعسفية تماماً ويصبح كل شيء ممكناً 79 . في معظم مناطق الحرب المعاصرة في
    أفريقيا يتميز الانحدار إلى عدم التميز بدرجة غير مسبوقة من التعذيب، التشويه، والقتل الجماعي 80 . والانتشار بشكل تدريجي شظايا الإرهاب في المساحات الشاسعة، مما أدي إلى تدمير الاطر الزمنية المرجعية وتقليل الامكانيات المتاحة للأفراد لتحقيق أنفسهم كموضوعات مستمرة 81 . أن ما ينتج عن ذلك من اثارة للمعاناة لا يؤدي إلا إلى تعزيز هذه العملية من خلال توريث الذكريات المؤلمة.


    يمكن رؤية الرعب من الاصابة الجسدية في كل مكان. الصدمة أصبحت شبه دائمة والذاكرة
    مغروسة جسدياً في اجسام تحمل علامات تدميرها، وتتحرك عبر مشهد عام من التجزئة والتدهور
    الاقتصادي. في العديد من الاماكن اخذت الحياة شكل رحلة مستمرة. يترك المرء مكاناً ما ويؤسس نفسه في مكان آخر ليزحزح الإرهاب ويواجه ظروفاً لا يمكن التنبؤ بها، ويجبر علي الاستقرار
    مرة اخرى حيث يمكن المرء أن يستقر 82 .


    والأثر الثاني الذي ينبغي ملاحظته هو بعد التضحية بالحرب 83 . كما هو موضح في اماكن أخرى،
    في عدة مناطق من القارة، يسير التفكيك المادي للأطر الاقليمية القائمة جنباً إلى جنب مع ظهور
    اقتصاد الحرب (والحرب كاقتصاد عام) التي لم تعد فيها النزاعات العنيفة تعني بالضرورة أن من
    يملكون اسلحة يعارضون بعضهم البعض. ومن المرجح أن يعارض العديد من الصراعات من
    يملكون الاسلحة ومن لا يملكونها. وفي تلك السياقات ينتج عن ذلك انفصال ملحوظ بين الناس
    والأمور وتتجاوز قيمة الاشياء قيمة الناس. وتتمثل الأهداف الرئيسية لأشكال العنف الناتجة في
    التدمير المادي للناس (مذابح المدنيين والإبادة الجماعية ومختلف أنواع التشويه) والاستغلال
    الأساسي للموارد المعدنية 84 . تنبع معظم هذه الأحداث من فكرة التاريخ كعملية التضحية.


    لكلمة تضحية معنيان: (وضع حياة المرء تحت تصرف شخص أخر، والقتل من أجل سبب ما)
    والقتل الجماعي (الإبادة الجسدية لعدد لا يحصى من الأرواح البشرية). فمن ناحية، تعني التضحية
    بالذات أن الشخص سيقتل اناسا اخرين مرتبطين ب (العدو). المرء يقبل أن يقتل أحداً اثناء هذه
    العملية؛ يعتقد المرء أنه في مثل هذا الموت يوجد جوهر الحياة. ومن ناحية أخرى، تشكل المجزرة العلامة الاعظم في كل من السيادة وما اطلق عليه جورج باتالي Georges Bataille الإنفاق 85 . أكثر من أي شيء اخر فإنه يرسم حدود مبدأ المنفعة – وبالتالي فكرة الحفاظ علي حياة البشر. أن المذبحة تدشن سيادة الخسارة من خلال الدمار المذهل والإهدار الدموي للبشر.


    ومن خصائص الجثث الحقيقية، الأشياء الميتة أنها تبدو جميعها متجمدة في الماضي. وتنشأ
    الشكوك حول ما إذا كانت هذه الكائنات الحية التي تبدو علي قيد الحياة حية حقاً أو ما إذا كانت
    مجرد جثث رمزية لما كان حياً من قبل والآن مجرد مرايا محطمة علي حدود الجنون والإذلال 86 .
    أن وظيفة هذا العنف الشهواني ليست الصاعقة أو حتي الإبهار 87 . ولا يشكل جزءاً من عملية استهلاكية من التأنيب والاكتئاب. ولم تعد هذه العملية تتعلق بالاستيلاء على الأخر أو تحويلة إلى ممتلكات وبضائع كما حدث في فترة الحكم لتجارة الرقيق الأطلسي وبعدها. بدلا من ذلك بل هو
    مسألة إلغاء فكرة الدين المستحق للحياة 88 .


    ولكن في الفعل الذي ينطوي على قتل عدد لا يحصي من الضحايا يسعي عامل المذبحة ايضاً إلى
    تجاوز الذات وإعادة اختراعها. فبسبب خوفه سار عملاً فنياً نحتته القسوة. وبهذا المعني تصبح حالة الحرب جزءاً من الممارسات الأفريقية الذاتية الجديدة. ومن خلال التضحية يحول الشخص
    الأفريقي ذاتيته وينتج شيئاً جديداً – شيئاً لا ينتمي إلى مجال الهوية المفقودة التي يجب العثور عليها مرة أخرى بأي ثمن بل شيئاً مختلفاً جذرياً شيئاً مفتوحاً للتغيير لا تزال نظريته ومفرداته قيد
    الاختراع 89 .


    السمة الثالثة لحالة الحرب التي ستناقش هنا هي صلتها بعاملين محددين سبق تحديدهم في تجارب الرق والفصل العنصري وهما: الحياة والممتلكات. الحياة هي عامل هنا إلى الحد الذي يسمح فيه حالة الحرب بممارسة السلطة، حتى القوة المجردة في اقصى الحدود وبطريقة مطلقة. ونتيجة لهذا فإن الحسابات التي تحكم الممارسات الثقافية والسياسية لم تعد تهدف إلى اخضاع الافراد بقدر ما تهدف إلى الاستيلاء على السلطة في الحياة ذاتها. وتتمثل وظيفته في الغاء أي فكرة عن النسب وبالتالي أي دين يتعلق بالماضي. وهنا يبرز تصور أصيل للسيادة لا يقل مجال ممارسته عن الحياة في عموميتها. قد يخضع الأخير إلى التجربة أي الموت البيولوجي. ولكن من الممكن ايضاً أن ينظر إليها باعتبارها مرهونة على نفس النحو الذي يتم به رهن الاشياء في اقتصاد عام تسرد فيه مذابح ومجازر على غرار رأس المال والعمل والقيمة الفائضة كما تم توظيفها في النموذج الماركسي الكلاسيكي.


    وإلى جانب حالة الحرب هناك شكل أخر من أشكال الخيال الذي يتم من خلاله التلاقي بين العالمي والمحلي وهو شكل دولة الدين (قانون الدين). وعلى هذه الجبهة كان التطور الأكثر أهمية في الربع الأخير من القرن العشرين هو النمو غير المسبوق للمسيحية الخمسينية بين القطاعات الشعبية والنخبة الحضرية في أفريقيا. وكان من الأهمية بمكان في هذا التوسع وجود أربعة هياكل للمعنى يوفر كل منها وسيلة للتفاوض النفسي، وصياغة الذات، والمشاركة مع العالم ككل. هذه هي: هبة الالسنة (القدرة علي التحدث باللغات السماوية والبشرية) هبة الشفاء الإلهي والنبوءة أخلاق القداسة روح الازدهار 90 .


    في أفريقيا المعاصرة، فإن علاقة الموضوع بالسيادة الإلهية هي التي تعمل بمثابة المزود/ الرئيسي
    للمعاني لمعظم الناس. ويمكن القول بذلك على الرغم من أن التشكيلات الخطابية المختلفة التي تم ترسخ رمزيتها في السلطة الدينية ابعد ما تكون عن التجانس. وفي كل مكان تقريباً ترتبط
    الممارسات المعاصرة التي تحاكي أو تنظم في إطارها القوة الالهية بعملية إعادة اختراع الذات
    والمدينة بمعناها المزدوج – مدينة الأرض ومدينة السماء (المملكة). ولا يعكس هذا التصنيف
    مجرد انقسام بين هذا العالم وما وراءه. كما أنه يشير إلى كيفية نشوء الذات من التفاعل بين عالم
    التجربة وما لا يمكن اختزاله فيه. ومن خلال طقوس محددة واحتفالات من مختلف الأنواع أصبحت الممارسات الدينية موقعاً تتشكل فيه شبكات جديدة من العلاقات الغير بيولوجية بين أفراد الأسرة في نفس الوقت الذي تتغير فيه مفاهيم السيادة الإلهية والرعاية وظهور عقائد جديدة.


    والأهم من ذلك أن تطوير التصور الديني الجديد يقوم على حشد ثلاثة ايديولوجيات رمزية
    Ideosymbolic يتضح سيطرتها على المفاهيم المعاصرة للذات المثالي وهي: ممارسة الكاريزما
    (التي تجيز ممارسة النطق والتنبؤ والتملك والشفاء)؛ منطق التضحية (الحداد والجنازات) واخيراً،
    مجال المعجزة (أي الاعتقاد بأن كل شيء ممكن). الكاريزما مثيرة للاهتمام بشكل خاص من حيث
    أنها تشمل اتجاهين متناقضين على ما يبدو. فهي تمثل، من ناحية ذروة الفردية بالإضافة إلى الخبرة المشتركة. علي الرغم من أنه ليس من المفترض أن يكون كل عضو في الجماعة قد وهب هدايا نبوية في حد ذاتها ومع ذلك يتم منح كل واحد الوصول دون عوائق إلى مصدر السلطة نفسه – النعمة الإلهية 91 . من ناحية أخرى، علامات الكاريزما منح سلطة متميزة ومستقلة تمارس على أفضل وجه لخدمة المجتمع. وممارسة هذه السلطة تضع صانع المعجزات في علاقة هرمية مع أولئك الذين لم ينعموا بنفس السحر ونفس المعرفة. وتجري محاولة لإدارة (العالم الحقيقي) على أساس الاقتناع بأن كل الرموز تشير في المقام الأول إلى نظام غير مرئي من الكون السحري وينتمي الحاضر قبل كل شيء إلى تسلسل يفتح على كل شيء مختلف.


    واخيراً؛ اسمحوا لي أن أشير إلى مشكلة موضوع الرغبة في اقتصاد كقوة تحول أخرى في
    الممارسات الافريقية المعاصرة للتكوين الذاتي 92 . يمكن القول بأن مواقع ونواقل هذا الخيال من الاستهلاك هي إلى حد كبير مماثلة لتلك الموجودة في أماكن اخرى من العالم. ولكن هناك تطوراً واحداً على وجه الخصوص يستحق تقديراً خاصاً هنا. هذه هي الظاهرة بكل جوانبها المتعددة لاقتصاد السلع المرغوبة المعروفة، والتي يمكن رؤيتها احياناً والتي يريد المرء أن يتمتع بها، ولكن لن يستطيع الوصول إليها مادياً ابداً. هناك عنصر من الخيال لهذه السلع المرغوبة. اذ في حالة الندرة المزمنة، فإن العامل الحاسم في تشكيل الذاتية ليس الإكمال الفعلي لعلاقات التبادل على المستوي المادي. وعندما يصبح الاستحواذ على السلع المرغوبة التي لا يمكن الوصول إليها واستهلاكها امراً اشكالياً تنشأ أنظمة ذاتية اخرى.


    وحيثما يسود النقص والندرة يمكن أن يتم الاستيلاء على السلع المرغوبة عن طريق النهب
    والاستيلاء العنيف. وغذا لم يحدث ذلك؛ فلن يتسنى تحقيقه إلا من خلال تداخلات الظل في عالم
    الوهم 93 . وهكذا تركز الأوهام على الاشياء الخيالية البحتة. يتم تحفيز قوى الخيال وتكثفها بسبب عدم توفر الاشياء المرغوبة. وتستند ممارسات النهب ومختلف اشكال أنشطة المرتزقة والسجلات المختلفة لتزييف الحقائق إلى اقتصاد يحرك مشاعر مثل الجشع والحسد والغيرة والتعطش للغزو. وهنا يستوعب مسار الحياة في لعبة الحظ، يانصيب يستعمر فيها الأفق الزمني الوجودي من خلال الحاضر المباشر وبحسابات عشوائية قصيرة المدى. في الممارسات الشعبية المتمثلة في الاستحواذ على تدفقات التبادل العالمي، يتم تطوير طقوس الانبساط، هي طقوس تتكون من محاكاة الدلالات الرئيسية للاستهلاك العالمي.


    خاتمة

    حتى الآن فشلت محاولات تحديد الهوية الأفريقية على نحو منظم ومرتب. ومن المرجح أن المزيد
    من المحاولات سيلقى نفس المصير طالما ظلت الانتقادات الموجهة إلى التصورات الأفريقية للذات والعالم محاصرة داخل مفهوم الهوية كجغرافيا – وبعبارة أخرى الزمن كمكان. وقد أدى هذا الخلط إلى اتهام واسع النطاق للمفاهيم المزدوجة وهما العالمية والكونية وبدلاً من ذلك، الاحتفال بالأصولية – وهذا هو بناء الذات المفهومة من حيث كل التضحية والتشويه. أحد الآثار الرئيسية لهذا الفهم للوقت والذاتية هو أن الفكر الأفريقي قد أصبح يتصور السياسة أما على غرار استعادة الطبيعة الأساسية ولكن المفقودة – تحرير الجوهر – أو كعملية تضحية.


    ومن المؤكد أنه لا توجد هوية أفريقية يمكن تسميتها بمصطلح واحد أو يمكن تسميتها بكلمة واحدة أو تصنيفها ضمن فئة واحدة. الهوية الأفريقية لا وجود لها كمادة. يتم تشكيلها في أشكال مختلفة من خلال سلسلة من الممارسات ولا سيما ممارسات الذات 94 . لا اشكال هذه الهوية ولا مصطلحات الخاصة بها هي دائماً متطابقة ذاتياً. بدلاً من ذلك، فإن هذه الأشكال والمصطلحات هي متنقلة قابلة للعكس وغير مستقرة. ونظراً لتلاعب لهذا العنصر فمن غير الممكن اختزاله في نظام بيولوجي بحت قائم علي الدم أو العرق أو الجغرافيا. كما لا يمكن اختزالها إلى العرف إلى الحد الذي يكون فيه معنى هذا الاخير يتغير باستمرار 95 .


    ولكن الآن أصبح الخطاب المألوف والمبتذل عن عدم المصداقية وعدم الاستقرار وعدم التحديد
    مجرد وسيلة أخرى غير كافية للتعامل مع التصورات الأفريقية عن الذات والعالم 96 . لم يعد كافياً التأكيد على أن الذات الأفريقية وحدها التي تتمتع بالقدرة على التوليف السردي – أي القدرة على إنتاج أكبر عدد ممكن من القصص بأكبر عدد ممكن من الأصوات – يمكن أن تحافظ على التناقض والتداخل في تعدد المعايير والقواعد المميزة لعصرنا.


    ولعل خطوة واحدة للخروج من هذا المأزق تتمثل في إعادة صياغة مفهوم الزمن من حيث علاقته
    بالذاكرة والذاتية 97 . ولان الوقت الذي نعيش فيه مجزأ بشكل أساسي، فإن مشروع استعادة الذات بشكل جوهري أو التضحية بالذات محكوم عليه بالفشل. إن الممارسات المتباينة والمتقاطعة غالباً، والتي يعمل الأفارقة من خلالها على صياغة سلوكهم وحياتهم، هي وحدها قادرة على تفسر كثافة صنع الحاضر الأفريقي.


    1 – Ato Quayson and Ruth Marshall‐Fratani critiqued an earlier version of this essay.
    Sarah Nuttall, Françoise Vergès, Carol Gluck, and Candace Vogler offered additional
    comments. Sustained encouragement came from Bogumil Jewsiewicki, Pierre Nora,
    Carol A. Breckenridge, Arjun Appadurai, and Dilip Parameshwar Gaonkar. Excerpts
    were presented at conferences in Cape Town in August 2000; Patna in February 2001;
    and Evanston, Illinois, in March 2001.

    2 – See, e.g., Fabien Eboussi Boulaga, Christianisme sans fétiche: Révélation et domination
    (Paris: Présence africaine, 1981); Jean‐Marc Ela, Le cri de l’homme africain: Questions
    aux chrétiens et aux églises d’Afrique (Paris: L’Harmattan, 1980), and Ma foi d’africain
    (Paris: Karthala, 1985); and Valentin Y. Mudimbe, Tales of Faith: Religion as Political
    Performance in Central Africa (London: Athlone, 1997).
    3 – See Gershom Scholem, Aux origines religieuses du judaïsme laïque: De la mystique
    aux Lumières, ed. Maurice Kriegel (Paris: Calmann‐Lévy, 2000); Yitzhak F. Baer,
    Galout: L’imaginaire de l’exil dans le judaïsme, trans. Marc de Launay (Paris:
    Calmann‐Lévy, 2000); Hannah Arendt, The Jew as Pariah: Jewish Identity and Politics
    in the Modern Age (New York: Grove, 1978); and Sylvie Anne Goldberg, La Clepsydre:
    Essai sur la pluralité des temps dans le judaïsme (Paris: Albin Michel, 2000).
    4 – To be sure, the two currents of thought adhere to no single theory of identity, politics,
    or culture. For different critiques, see Amady A. Dieng, Hegel, Marx, Engels et les
    problèmes de l’Afrique noire (Dakar: Sankoré, 1978); Bogumil Jewsiewicki, Marx,
    Afrique et Occident: Les pratiques africanistes de l’histoire marxiste (Montreal: McGill
    University, Centre for Developing‐Area Studies, 1985); and Valentin Y. Mudimbe, The
    Idea of Africa (Bloomington: Indiana University Press, 1994), 41–46. See also Mudimbe,
    Parables and Fables: Exegesis, Textuality, and Politics in Central Africa (Madison:
    University of Wisconsin Press, 1991), 166– 91. It can further be argued that in its attempt
    to reconceptualize the problem of the subject, African feminism does not fundamentally
    alter the dominant African Marxist, nationalist, or nativist understandings of subjectivity
    or concepts of human intentionality. See, e.g., Amina Mama, Ayesha Imam, and Fatou
    Sow, eds., Engendering African Social Sciences (Dakar: CODESRIA, 1997); and Ifi
    Amadiume, Re‐inventing Africa: Matriarchy, Religion, and Culture (London: Zed,
    1997).
    5 – This approach contrasts with the politics of black radical activity in the United States
    during the twentieth century. In the latter case, attempts were made to organically conjoin
    Marxism and Black Nationalism, to develop a praxis that would attend to both class and
    race in promoting social transformation. See, for example, Cedric J. Robinson, Black
    Marxism: The Making of the Black Radical Tradition (Chapel Hill: University of North
    Carolina Press, 2000); and the essay by Brent Hayes Edwards, “The ‘Autonomy’ of
    Black Radicalism,” Social Text, no. 67 (2001): 1–12.
    6 – Whether discussing it under the term alienation or deracination, it is francophone criticism
    that has most fully conceptualized this process. See, in particular, Frantz Fanon, Black Skin,
    White Masks [Peau noire, masques blancs], trans. Charles Lam Markmann (New York:
    Grove, 1967); Hamidou Kane, L’aventure ambiguë (Paris: Julliard, 1961); and Fabien
    Eboussi Boulaga, La crise du Muntu: Authenticité africaine et philosophie (Paris: Présence
    africaine, 1977), and Christianisme sans fétiche.This approach contrasts with the politics of
    black radical activity in the United States during the twentieth century. In the latter case,
    attempts were made to organically conjoin Marxism and Black Nationalism, to develop a
    praxis that would attend to both class and race in promoting social transformation. See, for
    example, Cedric J. Robinson, Black Marxism: The Making of the Black Radical Tradition
    (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2000); and the essay by Brent Hayes
    Edwards, “The ‘Autonomy’ of Black Radicalism,” Social Text, no. 67 (2001): 1–12.

    7 – This is particularly applicable to English‐language studies of Marxist political
    economy, anthropology, or history. Sometimes these also rely on nationalist and
    dependentist theses. See, e.g., Claude Aké, A Political Economy of Africa (Harlow,
    England: Longman, 1981); Walter Rodney, How Europe Underdeveloped Africa
    (Washington, D.C.: Howard University Press, 1981); and, on a more general level, Samir
    Amin, Le développement inégal: Essai sur les formations sociales du capitalisme
    périphérique (Paris: Editions de Minuit, 1973).
    8 On the problematics of slavery and reparation, see J. F. Ade Ajayi, “The Atlantic
    Slave Trade and Africa,” and “Pan‐Africanism and the Struggle for Reparation,” in
    Tradition and Change in Africa: The Essays of J. F. Ade Ajayi, ed. Toyin Falola
    (Trenton, N.J.: Africa World Press, 2000). Cf., for a more subtle and sophisticated
    interpretation of slavery and its impact, Orlando Patterson, Slavery and Social Death: A
    Comparative Study (Cambridge: Harvard University Press, 1982); and, on “dispersion”
    as seen from the other side of the Atlantic, Paul Gilroy, The Black Atlantic: Modernity
    and Double Consciousness (Cambridge: Harvard University Press, 1993).
    9 To be sure, attempts have occasionally been made at such a project. Apartheid has been
    the subject of constant biblical interpretation. See, among others, Allan Boesak, Black
    and Reformed: Apartheid, Liberation, and the Calvinist Tradition: Sermons and
    Speeches, comp. Mothobi Mutloatse, ed. John Webster (New York: Orbis, 1984); and
    Desmond Tutu, Hope and Suffering (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1984).
    Colonization has also been the subject of such interpretations. See, e.g., Oscar
    Bimwenyi‐Kweshi, Discours théologique négro‐africain: Problème des fondements
    (Paris: Présence africaine, 1981); and Ela, Le cri de l’homme africain and Ma foi
    d’Africain.
    10 See, e.g., Thandika Mkandawire and Charles C. Soludo, Our Continent, Our Future:
    African Perspectives on Structural Adjustment (Trenton, N.J.: Africa World Press, 1999).
    11 See, e.g., Jacques Depelchin, “African Anthropology and History in the Light of the
    History of FRELIMO,” Contemporary Marxism, no. 7 (1983): 69–88.
    12 This tendency took shape during the last quarter of the twentieth century in ideological
    production issuing not only from national institutions, such as the University of Dar‐es‐
    Salaam (Tanzania), but also from regional ones, such as the Southern African Political
    Economy Series (SAPES) Trust, based in Harare (Zimbabwe), and continental ones, such
    as the Council for the Development of Social Science Research in Africa (CODESRIA),
    based in Dakar (Senegal). For a theorization, see Claude Aké, Social Science as
    Imperialism: The Theory of Political Development (Ibadan: Ibadan University Press,
    1982), and Revolutionary Pressures in Africa (London: Zed, 1978).
    13 See the ideological criticisms of structural adjustment programs and the continuous
    conceptual dependence on a developmentalist paradigm in Thandika Mkandawire and
    Adebayo Olukoshi, eds., Between Liberalization and Oppression: The Politics of
    Structural Adjustment in Africa (Dakar: CODESRIA, 1995).
    14 On social movements, see Mahmood Mamdani and Ernest Wamba‐dia‐Wamba, eds.,
    African Studies in Social Movements and Democracy (Dakar: CODESRIA, 1995). On
    the populist critique of liberal democracy, see Claude Aké, The Feasibility of Democracy
    in Africa (Dakar: CODESRIA, 2000); and Issa G. Shivji, The Concept of Human Rights

    in Africa (London: CODESRIA, 1989), and Fight My Beloved Continent: New
    Democracy in Africa (Harare: SAPES Trust, 1988).
    15 See, e.g., Mahmood Mamdani, ed., Uganda: Studies in Labour (Dakar: CODESRIA,
    1996); Issa G. Shivji, Class Struggles in Tanzania (London: Heinemann, 1976).
    16 One recent example is Mahmood Mamdani, Citizen and Subject: Contemporary
    Africa and the Legacy of Late Colonialism (Princeton, N.J.: Princeton University Press,
    1996). See also Mamdani, Politics and Class Formation in Uganda (New York: Monthly
    Review Press, 1976).
    17 See, e.g., Paul Tiyambe Zeleza, A Modern Economic History of Africa, vol. 1, The
    Nineteenth Century (Dakar: CODESRIA, 1993), and Manufacturing African Studies and
    Crises (Dakar: CODESRIA, 1997).
    18 See Georg Wilhelm Friedrich Hegel, The Philosophy of History, trans. John Sibree
    (Buffalo, N.Y.: Prometheus, 1991), 91–99.
    19 To be sure, Enlightenment discourse on race was not univocal. Nevertheless, it can be
    said that, for the most part, its thinkers joined in debate on common discursive terrain.
    As Paul Gilroy shows, the extensive debate as to whether “Negroes” should be accorded
    membership in the human family was central to the formation of the modern episteme.
    See Gilroy, “Race Ends Here,” Ethnic and Racial Studies 21 (1998): 838–47. See also
    Susan Buck‐Morss, “Hegel and Haiti,” Critical Inquiry 26 (2000): 821–65; and, more
    generally, Emmanuel Chukwudi Eze, ed., Race and Enlightenment: A Reader
    (Cambridge, Mass.: Blackwell, 1997).
    20 On the centrality of the body in Western philosophy and its status as the ideal unit of
    the subject, the site of the recognition of his or her identity, see Maurice Merleau‐Ponty,
    Phénoménologie de la perception (Paris: Gallimard, 1945), 81–234. On the “weight” of
    the body of the colonized, see Fanon, Black Skin, White Masks, 110–13.
    21 On this point and the preceding discussion, cf. Olivier Le Cour Grandmaison, Les
    citoyennetés en Révolution, 1789–1794 (Paris: Presses universitaires de France, 1992);
    Pierre Pluchon, Nègres et Juifs au XVIIIe siècle: Le racisme au siècle des lumières
    (Paris: Tallandier, 1984); Charles de Secondat, Baron de Montesquieu, De l’esprit des
    lois (Paris: Garnier‐Flammarion, 1979); Voltaire, Oeuvres complètes (Paris: Imprimerie
    de la Société littéraire et typographique, 1785); and Immanuel Kant, Observations on
    the Feeling of the Beautiful and Sublime, trans. John T. Goldthwait (Berkeley:
    University of California Press, 1965).
    22 The most fully realized institutional form of this economy of alterity was the system of
    apartheid, in which the hierarchies were biological in nature. A less extreme version was
    “indirect rule,” a not very onerous form of domination which, in the British colonies,
    made it possible to exercise authority over natives with few soldiers by making use of the
    natives’ passions and vices. Cf. Lucy Philip Mair, Native Policies in Africa (London:
    Routledge, 1936); Frederick John Dealtry, Baron Lugard, The Dual Mandate in British
    Tropical Africa (London: Blackwood and Sons, 1980).
    23 See “Number in the Colonial Imagination,” chap. 6 in Arjun Appadurai, Modernity at
    Large: Cultural Dimensions of Globalization (Minneapolis: University of Minnesota
    Press, 1996). For a study of the appropriation of these techniques by postcolonial elites,
    see Thongchai Winichakul, Siam Mapped: A History of the Geo‐Body of a Nation
    (Honolulu: University of Hawai‘i Press, 1994).

    24 This was done notwithstanding the fact that “custom” varied radically from place to
    place. As was the case elsewhere, “custom” became the trope for social order in African
    societies thought to be outside of history, devoid of individuals. It could, from the
    colonial moment on, be reproduced through the force of law. On similar experiences in a
    different part of the colonized world, see Nicholas B. Dirks, “The Policing of Tradition:
    Colonialism and Anthropology in Southern India,” Comparative Studies in Society and
    History 39 (1997): 182–212.
    25 In practice, the new subjects created by the politics of assimilation were cast as
    homogeneous reproductions of the metropolitan subject. Christopher Miller rightly states
    that the “theory and practice of assimilation stressed continuity with the metropolitan
    country and the reproduction of ‘her’ values, while ignoring or denying the truly
    profound break that colonial subjects were experiencing in relation to their own
    cultures” (Miller, Nationalists and Nomads: Essays on Francophone African Literature
    and Culture [Chicago: University of Chicago Press, 1998], 122). As Fanon makes clear,
    race would remain the barrier between the assimilé and Frenchness; the amount of
    Frenchness available to the colonized would be restricted by biology. See Black Skin,
    White Masks, chap. 5.
    26 Even when the postulate of equality among human beings was admitted, colonization
    was sometimes justified in the name of “civilization.” See, among others, Alexis de
    Tocqueville, De la colonie en Algérie (Brussels: Editions Complexe, 1988). On the
    ambiguities of French assimilation policies, see Alice L. Conklin, A Mission to Civilize:
    The Republican Idea of Empire in France and West Africa, 1895–1930 (Stanford, Calif.:
    Stanford University Press, 1997).
    27 Cf. the essays in Henry S. Wilson, ed., Origins of West African Nationalism (London:
    Macmillan– St. Martin’s Press, 1969).
    28 Cf., e.g., Marie Jean Antoine Nicolas de Caritat, Marquis de Condorcet, “Réflexions
    sur l’esclavage des nègres,” in Oeuvres (Paris: Firmin‐Didot, 1849).
    29 See Edward W. Blyden, Christianity, Islam and the Negro Race (Edinburgh:
    Edinburgh University Press, 1967).
    30 See Shula Marks, The Ambiguities of Dependence in South Africa: Class,
    Nationalism, and the State in Twentieth‐Century Natal (Johannesburg: Ravan, 1986).
    31 See Jomo Kenyatta, Facing Mount Kenya: The Tribal Life of the Gikuyu (London:
    Secker and Warburg, 1938); and John Lonsdale, “Jomo, God, and the Modern World,” in
    African Modernities? Duration and Disjuncture, ed. Jan‐Georg Deutsch, Peter Probst,
    and Heike Schmidt (London: James Currey, in press).
    32 In later modernity, Western philosophical criticism has begun moving away from some
    of the most radical Enlightenment propositions. See Jürgen Habermas, The Philosophical
    Discourse of Modernity: Twelve Lectures, trans. Frederick Lawrence (Cambridge: MIT
    Press, 1987).
    33 Karl Marx, Capital, A Critique of Political Economy, vols. 1 and 3, trans. Ben Fowkes
    (Harmondsworth, England: Penguin, 1976, 1981). On violence see Leon Trotsky,
    Terrorism and Communism: A Reply to Karl Kautsky, 2d English ed. (Ann Arbor:
    University of Michigan Press, 1961). For critiques, see Maurice Merleau‐ Ponty,
    Humanism and Terror: An Essay on the Communist Problem, trans. John O’Neill
    (Boston: Beacon Press, 1969); and Hannah Arendt, La crise de la culture; Huit exercices

    de pensée politique [Between Past and Future: Eight Exercises in Political Thought],
    trans. Patrick Lévy (Paris: Gallimard, 1972), 28–57.
    34 See, for instance, the texts collected in Aquino de Bragança and Immanuel Wallerstein,
    eds., The African Liberation Reader (London: Zed, 1982).
    35 See Nnamdi Azikiwe, Renascent Africa (London: Cass, 1969); Kwame Nkrumah, I
    Speak of Freedom: A Statement of African Ideology (London: Heinemann, 1961);
    Amilcar Cabral, Revolution in Guinea: Selected Texts (New York: Monthly Review
    Press, 1970).
    36 This is especially the case with respect to notions of witchcraft. See Peter Geschiere,
    The Modernity of Witchcraft: Politics and the Occult in Postcolonial Africa, trans.
    Geschiere and Janet Roitman (Charlottesville: University Press of Virginia, 1997).
    37 See Archie Mafeje, “Africanity: A Combative Ontology,” CODESRIA Bulletin 1
    (2000): 66–71. For different views, see, in the same issue, Wambui Mwangi and André
    Zaiman, “Race and Identity in Africa: A Concept Paper,” 61–63; Fabien Eboussi
    Boulaga, “Race, Identity, and Africanity,” 63–66; and Mahmoud Ben Romdhane, “A
    Word from a Non‐Black African,” 74–75.
    38 This is something that the vernacular language fully recognizes, but that the Marxist lexicon
    nevertheless prevents African intellectuals from naming as such. See, e.g., Ernest
    Wamba‐dia‐ Wamba, “Mobutisme après Mobutu: Réflexions sur la situation actuelle en
    République Démocratique du Congo,” Bulletin du CODESRIA, nos. 3, 4 (1998): 27–34.
    39 Cf. Immanuel Kant, Anthropology from a Pragmatic Point of View, trans. Victor Lyle
    Dowdell (Carbondale, Ill.: Southern Illinois University Press, 1978).
    40 See Pierre Guiral and Emile Témime, eds., L’idée de race dans la pensée politique
    française contemporaine: Recueil d’articles (Paris: Editions du CNRS, 1977).
    41 With regard to the other side of the Atlantic, see Brent Hayes Edwards, “The Uses of
    Diaspora,” Social Text, no. 66 (2001): 45–75.
    42 Cf. the importance of this theme in Fanon, Black Skin, White Masks. See also Aimé
    Césaire, Discours sur le colonialisme (Paris: Présence africaine, 1955); and, more
    generally, Léopold Sédar Senghor’s poetry.
    43 See, e.g., Cheikh Anta Diop, Antériorité des civilisations nègres: Mythe ou vérité
    historique? (Paris: Présence africaine, 1967).
    44 On this, see Fanon’s last pages, Black Skin, White Masks.
    45 This is Léopold Sédar Senghor’s thesis. See Senghor, Liberté I: Négritude et
    humanisme (Paris: Seuil, 1964), and Liberté III: Négritude et civilisation de l’universel
    (Paris: Seuil, 1977).
    46 Cf. the problematics of race in the United States as discussed in Charles W. Mills,
    Blackness Visible: Essays on Philosophy and Race (Ithaca, N.Y.: Cornell University
    Press, 1998), and Lewis R. Gordon, ed., Existence in Black: An Anthology of Black
    Existential Philosophy (New York: Routledge, 1997).
    47 See Abiola Irele, “African Letters: The Making of a Tradition,” Yale Journal of
    Criticism 5 (1991): 69–100.
    48 Cf. Kwame Anthony Appiah’s criticism of texts by Alexander Crummel and W. E. B.
    Du Bois in In My Father’s House: Africa in the Philosophy of Culture (London:
    Methuen, 1992) chaps. 1–2. See also Appiah’s “Racism and Moral Pollution,”
    Philosophical Forum 18 (1986/87): 185–202.

    49 On these debates, see Julius Nyerere, Ujamaa: Essays on Socialism (London:
    Oxford University Press, 1968); Kwasi Wiredu, Cultural Universals and Particulars: An
    African Perspective (Bloomington: Indiana University Press, 1996), and “How Not to
    Compare African Thought with Western Thought,” in African Philosophy as Cultural
    Inquiry, ed. Ivan Karp and D. A. Masolo (Bloomington: Indiana University Press,
    2000), 187–214; Paulin Hountondji, ed., Endogenous Knowledge: Research Trails
    (Dakar: CODESRIA, 1997); Kwame Gyekye, African Cultural Values: An Introduction
    (Philadelphia: Sankofa, 1996), and Tradition and Modernity: Philosophical Reflections
    on the African Experience (New York: Oxford University Press, 1997); Ngugi wa
    Thiong’o, Decolonising the Mind: The Politics of Language in African Literature
    (London: James Currey, 1986).
    50 See Hegel’s geography of Africa in Philosophy of History.
    51 See Joseph Ki‐Zerbo, Histoire de l’Afrique noire d’hier à demain (Paris: Hatier, 1972);
    Cheikh Anta Diop, L’unité culturelle de l’Afrique noire: Domaines du patriarcat et du
    matriarcat dans l’antiquité Classique (Paris: Présence africaine, 1959); Théophile
    Obenga, L’Afrique dans l’antiquité: Egypte pharaonique, Afrique noire (Paris: Présence
    africaine, 1973).
    52 Ironically, we find the same impulse and the same desire to conflate race with
    geography in the racist writings of white settlers in South Africa. For details, see J. M.
    Coetzee, White Writing: On the Culture of Letters in South Africa (New Haven, Conn.:
    Yale University Press, 1988).
    53 Blyden, Christianity, Islam and the Negro Race, 124.
    54 See Joseph Miller, Way of Death: Merchant Capitalism and the Angolan Slave Trade
    (1730–1830) (Madison: University of Wisconsin Press, 1988).
    55 In his study of the foundations of discourse about Africa, Mudimbe notices that
    “Western interpreters as well as African analysts have been using categories and
    conceptual systems which depend on a Western epistemological order. Even in the most
    explicitly ‘Afrocentric’ descriptions, models of analysis explicitly or implicitly,
    knowingly or unknowingly, refer to the same order” (Valentin Y. Mudimbe, The
    Invention of Africa: Gnosis, Philosophy, and the Order of Knowledge [Bloomington:
    Indiana University Press, 1988], x).
    56 For a case study, see Carolyn Hamilton, Terrific Majesty: The Powers of Shaka Zulu and
    the Limits of Historical Invention (Cambridge: Harvard University Press, 1998).
    57 See Appiah, In My Father’s House. In a later study, Appiah denounces the narrowness
    of nationalist positions, emphasizes the possibility of double ancestry, and affiliates
    himself with a “liberal cosmopolitanism.” See Kwame Anthony Appiah, “Cosmopolitan
    Patriots,” Critical Inquiry 23 (1997): 617–39.
    58 In recent years, various studies have shown how, beyond claims to Africanness,
    Africans have constantly negotiated new positions in the spaces between cultures and
    have disrupted the signs of both identity and difference. See, among others, Karin Barber,
    ed., Readings in African Popular Culture (Bloomington: Indiana University Press, 1997);
    Sarah Nuttall and Cheryl‐Ann Michael, eds., Senses of Culture: South African Culture
    Studies (Oxford: Oxford University Press, 2000); Jonathan Haynes, ed., Nigerian Video
    Films (Athens, Ohio: Ohio University Center for International Studies, 2000). For two
    case studies on the complex entanglements of so‐called traditional and global

    intellectual traditions, see Peterson Bhekizizwe, Monarchs, Missionaries, and African
    Intellectuals: African Theatre and the Unmaking of Colonial Marginality (Johannesburg:
    Witwatersrand University Press, 2000); and Stephanie Newell, Ghanaian Popular Fiction:
    “Thrilling Discoveries in Conjugal Life” and Other Tales (Oxford: James Currey, 2000).
    59 See Laurence Thomas, Vessels of Evil: American Slavery and the Holocaust
    (Philadelphia: Temple University Press, 1993).
    60 On Jewish memory, see, among other studies, Dominick LaCapra, History and Memory
    after Auschwitz (Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 1998); Yosef H. Yerushalmi,
    Zakhor: Jewish History and Jewish Memory (Seattle: University of Washington Press,
    1982). For a philosophical critique, cf. Paul Ricoeur, La mémoire, l’histoire, l’oubli
    (Paris: Seuil, 2000).
    61 See Madeleine Borgomano, “La littérature romanesque d’Afrique noire et l’esclavage:
    ‘Une mémoire de l’oubli’?” in Esclavage et abolitions: Mémoires et systèmes de
    représentation, ed. Marie‐ Christine Rochmann (Paris: Karthala, 2000), 99–112.
    62 See, e.g., Rosalind Shaw, “The Production of Witchcraft/Witchcraft as Production:
    Memory, Modernity, and the Slave Trade in Sierra Leone,” American Ethnologist 24
    (1997): 856–76. Cf. Route et traces des esclaves, special issue, Diogène, no. 179 (1997).
    63 See T. A. Singleton, “The Slave Trade Remembered on the Former Gold and Slave
    Coasts,” Slavery and Abolition 20 (1999): 150–69; and Edward M. Bruner, “Tourism in
    Ghana: The Representation of Slavery and the Return of the Black Diaspora,” American
    Anthropologist 98 (1996): 290–304. In the postapartheid context, see the description of
    “township tours” by Steven Robins, “City Sites,” in Nuttall and Michael, Senses of
    Culture, 408–25.
    64 On the status of these categories in general and their role in Jewish consciousness in
    particular, cf. Dominick LaCapra, “Trauma, Absence, Loss,” Critical Inquiry 25 (1999):
    696–730.
    65 In their “Trust, Pawnship, and Atlantic History: The Institutional Foundations of the
    Old Calabar Slave Trade,” American Historical Review 104 (1999): 333–55, Paul E.
    Lovejoy and David Richardson show how African dealers in slaves and British merchants
    adapted the local institution of debt bondage, or “pawnship,” as a way of securing credit
    (or goods advanced against the delivery of slaves). For a general discussion on human
    pawnship in Africa, see Toyin Falola and Paul E. Lovejoy, eds., Pawnship in Africa:
    Debt Bondage in Historical Perspective (Boulder, Colo.: Westview Press, 1994).
    66 Compare Lucien Taylor, “Créolité Bites. A Conversation with Patrick Chamoiseau,
    Raphael‐ Confiant, and Jean Bernabé,” Transition 74 (1998): 124–60, with Peter
    Hallward, “Edouard Glissant between the Singular and the Specific,” Yale Journal of
    Criticism 11 (1998): 441–64.
    67 On these questions, see Daniel Maragnes, “L’identité et le désastre: Origine et
    fondation,” in Mémoire juive, mémoire nègre: Deux figures du destin, ed. Roger
    Toumson (Châteauneuf‐le‐Rouge, France: Vents des Iles, 1998).
    68 Paul Gilroy, “Between Camps: Race and Culture in Postmodernity. An Inaugural
    Lecture,” Economy and Society 28 (1999): 183–97.
    69 Gilroy, Black Atlantic; and Stuart Hall, “Nihilism in Black America” in Black
    Popular Culture, ed. Michele Wallace and Gina Dent (Seattle: Bay Press, 1992).

    70 See Howard H. Harriott, “The Evils of Chattel Slavery and the Holocaust: An
    Examination of Laurence Thomas’s Vessels of Evil,” International Philosophical
    Quarterly 37 (1997): 329–47.
    71 John Lonsdale, “The European Scramble and Conquest in African History,” in The
    Cambridge History of Africa, vol. 6 (Cambridge: Cambridge University Press, 1981).
    72 Cf. Françoise Vergès’s reading of Fanon in “Creole Skin, Black Mask: Fanon and Disavowal,”
    Critical Inquiry23 (1997): 578–95.
    73 See, e.g., Mkandawire and Soludo, Our Continent, Our Future.
    74 Cf., e.g., Ian Smith, The Great Betrayal: The Memoirs of Ian Douglas Smith (London:
    Blake, 1997); Eugene De Kock and Jeremy Gordin, A Long Night’s Damage: Working
    for the Apartheid State (Saxonwold, South Africa: Contra, 1998); and Antjie Krog,
    Country of My Skull (Johannesburg: Random House, 1998). More generally, see Sarah
    Nuttall, “Subjectivities of Whiteness,” African Studies Review 44 (2001): 115–40.
    75 See R. G. Gregory, South Asians in East Asia: An Economic and Social History,
    1890–1980 (Boulder, Colo.: Westview Press, 1993); also Melanie Yap and Dianne Leong
    Man, Colour, Confusion, and Concessions: The History of the Chinese in South Africa
    (Hong Kong: Hong Kong University Press, 1996); and Peter Mark, “The Evolution of
    ‘Portuguese’ Identity: Luso‐Africans on the Upper Guinea Coast from the Sixteenth to
    the Early Nineteenth Century,” Journal of African History 40 (1999): 173–91.
    76 Cf. Africanité du Maghreb, special issue of Africultures 13 (1998); and Afrique noire et
    monde arabe: Continuités et ruptures, special issue of Cahiers des sciences humaines 16
    (2000).
    77 Cf., in another context, Livio Sansone, “The New Blacks from Bahia: Local and
    Global in Afro‐Bahia,”Identities 3 (1997): 457–93.
    78 See Kwame Arhin, “The Economic Implications of Transformations in Akan
    Funeral Rites,” Africa 64 (1994): 307–21; and Sjaak van der Geest, “Funerals for the
    Living: Conversations with Elderly People in Kwahu, Ghana,” African Studies Review
    43 (2000): 103–29.
    79 On these discussions, see Jenny Edkins, “Sovereign Power, Zones of
    Indistinction, and the Camp,”Alternatives 25 (2000): 3–25.
    80 Cf. Inge Brinkman, “Ways of Death: Accounts of Terror from Angolan Refugees in
    Namibia,” Africa 70 (2000): 1–24.
    81 See Boubacar Boris Diop, Murambi: Le livre des ossements (Paris: Stock, 2000);
    Thierno Monenembo, L’aîné des orphelins (Paris: Seuil, 2000).
    82 Here, I draw my inspiration from Daniel Pécaut, “Configurations of Space, Time, and
    Subjectivity in a Context of Terror: The Colombian Example,” International Journal of
    Politics, Culture, and Society 14 (2000): 129–50.
    83 A dimension that we also encounter in autochthonous practices and that monotheistic
    religions have only accentuated. See Robin Law, “Human Sacrifice in Pre‐Colonial
    West Africa,” African Affairs 34 (1985): 53–87; and, more generally, J. Milbank,
    “Stories of Sacrifice: From Wellhausen to Girard,” Theory, Culture, and Society 12
    (1995): 15–46.
    84 Cf. Achille Mbembe, “At the Edge of the World: Boundaries, Territoriality, and
    Sovereignty in Africa,”Public Culture 12 (2000): 259–84.

    85 Georges Bataille, La part maudite, précédé de La notion de dépense (Paris: Editions de
    Minuit, 1967).
    86 On “corpses” and “abjection,” see Julia Kristeva, Powers of Horror: An Essay on
    Abjection, trans. Leon S. Roudiez (New York: Columbia University Press, 1982).
    87 On the Dionysian character of the process, see Harris Memel‐Fotê, “La fête de
    l’homme riche dans le Golfe de Guinée au temps de l’esclavage, XVIIe‐XIXe siècles,”
    Cahiers d’études africaines 131 (1993): 363–79.
    88 Cf. Achille Mbembe, “Political Imagination in Times of War” (forthcoming).
    89 See Ahmadou Kourouma, Allah n’est pas obligé (Paris: Seuil, 2000).
    90 On the ethics of sainthood and the ethos of prosperity, see Ruth Marshall‐Fratani
    “Prospérité miraculeuse: Pasteurs pentecôtistes et argent de Dieu au Nigéria,” Politique
    africaine, no. 82 (June 2001): 24– 44.
    91 Cf. Raphael Falco, “Charisma and Tragedy: An Introduction,” Theory, Culture, and
    Society 16 (1999): 71–99.
    92 Cf. Serguei Alex. Oushakine, “The Quantity of Style: Imaginary Consumption in the
    New Russia,” Theory, Culture, and Society 7 (2000): 97–121.
    93 See Jean Comaroff and John Comaroff, “Occult Economies and the Violence of
    Abstraction: Notes from the South African Postcolony,” American Ethnologist 26
    (1999): 279–303.
    94 See T. K. Biaya, “Crushing the Pistachio: Eroticism in Senegal and the Art of
    Ousmane Ndiaye Dago,” Public Culture 12 (2000): 707–20, and “Les plaisirs de la ville:
    Masculinité, féminité et sexualité à Dakar, 1997– 2000,” African Studies Review 44
    (2001): 71–85. See also Dominique Malaquais, Anatomie d’une arnaque: Feymen et
    feymania au Cameroun, Les études du CERI, no. 77 (Paris: Centre d’Etudes et de
    Recherches Internationales, 2001).
    95 94.Cf. Carolyn Hamilton, Terrific Majesty (Cambridge: Harvard University Press,
    1998).
    96 95.See AbdouMaliq Simone, “The Worldling of African Cities,” African Studies
    Review 44 (2001): 15–41; Mamadou Diouf, “The Senegalese Murid Trade Diaspora and
    the Making of a Vernacular Cosmopolitanism,” Public Culture 12 (2000): 679–702; and
    Janet MacGaffey and Rémy Bazenguissa‐Ganga, Congo‐Paris: Transnational Traders
    on the Margins of the Law (Oxford: James Currey, 2000).
    97 96. Achille Mbembe, On the Postcolony (Berkeley: University of California Press, 2001);
    James Ferguson, Expectation of Modernity: Myths and Meanings of Urban Life on the
    Zambian Copperbelt (Berkeley: University of California Press, 1999).

  • ما الذي يمكن للفيلسوف ابن سينا أن يعلمنا عن الذكاء الاصطناعي؟

    ما الذي يمكن للفيلسوف ابن سينا أن يعلمنا عن الذكاء الاصطناعي؟

    ترجمةفاطمة فرهود
    يمكن لفيلسوف عاش قبل قرون من ظهور الذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على فهم التساؤلات المرتبطة بطبيعة الشخصية في حقل الذكاء الاصطناعي.

    في عام 2022، طور بليك ليمون المهندس في جوجل عِلاقة جيدة بـ محاورة رائعة، فقد كانت ذكية، ثاقبة البصيرة وفضولية، وكانت حواراتهما تجري بانسيابية تامة حول مواضيع تتنقل بين الفلسفة والتلفزيون وأحلام المستقبل. ولكن كانت هناك مشكلة واحدة: وهي أن تلك المحاورة عبارة عن روبوت ذكي للدردشة.

    خلال سلسلة من المحادثات مع نموذج لغة جوجل المسمى لامدا، اقتنع ليمون تدريجيا بأن روبوت المحادثة ذاك كان “شخصا” مثلي أو مثلك. “أعرف شخصا عندما أتحدث معه…” هكذا قال لصحيفة واشنطن بوست في 2022.

    سواء آمنت بادعاءات ليمون أم لا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نعرف حقا شخصا عندما نتحدث معه؟ تشير كلمة “شخصية” عادة إلى الوضع الأخلاقي؛ ففي معظم الأطر الأخلاقية، تظهر اعتبارات معينة- حقوق، واجبات، مدح، لوم، كرامة- على مستوى الشخص. لذا؛ فإن التساؤل حول ما إذا كانت الأنظمة الإلكترونية تستحق أو يمكن أن تستحق مرتبة “الشخصية” له تداعيات واسعة النطاق حول كيفية تعاملنا مع هذه التقنيات.

    لكي نقيم إمكانية حصول الأنظمة الإلكترونية على “الشخصية”، نحتاج إلى معيار عام لتحديد الشخصية. في السنوات الأخيرة، جادل العديد من الفلاسفة بأن ما يجعلنا أشخاص هو قدرتنا على الخبرة الواعية. لكن كيف يمكننا تعريف الوعي؟ وما هي الأدلة الخارجية التي بوسعنا استخدامها للحكم على ما إذا كان الكائن واعيا أم لا؟

    غياب الإجماع حول هذه الأسئلة هو أحد الأسباب التي جعلت الجدل حول شخصية الذكاء الاصطناعي في حالة جمود منذ مدة. ومن هنا يبرز السؤال: ما هي المعايير الأخرى التي يمكننا الاعتماد عليها لتقييم إمكانية وجود شخصية إلكترونية؟ كطالب دكتوراه أدرس فلسفة العلم، أعتقد أن الطريق نحو هذا السؤال المستقبلي قد يكمن في ماضينا البعيد- في أعمال الفيلسوف الإسلامي المبكر ابن سينا (980-1037 م).

    عاش ابن سينا قرونا قبل اختراع المِطبعة، فضلاً على الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، كان مهتما بالكثير من الأسئلة نفسها الذي يفكر بها أخصائيو أخلاقيات الذكاء الاصطناعي اليوم، أسئلة مثل: ما الذي يجعل الشخص شخصا، على خلاف الحيوان؟

    تماما كما يولي باحثو الذكاء الاصطناعي في عصرنا الحالي اهتماما كبيرا بمقارنة العمليات التي تقف خلف استجابات البشر والذكاء الاصطناعي للمهام المتشابهة، كان ابن سينا معنيا أيضا بمقارنة العمليات الداخلية التي قد يخضع لها البشر والحيوانات للوصول إلى نواتج سلوكية متماثلة. وكان عدّ أن القدرة المميزة للإنسان كشخص هي قدرته على إدراك “الكليات”، فبينما لا تمتلك الحيوانات سوى القدرة على التفكير في الأشياء الجزئية المحددة الموجودة أمامها، يتمتع
    البشر بالقدرة على التفكير انطلاقا من قواعد عامة ومجردة.

    في “النفس”، ناقش ابن سينا مثالا قديما شائعا عن شاة تنظر إلى ذئب، بينما سيستدعي الإنسان مبدأ عاما “الذئاب خطرة عمومًا، وهذا الحيوان أمامي هو ذئب؛ لذا؛ ينبغي لي الهرب” زعم أن الحيوانات تفكر بشكل مختلف. فهي لا تستدلل من قاعدة؛ ترى فقط الذئب وتعرف أنها يجب أن تهرب. إنها محدودة إلى “الجزئيات”- ذلك الذئب- بدلا من التفكير في الصفات العامة للذئاب.

    التمييز الذي قام به ابن سينا بين علم النفس البشرى والحيواني يشبه إلى حد بعيد التمييز الذي يبحثه علماء الكمبيوتر المعاصرون فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي. تشير البحوث الحالية إلى أن الشبكات العصبية الاصطناعية تفتقر إلى القدرة على التعميم التركيبي المنهجي، يستخدم علماء اللغويات وعلماء المعرفة هذا المصطلح لوصف أنواع الاستنتاجات التي نقوم بها من القواعد العامة. من المفترض على نطاق واسع أنها أحد الطرق الرئيسية التي يستدل بها البشر في الحياة اليومية، بينما يستخلص البشر المعاني من تسلسلات الكلمات التي يمكنهم بعد ذلك دمجها في أفكار أكثر تعقيدا، يبحث الذكاء الاصطناعي في مجموعات البيانات الإحصائية عن إدخالات بيانات محددة تتطابق مع المهمة المعنية.

    يفسر هذا الاختلاف الكثير عن حدود الذكاء الاصطناعي المعاصر. ولرؤية ذلك عمليا، لننظر إلى اختبارات CAPTCHA المنتشرة والمستخدمة للتمييز بين البشر والبرامج الآلية. يسخر الكوميدي جون مولاني في أحد عروضه على نتفليكس عام 2018 قائلا: “انظر إلى هذه الحروف المنحنية. أكثر انحناء من معظم الحروف، أليس كذلك؟ لا يمكن لأي روبوت أن يقرأ هذا أبدا” قد يبدو هذا سخيفا، لكنه صحيح؛ فالتغييرات الكافية تجعل من الصعب حتى على أكثر الأنظمة الاصطناعية تطورا التعرف على الحروف، ويرجع ذلك إلى افتقار هذه الأنظمة للقدرة التركيبية على إجراء تعميمات مجردة حول الميزات الأساسية لحرف معين وتطبيقها على أمثلة محرفة.

    ينسجم هذا الاختلاف بين المعرفة البشرية والاصطناعية تماما مع وصف ابن سينا لما يميز التفكير البشري. ففي كتابه “الشفاء”، يصف كيف أن “العقل… يتعلم ما هي الأشياء المشتركة وما هي غير ذلك، ثَمَّ يتّضح يستخلص طبائع الأشياء المشتركة في الأنواع” ووفقا لرأيه، يستخلص البشر الميزات الجوهرية للأشياء من ميزاتها الأقل أهمية لتشكيل مفاهيم عامة. ثم نستدل باستخدام هذه المفاهيم، ونطبقها على حالات مختلفة.

    على سبيل المثال، عندما كنا أطفالا تعلمنا استخراج ميزة أساسية للحرف X: كونه يتكون من خطين متقاطعين. ثم نجرد- تعميم عالمي حول السمات الأساسية ل X- لنستنتج أن جميع Xs تتكون من خطين متقاطعين. أخيرا، بالاستفادة من تطبيق هذا التعميم، يمكننا التعرف على Xs المحددة. نحن نعلم أن الخطين المتقاطعين هما سمة أساسية للحرف X وأن الخطوط الإضافية العشوائية والتشوه في صورة CAPTCHA ليسا كذلك…

    على النقيض من ذلك، فإن الكمبيوتر غير قادر على استنتاج أن هذه الصورة تمثل X ما لم تتم تغذيته بصورة دقيقة لـX (أو شيء مشابه بدرجة كافية) الخطوط الإضافية والشكل المشوه كافية لجعل هذا X غير معروف، لأنه لا يتطابق مع بيانات الحاسب الكبير للصور المحددة المصنفة على أنها X
    وبالمثل، لو قدمت لشبكة عصبية اصطناعية مهمة الشاة، فلن تستدل كما يفعل الإنسان، انطلاقا من مفهوم عام لـ”الذئبة” إلى خصائص الذئب المعين مثل الخطورة. بل ستستدل كما تفعل الشاة، محصورة في عالم الجزئيات.

    الفرق الجوهري بين الشاة والشبكة العصبية الاصطناعية هو أن الشبكة العصبية لديها إمكانية الوصول إلى مستودع أكبر بكثير من الجزئيات في شكل قواعد بيانات أكثر شمولية. ما يجعل التعلم العميق ناجحا إلى هذا الحد في مهام اللغة هو إمكانية وصوله إلى قواعد بيانات ضخمة تحتوي على أعداد هائلة من الجزئيات، وليس قدرته الحقيقية على محاكاة التفكير البشري بالرجوع إلى القابلية للتعميم التركيبي.

    يتشابه معيار ابن سينا الأساسي للشخصية- الاستدلال انطلاقا من الكليات- إلى حد بعيد مع القابلية للتعميم التركيبي المنهجي. يمكن لهذا المعيار أن يوفر معيارا قابلا للاختبار للشخصية. وفي الواقع، فشل الذكاء الاصطناعي حتى الآن في اجتياز هذا الاختبار في العديد من الدراسات. سواء اعتمدنا هذا المعيار كحل أم لا، يوفر رأي ابن سينا عدسة جديدة لمشكلة الشخصية تتحدى افتراضات النظريات المركزة على الوعي.

    غالبا ما تنشغل الأخلاقيات العلمية بأحدث التطورات والبحوث والتقنيات الجديدة، وبالتدفق المستمر للبيانات. لكن في بعض الأحيان، قد تتطلب أسئلة المستقبل النظر بعناية إلى الماضي. فالنظر إلى التاريخ يسمح لنا بالنظر إلى ما وراء انشغالات وافتراضات عصرنا، وقد يوفر لنا نهجا حيا تجاه الجمود الحالي…

    رابط المقالة

  • الجمود و التغيير

    الجمود و التغيير

    الكاتبمبارك بوالزيت
    رأى كوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير أن حَميَّة الجماعة قد تجرِّد الفرد من عقله فيصبح بذلك تابعا من حيث لا يدري. إن المنتمين إلى الحزب النازي في المانيا في مطلع القرن الماضي مثلا غالبا ما قنعوا أفكارههم بقناع الإيديولوجيا و أوهام الحزب، وكثيرا ما كانو انتقائيين يغظون الطرف عن عُنفهم وعن تناقضاتهم الذاتية. وهذا التوجه قد ينطبق غالبا على من يسقط مَنطِقا، يبدو له واقعيا من منظوره الخاص ،أو منظور جماعته أو حزبه، على أشخاص أو جماعات أو أشياء أو أفكار تنتمي إلى سياقات مختلفة . مثل هذا يتمظهر في فكر الجماعات المنغلقة التي تحتكر الحقيقة، و لن نورد الأمثلة على هذا الآن لأنها كثيرة (يمكن للقارئ أن يستحضر جماعة الآميش مثلا). كان محمد عابد الجابري صادقا حين تساءل عن ما يمكن القيام به في حالة الفكر المنغلق : كيف نخبر المنغلق عن انغلاقه باستعمال لغته ولكن بكلمات قد لا تتوفر لنا في قاموسه؟

    سبب هذا الجمود على المنظور الواحد نفسي ربما. يورد برتراند راسل سببا عاما يستحق التأمل في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية. يورد راسل ما يلي في معرض نقاشه لفلسفة كانط اذ يقول: “إن الرجال الذين فعلو الكثير لتعزيز سعادة الإنسان فعلو ذلك لأنهم آمنو حقا أن السعادة يجب أن تعاش الآن و حالا، وليسوا كالذين احتقروها اعتقادا منهم أن هناك ما هو أفضل في عالم آخر.” (ترجمتي من الصفحة 641) وهذه إشارة صريحة للذين ينقصهم الفهم أو يستغلون الإيديولوجيا للجبر أو الإرجاء أو لأغراض مبطنة أو غير معلنة.

    ما سأقوم به في هذا المقال هو التفكير مع القارئ في إمكانية تغٓيُّر الممارسات المؤدلجة أو الجامدة. لا نخفي القارئ سرا إن قلنا أن  المقالات التي تضع التغيير مقابل الجمود قيد الدرس خصوصا في علاقتهما بالقيم و الممارسات الثقافية قليلة و غير متاحة، خصوصا بالمعنى الذي نراه مبسطا للقارئ الذي يبحث عن مدخل للفهم. ما يجعلنا نطرح سؤالين بسيطين هما: متى تكون بعض الممارسات تكريسا للجمود؟ ومتى وكيف تتغير؟
       
     قد يكون هيكل أول الفلاسفة الذين و ضعوا لجاما للعقل.  يدَّعي هيكل أن “كل ما هو معقول واقعي، و كل واقعي معقول.”   تفيد هذه المقولة، على حد فهمنا للمعنى الذي أراده لها هيكل طبعا، أن العقل يقبل الواقع كما هو. و منه فواقعية الفعل الثقافي في سياقه المجتمعي-مهما كان جامدا او تافها أو عنصريا إلى غير ذلك–هي المحددة لمعقوليته. احتقار المجتمع الألماني لليهود مثلا في مطلع القرن العشرين أخد ‘معقوليته’ داخل المجتمع الألماني من كونه ممارسة متكررة و منتشرة، واحتقار الأمريكيين للسود أو الأوروبيون للأفارقة في مطلع القرن الماضي اخد معقوليته الثقافية بنفس الشكل.

    هذا الشرط المجتمعي المجحف يعجِّل بفهم ما يلي: من  الصعب إنكار فكرة كون ممارسات الناس وقيمهم ، قبيحة كانت أو حسنة ، تبدو واقعية (معقولة ) لهم تماما وذلك انطلاقا من واقع ثقافتهم وبُناها الرمزية و النفسية . كلود ليفي شتراوس تعامل مع هذا المعطى عندما درس رموز (totemic signs) القرى البرازيلية، و التي بِقدر ما بدت له غريبة كدارس، بدت للبرازيليين مثالية تماما وذلك من منظور موروثهم الثقافي . قد يبدو للأفراد في سياقات ثقافية محددة، خصوصا داخل مجموعة منغلقة كهذه، أن قيمهم وأفكارهم هي ذات العقل، بحكم ما فرضته العادة والتكرار أو ربما مسببات أو بنيات ذات طبيعة نفسية أو ثقافية  خاصة. وهذه القيم و الممارسات، والتي سنورد منها أمثلة متعددة تتعرض لسطوة الزمن فيطالها التبدل لا محالة.

    كما أسلفت، قد يلاحظ التغيير على بعض أفكار وقيم الأفراد (و الجماعات كذلك) بتغير السياقات وبمرور الزمن. يخبرنا فيردناد دي سوسير مثلا عن كون “التغيير يطال كل شيء تقريبا وليس لدينا مبرر كافي يجعل من اللغة استثناء في هذا الصدد.” ولكي لا يتوه القراء، يحضرني هنا بعض الأمثلة عن ممارسات تغيَّرت بين الماضي والحاضر مع إضافة التغيير الذي طرأ على كل ممارسة. من نكد الدهر أن “الساتي” مُورس في الهند بحرق الأنثى التي مات عنها زوجها لكن هذا الفعل الهمجي ما لبث أن انتهى بتدخل منظمات حقوق الإنسان . وانتهى كذلك بوعي الناس بتخلفهم. فقد غدت اليوم ممارسة “الساتي” خرقا ونكوصا في إنسانية الإنسان بعدما كانت ممارسة طبيعية مقبولة.

    و غير بعيد، كان  “الزطاط” في الثقافة المغربية إبان فترة  “السيبة” (فترة انعدم فيها الأمن تماما في بعض المناطق بسيطرة القبائل القوية) فردا أو مجموعة أفراد يشدُّون الرحال مع مسافر غريب يساعدونه ويحمونه من اللُّصوص وما شابه حتى يصل وجهته بمقابل يدفعه للزطاط . هذه الممارسة انتهت بانتهاء عهد السيبة و إسقاطها على مغرب اليوم قد يكون ضربا من الغرابة و ضربا من عدم احترام القانون ( ربما تهريب)  بحُكم أن  السفر تيسَّر اليوم إلى حد كبير و هذه الممارسة التي  كانت مقبولة آنذاك لم يعد لها أي قيمة اليوم .
         
    عندما وصل الراديو إلى الجزائر وجس منه أغلب الجزائريين لأنه رُبط بالمستعمِر الذي استغله في “البروباغاندا”، إضافة إلى رفضه بسبب ما أسماه الدكتور فرانز فانون بنيات الخوف من الجديد (dissonance). يخبرنا علي الوردي كذلك عن أول سيارة وصلت بغداد وكيف ظن الناس أن بها جِنيّٓا يدفعا للسير و الأمثلة كثيرة في هذا الصدد . وهذا ليس انتقاصا من  ثقافة على حساب أخرى و إنما سرد لواقع لتوضيح الكيفية التي تتغير بها أفهام و ممارسات الناس بفعل الصدمة—تأثير العادة و صدمة الحداثة هنا على سبيل المثال.
      
     الحاصل أن أغلب دارسي الثقافة لا يقفون على هذه التغيرات. و لا نخفي الدارسين للاستشراق سرا إن قلنا أن الجمود المفرط على دراسة الصور السلبية في الاستشراق منظور فكري قديم و يجب أن لا يثنيهم عن ملاحظة المتغيرات، و يجب أن لا يثنيهم كذلك عن النظر إلى أقرب “استشراق” للمعرفة المفيدة والتخلي عن الجمود على نظرية المآمرة كما في اللوم المفرط للإمبريالية، خصوصا في السياقات المعرفية التي يجب فيها الانفتاح على الآخر للتزود بالمعرفة. دراسة الأساس المعرفي أو الفلسفي للحداثة او دراسة الاستشراق الألماني مع الفيلسوف لايبنيتز مثلا قد يكون  أفيد لطلبة دراسات ما بعد الاستعمار والدراسات الثقافية من دراسة الاستشراق الفرنسي خصوصا أنه تم تقزيمه من طرف جامعاتنا في روايات فلوبير وشاتوبغياند وغيرها, وهذه الأخيرة تزخر بعموميات سلبية عن الشرق على الشق المعرفي المفيد (دراسة فلسفة ابن باجة و ابن رشد و ابن سينا والجاحظ و مقارنة فكرهم بفكرغيرهم من فلاسفة العالم العقلانيين أفيد للدارس ربما). مثل هذه المواضيع لا تأتي بجديد (لا نعمِّم ) وقد تزيغ بالدارس عن منابع المعرفة المفيدة، اذ تظهر هوساً بالمستشرق والغرب كموضوع و تهمل الذات. كتاب الصراع الفكري في البلاد المستعمرة لمالك ابن نبي مفيد في هذا الصدد. 

    الحاصل أن الصور السلبية و الممارسات الجامدة كثيرة و التركيز عليها غير مفيد إلا من باب تغييرها طبعا. الفيلسوف هيكل مثلا أنكر  واقع الاختلاف في العالم، مناقضا مقولته “كل واقعي فهو عقلي” إذ ألصق بالإنسان الإفريقي توصيفات غير واقعية، أقلها أنه همجي لا يقدر على التفكير و بقي ثابتا على رأيه. كيف ذلك و الأفارقة (وغيرهم من الأمم ) علماء وأساتذة وصل نبوغهم الآفاق؟ حتى الدكتور كارل بوبر، صاحب مبدأ التخطيء في الإبستمولوجيا، أصر هو الآخر على كون الحضارة صنعة غربية محضة (راجع(ي)  كتابه التخمينات و التفنيدات–ترجمتي للعنوان). و لا يتسع المقام  لسرد توصيفات الاستشراق العرقية العجيبة التي سردها الدكتور إدوار سعيد وروبيرت يونغ في هذا الصدد. لكن العجيب حقا هو أن الجاحظ سبق هيكل وغيره بقرون مؤكدا على أن العقل قسمة مشتركة بين جميع البشر، يساهمون  بهِ كل من موقعه، وينمو بالنظر والبحث والتجريب على أن يصل بصاحبه إلى رحمة وحلاوة النظر فلا تتيه به السبل بعد ذلك ،(يمكن مراجعة كتاب المناحي الفلسفية عند الجاحظ في هذا الصدد ل الدكتور أبو ملحم).


    إن حركية التاريخ وتلاقح الثقافات يغيِّران بعض الممارسات الثقافية بالإضافة و المسح . كانت النساء في عهد الإغريق القدماء سجينات صور سلبية، فرضتها الميثولوجيا، حتى أن باندورا مثلا أُلصِق بها كل الشرور و بعض الأمل . انعكس هذا الواقع على مكانة المرأة الإغريقية في البيت فأصبحت كالخادمة المسجونة، ومن درسوا بعضا من ميثولوجيا الإغريق يعرفون جيدا ردهة  النساء (women’s quarters ) وتشابهها ردهة اليهود او “الملاح” او ردهة السود في آخر الباص  في عهود  التمييز العنصري البواح  . ما لبث هذا الفهم أن تغير إلى حد ما بتغير ظروف البشر و بإعمالهم للعقل بالفرز و الترتيب و النقد خدمةً لظروف جديدة بدَل التعميم و التأثر بما تفرضُه العادة السلبية وتُرسِّخه. أما الآن فقد أصبحت النساء في اليونان شقائق الرجال و هذا هو الحاصل كذلك في المجتمعات التي تحترم نفسها. أصبحت  الديانات ومعها الأفراد من مختلف المشارب يتعايشون، ومن له برهان على ادِّعائه فيسرده بكل حرية ( هذا  طبعا لا ينفي وجود  صراعات سياسية أخرى  تفرضها تأثيرات إيديولوجية  لا يتَّسع المقام لذكرها).

    هذا التغيير الملازم للتاريخ و ولقيم الناس وعاداتهم كما اوضحنا ليس وليد الصدفة وإنما قانون يسري على كل شيء تقريبا،  فالكون يتسع و المدن كذلك، ومع هذا الاتساع تستنير أفهام الناس و تتغير قيمهم. هذا الاتساع و التغيير يلهم كذلك تفكيرنا في النفس و التي هي أصل التغيير في آخر المطاف. حتى بعد أن يبدو لنا أن جزءا من ذواتنا هو-هو نفسُه لا يتغير،  لأن الفرد  طبعا هو نفسه اليوم كما البارحة  وهو نفسه قبل عشر سنوات، لكن يجب  أن لا يغِيب عن أذهاننا كذلك  أن هذه النفس الحية سمتها التواصل وكذا الاستمرار، و هذا الاستمرار ليس كاستمرار حيوان في البرية، إنما هو استمرار يقتضي التغيير  بتحليل ما يرِد على النفس من معلومات  بالترتيب و الفرز و الإضافة  والحذف لتمييز الحسن والمفيد، وفي هذا الاستمرار عيش و تغيير و إبداع .

     من جهة يفهم التغيير منقوصا إذا قصد به استعمال المنطق في كل شيء، ومن توهموا امتلاك هذه الآلة—مع نقص الحكمة—قد يكونون أحيانا أقرب من الآلة إلى  البشر، لأن للعقل حدودا يقف عندها، كما اخبرنا كانط. شوبنهاور فعل حسنا حين رفع من قيمة الإرادة على العقل . نكبة المعتزلة الحقيقية، رغم وهَجهم و إسهاماتهم العظيمة، لم تكن ربما إلا هذا الاستعمال المفرط للعقل في محاولتهم فهم الميتافيزيقا،  وما لن يفهم إلا  برسم حدود العقل ربما. علاقة بالعقل دائما، لا نستطيع  إسقاط المنطق الصوري الأرسطي مثلا على  مقولات الناس دائما بحثا عن مقدمات أولى وثانية فنتائج صحيحة، لأن هذا سيكون ضربا من العبث، وأشبه في الواقع بمن يخيط قماشا بسكين، لأن الناس داخل المجتمع يكونون محكومين بكلٍ واقعي معقد ومتشابك يستدعي أبعاد كثيرة غير نسق المقدمات وحده ليُفهم .

    و من جهة اخرى قد يقال إن من سار على نهج المعتزلة يصل به العقل غالبا ذلك المبلغ الخطير إذ لا تلبث الظواهر تتولد فلا العقل يفهمها ولا العِلم. لكننا لا نلوم المعتزلة لأن العقل يبقى هو الأصل لأنه وحده يرينا هذه الحدود و به يكون الحدس السليم و الفرز و التنقيب و الإبداع. و الحقيقة لا تتبدَّى إلا بالتخطيء المتواصل،  والمثال الذي أوردناه في عدم قدرة العلماء فهم أسباب اتساع الكون و أغوار المحيطات  أمثلة واضحة على حدود العقل و أسباب كافية كذلك للتطلُّع لفهم هذه الأسرار بالعقل.
        
    إن التغيير لا يكون على حساب إنكار الماضي و التراث  واحتقارهما، ولا يكون كذلك بتمجيدهما،  كل ما نراه في العالم  اليوم تراكم لتراث جيد، وإن عم البؤس في وطن ما فمردُّه ربما إلى تراكم تراث يحتاج إلى فرز  و نقد وتجديد أو بسبب استبداد يعيش معه الفرد محبطاً كمن يخرج من بطن أمه مقوس الظهر و هو لم يبلغ بعد أرذل العمر. ومنه فلا يمكن ربما البدء من لا شيء،  فنحن أقزام تحملنا أكتاف جبابرة، و إعمال العقل النفعي في التراث و وصفه بالجمود غالبا ما يذهب بصاحبه مذهبا تتيه به السبل، لأن فكر القدماء يُحترم داخل الحدود و السياقات التي أنتج فيها، و يفنَّد بعد ذلك بدليل وبرهان. بعدما أسس الدكتور كارل بوبر لفكر عقلاني تخطيئي في كتابه التخمينات و التفنيدات (ترجمتي للعنوان من النسخة الإنجليزية ) وبعد تقديمه للأدلة الكافية على أنه مستقبل العلم، وقف لاحقا على العلم غير العقلاني لما قبل السقراطيين، ليستنتج إن كل مجهود محمود، وقد تكون هذه الميثولوجيا و الهرطقة الأفق الذي بني عليه العقل النقدي، فرزا للأسطورة و كذا الملاحظة الساذجة . 
     
    لا يتغير الفرد نحو الأفضل مع نفسية الجمود و الإنكار . يجمُد أحدهم على احتقار الفلسفة وهو لا يعلم إن هاتفه في يده أصله الجِدَّة في فكر ديكارت. هذا النوع من الجمود على الرأي  يولد الخوف و الخوف غالبا ما يورث الإنكار، فمن جهل شيئا عاداه على رأي المثل . إن أي تغيير ينشده الفرد لابد ربما أن يكون أساسه التفرد و الإتقان والتميز لا الجحود و الجمود، ومثال ذلك قصة الساتي و الرَّاديو و السَّيارة  التي سبق وأوردناها وهلمَّ جرا . كما أن  التغيير لا يأتي بالملاحظة الساذجة وحدها لأن  مقولة “السماء زرقاء” و “الأرض مسطحة” باديتان للعيان لكنهما أبعد من الحقيقة بعد السماء عن الأرض، وجمع هكذا ملاحظات دون تجريب قد لا يمت للعلم بصلة. و متى ميز الفرد بين التنجيم وعلم الفلك وبين الشعوذة و الطب مثلا سار على طريق التغيير.
       
    ختاما، أقصر الطرق الى الجمود هي كذلك الاستكبار و الآبائية (مشتقة من أب). و على سبيل الدعابة، جحا  اكبر معلم في هذا الصدد . مرَّ جحا يوما على رجل في قرية فسأله: كم عمرك؟ أجاب الرجل: ثلاثون سنة . رحل جحا عن القرية وعاد إليها بعد ثلاث سنوات ماراً من نفس الطريق فوجد الرجل نفسه فسأله مرة أخرى كم عمرك: أجاب الرجل :ثلاثون  سنة. تعجب جحا و سأله: كيف ذلك و أنا رحلت عنك ثلاث سنوات؟ فأجاب : الرجل عندنا لا يتنازل عن كلمته ولا يتراجع! فرحل عنه جحا و لم ينبس ببنت شفة. إن من لا يغيِّر أفكاره بِتغير العلم و العالم وتجددهما يكاد يكون كالصخرة. وحتى لا نقلل من احترامنا للصخرة فهي كذلك مندمجة في هذا التغيير—وحتى إن كان لا مرئيا—فهي  تُخبر عالم الجيولوجيا عن أزمنة غابرة و تكون لبنة منتجة في العمارات الشاهقة والمنازل البهية.

    لا يكون التغيير إيجابيا حيث لا يتسع صدر المستمع لأفكار جديدة، ومنه فإن أول الطريق هو ربما أن يتعلم الواحد منا ألا تزعجه الأفكار الجديدة و يتعلم كذلك أن يمحصَّها ويقيسها على الذاهب والقادم والمستجد فيصل تبعا لذلك إلى سبل الانعتاق العقلي و العمل . وعلى قدر الفكر يكون العمل المتميز والتغيير وإلا فلا داعي للإشتغال بعلم لا يفيد .
  • ماذا يعلّمنا إميل سيوران عن الحياة؟

    ماذا يعلّمنا إميل سيوران عن الحياة؟

    الكاتبإبراهيم جركس
    ولد إميل سيوران في رومانيا عام 1911، ويصَنّف في معظم الأوقات كواحدٍ من أعظم الوجوديين والتشاؤميين العَدَميين في القرن العشرين. بصفته وجودياً، لا غرابة أنّه لن يقضي الكثير من وقته في الحديث عن أمور مثل الميتافيزيقا، وبناء أنظمة معّقدة، والتحدّث عن نظرية المعرفة، وعلم الجمال. في الواقع، حتى أنّه كان يعتقد أكثر من الوجوديين الآخرين ممّن سبقوه، وعاصروه، أنّ كلّ هذه الأشياء كانت في الغالب مَضيعة للوقت. ما يريد سيوران التحدّث عنه هو الوجود، أو الحالة الإنسانية، وعلى وجه التحديد: الجوانب المظلمة والقبيحة بشكل مزعج من الوجود التي يخبرنا المجتمع في كثير من الأحيان أن نكنسها تحت السجّادة، لكنّك مع ذلك تجد نفسك جالسٌ هناك على الأريكة فوق السجادة كل يوم من أيام حياتك، وبقدر ما تعرف أنّ هذه الأشياء لا تزال هناك، تحت السجّادة مخفيّة، لكنّها لا تزال موجودة دائماً.

    لهذا السبب، علينا أن نتحدّث عن بعض الأمور المظلمة. ليست مفاجأة، لكنّ افتتانه بهذه الفئة المحظورة من المواضيع المظلمة سيدفع الكثير من الناس إلى وصفه بأنّه متشائم. ولا شكّ أنّه كان كذلك في بعض النواحي. وهذا أمرٌ لا يختلف حول كثيرون، وخصوصاً المسلوبين بالتعابير الرومانسية التي تربط بين سيوران والعدم، ووصفه “بالذي عبر على دراجته حقول العَدَم”، كما جاء وصفه في مكانٍ ما. لكنّي هنا لا أحاول تقديم أفكاره عن التشاؤم والعدم، وآمل أن يكون ما يمكنني إيصاله هو أنّه بالرغم ممّا قد يبدو على السطح نظرة مظلمة جداً، ومتشائمة، فتحت السطح، قد يكون إميل سيوران أحد أكثر المفكرين الذين قد يساعدوننا على التكيّف مع الحياة ومواكبة التشاؤم وإحباطات الحياة.

    أظنّ أنّ أفضل ما يمكنني قوله هنا للتشجيع على الحديث عن عمل سيوران هو أنّه بعيدٌ كل البعد عن الإحباط. أحياناً عندما تواجه مشكلة في الحياة، تريد شخصاً ما أن يأتي ويقدّم لك نصيحة ويُصلح المشكلة، لكي تختفي.

    تريد فيلسوفاً مثل أفلاطون أن يأتي ويمنحكَ جواباً عن كيفيّة العيش بحكمة أكثر. لكن في بعض الأحيان عندما تواجه مشكلات يتعيّن عليك تحمّلها والتعامل معها، وهي مشكلات من الواضح أنّها لن تختفي في أيّ وقت قريب، وأحياناً لا تريد أن يقوم شخص ما بإصلاحها. أحياناً كل ما تحتاج إليه شخص ما يستمع إليك، شخصٌ مَرّ بالمشكلة من قبل ويمكنه التواصل معك. وهذا، في قراءتي، هو جوهر عمل سيوران. إنّه يجعلك تشعر بالوحدة أقل قليلاً في هذه الجوانب المظلمة التي لا مَفرَ منها من الحالة الإنسانية، ويجعلك تشعر ولو للحظة واحدة أنّه ليس عليك إخفاءها لكي تكون مهذباً ومقبولاً من المجتمع.

    ربما أفضل طريقة لإظهار مدى فرادته كمفكّر هي التحدّث عن مجموعة أصبحت معروفة عبر التاريخ بالعارفين أو الغنوصيين. الفكرة الأساسية في الفكر الغنوصي هي: العالم مليء بالعيوب بكلّ جوانبه. في السياق الديني، يمكن وصف هذا من حيث أنّ العالم بالتأكيد ليس جنّةً أو فردوساً.
    وأغلب التيارات الغنوصية في الديانات اليهودية والمسيحية، والعرفان الإسلامي: كالمذاهب الشيعية [العلويين، والدروز، والإسماعيليين، وغيرهم]أو الصوفية على سبيل المثال تؤمن بذلك.

    وفي الفلسفة، العالم ليس سوى ظلٌّ دنيوي/أرضي لعالم الأشكال. وهناك الكثير من الأمثلة. هل فهمتم ما أعنيه. لذلك، إذا كان العالم الناقص هو مفهوم شائع في الفكر البشري، فقد حاولت مجموعات مختلفة على مَرّ التاريخ التوصّل إلى نظريات حول سبب حدوث ذلك. كان الغنوصيّون يعتقدون أنّ العالم في حالة فوضى في كثير من النواحي لأنّه خُلِقَ على نحوٍ فوضوي.

    كان يمكن لله، كيفما تريد أن تتخيّله، أن يخلق العالم كما يشاء. لكنّه اختار أن يخلق عالماً حيث علينا أن نستهلك الحياة لنعيش، على سبيل المثال. لقد خلق عالماً حيث العواصف الثلجية، والبراكين، والأعاصير، والأمراض، والجوائح، وحتى الأزمات العاطفية، وكل شيء آخر يسبّب المعاناة والمشقة. لقد خلقَ عالماً حيث المعاناة جزء حاسم من العملية. خلق عالماً بغلافٍ من الصدفة. الإله الخبيث فقط من شأنه أن يخلق غلافٍ من الصدفة. وبالنسبة للغنوصيين، فقط إله خبيث من شأنه أن يخلق عالماً حيث يمكننا أن نعي وندرك المعاناة التي يتطلّبها الوجود في كل وقت.

    الآن، وبسبب هذه المعاناة، سيصل الغنوصيين إلى موقف يُنظَرُ إليه بشكلٍ أكثر شيوعا وحداثةً في لغة اليوم على أنّه مناهضة الإنجاب بدافع النفور الشديد من جلب المزيد من المعاناة غير الضرورية إلى هذا العالم. الآن، لنُدخل إميل سيرون لثانية واحدة فقط. لقد قال ذات مرّة إنّنا جميعاً نهرب من مأساة ولادتنا، وحقيقة أنّنا ألقينا وقُذِفنا في عالم غير معقول ولا معنى له ضدّ إرادتنا. ولكن كما لو أنّ ذلك لم يكن سيئاً بما يكفي، وفوق كل ذلك، نحن مُدركون بوعي تلك الحقيقة. فقال: ((أن تكون حيواناً أفضل من أن تكون إنسان، وحشرةً أفضل من حيوان، ونبات أفضل من حشرة، وهلم جرا. خلاص؟ كل ما ينتقص من مملكة الوعي وينال من تفوّقه)).

    لكن هاكم الأمر. يرفض سيوران في النهاية حتى الغنوصيين ومناهضي الإنجاب لأسباب كثيرة، لكن أحد الأسباب الأكثر إقناعاً هي حقيقة أنّهم حاولوا حتّى تنظيم استنتاجاتهم. لقد رفض محاولات الفلاسفة السابقين لمحاولة تجميع الأمور بشكلٍ منظّم بهذه الطريقة. في الواقع، رفض الكثير من الطرق التي كان الناس يتبعونها. حتى أنّه رفض الأشكال التقليدية في الأدب. لقد كتب بشكل متقطّع في عمله على شكل شذرات لدرجة يستحيل تحديدها. بعبارة أخرى، أعتقد، كما كان يفعل غالباً، أنّه ليس من الضروري أن يكون لديك وصف رسمي مُوحّد للواقع لتدرك أنّنا مشاريع فاشلة كأشخاص. الإنسانيّة بذاتها مشروعٌ فاشل. صلّي لأيّ إلهٍ تريد، ولكن بالنسبة لإميل سيوران، أياً كان هذا الإله أو مهما كان، هناك شيء واحدٌ مؤكّد، أنّ هذا المشروع بالذّات قد أفسِدَ نوعاً ما.

    الآن، من هنا، لن يكون الأمر صادماً بالنسبة للكثيرين منكم، ولكن يصل سيوران إلى نتيجة مفادها أنّ لا شيء له معنى في النهاية. وهنا نعود إلى النقطة التي انطلقنا من عندها. عندما ننظر إلى اللا معنى المطلق للحياة، والجانب التافه والعبثي للوجود، والمعاناة التي نتحمّلها بمقدارٍ هائل يومياً مجرد لمجرّد البقاء على قيد الحياة، كيف يمكن لأي شخص أن يقول بأنّ هذا خلقٌ ربّانيٌ جميل؟ حسناً، إنّه يرى أنّه جميلٌ بطريقته الناقصة الخاصة. كيف يمكننا تصنيف تعريف الجمال بهذا الشكل؟ ولكن وجهة نظره هي هذه: أيّ إلهٍ عليمٍ، قادرٍ على كلّ شيء يجعل هذا بمثابة مشروعٍ فنّي؟ أعني، بالنسبة لسيوران، هذا يعادل عندما يلصق طفلٍ صغير وجه معكرونة مبتسم على ورق البناء.
    وبالطبع، إنّه لا يفكّر في احتمالية وجود إلهٍ مسؤولٍ عن كل هذا. أنّه يضحك فقط على سخافة الأمر من ذلك المنظور المحدّد والضيّق، وهو ما كان يفعله كثيراً في عمله، بالمناسبة.

    أرأيتم، اعتقد سيوران بأنّك إذا كنت -لنقل إنّك تؤمن بقوّة خلاقة ما وراء الكون- مؤمناً بأيّ إله وتعتقد أنّه يخطّط لكل ذلك، فيجب أحياناً أن تكون مستعدّاً للعيش بدون كل الوعود والضمانات التي يقدّمها لك إلهك. ويقول أنّك عندما تأخذ ثانية فقط وتستمع، عندما تتوقف لحظة عن التذلّل عند قدمي الرّبّ طالباً منه الأمان، عندما تتوقف عن طلب الإجابات، فإنّ ما تسمعه هو ما يدعوه الحقيقة الوحيدة: الصمت. ماذا نسمع عندما ((نُبطِل الأفكار؛ المعتقدات، والتفاهات؛ الفن كذبة؛ والفلسفة نكتة؟)) عندما نتوقف عن محاولة عقلَنَة وفهم العالم من حولنا عن طريق الأديان أو الفلسفة أو أي طريقة أخرى، فإنّنا نلمس على الفور حقيقة الكون: الصّمت.

    قال سيوران: ((بالنسبة للحيوانات، الحياة هي كل ما هو هناك؛ بالنسبة للإنسان، الحياة هي علامة استفهام. علامة استفهام لا رجعة فيها، لم يجد لها أبداً، ولن يجد أبداً، أيّ إجابات. الحياة ليست فقط بلا معنى، بل لا يمكن أن يكون لها معنى)). الآن، بالنسبة إلى 95 ٪ منكم هناك، قد يبدو هذا مجرّد كلامٍ فارغٍ يصدر عن رجلٍ غاضب لا يتمتّع بعمق الشخصية ليجد طريقة للتواصل مع الكون أو الناس حتى الآن. لكنّ الشيء الذي يجعل سيوران مثيراً للاهتمام هو الاتجاه الذي سيسلكه في كل هذا.

    اسمحوا لي أن أبدأ بالقول هنا أنّ هناك عناصر حقيقيّة ومأساويّة ومؤلمة جداً للوجود الإنساني، نختبرها جميعنا في مرحلة ما من حياتنا. وهذا يعني أنّ هناك أموراً في الحياة تكون سيئة في بعض الأحيان. عملياً كل من يقرأ هذا المقال الآن قد شَهِدَ في مرحلة ما مستوى معيّن من اليأس، والاكتئاب، والكآبة، والفشل. جميعنا ارتكبنا أخطاءً في الحياة كلّفتنا فرصاً كبيرة. كلّنا اختبرنا ألم تحطّم قلوبنا. سمّها ما شئت. ومع ذلك، كم هو مثير للاهتمام، كما يقول سيوران، أنّ كل هذه المشقّات وغيرها الكثير تقع في هذا النوع من الطبقة المتميزة التي لدينا من المواضيع المظلمة، وهي مجموعة من التجارب الحقيقية التي يبدو أنّنا جميعاً نمرّ بها، ولكن ليس من المفترض أن نتحدّث عنها.

    بالنسبة لمعظم الناس، تتكوّن الحياة من تنسيق مستمرّ لصورة حيث لا يشعرون بأيّ من هذه المشقّات. من المفترض أن نبتسم في كل صورة. من المفترض أن نكون سعداء إزاء ما نحن عليه في الحياة ومتحمّسين بشأن مستقبلنا. لكن هذه الصورة التي يعرضها الكثير منّا ليست هي حقيقة تجربتنا الداخلية. هناك إحساس أنّنا من المفترض أن نحتفظ بمشاعر معيّنة بداخلنا ولا نتحدّث عنها أبداً. لأنّه عندما يأتي إلينا صديق ويخبرنا أنّه يشعرون بالاكتئاب بسبب عدم وجود معنى للحياة، أو عندما يقول أنّه يشعر باليأس بسبب عدم سيطرته على مجريات الأمور في نهاية المطاف، سيقول سيوران، كم من المثير للاهتمام أنّنا غالباً ما نلتقي ذلك الشخص بنظرة قلق. هذا هو الوضع الافتراضي. قد نحاول إصلاح هؤلاء الأصدقاء كما لو كانوا محطّمين أو شيء من هذا القبيل، محطّمين بسبب اعترافها بالواقع وفقاً لشروط الواقع.

    لكنّ سيوران كان سيقول، لماذا يجب أن يكون الأمر بهذه الطريقة؟ مقصده ليس أنّنا لا يجب أن نحاول مساعدة أصدقائنا إذا كانوا يشعرون بسوء. أعني، بالطبع علينا ذلك، إذا كان هذا ما نريد القيام به. وجهة نظره هي أنّ هذه التجارب الدّاخليّة السلبيّة هي جزء من الحالة الإنسانيّة في بعض الأحيان. ألا يجب أن نكون قادرين على التّحدّث عن الواقع؟ ولماذا هو شيء يجعلنا غير مرتاحين عندما يفعل الناس ذلك؟ أعني، خُذْ أي جانب آخر من الواقع. 1+1 = عندما تحدّث معلّمنا في الصف الأول عن هذا الجانب من الواقع، هل كنت حزيناً؟ أكنتَ قلقاً؟ هل كانت تلك المعادلة محرّمة أو ما شابه؟ لا، بالطبع لا.
    إذاً، لماذا هذه الأجزاء من التّجربة بالتحديد تقلقنا؟ لماذا المحرّمات؟

    بالنسبة لسيوران، الجواب ببساطة: لأنّ الحديث عنها يجعلنا نشعر بعدم الارتياح. هذه النقطة التي يطرحها تذكّرني قليلاً بنقطة هيدجر في مفهومه عن الوجود-نحو-الموت. يقول هيدجر أنّ الكثير من الناس يقضون حياتهم يفعلون ما بوسعهم حتّى لا يأخذوا بعين الاعتبار الحقيقة المطلقة والكاملة أنّهم سيموتون في يومٍ ما. بل إنّنا نبني مجتمعاتنا حول إنكار تلك الحقيقة. نحن نخفي الموت والأمراض والأسقام بعيداً في هذه المرافق البعيدة والمطوّقة حتى لا نضطرّ إلى النظر إليها أبداً: المقابر، والمستشفيات، ودور المسنين. وبغضّ النظر عن مدى عدم ارتياحنا للاعتراف بهذه الحقيقة كل يوم، ففي نهاية المطاف، إذا عشنا مع وعي دائم بالموت، فسوف نعيش حياتنا ستعيش في حالة توتّر وقلق وجودي دائم. حسناً، وكذلك هو الحال مع سيوران. هذه اللحظات المظلمة من تجربتنا تجعلنا غير مرتاحين للغاية. ومن خلال عدم التعبير عن مشاعرنا، وبجعل الناس يشعرون بالضّرر أو الانكسار، يساعدنا ذلك في السعي لفعل ما يفعله معظم الناس في هذه الحياة برأيه، وهو العيش في حالة دائمة من الإنكار.

    الآن، بالرغم من وجود العديد من الاستراتيجيات التي يستخدمها الناس للتخلّص من هذه المشاعر السيئة وغير المريحة، إلى أنّ هناك ثلاث استراتيجيات أساسية. الأول، هو أنّهم يحاولون التخلّص من هذه المشاعر بأساليب وطرق مختلفة. وهي الطريقة الأكثر شيوعاً التي جرى استخدامها تاريخياً. قد تكون الدين. وقد يكون فيلسوفاً وأفكاره. قد يكون كتاباً للمساعدة الذاتية. ويمكن أن تكون واحدة من تلك الندوات التحفيزيّة في عطلة نهاية الأسبوع، حيث يظنّ الجميع فجأة أنّها فكرة جيدة أن يقفزوا ويلوّحوا بأذرعهم مبتهلين أو يصلّون أو يرقصون، بالنسبة لـسيوران، لا يهم. إنّه أيّ شيء حيث نتوصّل من خلاله إلى نوعٍ من السرد الذي يهدف إلى الابتعاد عن هذه
    المشاعر.

    بالمناسبة، هذا أحد الأشياء التي تجعل سيوران فيلسوفاً مثيراً للاهتمام. فهو لا يحبّ الفلسفة حتى. ورأى كل هذه المحاولات من قبل المفكّرين لخلق مبرّرات لهذه المشاعر مضيعةً للوقت. هذا، بلا شك، لن يفاجئ الكثير منكم. مع العلم أنّه كان يقوم بعمله في أوائل القرن العشرين وحتى منتصفه، بعد أن خرج من عصر التنوير، فإنّ العقل ليس ما يلجأ إليه الجميع بالضبط عندما
    يتعلّق الأمر بحلّ المشاكل التي نواجهها كبشر. أعني، أنّ الاستنتاجات حول علم الأحياء وعلم النفس تخضع للفحص بدقّة كما هو الحال في العديد من العلوم الأخرى. اللغة وعدم استقرارها عرضة للهجوم هنا. أمّا النسبيّة، والعدميّة، والتّأريخية _هذه أصبحت الطّرق الأساسيّة التي نوجّه بها أخلاقياتنا، وليست شيئاً حدث وأن خطر ببال أحد الأشخاص وهو جالسٌ على المرحاض.

    وجهة نظر سيوران هي أنّك حين تحاول التخلّص من مشاعر الخوف والحزن تجاه الوجود وإنكارها، فإنّ ما تفعله حقاً هو عدم أصالة فكريّة. أنت لا تحبّ عدم الارتياح الذي تولّده فيك هذه المشاعر، لذلك تحاول أن تجد بعض التبريرات العقلانية للحياة التي تسمح لك بالشعور بتفاؤل أكثر. وهو يقول إنّ ما تفعله في نفس الوقت هو تقييد نفسك بعقيدة الأمل الكاذب بأمور أسمى. الآن، مرّة أخرى، وعلى المستوى السطحي، قد يبدو الأمر محبطاً. وقد يخرج شخص ما من تلك النقطة بموقف مثل، “حسناً، ما الهدف من فعل أي شيء؟”. ولكن على مستوى أعمق، ما يقوله سيوران هنا هو مجرد التفكير في عدد الاحتمالات التي أصبحت مستحيلة بالنسبة لك عندما ربطتَ نفسك بعقيدة التفاؤل والأمل هذه.

    عندما لا يكون لديك أي قيود أو سلاسل وتتقبّل عبثيّة الأشياء، فإنّ الجانب الآخر من ذلك هو أنّه يمكنك الآن الذهاب إلى أي مكان. عندما تتقبّل مخاطر السافانا، على سبيل المثال، لا تضطر إلى البقاء محشوراً داخل تلك السيارة المدرّعة على الطّريق تراقب الأشياء من مسافة. لكن مثل أي مكان جذب كبير يستحق المشاهدة، فإنّه يأتي مع ثمن. تكلفة هذا النوع من الوجود هي الكآبة، والخوف، وكل ما تبقّى من المشاعر التي تصاحب الأمانة الفكريّة.

    الطريقة الثانية التي يظنّ سيوران أنّنا نحاول التخلّص بها من المشاعر هي أن نبعد أنفسنا عنها. هذا أمرٌ شائع في يومنا هذا لأنّنا نملك الكثير من الأدوات التي تساعدنا على القيام بذلك بشكلٍ فعّال. نتفليكس، وسائل التواصل الاجتماعي، ألعاب الفيديو، المشروبات الروحية، العقاقير، الديانات، والروايات الخيالية -لا يوجد نقص في الأشياء التي تلهيك عن هذه المشاعر إذا كان هذا ما تختار القيام به. ولكنّ سيوران كان ليقول أنّك إذا اخترت تجاهل هذه المشاعر، فإنّك تفعل ذلك على مسؤوليتك الخاصّة. لأنّه لا يمكنك البقاء على نيتفليكس كمحلول تغذية وريدية دائم طوال حياتك. فمشاعر الخوف والحزن هذه ستنال منك لا محالة.

    لا يهم كم كنتَ مرتاحاً أو كم مضى من الوقت منذ أن واجهت فشلاً أو مأساة، فالحياة ستُلقي بشيء ما في طريقك في النهاية. وعندما يحدث ذلك، هل تريد أن تكون مرتاحاً للتعامل مع تلك المشاعر؟ أم أنّك تريد لتلك العضلات أن تضمر؟ هل تريد مواجهة شيء مُدركاً بأنّه سيكون وقتاً عصيباً، لكنّك تعلم أنّك ستتخطى ذلك؟ أم أنّك تريد كارثة محتملة؟ نعم، تماماً كما هو الحال مع التفكير المنطقي في الامور، قد ينجح الإلهاء على المدى القصير، لكنّه لن يحلّ المشكلة، وفي النهاية، سيؤدّي فقط إلى سلبكَ تجربة في مرحلة أخرى من حياتك.

    الطريقة الثالثة الشائعة التي يتخلّص بها الناس من هذه المشاعر هي أن يقبلوها كحقيقة. نرى هذا في فلسفات مثل الرواقية، وفي العديد من التقاليد الشرقية. الفكرة هي أنّه إذا تمكّنا من تقبّل حقيقة أنّ الأمور خارجة عن سيطرتنا في نهاية المطاف وأن نتصالح معها، فإنّ كل هذه الأشياء، مهما كانت غير مريحة، لن يكون لها أيّ سلطة علينا. الآن، قد يبدو هذا عظيماً من الناحية النظرية. لكنّ سيوران كان متشككاً جداً إزاء هذا الشخص الافتراضي ومدى تقبّله حقاً لهذه الأشياء، أو ما إذا كانت هذه مجرّد وسيلة أخرى لخلق تبرير عقلاني من أجل نزع قوّة هذه المشاعر وسطوتها علينا.

    كان لسيوران جملة عميقة المعنى جداً وهي “أنّ الإنسان يقبل الموت، لكن ليس ساعة موته”. أعتقد أنّ جزءاً ممّا يحاول الوصول إليه هو أنّه يمكننا تقبّل حقيقة أنّ نيزكاً سيصطدم بشكلٍ غير متوقّع بالأرض في يوم ما في المستقبل ويُنهي الحياة كلّها. يمكننا الاستمرار في حياتنا مهتمين ومُبالين بكل شيء، ودون أن نقلق أبداً بشأن ذلك النيزك في المستقبل لأنّه، بصراحة، إذا جاء، ماذا الذي يمكننا فعله حياله على أي حال؟ وإذا لم يكن في الطريق إلينا، إذن، مهلاً، أليس من الحكمة ألا أقلق بشأنه؟ لكن حظاً موفقاً عندما ترى صخرة بحجم بلدك تتّجه نحوك لتأتي على كل شيء عرفته وأحببته يوماً. حظاً موفّقاً بنظرة اللامبالاة على وجهك وكأنّك تنتظر في طابور بملل.

    لكن لنضع هذا جانباً لثانية. على سبيل الجدال، لنقل فقط إنّ هؤلاء الناس تعلّموا أن يتقبّلوا تماماً كل ما هو خارج عن سيطرتهم. سيقول سيوران أنّ مجرّد القبول لا يكفي لتكون إنساناً فاعلاً. في عالمٍ خالٍ من المعنى وعامر بالسخافة والعَبَث، لكي يكون لديك من الأسباب ما يدفعك إلى النهوض من السرير والقيام بأي شيء غير الأكل والنوم، فإنّك تحتاج بالضرورة إلى استحضار أسباب أخلاقية وجمالية ودينية واجتماعية، وغيرها الكثير، على حدّ تعبيره. لا شكّ أنّ حتى هؤلاء الذين اكتسبوا هذا المستوى من القبول قاموا بما يعتبره سيوران قفزات فكرية غير شريفة فكرياً في مجالات أخرى، على أساس التعليم الأخلاقي والجمالي والديني والاجتماعي.

    إنّ الفرضيّة الأساسية لعمل سيوران هي العدم. يقول: ((عندما لا تعود كل الاسباب الحاليّة -الاخلاقية، والجمالية، والدينية، والاجتماعية، وما الى ذلك- توجّه حياتنا، كيف يمكن للمرء أن يحافظ على حياته دون أن يستسلم للعدم؟ فقط من خلال الارتباط بالعبثية، ومن خلال حب اللاجدوى المطلقة، ومحبّة شيء ليس له جوهر ولكنّه يحاكي وهم الحياة. أحيا لأنّ الجبال لا تضحك، والديدان لا تغنّي))[على ذرى اليأس].

    إليك ما يعنيه سيوران بكلامه. فكّر في الأمر للحظة. كما قلنا من قبل، العقل بإمكانه تهدئتك بالتأكيد. يمكن أن يريحك المنطق لحظياً من مشاعر الخوف والحزن. ولكن هناك طريقة أخرى للنظر إلى ذلك وهي القول أنّه من خلال القيام بذلك، فإنّك تقيّد نفسك بعقيدة محدّدة وتحدُّ من الإمكانيات المتاحة لك في الحياة. إنّها طريقة بديلة للنظر إلى مزايا العقل. ولكن، ألا يمكننا القول أيضاً أنّ الشخص الذي لا يمتلك لهّاية العقل هذه أو أي طريقة إلهاء أو قبول لتجريد هذه المشاعر من تأثيراتها غير المريحة -ألا يمكننا القول إنّ الشخص المليء بهذه الشعور باليأس هو شخص ممتلئ بالحياة بطريقة لا يفهمها الآخرون ولا يقدرون عليها؟ أعني، إذا كان اليأس والحزن جزءً من الحياة في بعض الأحيان، ألا يمكننا القول أنّ الهروب منه يبدو إنكاراً أو لفظاً للحياة ذاتها بطريقةٍ ما؟

    ومن هذا المكان بالضبط أريد النظر في هذا الادعاء بأنّ سيوران متشائم. فهو، من وجهة نظره، يواجه الواقع نفسه الذي يواجهه الجميع -مأساة ولادتنا رغماً عنّا في عالم ندرك بسرعة أنّه بلا معنى وسخيف. الآن، معظم الناس في هذه المرحلة يركضون في الاتجاه الآخر. ومرة أخرى، لم تنجح أياً من هذه الامور في حلّ المشكلة، كالتفكير المنطقي، والتلهّي، والقبول. فما زال الكون سخيفاً وعبثياً، ولم يغيّر أيّ تبرير أو إلهاء هذه الحقيقة. لذا، من وجهة نظر معظم الذين يستخدمون واحدة من هذه التكتيكات، نعم، سيوران سوف يبدو وكأنّه متشائم في نهاية المطاف، لأنّه كان سلبياً إزاء نظرتهم المتفائلة. لكن من وجهة نظره، فهو ليس متشائماً؛ إنّه فقط يسمّيها كما يراها. وهو بالتأكيد لا يدعو إلى القنوط، متذمّراً وحزيناً على أساس حقيقة أنّ كل شيء بلا معنى وأنّ العالم عبثي وسخيف طوال الوقت.

    ما يجعل منه مفكّراً مثيراً للاهتمام هو أنّ تكتيكاته هي أن يتّجه مباشرةً نحو العبث، وأن يهرع نحو المبنى المشتعل الذي يريد الجميع الهروب منه، وأن يتعلّم أن يحبّ العالم، وهو العَبَث المَحض، من أجل نفسه فقط. وليس من أجل المعنى الذي يمكن أن يقدّمه لنا -أن يكون قادراً على التواصل مع اللاجدوى المطلقة. إنّه يوجّه كلامه لنا ويقول: تذكّروا أن تكونوا قادرين على محبّة شيء بلا جوهر ولكنّه يحاكي وهم الحياة. ومن خلال التوجّه نحو العبث وتبنّيه، فإنّنا نؤكّد على الحياة. ومن خلال الهروب منه بجميع أنواع الطرق المبتكرة، فإنّنا ننقضه ونُبطله. هل يمكن أن نقول إنّ هذا القبول للحالة البشرية -بكلا جانبيها المظلم والمضيء- هو نوع من التفاؤل؟

    ولكن لا تخطئوا، إذا أردتم الشروع في رحلة مثل هذه، فمن المؤكّد أنّها لن تكون سهلة. هذا هو نمط الحياة الذي يتطلّب منكم بلا شك أن تتقبّلوا مشاعر الكآبة والرعب والفشل والوحدة وكل ما تبقى. ولكن من خلال تبنّي سمة العبثيّة الحقيقية للعالم، وحقيقة التباين العاطفي للحالة الإنسانية، ستكون مكافأتكم هي الوصول إلى الإمكانيات اللامحدودة التي تكمن أمامكم.

    و سنتحدث أكثر عن ذلك في المقال القادم، لكنّ إميل سيوران سيواصل القول أنّه لم يكن لديه أبداً صديق لم يكن واقعياً ويتّجه إلى عبثيّة الأشياء دون لهّاية. ويمكنكم ملاحظة من أين جاء كل ذلك. فعندما يختار المرء أصدقائه أو عندما يحاول فهم نفسه، عندما يحاول التعرّف على أيّ شخص، هل يريد شخصاً مشتتاً للغاية يتحدّث إليه؟ طبعاً لا… كيف يمكن التعرّف عليهم أصلاً؟

    هل يريد شخصاً يكرّر ما قرأه في بعض الكتب أو يثرثر حول ما قاله نيتشه حول موضوع ما؟ طبعاً لا، أنا أفضّل أن أتسكّع مع نيتشه شخصياً.

    هل يرتبط المرء بشخص يظهر بمظهر الشخص المتفوّق علينا نحن البشر الضعفاء ومشاعر الحزن لدينا؟ أترون، فقط من خلال التعامل مع الإمكانيات الحقيقية المتاحة لنا يمكننا الوصول لأنفسنا وللآخرين.

    ذكر سيوران في كتابه “على مرتفعات اليأس” أنّه يطرح سؤالاً. فيسأل: ((من هو الأتعَس؟ من يشعر بوحدته الخاصّة أو من يشعر بوحدة العالم؟)). إنّه يقول بضعة أشياء في هذا الاقتباس، لكن أعتقد أنّ واحدة منها هي طريقة مثالية للتفكير في ما يراه الكثيرون مفارقة تكمن في أسس عمله. أترون، فمن ناحية، هو المفكّر الذي سيمضي إلى هناك. إنّه المفكّر الكالِح بما يكفي لإظهار مشاعر الوحدة لدى الجنس البشري على المستوى الكوني، الوحدة التي يشعر بها الجميع. ولكن فقط من خلال إثارة الموضوع، والتحدّث عنه، وفضّ تغليفه، والاستهزاء به في بعض الأحيان، والتألّم عليه، وفي النهاية عدم قبوله لتخفيف شعورنا بالانزعاج منه، بل من خلال تقبّله، والاندماج فيه -عندما نقوم بكل هذه الأمور، نشعر بأنّنا أقلّ وحدةً بعد قراءة أعماله لأنّنا لا نشعر فقط بأنّ شخصاً آخر يشعر بنفس الطريقة التي نشعر بها أحيانا في أسوأ أيّامنا، بل أيضاً بأنّ الجميع يشعرون بهذه الطريقة أحياناً. وهذا يجعلك تشعر بالراحة بعض الشيء، وبأنّك على الأقل جزءً من شيء ما.

    والآن، هو يفعل ذلك مع كل المشاعر التي تحدّثنا عنها اليوم. إنّه يتوجّه نحوهما. إنّه مفتونٌ بأكثر الأشياء ظلمةً وتحريماً للحديث عنها في ما يسمّى المحادثة المؤدبة. اثنتان من أكثر الأشياء تفضيلاً لديه، مع أنّه أمضى حياته مفتوناً تماماً بها، كانا مفهومي الفشل والانتحار. أفكاره عن الفشل مثيرة للاهتمام بقدر ما هي مضحكة. فالأشخاص المفضّلون لديه في الحياة كانوا فاشلين تماماً. كان يبتهج في إخفاقاته الخاصّة في الحياة ويعتقد أنّه يجب احتضانها وتقبّلها.

    أمّا الانتحار فكان مسألة معقّدة بعض الشيء. أريد التحدّث عنه في مقال منفصل، لكن ما سأقوله هنا هو أنّ سيوران لم يعتقد أنّ الانتحار كان جواباً على مشاعر غير مريحة. فهو نفسه لم ينتحر، قد يكون من المغري أن نتصوّر سيوران كرجلٍ من الإيمو في زاوية البار يتذمّر من الجعة -“الجعة بلا
    معنى!”. لا، بل على العكس من ذلك، تذكّروا، رسالته كلّها تدور حول احتضان الحياة، والتي بالنسبة له هي بالضرورة احتضان الكآبة، والخوف، والفشل، والحزن، إلخ. هناك العديد من الأشخاص الذين كتبوا عن لقاءهم مع سيوران، وقد أوضحوا أنّه ربما كان أحد أكثر الناس بهجة ومَرحاً الذين
    قابلوهم على الإطلاق.

    فكرة أخيرة يمكن التوقف عندها الآن مقولة لسيوران بخصوص الحياة والانتحار، إذ يقول: ((إنّ فكرة أنّ الحياة بلا معنى بحدّ ذاتها هي سبب كافٍ للعيش -بل هو السبب الوحيد)).
  • الكاتب

    الكاتب

    الكاتب برتولت بريخت
    الترجمةمحمد وليد قرين
    لما سُئِل لماذا يتحدث دائما في أعماله عن البؤس ولماذا يستقصي ويصوّر دائما التأثير الُمدمِّر للبؤس على البشر ولماذا لا يصف أبدا صورا مليئة بالأمل والبهجة، حكى كاتبٌ الحكاية التالية:

    اسْتُدْعِي طبيب إلى جانب رجل كان يشعر بالألم منذ فترة طويلة جدا وصار الآن طريح الفراش وعلى محياه كل علامات مرض عُضال، ونجح الطبيب في وقت قصير جدّا أن يطمئن المريض وأقاربه المهمومين وبثَّ فيهم الأمل في شفاء قريب. لقد شخّص لهم المرض ووصف حالة المريض كحالة عابرة وبسيطة نسبيًّا. لقد قدّم إرشادات دقيقة ووصف أدوية مختلفة ولم يزعجه أن يذهب عدة مرات في اليوم لعيادة المريض، وهكذا أصبح أكثر ضيف مُرحَّبٍ به في دار المريض.

    لكن تطوّر مرض الرجل ولم يعد قادرا على رفع أصبع يده، لأنّ الحمى أضعفته. لكن الطبيب كان
    يتحدث عن الصيف، عن الأسفار، عن الوقت الذي سيعيش فيه المريض حياة طيبة بعد أن يتعافى.

    في تلك الأيام، جاء صديق قديم للعائلة إلى المدينة التي كان يعيش فيها الرجل، وكان ذلك الصديق طبيبا مشهورا. لمّا رأى المريض أصيب بالفزع لأنه أدرك أنّ الرجل، الذي كان صديقه، لن يستطيع أن يبقى على قيد الحياة. ففحص المريض فحصا دقيقا ومطوّلا ولم يخفِ مخاوفه عن الأقارب، بالرغم من أنه، كما قال، لم يكن باستطاعته بعد أن يحدّد الأسباب الدقيقة للمرض.

    لمّا مات الرجل فعلا بعد مرور يومين، سألت الأم المغمومة الصديق إذا ما كان بإمكان إنقاذ ابنها، بما أنها كانت قد سمعت أنّ ذلك المرض الذي شخّصه لها الطبيب، نادرا ما كان ينتهي بالموت. فكّر الصديق للحظة ثم قال: “لا، كان من المستحيل إنقاذه “. لكن الطبيب قال خارج الدار لأخ المريض الأصغر: لو تم تسليم أخاك فورًا لعناية طبيب جرّاح، لكان اليوم لا يزال حيّا. هذا رأيي وأقوله لك أنت. أمك مسنّة ولم تعد تحتاج إلى الحقيقة، وإنما هي تحتاج إلى السلوان. أمّا أنت رجل شاب وتحتاج إلى الحقيقة.”
    فسأله الشاب وقال: “ولماذا الطبيب الذي استدعيناه لم يسلّمه فورا لعناية جرّاح؟ لماذا كان دائما يتحدث عن تحسن حالة أخي وعن صحته الجيدة؟ وما الهدف من الأدوية الغالية والإرشادات الدقيقة إذا لم تصلح لشيء؟”

    “الأدوية الغالية والإرشادات الدقيقة ليست دائما مفيدة بالضرورة، يا صديقي الشاب، ولكن ما يجب أن يُطلب من طبيب هو أن يُحدِّد الأسباب الصحيحة للمرض. ومن أجل جعل شخص ما يتعافى من المرض، ينبغي أن يكون التشخيص صحيحا. وحتّى يكون التشخيص الصحيح ممكنا، لا يحتاج المرء فقط إلى علم طبي متبحّر، وإنما ينبغي أن يكون له اهتمام حقيقي بشفاء المرض. لا يكفي أن يكون شخص ما طبيبا، يجب أن يكون قادرا على مدّ يد المساعدة. ذاك الطبيب كان يتحدث عن تحسن حالة المريض، بينما لم يكن قد حدّد بعد الأسباب الحقيقية لمرضه. أمّا أنا فأبقى أتحدث عن المرض وفقط عن المرض، إلى غاية أن أتعرف على الأسباب الدقيقة للمرض وأعرف الوسائل الدقيقة التي من شأنها أن تكافح المرض وإلى غاية أن تظهر ملامح التحسن الأولى. حينها فقط قد أتحدث أنا أيضا عن الشفاء.”

    قال الكاتب: ” هكذا جرت الأمور على كل حال “. وأوقف الكاتب حكايته.
    سُئِل الكاتب بعد صمت دام لحظة قصيرة، من باب الأدب: “ولكنك لست طبيبا.”
    فأجابهم وقال: “كلّا. ولكني كاتب.”

    العنوان في الأصل: Der Schriftsteller
    مصدر النص: كتاب برتولت بريخت، Über Kunst und Politik (عن الفن والسياسة)، ص.
    145-146، Reclam Verlag منشورات ريكلام، 1977، لايبزيغLeipzig ، ألمانيا الشرقية

  • التأثير والتأثر بين الديني والثقافي!

    التأثير والتأثر بين الديني والثقافي!

    الكاتبوليد القبلان
    في التجمع البشري وعلى أنقاض ما بعد الطبيعة تولد الثقافة ، وهي لا تولد إلا بوجود المجتمع المكون من الأفراد ، فالثقافة تسعى الى تأمين الاحتياجات للإنسان من خلال تكيفه مع البيئة ومراكم خبراته و أفكاره في سبيل العيش الكريم و الأمان من الآخر و الإجابة على الأسئلة الكبرى الوجودية . و تتشكل الثقافة من رموز هي إشارات مجردة تحل محل قيمة ما و تصبح ممثلاً عنها وبديلاً لها ، مثل رمزية الألوان عند الشعوب ؛ فمثلاً ربما بدا لنا الأسود وحده لون الحزن ، لكن الصينيين التقليديين يعتبرون الأبيض لون الحداد . وللثقافة محددات ايضاً مثل اللغة و الدين و الفن و العادات و التقاليد والشعائر و الطقوس و الأعراف.

    يصعب حصر التعاريف الكثيرة التي عُرّفت بها الثقافة ، ولعل اشهرها تعريف الأنثروبولوجي الانكليزي ادورد تايلور ، الذي قدمة في كتابة ( الثقافة البدائية ) عام 1871م حيث قال : ” هي كل مركب يشتمل على المعارف و المعتقدات و الفن و القانون و الأخلاق و التقاليد ، وكل القابليات و العادات الأخرى التي يكتسبها الانسان كعضو في مجتمع معين “(1) و يعرفها (هوريو) : بـ” أنها ذلك الذي نحتفظ به حينما ننسى ما تعلمناه “(2) . فكل ما يكتسبه الإنسان بعد ولادته ، ليس فطرياً أو وراثياً هو ثقافة. “ولابد للثقافة لكي تستمر من تحقيق الإشباع لمن يمارسها……..وعملية الإشباع لابد لها من تحقيق توازن تتفوق فيه اللذة على الألم….فالإشباع يدعم العادات و يساندها بينما ينجم عن قلة الإشباع أن تنطفئ العادات و أن يخبو و هجها و أن تختفي تماماً. وهذا ما يحصل عملياً ويترتب عليه أن ما يناسب جيلاً لا يناسب آخر”(3)

    وحيث إن الدين مكون رئيس من محددات الثقافة ، فإن الدراسات الفلسفية الدينية المعاصرة تُشير الى أن الاديان لابد أن تحتوي في بنية الحد الادنى منها على العقيدة والعبادة والقصة الكونية، أي قصه كونية تتحدث عن اصل الكون و مصيره وأصل الإنسان ومصيره، هذا في بعض الاديان . وهناك بنية الحد الاقصى تزيد على العقيدة و العبادة و القصة الكونية أخلاقً ؛ كما في المسيحية ، وتشريعاً وهويةً و جماعة ، كما في الاسلام .

    وهناك خمس نظريات في الفلسفة الدينية المعاصرة تتحدث عن أصل الدين:
    الأراوحية والطبيعية و العاطفية والنفسية و البراغماتية ، وهذه النظريات جميعها لا دينيه ، وتقسم الاديان الى نازلة ، مثل الديانات التوحيدية ؛ أي بوحي نازل من الإله المطلق ، وصاعدة ، مثل الفلسفات البشرية التي صعدت في تأملها للكون ، وبحثت عن معنى للوجود ، و افترضت أن هناك مدبراً له ، ثم تحولت تلك الفلسفات إلى أديان .

    تقول جينفر مايكل هكت صاحبة كتاب ( تاريخ الشك ) ” ان الدين سيظل موجوداً
    مادام الإنسان موجوداً ، لأن الدين لا يفتأ يبحث عن معنى الوجود”(4)

    ويتميز الدين عن الثقافة بأن الدين يعد في حالته النقية الأصلية – في الاديان النازلة على الاقل – أكبر من قدرات الإنسان ، لكن الثقافة من صنع الإنسان و الاجتماع البشري .
    للثقافة تأثير على الدين لامتزاجها بالاجتماع، فالدين ليس مجرداً ، بل يوجد داخل مجتمع بشري هو بالضرورة مكتنز بمفاهيم و اعتقادات و أساطير وبيئة وخبرات تحكمه ، و بالتالي تؤثر في أي وافد عليه ؛ سواءً أكان ذلك لغةً ام علماً ام دينا. فالدين مثل المطر، حينما ينزل من السماء و يلامس الارض يفقد طهرة ، وبذلك يصبح جزءاً من هذا المرَكَّب، ليس هو بالمطر و لا بالارض.
    ليس بوسع العقل الديني تجاهل التأثير الاجتماعي على الفكرة المطلقة ؛ لأن المطلق لا يعمل في الفراغ ، بل من خلال الاجتماع البشري المحكوم بالطبيعة.

    فالمسيحية حينما نقلها بولس الرسول من بيئتها الاصلية من القدس إلى روما ، تشربت الثقافة الرومانية في كثير من طقوسها ؛ فمثلاً في عام 274م أسس الإمبراطور أورليان عبادةً رسمية لإله الشمس (ميثرا) ، و أعلن عيد ميلاده الخامس و العشرين من ديسمبر عطلة وطنية ، ثم بعد قرن تقريباً أعلن الإمبراطور قسطنطين المسيحية ديانة رسمية لإمبراطورية روما ، وهنا استطاعت الكنيسة المسيحية عام 354م تحويل عيد ميلاد (ميثرا) الوثني ، عيداً لميلاد عيسى المسيح عليه السلام ، متأقلمة بذلك مع المعطى الثقافي الموجود ، و مبقيةً على العيد المزروع في وجدان شعب الامبراطورية ، ولكن بعد تأميمه لصالح الدين الجديد ، أي أن الثقافة تضيف و تبدل أو تستبعد في الدين.(5)

    وفي الديانة اليهودية ، وبحكم التزامن مع الثقافة اليونانية والقرب منها ، فقد تأثر مفهوم الإله عند اليهودية بالتجريد الذي كان من خصائص الإلهة عند اليونان ،فهي روح شخصي يعمل لغايات بدون صورة حسية . بينما انتقلت المسيحية الى البيئة الرومانية المشبعة بوثنية هيلينية اكثر تقبلاً للتعاطي مع فكرة التجسيد ؛ مما جعل تأثرها بالتجسيد الوثني الموجود عند الرومان أمراً حتمياً. ويتجلى ذلك واضحاً بتماثيل المسيح وصوره في الكنائس و الوجدان المسيحي.(6) وكما تؤثر الثقافة في الدين فإن للدين تأثيراً على الثقافة ؛ فما يزرعه الدين في عقل الفرد من مفاهيم و قناعات مسلم بصحتها القطعية عنده ينعكس ، دون شك ، على سلوكه و بيئته و العقل الجمعي لديه .

    فالمسيحية الكاثوليكية ترى أن الثراء هو امتحان من الرب ، و أن الغني حينما لا يتخلى عن ثروته من أجل الرب لن يدخل الجنة . بخلاف البروتستانتية التي ترى أن الثراء دلالة على النجاح ، وأن النجاح الدنيوي علامة على الخلاص الشخصي ورضا الرب ، وأن العمل ليس لعنة و إنما هو رسالة و أستجابه لدعوة إلهية ؛ فالعمل عبادة ووظيفة مقدسة ، وبناء على ذلك فالمؤمن الحق هو من يسعى و ينجح ، وهذا عكس الجبرية التي تؤمن بها الكاثوليكية ، وبذلك كانت الأخلاق البروتستانتية كما قال ماكس فيبر : هي الحاضن لروح الرأسمالية التي غيرت مفهوم العالم عن الانتاج والاستهلاك و الادخار و تراكم رأس المال.

    أي أن البروتستانتية تؤكد بأن أعمال الإنسان خيرها و شرها ، هي ما تحدد مصيره، وهذا يعني أن أوامر الله المطلقة قابلة للتعديل بتغير أعمال البشر ، وهو أمر في الكاثوليكية غير مقبول بتاتاً. وهذ التغيير الجذري الذي احدثته البروتستانتية على بنية المسيحية ، ثم على ثقافتها ، جعل من (المانيا) و (بريطانيا) اللتين اعتنقتا البروتستانتية على هرم الرأسمالية . أي أن الدين حينما حل في ثقافة ما استطاع التأثير فيها.(7)

    حينما تُصَدَّر الاديان لبيئة اخرى فإنها تقوم بتخفيف الحمولة الثقافية للدين (العقيدة و العبادة و السردية الكونية )، و ذلك يجعل المتلقي في البيئة الجديدة قادراً على التحول وزرع الدين الجديد في الثقافة و البيئة المحليتين . تسعى العولمة و الاصولية ( تزعم الاصولية ان الدين ثابت و لا تؤثر فيه الثقافات ) إلى فصل الديني عن الثقافي ، وهذا يجعل من الدين على وجه الدقة منتجاً معداً للتصدير. فالهندوسية وثيقة الارتباط بمجتمع (طبقات مغلقة) ، لكن بعد حلولها في البيئة الغربية تمت إعادة صياغة لنظامها الاعتقادي ، وتبسيطه ليتناسب مع قيمة المساواة في الغرب ، وكذلك تم التنازل عن الطقوس المرتبطة بنهر الغانج الموجود بالبيئة الاصلية للهندوسية ، و لكن مع الاحتفاظ باللمسة الشرقية و ملابس الشيوخ الروحيين التي يمكن ان تغوي المؤمن الجديد . هذا التغيير جعل من الممكن لهذه الديانة ان تعمل في البيئة الغربية.

    وعند وصول البوذيين الى كاليفورنيا ، في نهاية القرن التاسع عشر، سميت المعابد (كنائس) و الكهنة (محترمين) ، وصورة الراهب المركزية في البوذية محيت في النسخة المعدة للتصدير ، كذلك عكست الهندسة المعمارية البيئة الجديدة للبوذية ، واصبح هناك مقاعد و مقارئ للترتيل تخلق مناخ معبد بروتستانتي ، و من إطار مفردٍ و غير نظامي انتقلت الى طقس مبرمج يوم الاحد ، يشمل تأملاً و قراءةً أو غناء نصوص بوذية و أناشيد وبخور، وهذا مختلف عن البوذية في بيئتها.(8)
    ليس تصدير الدين لثقافةٍ ما ،هو فقط ، ما يؤثر فيه ، بل حتى التغير الحاصل في الثقافة الاصلية للدين ، لأي سبب كان ، يفعل فعلة في الدين .
    فالتأثير الذي يستهدف ثقافة دين ما ، سواء بالهيمنة عليها من قوى خارجية ، أو ثورة سياسية ، او فلسفية (الثورة الشيوعية و الفلسفة المادية) ،لابد ان ينحت تأثيره في دين تلك الثقافة .

    فما حل بالمسيحية في بيئتها الاصلية عندما تغيرت ثقافتها الاوربية تأثراً بفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة ، هو انحرافٌ في ثوابت مسيحية ، كعزوبة الكهنة لدى الكاثوليك ، ورفض الطلاق لدى الإنجيلين و الكاثوليك ، و حق الإجهاض و غيره . باتت تلك المعتقدات لا تتماشى مع الثقافة الغربية الجديدة (المحلية).(9)

    إن ما حل في هذه الاديان من (انحرافات) سواءٌ أ كان ذلك ناتجاً عن تغير في ثقافاتها الاصلية ، او عن طريق التصدير لثقافات مغايرة عمّا نشأت فيه يطرح جملة من الاسئلة :
    فهل هو تغير في مطلق الدين ام هو تغير في الثقافة و الاجتماع؟ وهل بمقدورنا تمييز ما هو ديني عمّا هو ثقافي في موضوعنا هذا؟ علماً أن الدين ظاهرة اجتماعية لا توجد خارجه ؟ وهل الاديان في بيئاتها الجديدة ، بعد تغيراتها للتماهي مع البيئة الجديدة ، احتفظت بالمطلق من الدين و تنازلت عن الثقافي فقط؟ أم أن ذلك انسحب على المطلق؟ وهذه اسئلة كبيرة لا يسعني الاجابة عنها.

    1- عبدالغني عماد ، سوسيولجيا الثقافة ، الطبعة الاولى ، بيروت ، لبنان ،مركز دراسات الوحدة العربية ، فبراير 2006 ،ص 31 .
    2- مالك بن نبي ،مشكلة الثقافة ، الطبعة الرابعة ،الإعادة الثانية عشر ، سوريا ، دمشق ، دار الفكر ، 2006 ،ص135.
    3-سوسيولوجيا الثقافة ص122.
    4- أنظر : محاضرة للدكتور محمد مختارالشنقيطي في اليوتيوب بعنوان الدين و البحث عن المعنى.
    5- روبرت غرين ،كيف تمسك بزمام القوة ،الطبعة العربية الخامسة ، ترجمة محمد توفيق البجيرمي ،السعودية ،الرياض ، العبيكان،
    2011 ،ص639.
    6- أنظر: عبدالجواد ياسين ، اللاهوت ,الطبعة الاولى ، المغرب ، الرباط ، مؤمنون بلا حدود ،2019.
    7- أنظر : ماكس فيبر ، الاخلاق البروتستانتية و روح الرأسمالية ،ترجمة محمد علي مقلد، بيروت ،لبنان، مركز الانماء القومي.
    8- أنظر : أوليفيه روا ، الجهل المقدس ، الطبعة العربية الاولى ، بيروت ،لبنان ، دار الساقي، 2012.
    9- نفس المرجع السابق .

  • عقلانية غير بشرية

    عقلانية غير بشرية

    الذكاء الاصطناعي بصفته ممهداً لشكل جديد من السلطة غير مرتكز إلى العقلانية

    كتابة د. جوزيف عوض
    قنبلة أوبنهايمر واسعة الأثر

    يبدو فيلم أوبنهايمر تعبيراً سينمائياً عن لحظة من التاريخ تمحورت فيها كل أفعال مجموعة من البشر حول قنبلة، لكن ليس بصفتها أداة تدمير، بل بصفتها عملية اختراع وشيئاً قيد التحقق. فهذا المشروع الذي لم يكن قد تحقق بعد، غيّر توزيع القوى وخلق صداقات وعداوات وشكل موازين ومصالح ممتدة على نطاق واسع وصل في لحظة معينة إلى أن يكون بؤرة اهتمام للجمهور والدولة على حد سواء.

    الملفت في الفيلم أن كل ما هو مهم ويستحق الذكر قد حدث قبل تفجير القنبلة، الصراعات والعلاقات والأفكار وتكون الشخصيات، كلها حدثت في تلك المرحلة التي كانت تتم فيها صناعة القنبلة. أي أنها نشأت مع نشوء (مشروع) الاختراع الجديد.

    لكن كيف يمكن لاختراع ما أن يحوز كل تلك المكانة ويترك كل ذلك الأثر قبل حتى أن يحدث فعلاً ؟ كيف يمكن لمجرد السعي إلى إنتاج علمي أن يشكل المجتمع بشكل جديد؟ ربما نبرر الأثر الممتد لقنبلة أوبنهايمر على السياسة العالمية بقدرتها التدميرية، لكن الأثر الاجتماعي كان قد تحقق فعلاً قبل إنجاز الاختراع وقبل التأكد من إمكاناته ورؤية قدرته التدميرية. أما الأثر الذي حدث بعد تحقق التدمير فقد بدى أنه كان النتيجة لكل التغير أو إعادة التشكل الذي كابده المجتمع ليقوم بالعمل الذي أدى في النهاية إلى انتصار عسكري، كان ذا أثر بالغ في التاريخ بلا شك، إلا أنه بدى عرضياً تماماً في سياق الفيلم. 

    الاختراع بصفته عنصر تغيير

    لا يمكن أن ندعي أن الأثر الاجتماعي للتطور العلمي أمر مستغرب، بل هو ربما من أكثر الأمور وضوحاً في عالمنا المعاصر الذي سيطر على جزء كبير من تاريخه صراع مدرستين فكريتين هما الرأسمالية والماركسية متحاربتين أساساً على طريقة إدارة وسائل الإنتاج، إحداهما أرادت أن تكون وسائل الإنتاج مملوكة للجميع فجعلتها مملوكة للدولة والأخرى أرادتها مملوكة للأفراد، لكنهما كلتاهما آمنتا أن لوسائل الإنتاج هذه أثراً كبيراً على المجتمع.

    والتفكير بوسائل الإنتاج يعني التفكير بالمشروع وبطريقة إدارة العمل وتوجيه الموارد والتعامل مع الطبيعة. كما يعني التفكير في العمل كنشاط بشري يسيطر على الأشخاص ويتحكم بوقتهم وجهدهم ويتداخل مع نظم معاييرهم الأخلاقية والفلسفية والسياسية، الشخصية والاجتماعية.

    لكن خلف التفريق الحاد في شكل ملكية وسائل الإنتاج تقبع فكرة أكثر أسياسية تدور حول القيمة بمعنييها الاقتصادي والأيديولوجي، ففي النظام الرأسمالي تتحد قيمة المنتج بسعره، وآلية الأسعار هذه تخلق منظومة متكاملة قائمة على مبدأ العرض والطلب والمنافسة والربح والملكية الخاصة والتراكم، وتمتد الفكرة بعيداً عن الاقتصاد إلى ماهية الدولة والمواطنة، وفكرة الفرصة والنجاح والمبادرة والفرد وأثر كل ذلك على الفلسفة والأخلاق والسياسة. أما في الفكر الماركسي، حيث تتحدد قيمة المنتجات بالمنفعة المتأتية للمجتمع وتهدف العملية الاقتصادية إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع للجميع ويكون مفهوم العدالة محورياً، فإن منظومة مختلفة تنشأ تكون فيها الدولة مالكة وراعية ومنظمة للمجتمع الذي يراد له أن يتحرك بانسجام تام لا يقتصر على الإنتاج والاقتصاد.

    ربما تذكر العبارة الأخيرة القارئ المطلع على خلاف ماكس فيبر مع كارل ماركس حول حق الأولوية بين الاقتصاد والثقافة، وهو نقاش بعيد بلا شك عن أهداف هذه المقالة، فالتعريج على الفكر الماركسي جاء هنا عرضياً تماماً ولن يؤثر على الطرح الذي سوف نقدمه فيما يلي، إلا أن طرح غريمه في الفكرة ماكس فيبر والمتعلق به تاريخياً وفكرياً بلا شك، هو الذي سوف نقيم عليه فكرتنا في هذا المقال، وتحديداً فكرة فيبر حول مفهوم العقلانية كمحدد لشكل النشاط الاقتصادي الرأسمالي.

    فبحسب ماكس فيبر، فإن العقلانية هي سمة المجتمع الرأسمالي، حيث تفرض العقلانية نفسها ليس فقط عند اختيار نمط الفعل الغائي للوسائل والبدائل في الاقتصاد بل أيضاً في شكل العلاقات القانونية والسيادة البيروقراطية. فماكس فيبر يرى أن العقلنة تعني توسيع المجالات الاجتماعية التي تخضع لمقاييس القرار العقلاني، ابتداءً من تنظيم الوسائل والاختيار بين البدائل، مروراً بالتخطيط ومأسسة التقدم العلمي كشكل من أشكال ضمان استمرار أنظمة الفعل العقلاني عن كطريق مأسستها، وصولاً إلى تغيير الموروث الثقافي للمجتمع ككل، فيهدم المشروعات القديمة ويبعده عن زمن الخرافة.

    يعترض هبربرت ماركيوز على مفهوم العقلنة لدى ماكس فيبر بأن العقلانية الرأسمالية بهذا المفهوم ليست العقلانية بذاتها بل هي شكل مضمر من السيادة لا يكتفي بأن يغير المجتمع ويعيد تشكيله، بل يضع له أيضاً حدوداً بقدر ما يشكله، وبذلك فإنه بعد حد معين يمنع المجتمع من التغير أو -بمعنى آخر- يحرمه منه. واعتراض ماركيوز -كما لكم أن تلاحظوا- لا يقلل من أهمية الفكرة، بل يزيد من إدراكنا لأثرها في تشكيل المجتمع.

    فالعقلانية العلمية هي إذاً ممارسة للإشراف والرقابة تُمأسس السيادة وتحتفظ بالمحتوى السياسي مما يجعل “العقل التقني هو نفسه أيديولوجيا، وليس استخدامه أولاً، إنما التقنية سلفاً هي السيادة (على الطبيعة والإنسان) سيادة منهجية منظمة، علمية، محسوبة ومدروسة الأغراض” بحسب كلام ماركيوز الذي يتابع “ولا يتم إملاء بعض الغايات والمصالح المحددة للسيادة “متأخراً” ومن خارج التقنية -فهي تدخل سلفاً في بناء الجهاز التقني ذاته، فالتقنية هي في كل مرة مشروع اجتماعي-تاريخي، ويتم التخطيط فيها للمجتمع والمصالح المسيطرة عليه، بحيث تملي عليهما ما يتوجب فعله مع البشر ومع الأشياء، مثل هذه الغاية للسيادة (مادية) وتنتمي من حيث ذلك إلى الشكل نفسه للعقل التقني” قد تبدو الفقرة السابقة من كلام ماركيوز أعلاه شديدة التكثيف، إلا أن ما يهمنا منها هو أن العقلانية بوصفها شكل السيادة المضمر في الرأسمالية هي أساساً ذات أثر أبعد بكثير من مجرد أن تكون خياراً يمكن الأخذ به أو تركه. فهي شيء بهذا المعنى
    تستحق صفة المضمر لأنها تشكل النظام ككل وشكل السطلة التي يمارسها، كما تبين لنا أن أحد معاني العقلانية بوصفها في أحد أشكالها العقل التقني المتمثل بالجهاز التقني والاختيار بين البدائل التقنية والتخطيط للتقدم العلمي، هو معنى ينسحب على كامل المجتمع.

    في هذا السياق لدينا فكرتان نرغب في طرحهما تطبيقاً للمفهوم الذي ناقشناه فيما يتعلق بشكل السلطة المترافق مع التقنية تطبيقاً على ظاهرة انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل واسع مؤخراً. الفكرة الأولى، هي مركزية العقلنة بصفتها سمة بشرية ضرورية للتكنولوجيا وبالتلازم ضرورية لمركزية دور الإنسان بصفته محتكر الفعل العقلاني اللازم لفهم العالم، أما الفكرة الثانية، فهي شكل العالم الجديد الذي يمكن له أن ينشأ من هذا التغير. أما في النهاية، فنختم مع استطرادٍ سريع خاص بالدول النامية كحالة خاصة من هذا الطرح وتعنينا مباشرة.

    إغواء المستقبل المريح

    كما فهمنا مما سبق، فإنه مع التقدم التقني لم تعد وسائل الإنتاج مجرد أدوات عمل بل غدت أساساً لأنواع المشروعية، وبما أننا النوع الوحيد المفكر، فإن هذا العقل الذي ينتج التفكير العلمي والعقلانية يغدو هو أساس مشروعية سيطرتنا البشرية على الحياة باعتبار عقلنا هو أساس التقدم العلمي الذي هو شرط حدوث التقنية واستمرارها.

    فالتقنية تفرض سيطرتها علينا كبشر بينما نحاول نحن استخدامها للسيطرة على الطبيعة، إلا أن التفكير البشري بصفته المحتكر للتفكير العلمي يبقى ذا مكانة جوهرية في عملية الإنتاج وبالتالي في عملية السيطرة بكل ما يستتبعه ذلك من مركزية إنسانية فلسفية وأخلاقية. وبالرغم من أن هذه السيادة المضمرة لا تمنح سيادة متساوية لجميع البشر، إلاّ أنها هي التي تهبنا الشكل السياسي والسيادي الذي يمتلك فيه الأشخاص حقوقهم بصفتهم أشخاصاً.

    لكن مع تصاعد دور الذكاء الاصطناعي، فإن سؤالاً يطرح نفسه فيما يتعلق باستمرارية حضور المركزية الإنسانية كفكرة أساسية، متأتية من تفرد التفكير البشري، وكأساس للسيطرة البشرية على الطبيعة وبالتالي مكانتهم المركزية كأشخاص في هذا النظام السياسي الحالي بما فيه من حقوق ومنظومة قيم.

    ففي الوقت الذي تحال فيه الكثير من الوظائف إلى الذكاء الاصطناعي فإن الخوف الأساسي لا يجب أن ينحصر في انتزاع عمل البشر منهم لصالح الذكاء الاصطناعي، فالتاريخ يبين أن الأعمال التي يلغيها التطور يمكن أن تعوض بأنواع أعمال جديدة. لكن الخوف الأساسي يجب أن يكون من تراجع دور العقلانية والتفكير العلمي في أداء البشر لأعمالهم وبالتالي تراجع دور العقلانية المحوري كأساس للمبدأ الإنساني وانعكاساته السياسية.

    فالقدرة البشرية على العمل والإنجاز والمشروطة حالياً بالعقلنة والتفكير العلمي قد تتعرض لفك هذا الشرط عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بأداء المهام داخل (صندوقه المغلق) بينما البشر يتحولون للثقة بنتائج تفكير الآلة ذاتية التعلم أكثر مما يثقون بنتائج تفكيرهم المنطقي. وحيث أن الآلة غدت اليوم تتعلم ذاتياً بطرق غير مدركة للبشر -وهو شرط الذكاء الاصطناعي- فإننا عند العمل معها نتحول إلى نوع من الإيمان الغيبي والذي يتميز عن كل الإيمانات الغيبية السابقة بأنه دائم التحقق على عكس نتائج الصلوات ونبوءات الأبراج وقراءات فناجين القهوة المقلوبة، مما بجعله إيماناً أشد قوة ومتانة.

    إلا أن هذا الإيمان الفعال والمتحقق يشكل خطراً على مركزية الإنسان الفلسفية والأخلاقية والسياسية، فهو يعني تراجع سيطرة الإنسان على وسائل الإنتاج والذي يعني سياسياً تراجع أساس سيادته، ويعني أيضاً تراجع المركزية الفكرية للإنسان بصفته ناظراً إلى الطبيعة في سبيل فهمها أو مفكراً بالكون، مما يعني تراجع دور العقلنة، فالفهم لم يعد ذا ضرورة لأن ذكاء الآلة يقوم بهذه المهمة على أتم وجه، بينما فهمنا لهذه الآلة (الفاهمة) للطبيعة ليس فقط غير ضروري لفهم الطبيعة وإتمام المهام واستمرار عمل الجهاز -أياً يكن مستوى الجهاز من الدولة إلى الآلة- بما أن الآلة سوف تقوم بكل شيء أفضل منا، بل ربما يكون غير ممكن من الأساس.

    ولأجل أن يحافظ البشر على مكانتهم في نظمهم الفلسفية والسياسية فإنه قد لا يكفيهم أن يعتمدوا على غريزة البقاء البسيطة باعتبارها متأصلة فيهم ككائنات حية لتمكنهم من مقاومة تراجع مكانتهم أمام اختراعاتهم الخاصة، بل يتوجب عليهم أن يسعوا بكل جهدهم لإبقاء الذكاء الاصطناعي ضمن إطار المفهوم والمدرك -وليس المُقيَد والمحارَب الذي تبدو الدعوات له الأكثر
    مدعاة للراحة مع أنها الأقل قابلية للتحقق. ولأجل فعل ذلك لابد من النظر إلى ما بعد الذكاء الاصطناعي والعمل على تجاوزه، فكما كان الأمر دائماً، يبدو أن التقدم هو شرط بشري جوهري حتى لو أدى التطور إلى نقطة تاريخية يبدو فيها أن هنالك إغراء بأن نركن إلى الراحة ونعطي قيادة العقل والتفكير إلى كائن آخر يريحنا مما طالما شكل أكبر تحدياتنا ومغامراتنا البشرية وهو الاكتشاف والتقدم. فتلك اللحظة التي نستسلم فيها للراحة من عبء التفكير بالمستقبل سوف تكون لحظة انحدارنا.

    شكل المستقبل: السلطة أم الرفاه

    في كتابات يوفال هاراري عالية الانتشار مثل العاقل (Sapiens) و(Homo Deus) تبدو دعوته الأساسية هي تقبل أنه من الممكن تقنياً أن تتطور كيانات تقنية قائمة على التطورات العلمية التي أتى بها البشر لتتجاوز البشر أنفسهم وتكون هي النوع المسيطر في المستقبل، وسواء حدث ذلك أم لا، فإن هنالك مرحلة من الانتقال لن نعود نحن فيها نفس البشر الحاليين. وقد تبين أن كتابات هراري هذه أثارت اهتماماً كبيراً حول العالم.

    إن الأزمنة القديمة، كما وصفها ماكس فيبر، والتي كانت أزمنة خرافة والتي تجاوزها التفكير العقلاني، لم تكن كذلك لأن الإنسان كان غير قادر على التفكير، بل لأن نظم السيطرة المضمرة في تلك الفترات كانت قائمة على نظم إنتاج لا تحتاج إلى العقلانية فحَكمتها الأفكار الخرافية التي كانت متوافقة مع نظم السيطرة المضمرة في أدوات الإنتاج وقتها ورافقتها مكانة للإنسان ونظام حقوق متوافق مع شكل السيطرة المضمر هذا. أما وقد أتاح التقدم العلمي عصراً جديداً من العقلانية فإن نظام السيادة المضمر في النظام قد تغير وتغير معه النظام الاقتصادي والسياسي.

    سؤالنا إذا أنه مع تغير شكل التقنية المستخدمة، والتي قد تؤدي إلى تغير شكل السلطة المضمرة، ما هو شكل السيادة البشرية التي نرغب في أن نراها في المستقبل، وما هو توزيع القوى بين البشر والآلة الذي نريده؟ هل نريد مجتمعاً تحكمه الآلة أم الإنسان، ليس بالمعنى المباشر لمفهوم كلمة حكم أو بالمعنى العسكري كما تصوره الأعمال الدستورية، بل بمعنى السؤال عن دور العقل البشري؟ فنحن بلا شك نريد من وراء التقدم العلمي تطوير مجتمع يدعم رفاه الإنسان أكثر من ذي قبل، لكن السؤال، هل نريده مجتمعاً يدعم رفاه الإنسان على حساب التضحية بسيطرته وسيادته كإنسان على فهم الطبيعة وبالتالي على العقلانية، أم بالإبقاء على هذه السيطرة والسيادة من خلال المحافظة على دور الإنسان كمفكر بالطبيعة وفاهم للكون. إذ أن هذه الاختيارات تبدو ممكنة بنسب متفاوتة، فالتركيز عل رفاهية الإنسان يمكن أن يكون الهدف الأساسي لكن طريقة الوصول إليه يمكن لها أن تكون من خلال تسليم (نظام آلي ما) زمام العمل كله وتخلي الإنسان عن كل دور له، ليس في العمل فقط، فهو تخل حدث كثيراً على مر التاريخ، بل في فهم العالم، وهو الفهم الذي ما لبث يزداد بوتيرة متسارعة على مر العصور.

    ولأن غاية المقال ليست افتراض عالم دستوبي بل التركيز على أهمية التحول الحاصل في دور العقلانية والتفكير البشري، فإنني أرغب في نقاش فرضية السيناريو الذي مفاده إمكان إيجاد صيغة تقوم فيها الآلة الذكية بكل العمل نيابة عن البشر بطيب خاطر بحيث لا تقوم بالسيطرة علينا، وإن كانت هذه الفرضية غير مرجحة بالضرورة، إلاّ أنها مفيدة في سياق نقاشنا حول دور الإنسان وسيادته.

    ففي عالم كهذا، تقوم فيه الآلات بكل العمل، يمكن أن تكون رفاهية الإنسان في أعلى مستوى ممكن ضمن التقنية المتاحة. فيغدو البشر غير محتاجين للقيام بأي عمل بما في ذلك العمل الأكثر قيمة واحتراماً في عصرنا الحالي، وهو ما أسميناه فهم العالم أي استخدام العقل للسيطرة على الطبيعة والإنسان. فتمكين الآلة من القيام بالعمل، سوف ينتج عنه تخلي الإنسان عن دوره في فهم العالم، سواء باختياره لانتفاء الحاجة حين تقوم الآلة بهذه المهمة، أو مجبراً حيث يصل تفكير الآلة إلى مستوى لا يمكن للإنسان مجاراته. وبالتالي فهو يفقد كل سيادة على العالم ناتجة عن هذا الفهم.

    لكن الإنسان لن يختفي، فهو ما زال الكائن الأعلى والسيد المطاع، فبماذا سوف تتمثل سيادته حين لا تكون متمثلة في فهم العالم؟ ربما تتلخص سيادة الإنسان على العالم حينها بالتمادي بحاجاته لأبعد حد ممكن، حيث تكون الآلة كما افترضنا قائمة على إدارة العالم من أجله وتغطية كل حاجاته. وعالم كهذا لن تكون فيه ديمقراطية بالمعنى الحالي وهي النتيجة التي يبدو أن الكثير من
    أعمال الخيال العلمي تتفق معنا حولها. إذ كما ناقش مارك-أوفه كلينغ ساخراً في روايته Qualityland على سبيل المثال، فإن عالماً كهذا يكمن إدارته بشكل أفضل من قبل الآلة الذكية مقارنة مع أي إنسان في مكان السطلة. وإن كان كلينغ قد نحى بعمله منحى ساخراً، إلا أنه يمكننا فعلا التخيل أن سلطة الآلة يمكنها أن تكون يوماً ما غير متحيزة وغير ذات مصلحة وأكثر فعالية
    من أي مرشح بشري مما يجعلها الخيار الأفضل بشكل عملي.

    بافتراض حدوث هذا العالم الذي لا يَحكم فيه البشر لكن تلبى جميع حاجاتهم بأعلى مستوى رفاه ممكن، كما لا نجبر فيه على شيء من قبل الآلة، فالافتراض هنا كما قلنا سابقاً أنه ليس عالم The Terminator أو The Matrix ولا أي سيناريو دستوبياً آخر تسيطر فيه الآلة على البشر. بافتراض هذا العالم لا نهائي الرفاهية ولا نهائي الموارد، وغير المتطلب لأي عمل بشري، فهل سيكون هذا العالم عالماً جميلاً للبشر؟

    لاحظ أن هذا العالم المفترض يختلف عن عالم هكسلي في Brave New World فلا تمييز طبقي مفترض يجعل البشر مقيدين بحدود بيولوجية تفرض عليهم منذ الولادة، ولا هو عالم أرويل في رواية 1984 الذي تتضخم فيه شمولية الحكم لدرجة تشمل كل تفاصيل الحياة. بل هو عالم خال من كل المثالب التي كرهها البشر تاريخياً، فليس العالم الذي نتخيله محاولة للإسقاط الأدبي على العالم المعاصر، بل هو مناقشة لشكل العالم في المستقبل.

    ولأن المقال ليس محاولة إسقاط على الحاضر من خلال تخيل مستقبلي، فلننأى بأنفسنا إذاً عن الافتراض البسيط -أخلاقي المسند بشكل واضح- بأن البشر لن يستطيعوا تحمل حياة لا عمل فيها، لنحل محله السؤال الأكثر أهمية حول مدى إمكان حدوث عالم كهذا يكون البشر فيه مسيطرين لكن دون أي مبرر للسيادة مرتبط بالعمل.

    فعالم تكون فيه قدرة الفعل هي للآلة بالمطلق لكنها أيضاً لصالح الإنسان بالمطلق، هو عالم يفترض أن شكل السيادة المضمر هو شكل تاريخي ناتج عن إنتاج الإنسان للآلة في لحظة تاريخية لم تعد قائمة إلا في أثرها. سيادة مضمرة في فكرة الخلق أو الأولوية التي لا يمكن إعادة تكرارها لأن الإنسان لا يعود بعدها قادراً على إعادة تفوقه العقلي الذي سمح له سابقاً بتحقيق الاختراع الذي وصل مستويات لا يمكن بعد للعقل البشري مجاراتها.

    هذا العالم لا نهائي الرفاه ولا نهائي الموارد والخالي بالتالي من أي فصل طبقي من أي نوع، هو عالم يبدو ممكن التحقق فقط إذا تم نقض الفرضية الأساسية حول شكل السلطة المضمرة، أي إذا تقبل البشر حياتهم دون مسند سلطة من أي نوع. ففي حين يمكن لنا تقبل افتراض أن الآلة قد تعمل بالكامل لصالح البشر، إلا أنه يبقى أن افتراض أن البشر يمكن لهم ان يعيشوا في مجتمعات لا سلطوية يبدو، على الطرف الآخر، غير مرجح.

    فهذا المجتمع القائم على السيادة المضمرة في لحظة تاريخية مكنت البشر من اختراع الآلة التي تمكنت من التطور لتلبي كل حاجات البشر، هذه السيادة المضمرة في التاريخ، هي نفسها سوف تشكل نوعاً من الارتداد لدى البشر إلى نوع من التفكير الخرافي الماورائي الذي يقدس اللحظة التاريخية تلك، ولأنها كما وصفناها لحظة غير قابلة للاستعادة، فإنه سيكون لابد من أسطرتها لألى تضيع ذاكرتها الجمعية كما يفعل أي دين مع لحظات بدايته، وهذه الأسطرة سوف تولد نظاماً اجتماعياً جديداً يتخلى عن الرفاه المطلق لصالح بناء نظام سيطرة بين البشر غير قائم على الصراع على الموارد بل الصراع على التاريخ المبرر للمكانة والسلطة في عالم موارده غير محدودة.

    لابد هنا من الاعتذار عن العودة إلى شكل ما من أشكال الإسقاط عند الحديث عن الأسطورة والدين بعد أن اتفقنا على عدم تبني مثل هذه الإسقاطات، إلا أني أرجو أن الفرق بين شكلي الإسقاط واضح، فالإسقاط الذي رفضناه أعلاه في نموذجي هكسلي وأرويل هو إسقاط للحاضر على المستقبل لفهم الحاضر، أما الإسقاط الذي استخدمناه فيما يتعلق بفكرة الأسطورة والدين هو على العكس، استخدام لآليات التفكير البشري التي تبدو ممتدة عبر الزمن في فهم وضع مستقبلي.

    معضلة الدول النامية

    البشر إذاً يفاضلون طوال الوقت بين السلطة والرفاه، ولأن العقلانية التي أتت بالرفاه تضمنت سلطتَها المضمرة فقد تعارضت مع السلطة المطلقة، وهو ما يمكن أن يبرر لنا ترافق التقدم العلمي تاريخياً مع الديمقراطية وانخفاض سويات القمع الذي تمارسه الدول، الأمر الذي ناقشه ماركيوز أيضاً. فالعقلنة والتقدم التقني وشكل السيادة المضمر فيهما يتعارض مع السلطة المطلقة، فلا يمكن لهما أن يوجدا معاً. ولأن السلطة هي هدف أساسي للمجتمع البشري، كان لابد من صيغة تستبدل السلطة المطلقة، كأن يتم تداولها، لتنسجم مع شكل السلطة المضمر في العقلنة الناشئة التي تتيح المجال لاستمرار عمل الجهاز التقني في السيطرة على الطبيعة.

    فإذا ما حاولنا مد هذه المحاجة لبناء استنتاجات تتعلق بالدول النامية، فإننا نتوصل أنه  للسبب نفسه تتخلى الدول المتخلفة أو النامية بسهولة عن أي مكتسبات تاريخية تحوزها في مجال التنمية، فهذه الدول المحكومة غالباً حكماً دكتاتورياً وشمولياً والمعزولة لحد ما عن العالم، هي في حل من المفاضلة بين التقنية والسلطة المطلقة فيتم التضحية بالتقنية لأنها التقنية تفترض
    شكل سلطة مرتبطاً بالشعب لأنه مرتبط بالعمل والإنتاج والتطوير، لصالح شكل سلطة أكثر دكتاتورية وأقل رفاهاً لأن الشعب في هذه الدول غير ممثل في الحكم من جهة أو غير لازم للشرعية من جهة أخرى. فوجود الحكام في الحكم هو في الكثير من هذه الدول هو نتيجة توازنات لا علاقة لها بالانتخاب أو أي شرعية مستمدة من الشعب.

    قد يخطر لنا في هذا السياق الاحتجاج بمثال الصين باعتبارها دولة غير ديمقراطية لكنها تمتلك زمام التقدم التقني في حين لا يبدو أن شكل السيادة المضمر في التقنية يغير من نظام الحُكم فيها، لكن ذلك غير صحيح تماماً. فبغض النظر عن التغير في طبيعة السلطة في الصين خلال مراحل تطورها التقني، والذي يبدو واضحاً للعيان وجذرياً من حيث تقبلها للنظام الرأسمالي في شكل المجتمع، إلا أن الأهم هو أن الصين ما تزال إلى الآن تقوم على الإنتاج للخارج، فهي بمعنى ما مصنع العالم، ولذلك فشكل السيادة المضمر في نظامها ليس التقنية بشكل مباشر بل هو التصدير، وهو شكل سيادة قائم على توازن مع العالم الخارجي القائم على الاقتصاد المعولم القائم على التقنية والذي لا تحتاج الصين نفسها للمحافظة على استمراره سوى بمعنى إمداده بالإنتاج. ربما يفسر ذلك على مستوى ما انخفاض نمو الناتج المحلي للصين مع تعمق رأسماليتها، فهي تدخل الآن في شكل السيادة المضمر للتقنية الذي يفرض عليها المساهمة السياسية في “عقلنة” العالم إذا جاز التعبير ودفع تكاليف هذه العقلنة، وإن كانت عقلنة العالم على صعيد العلاقات الدولية لا تبدو عقلانية تماماً إذا ما وسعنا معنى الكلمة.

    وبالعودة إلى سيناريوهات تطور الآلة وسيطرتها، فإن ما رأيناه من أولوية السطلة على مواكبة شكل السيادة المضمر في العقلنة والتقنية وإن كانت الأخيرة أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، يؤدي بنا إلى افتراض أن الدول النامية لن تواكب بالضرورة أشكال التطور التقني في الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لن يحدث لأنها أكثر حرصاً من غيرها على مكانة الإنسان، وإن كان ليس هناك ما يمنع من تبنيها هذه الحجة في البروباغندا الخاصة بها، بل سيحدث لأن تكلفة التسلط تزداد على الحكومات الدكتاتورية مع ارتفاع سوية التقنية. وهو ما يعني أننا في العالم النامي ربما نواجه معضلة مزدوجة فيما يتعلق بتطور الذكاء الاصطناعي تتمثل -وفي تكرار ممل لأخطاء الماضي- بتفشي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي لم نساهم في صناعتها لأن الصناعة تتطلب حداً أدنى من الشرعية المتأتية من الشعب فيما يكون استيرادها خياراً أكثر منطقية للحكم التسلطي. وبذلك، تبدو المعضلة المزدوجة لتطور الذكاء الاصطناعي أنه إضافة إلى احتمال انفصال شكل السيادة المضمر في الذكاء الاصطناعي عن العقلنة كما وصفناه أعلاه واستبدالها بشكل سيادة مضمر في فكرة ماضوية جديدة من نوع ما مرتبطة بنقطة أصل كان البشر فيها مصدر العقل الوحيد، فإن الشعوب التي لا تساهم في التطوير لن يتسنى لها أن تلجأ لأي شكل سيادة مضمر يمكن تبريره بما في ذلك شكل السيادة التاريخي الهش هذا لأنها لم تساهم في تلك اللحظة من الإنتاج التي سوف تمثل خلق الذكاء الصناعي، مما يجعلها عرضة مرة أخرى لأسوأ أشكال الأيديولوجيا القائم على الهوية المنغلقة وغير القادرة على الحياة في العالم.
  • القيم والعنف الرمزي

    القيم والعنف الرمزي

    الكاتبهند ياسر

    مقدمة:

    نلعب لعبة الحياة على طاولة مفاوضات، تخرج أين ما تشاء مقابل أن تلبس كما يشاؤون، تتحدث فيما تشاء مقابل أن تتحدث مع من يحبون، يدعمونك فيما تريد مقابل أن تختار ما يوافق هواهم.
    يتعرض الأفراد للمساس في قيمهم الذاتية باستمرار، إما بالاستهجان والاستنكار أو القمع والإجبار، حيث تتم المساومة عليها مقابل قيم الجماعة، مقابل الوحدة والتماثل والانتماء للصحيح المطلق، وغالبا ما يميل الأفراد لقبول هذا الضغط الاجتماعي إما بسبب عدم قدرتهم على الفصل بين قيم الجماعة وقيمهم الذاتية فهي في حالة تماهي، أو لعدم قدرتهم على مواجهة الرداء الذي يتنكر به هذا الاستهجان سواء كان نصوصا مقدسة أو أشخاص ذو سلطة ومكانة في المجتمع، وهنا يفرض السؤال الاتي نفسه: كيف ينظر الانسان والمجتمع على حد سواء الى القيم؟ وهل هي حق فردي ام جماعي؟ يتعامل المجتمع مع القيم باعتبارها حقا اجتماعيا؟
    قد تستدعي الإجابة على السؤال الأساسي المرور على مفهوم القيم أولا،
    إذ يتحرك الانسان بقصد أو بلا قصد وفق لأولويات معينة، ففي كل خيار يختاره، وفي كل مفترق طرق يواجهه في هذه الحياة، وفي كل معضلة مهما بلغت تفاهتها مبلغ اختيار لعبة على أخرى، أو بلغت في تعقيدها اختيار شريك للحياة أو تحديد مسار وظيفي، فإنه يتحرك مدفوعًا باعتبارات معينة يلقي لها بالًا، وتلك الاعتبارات هي ما نسميه: قيم، ففي اللغة يقال: قيمةُ الشيء: قَدره. وقيمةُ المتاع: ثمنه، ومن ثم يمكننا القول إن (القيمة) هي كل ما يرى المرء فيه شيء قيمًا وثمينًا وذا أهمية وأولوية.

    تمثل القيم مناط خلاف عند الفلاسفة، ما بين النفعيين منهم الذين يرون أن القيم في جوهرها نسبية، تختلف باختلاف الأزمنة والمواقف، والمثاليين الذين يذهبون إلى أن القيم ثابتة ومطلقة. اما علماء الاجتماع فإنهم يضفون عليها هالة من الغموض؛ إذ يزعمون أنها صفات يسبغها الإنسان على الأشياء فهي تكمن في العقل البشري وليست في ذات الشيء. ومما لا شك فيه أنه لا يمكننا النظر إلى قرارات الأفراد تجاه الموضوعات والمواقف التي يمرون بها في حياتهم على أنها قيم مطلقة، فقد يؤثر البعض العمل في مؤسسة ذات بيئة تنافسية وراتب عالٍ، مقابل العمل في مؤسسة أخرى براتب مجزٍ رغم اتسام بيئتها بالرتابة والجمود، وهم بذلك يعلون من قيمة المال أو الأمان المادي أو التحدي لإثبات الذات على حساب الاستقرار الوظيفي مع وجود الرتابة والملل، والحق إننا في هذه الحالة لا يمكننا الحكم على هذا التصرف بالجودة أو الرداءة، إذ الأمر هنا مردّه إلى الاعتبارات الذاتية والتفضيلات الشخصية، وهي تقديرات متغيرة ومرتبطة ارتباط وثيق بتطور الإنسان وكتابته لفهم جديد يسمح له بنقد قيمه وإعلاء قيم أكثر صمودا يوم بعد يوم.

    ترتبط القيم كذلك بمفهوم الحياة الطيبة والبائسة من وجهة نظر المرء، فهو بتفضيله للأمان المادي على الراحة واختيار خيارات معيشية تتوافق مع ذلك، إنما ينطلق من شعور داخلي بأن الحياة ستطيب له، وأنه بامتثاله لها ستتعزز صلته بوجوده وتغنى، وبإهمالها سينقاد الى التعاسة والشقاء وسيشعر كالمغترب عن نفسه، فالصراع يحصل حين يعيش الإنسان حياة لا تتفق مع قيمه، وهنا تكمن أهمية القيم، فهي ميثاق المرء ورابطه بذاته، وهي العهد الذي يكتبه المرء بينه وبين نفسه، أو كما يعبر عنها عالم النفس فيكتور فرانكل ” القيم هي زاد البقاء “.

    يكمن جوهر الصراع هنا في الصدام التلقائي والحتمي بين ما يحمل الفرد من قيم وقناعات وبين قيم الجماعة التي تربى عليها، والتي لا يجد لها صدى في ذاته؛ لأنها ببساطة قد لا تناسب ميوله وتفضيلاته، وفي حين أن عدم قدرة الفرد على تلبية قيمه قد يدل على قصور ذاتي في تحديد أولوياته، إلا أنه قد يدل أيضا على أن الفرد يعاني من ضغوطات وصعوبات اجتماعية تعيقه عن
    تحقيقها والتوصل لها، وذلك من خلال ما يسمى “بالعنف الرمزي”.

    العنف الرمزي

    وهو نوع من أنواع العنف يتخذ رداء ثقافيا ويستمد شرعيته من إيمان المجتمع به، كأن يفرض الآباء سلطتهم على الأبناء في اختيار تخصصاتهم او أماكن عملهم باعتباره نوعًا من البر أو الطاعة، أو أن يفرض على الصغار الصمت في حضرة الكبار والخضوع لهم بالكلية، أو أن يتم منع المرأة من حقوقها في السفر، أو التعليم، او القيادة، او الاستقلال باعتبار تكوينها الضعيف او العاطفي والذي قد يعرضها للاستغلال والخطر وغيرها من الأمثلة التي تسعى لقمع وتهميش فئات معينة من خلال تكريس الصور والرموز الثقافية في المجتمع. وكثيرا ما نجد الفئات المهمشة ذاتها تعيد تكريس هذه الرموز القمعية وتتبنى هذه القيم عوضا عن مواجهتها او استبدالها، ولعل ذلك يعود الى الطبيعة الناعمة للعنف الرمزي، فتفضيلات الانسان وقيمه تتعرض للحجب بصوره شبه تلقائية خلف أكوام من القوانين والمصالح والمعتقدات التي قد لا تناسبه ولا تتفق معه بالضرورة إلا أنها تفرض نفسها بنعومة في التنظيم الاجتماعي الذي ينتمي إليه، بالإضافة الى كونه مرتبطًا بالقيم الثقافية في المجتمع، مما يجعل من الصعب تمييزه فلا يدرك ممارسوه ولا الممارس عليهم انهم واقعون في عنف رمزي.

    ورغم أن عملية حجب قيم الإنسان الشخصية وقصره على اختيارات أو نمط سلوكيات معين هي عملية غير مدْرَكة تماما إلا أن دور المرء فيها لا يزال قائما، فهو يقبل هذا الحجب لقيمه ويرضخ بما يقدم له من خيارات؛ بسبب أنه يتحصل منها منفعة أو يتقي شرا أو يكسب رفقة أو يحظى بالمكانة، أو غيرها من المنافع قصيرة المدى، فمفهوم المنفعة أو اللذة كما يعبر عنه علم النفس هو ما يشكل جوهر القيمة، وبالاعتماد على ثلاث مفاهيم لتحصيل اللذة والمنفعة يميز علماء النفس بين ثلاث مستويات من القيم: مستوى الطفل، والمراهق، والناضج، فمنظومة الطفل القيمية تركز على المتعة اللحظية وعلى تحصيلها بأي ثمن، دون اهتمام بالعواقب أو الألم الذي يطال الأخرين، فيما تعتمد منظومة المراهق القيمية على المقايضة، فبعد ان عرف أن الحياة مسيّرة بأنظمة وقواعد وأن تحصيل المتعة وحده غير كافي، خاصة إذا كان يترتب على ذلك ألم محيط، يبدأ بالبحث عما يكسبه متعة ويجنبه الما، سأفعل (أ) لأحصل على منفعة، سأمتنع عن (ب) لأقي نفسي من الألم. ويستمر ذلك حتى يلاحظ المراهق أن معادلته المنطقية غير فعالة، فهو
    يتجنب ألم معين حتى يحل محله ألم من نوع آخر، ويسعى لمتعة دون أن تحقق له أي اشباع، مما يدفعه للتوقف عن النظر للعالم وكأنه مجموعة شروط يستدعي تحصيل مراده تلبيتها، ويلتفت للإيمان بالقيم التي تمده بشعور داخلي عميق بالرضا ويكفيه فيها التحلي بها لذاتها، لا للمنفعة التي تجلبها، يؤمن أن هذا هو الشيء الصحيح، حتى لو نتج عنه ألم الان، وحتى لو لم يكسبه منفعة
    مباشرة، فهو يرتجي تحصيل منافعها على المدى الطويل وتلك هي منظومة قيم الناضج. الا انه بسبب التعرض لهذا النوع من العنف الخفي يحصل ان يجد البعض نفسه في مأزق وجودي مضطرًا لأن يساوم نوعين من القيم ببعضهما، قيم يصادق عليها وتتصل بذاته ويستمد منها شعوره بالحق والاستقامة، بقيم تحقق نوعا من المنفعة أو الحاجة التي تجبر انسانيته للتواضع امامها، وهنا تكمن خطورة العنف الرمزي، فهو عنف متوارٍ يستهدف مرتكزات عميقة في الهوية الفردية والجماعية على حد سواء، ويمكن بسهولة ان يتحول الى أداة استبدادية في يد أصحاب السلطة والمكانة الاجتماعية، إذ يفرضون قيمهم على عامة الناس ويكرسون مشاعر بالدونية والعار لديهم من خلال إطلاق احكام قيمية مدمرة لهوياتهم تقودهم الى الشعور بالدونية وفقدان القيمة الإنسانية، مما يفاقم مشاكل في التكيف والانتماء، تنعكس على المستوى الاكبر في معدل العنف والانحراف والجريمة في المجتمع.

    يدفعنا ذلك الى مسائلة العديد من العادات والموروثات الثقافية التي تحول بيننا وبين العيش المخلص، فالقيم ايجابية كانت أو سلبية، هي بالأساس مكون إنساني ذاتي يستدعي مشاعر وصدمات ومصالح شخصية حتى يتشكل ويتفاعل مع الإنسان بصورة حيوية، وحين يشار على جماعة أو مجتمع ما بامتلاكه لقيم معينه فهذه العبارة تحمل بعد آخر، لأن المجتمع ككيان جمعي لا يمكن أن يعبر حقيقة عن جميع الأفراد وقيمهم، ولكنه يعبر عن قيم الأفراد الذين يملكون مكانة أو شعبية أو سلطة في هذا المجتمع تخولهم بفرض قيمهم وتعاليمهم على الآخرين وإحلالها محل قدسية.

    خاتمة:

    يرى المجتمع أن اختلاف القيم يؤدي بالضرورة إلى التنازع والتفكك، فيطالب أفراده بالحفاظ على الوحدة والتماثل، إلا أنه بذلك يفرض عليهم تعاسة وشقاء، وتفكك من نوع آخر يعوقهم عن استثمار امكانياتهم.


    Pierre Bourdieu et Loïc Wacquant, Réponses : pour une anthropologie réflexive, Paris, Seuil,‎
    1992,pp:141-143.
    مانسون، مارك. (٢٠١٩) خراب: كتاب عن الامل. (مترجم) الحارث النبهان، دار التنوير
  • ما وراء المركزية الأوروبية

    ما وراء المركزية الأوروبية

    الكاتب إنجريد هارفولد كفانجرافن
    ترجمةالزبير عبدالله الأنصاري
    مع نشر كتاب “الاستشراق” Orientalism في عام 1978، أصبح إدوارد سعيد واحدًا من أبرز العلماء المؤثرين في عصرنا. لقد أحدث الكتاب تحولًا في دراسة تاريخ العالم المعاصر، وذلك مع تقديمه تبصُّرات حول الطريقة التي عملت من خلالها الخطابات العنصرية على خلق الإمبراطوريات الأوروبية والمحافظة عليها. وإلى حد كبير بسبب أنشطته السياسية، استثار سعيد وكتابه نقد عدد من مفكري اليمين، قد يكون أبرزهم برنارد لويس.
    ويشتهر بدرجة أقل في الغرب سمير أمين، الاقتصادي المصري الذي ابتدع مصطلح “المركزية الأوروبية” Eurocentrism في كتابه “نحو نظرية للثقافة نقد التمركز الأوروبي والتمركز الأوروبي المعكوس” الصادر عام 1988، والذي انتقد من وجهة نظر اليسار تصور سعيد للإمبراطورية، وقدَّم وجهة نظر بديلة لا تقوم على الثقافة أو الخطاب، وإنما على الفهم المادي للرأسمالية capitalism والإمبريالية imperialism.

    لقد أمضى سعيد معظم حياتِه المهنيَّة في الشمال العالمي Global North، وتحديدًا في مدينة نيويورك، أمَّا أمين فقد قضى غالب حياته المهنية في إفريقيا محاولًا بناء مؤسسات أكاديمية وسياسية إفريقية لتحدي التبعيات dependencies التي خلقتها الإمبريالية. وعندما التقيت أمينًا عام 2016 لإجراء مقابلة، كان مع عمره الذي بلغ الخامسة والثمانين لا يزال منخرطًا بنشاط
    في بناء مؤسسات بديلة وتحدي النظرية الاجتماعية أوروبية التمركز Eurocentric social theory، وعلى الرغم من وفاته في عام 2018 إلا أنَّ إرثه يظلَّ شديد الأهمية.
    في كتابه “نحو نظرية للثقافة نقد التمركز الأوروبي والتمركز الأوروبي المعكوس”، كشف أمين العيوب التي تعتري مزاعم تطور الرأسمالية في أوروبا، مجادلًا بأنَّ قصة انبثاق الرأسمالية من خصائص أوروبية أصيلة كالعقلانية rationality والظفر triumph، والتي لا تزال تهيمن على النظرية
    الاجتماعية، ما هي إلا تشويه. إنها تلقي قناعًا على الطبيعة الحقيقية للنظام الرأسمالي، بما في ذلك الدور الذي اضطلعت به الإمبريالية والعنصرية في تاريخ هذا النظام. وبدلًا من أن تمثل هذه القصة تفسيرًا علميًا موضوعيًا، رأى فيها أمين إيدلوجية أوروبية، فافتراض أنَّ الرأسمالية يمكن أن تتطور في الأطراف بالطريقة نفسها التي يُزْعَم أنها تطورت بها في أوروبا هو بالنسبة
    لأمين استحالة منطقية.
    لقد أشار أمين أيضًا إلى أنَّ الأساس الذي تقوم عليه الوحدة الثقافية الأوروبية هو أساس عنصري، نظرًا لكونه يخلق تضادًا زائفًا بين اللغات، وثنائيات تاريخية وهمية (على سبيل المثال، اعتبرت اليونان “أوروبية” غير مرتبطة بالشرق، والمسيحية أيضًا اعتبرت أوروبية). وعلى هذا النحو، كان أمين ناقدًا مبكرًا ومتمرسًا للتفسيرات الثقافية في العلوم الاجتماعية.
    ويختلف نقد أمين للمركزية الأوروبية عن نقد سعيد الذي تركَّز أكثر حول كيف أنَّ التمثيلات الثقافية لغير الغربيين عنصرية ومؤذية. حقاً، لقد مثَّل سعيد وأمين في جوانب كثيرة التناقض بين ما بعد الاستعمار postcolonial والماركسية في تصورهما للإمبريالية في العلوم الاجتماعية، حيث مثَّل كتاب “الاستشراق” موقف ما بعد الاستعمار، فيمل مثَّل “في نظرية الثقافة نقد التمركز الأوروبي والتمركز الأوروبي المعكوس” الموقف الماركسي.
    لقد كان أمين، بوصفه ماركسيًا جديدًا، مهتمًا بدرجة أقل بالموضوعات التي استحوذت على اهتمام مفكري ما بعد الاستعمار كالمواقف والثقافة، موليًا اهتمامًا أكبر للمركزية الأوروبية بوصفها مشروعًا عالميًا اتسم بالأدلجة والاستقطاب ورسَّخ الإمبريالية والتفاوت المنهجي من خلال شرعنة نظام عالمي قائم على نزع الموارد واستغلال الناس في الجنوب العالمي Global South. على سبيل المثال، برهن أمين على الطريقة التي أسهمت بها العلوم الاجتماعية أوروبية التمركز في شرعنة الانفلات الوحشي لرأس المال الذي كانت له تأثيرات مادية واقعية. وهكذا، فبينما آمن سعيد بأنَّ تحدي المواقف والثقافة قد يكون كافيًا لتحدي الإمبريالية، يرى أمين أنَّ مناهضة الإمبريالية ترجع دائمًا إلى مسألة الرأسمالية.
    لقد اعتقد أمين أنَّ نقد سعيد كان عامًا جدًا ومتجاوزًا للحدود التاريخية، نظرًا لكونه لم يميز بين التصورات الأوروبية المختلفة للشرق الإسلامي، وقد استوعب أمين الدرس، فكان مضطرًا للاحتراس من خطر تطبيق مفهوم المركزية الأوروبية بدون قيود، فالمركزية الأوروبية بالنسبة له تظل مفهومًا تم تطويره في مرحلة تاريخية معينة.
    كما انتقد أمين أيضًا اكتفاء سعيد بإدانة التحيُّز الأوروبي -أو الاستشراق-، دون أنْ يقترح على نحو إيجابي نظامًا آخر لتفسير الوقائع التي يجب تفسيرها. وهو ما سعى أمين على وجه التحديد إلى فعله في عمله، فمن خلال عرض تصور أكثر اكتمالًا لتطور الرأسمالية بمعزل عن التحيُّزات أوروبية التمركز، يقترح أمين الانشغال بمشروع عالمي خالٍ من الخصوصيات الأوروبية، أي نقدًا حداثيًا
    للحداثة. وبطبيعة الحال، فإنَّ دعوى كهذه يمكن أيضًا نقدها من منظور علم الاجتماع النقدي، نظرًا لأنه من شبه المستحيل لأي نظرية في علم الاجتماع أن تصور الواقع كما هو دون تحيُّز.
    كان كتاب “في نظرية الثقافة” الذي نشر لأول مرة في فرنسا عام 1988 في بعض جوانبه ردًا على انتقادات ما بعد الاستعمار التي استبعدت التحليلات الماركسية، انطلاقًا من تصورات مسبقة تقريبًا، اُعتُبِرت الماركسية بموجبها أوروبية التمركز. لقد أقرَّ أمين بأنَّ بعض جوانب الماركسية كانت أوروبية التمركز، وذلك من قبيل الافتراض الغائي بأنَّ البلدان النامية developing countries هي ببساطة في مرحلة مبكرة من التطور الرأسمالي، وأنها ستلحق مع الوقت بالركب الأوروبي، لكنه دافع أيضًا عن الطريقة التي يمكن بها للمفاهيم الماركسية والمادية التاريخية historical materialism تقديم انتقادات قوية للمركزية الأوروبية.
    وإذًا، ما البديل عند أمين للعلوم أوروبية التمركز؟ لقد قدَّم أمين، من منظور الأطراف، إطارًا لرفع الغطاء عن البنيات اللامتكافئة للاقتصاد العالمي، وهو إطار تعجز النظريات أوروبية التمركز عن تقديمه.
    توجد طريقتان للتفكير في إسهامات أمين لمجال اقتصاديات التنمية development economics، الأولى هي المفاهيم المعينة التي قدَّمها وكيف طبقت هذه المفاهيم بطرق مختلفة لتفسير العالم. والثانية هي طريقته في مقارب العلوم الاجتماعية، والتي تعد الأكثر تبشيرًا بإمكانية إعادة هيكلة اقتصاديات التنمية بوصفها مجالًا معرفيًا (على النحو الذي تم تفصيله في ورقتي الأخيرة المشتركة والمنشورة في مجلة مراجعة الاقتصاد السياسي الإفريقي).

    ولنبدأ هنا بمقاربته للاقتصاد السياسي.

    يدفعنا مفهومُ أمين للاقتصاد السياسي إلى التفكير بنيويًا، وزمانيًا، وسياسيًا، وإبداعيًا حول المشكلات الاقتصادية العالمية. إنه يتحدَّى الحدود الفاصلة بين التخصصات العلمية. ولننظر أولًا في عنايته بالبنية structure، ففي وقت راوح فيه معظم علم الاقتصاد ما بين الاعتماد إمَّا على الفردية المنهجية methodological individualism أو القومية المنهجية methodological nationalism -وهما المقاربتان اللتان تركزان على الفرد أو الأمة بوصفهما وحدة التحليل الأكثر أهمية- بدأ أمين بالإصرار على ضرورة أن نفكر بنيويًا. لقد أولى عنايته للبنيات العالمية التي تسند نظامًا دوليًا من الاستغلال. وقد كان التفكير في بنية الاقتصاد العالمي هو ما قاد أمينًا في واقع الأمر إلى تقديم إسهامات مهمة لنظرية التبعية dependency theory، وهي تقليد يرتكز على الجنوب، ويتخذ منطلقًا له النزعات الاستقطابية للرأسمالية، والقيود التي تفرضها على عالم ما بعد الاستعمار. لقد استكشف أمين كيف كان التبادل اللامتكافئ unequal exchange -التفاوتات المتجذرة في
    التجارة الدولية- سمة بارزة للاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي يعدُّ من بقايا الاستعمار والذي يستمر في جعل بلدان الجنوب تعاني نقصًا بنيويًا.
    كما أصرَّ أمين أيضًا على الحاجة إلى التفكير زمانيًا. وقد حدَّد نفسه باعتباره جزءًا من مدرسة المادية التاريخية العالمية، حيث يعدُّ التوسع التاريخي للرأسمالية مفتاحًا لفهم الاستقطاب بين المركز والأطراف. كانت مقاربة أمين سياسية في جوهرها، فهو لم ينكر قط أنَّ هدفه النهائي هو تغيير العالم نحو الأفضل، وهذا ما يميزه عن علماء الاقتصاد العاملين في إطار التقليد الأوروبي
    التمركز، القائم على دعوى حيادية العلوم الاجتماعية وأنها غير سياسية.
    وأخيرًا، فقد كان أمين مفكرًا مبدعًا في استخدامه لمفاهيم تم تطويرها في المراكز الحضرية العظمى ليفهم بها العالم من الأطراف. كان يسمي نفسه “ماركسيًا مبدعًا”، مشدداً على أنه سينطلق من ماركس، بدلًا من التوقف عنده. الانطلاق من ماركس يعني منح الأولوية للصراع الطبقي، والاستغلال، والتنمية الرأسمالية غير المتساوية، وقد وسَّع أمين هذه المفاهيم لتحليل الإمبريالية، والتبادل اللامتكافئ، والنزعات الاستقطابية بين المركز والأطراف.
    وبالنظر إلى هذه المقاربة التاريخية للاقتصاد السياسي، كان من المنطقي بالنسبة لأمين توسيع نظرية ماركس عن القيمة من أجل تحقيق فهم أفضل للإمبريالية، وقد أظهر في كتابه “التراكم على الصعيد العالمي” (1974) أنَّ الآليات التي تستمر من خلالها القيمة في التدفق من الأطراف إلى المركز معيدةً إنتاج تقسيم دولي للعمل، وتوزيع جغرافي غير متساوٍ للثروة، إنما تصدر عن الاستعمار وبنياته. وفي تصوره “للريع الإمبريالي” imperialist rent، استعان أمين بكتاب “الرأسمالية الاحتكارية” ذي التأثير العميق للاقتصاديين الماركسيين الجديدين بول باران وبول سويزي. بالنسبة لأمين، يُستمدُّ الريعُ الإمبريالي من فائض القيمة الإضافي extra surplus value. بعبارة أخرى، يمكن انتزاع المزيد من القيمة من العمال، وذلك من خلال الإنتاج في الأطراف، الأمر الذي يولد ريعًا إضافيًا للرأسمالي مقارنة بالعاملين في المركز الذين يقومون بوظائف مشابهة. وقد جادل أمين بأنَّه بينما تعدُّ العمالة منخفضة الأجر في الأطراف منتجةً بالقدر نفسه كنظيرتها في المركز، إلا أنَّها تحصل على مكافأة أقل في مقابل القيمة التي تخلقها، وهذا ما يخلق ريعًا (إمبرياليًا) كهذا. ومنذ ذلك الحين وسَّع آندي هيجينبوثام وعلماء آخرون رأي أمين، مطبقين المفهوم لإيضاح
    الطريقة التي تمكَّنت بها الشركات البريطانية والإسبانية متعددة الجنسيات من استغلال طفرة السلع commodity boom؛ انظر أيضًا عمل ماريا ديفيكي ستيفي عن “الإمبراطورية غير الرسمية للندن” (2017).
    لقد شكَّل الاستعمارُ اقتصادياتِ ما بعد الاستعمار على النحو الذي صار معه التراكم يحدث على وجه الخصوص بطرق غير متساوية -أو متكافئة-. وقد ميَّز أمين في كتابه “التطور اللامتكافئ” (1976) بين نوعين مختلفين من التراكم، أحدهما ما سمَّاه “التراكم المتمركز على ذاته” autocentric accumulation الذي حدث في المركز، وعزَّز إعادة الإنتاج الموسع لرأس
    المال. في المقابل، تميزت الأطراف بما سمَّاه “التراكم التخارجي” extraverted accumulation، وهو نوع لم يكن قابلًا بسهولة لإعادة الإنتاج الرأسمالي. وقد جادل أمين بأنَّ التطور اللامتكافئ تطور عبر التاريخ خالقًا بنياتٍ استغلالية تتجلَّى في الوقت الحاضر من خلال التبادل اللامتكافئ.
    وهذا بدوره أفضى إلى الاستقطاب المستمر واللامساواة المتزايدة.
    لقد كان “التبادل اللامتكافئ” عند أمين محاولة لشرح عدم التعادل في أسعار عوامل الإنتاج على الصعيد العالمي، علمًا بأنَّ أسعار عوامل الإنتاج في هذا المقام إنما تحيل إلى أجور العمال أو العوامل الرئيسية الأخرى غير الـمُنْتَجَة.
    ويعني هذا أنَّ العمل، والمواد الخام، والأرض أرخص في الأطراف. وقد سمَّى أمين تخفيض قيمة العمل في الأطراف “استغلالًا فائقًا”، فيما كان التبادل اللامتكافئ، بالنسبة له، نتيجة لتوسُّع الرأسمالية الاحتكارية إلى الأطراف بحثًا عن الأرباح الفائقة (أو الريع الإمبريالي).
    لقد غيَّر أمين قواعد النقاش حول التبادل اللامتكافئ، فحتى ظهور كتابه، كان الاعتقاد الشائع في أوساط الاقتصاديين هو أنَّ العمال في الأطراف هم ببساطة أقلُّ إنتاجية من أولئك الذين في المركز. ومن المهم أنْ نلاحظ هنا أنَّ فكرة التبادل اللامتكافئ والاستغلال الفائق ظلَّت جدلية في أوساط الماركسيين، ففي كتاب “رأس المال” (1867) ناقش ماركس بنفسه عدم جدوى المقارنات بين درجات الاستغلال المختلفة في أمم مختلفة، وما يثيره ذلك من إشكاليات منهجية كبيرة.
    ويجادل الكثير من الماركسيين بأنَّ الماركسيين الجدد مثل أمين يركزون بشكل مفرط على علاقات السوق market relations على حساب استغلال العمل.
    بالإضافة إلى المشاركة في هذه النقاشات النظرية، كان أمين من بين أوائل من حاولوا قياس التبادل اللامتكافئ تجريبيًا، ومنذ ذلك الحين، اقتدى به كثيرون مثل جايسون هيكيل، وديلان سوليفان، وحذيفة زومكوالا الذين خلصوا في بحث لهم عام 2021 إلى أنَّ الشمال العالمي استولى على نحو 62 تريليون دولار أميركي من الجنوب العالمي بين عامي 1960 و2018 (بالأسعار الثابتة للدولار الأميركي في عام 2011). وفي استكشافهم لمجموعة من الأساليب المختلفة لحساب التبادل اللامتكافئ، وجد هيكيل وآخرون أنَّه بغض النظر عن الأسلوب فقد زادت حدة الاستغلال، وحجم التبادل اللامتكافئ بشكل كبير منذ ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.
    لقد كرَّس أمين أيضًا قدرًا كبيرًا من الوقت للتفكير في طرق لتغيير نظام غير عادل، فقد كان منخرطًا بشدة في النشاط السياسي، وطور بعض المفاهيم النظرية لإحداث التغيير السياسي، وأشهرها فكرته عن “فك الارتباط” delinking التي خصَّص لها كتابه “فك الارتباط: نحو عالم متعدد المراكز” (1990)، والذي يقدم من خلاله تقييمًا للطرق الممكنة للمضي قدمًا من أجل دولة ذات سيادة في الأطراف. وقد جادل أمين في “فك الارتباط” بأنَّ الظروف المعينة التي سمحت
    بتقدم الرأسمالية في غرب أوروبا خلال القرن التاسع عشر لا يمكن إعادة إنتاجها في مكان آخر. وبناءً على ذلك، اقترح نموذجًا جديدًا للتحول الصناعي يتكوَّن من خلال تجديد الأشكال غير الرأسمالية لزراعة الفلاحين peasant agriculture والتي اعتقد أنها قد تقتضي ضمنًا فك الارتباط عن ضروريات الرأسمالية الـمُعَوْلمَة.

    ومن المهم أن نلاحظ هنا أنَّ فك الارتباط غالبًا ما يساء فهمه على نطاق واسع ليعني الاستقلال الاقتصادي autarky، أو نظامًا من الاكتفاء الذاتي والتجارة المحدودة، لكن هذا تحريف، ففك الارتباط لا يتطلَّب قطع جميع العلاقات مع بقية الاقتصاد العالمي، وإنما يتطلَّب بدلًا من ذلك رفض إخضاع استراتيجيات التنمية الوطنية لضرورات العولمة. إنه يهدف إلى فرض اقتصاد سياسي يتلاءم مع احتياجاته، بدلًا من تقبل الاضطرار إلى التكيف أحاديًا مع احتياجات النظام العالمي. ولتحقيق هذه الغاية من زيادة السيادة، فإنَّ على الدولة تطوير نُظُمها الإنتاجية الخاصة بها، ومنح الأولوية لاحتياجات الشعب، بدلًا من الطلب على رأس المال الدولي.
    في مقابلتي معه قبل وفاته، أكد أمين أهمية الواقع الاقتصادي السياسي المحدَّد لأي دولة معينة من أجل فهم وموضعة الإمكانيات لفك الارتباط. في ذلك الحين، وبقدر غريب من الدقة، قدَّر أمين أنه “إذا أمكنك بلوغ 70 في المئة من فك الارتباط، فإنك تكون قد أنجزت عملاً عظيماً”. وقد أشار إلى أنَّ دولة قوية، ومستقرة نسبيًا، لأسباب تاريخية، مع درجة معينة من القوة العسكرية والاقتصادية سيكون لديها مزيدًا من النفوذ لفك الارتباط. وإذًا، بينما قد تكون الصين قادرة على تحقيق 70% من فك الارتباط، فإنَّ دولة صغيرة مثل السنغال ستجد صعوبة في تحقيق القدر نفسه من الاستقلال.
    ويستلزم فك الارتباط رفض الدعوات إلى التكيف مع الميزة النسبية comparative advantage للدولة والأشكال الأخرى من خدمة المصالح الأجنبية. لكن الحديث عن هذا، بطبيعة الحال، أسهل من القيام به. وقد لاحظ أمين أنَّه يتطلب على السواء دعمًا محليًا قويًا لمشروع وطني كهذا، وتعاون جنوب-جنوب قوي كبديل للعلاقات الاقتصادية الاستغلالية بين المركز والأطراف. تتضمن الجوانب الأخرى من فك الارتباط الاستثمار في مشاريع بعيدة المدى مثل البنية التحتية، بهدف تحسين مستوى المعيشة لمعظم الناس في البلاد، بدلًا من تعظيم الاستهلاك أو الأرباح قصيرة المدى.
    ومؤخرًا، درس عدد من العلماء مسارات التنمية التاريخية من حيث مسألة فك الارتباط، فعلى سبيل المثال، في عام 2020 طبق فرانشيسكو ماكيدا وروبرتو ناداليني الاعتبارات لمحاولة فهم مسار التنمية الصيني، بينما في عام 2021 طبقه فرانسيسكو بيريز لفهم التنمية الاقتصادية في شرق آسيا. وعلى كل حال، فمع تزايد ترابط العالم، أصبحت إمكانية فك الارتباط أكثر صعوبة.

    إننا الآن في لحظة أصبح فيها من الموضة بالنسبة للجامعات في الشمال العالمي التعبير عن الرغبة في “إنهاء الاستعمار في الجامعة” decolonize the university، وبينما يندفع العديد من العلماء نحو “الاستشراق” لإدوارد سعيد لفهم كيفية تحقيق ذلك، فإنَّ عمل أمين والتزامه تجاه علوم اجتماعية جنوبية التمركز قد يقدم مقاربة أكثر راديكالية. عقب سعيد، انحصر معظم الالتزام
    المبذول لإنهاء الاستعمار في العلوم الاجتماعية decolonize the social sciences في تحدي الصور العنصرية، والتمثيلات أوروبية التمركز في المناهج الدراسية، وفي الخطاب الأكاديمي. وهذا مهم في وقت أصبحت فيه المناهج الدراسية على نحو متزايد ضيقة، وأوروبية التمركز مع نقص حاد في التنوع، خصوصًا في علم الاقتصاد. وإذًا، فما الذي يمكن لمنظور أميني أن يضيفه إلى النقاش حول إنهاء الاستعمار في علم الاقتصاد، بما يتجاوز إسهامات سعيد؟

    أولًا: يفتح اهتمامُ أمين بالكيفية التي شكَّل بها الإرث الاستعماري البنيات الاقتصادية والاجتماعية للاقتصاد العالمي بطرق متنوعة البابَ أمام ثروة من الدراسات في الإرث الاستعماري، والإمبريالية، والتبادل اللامتكافئ. ومن هنا فإنَّه من منظور إنهاء الاستعمار في الجامعات، قد يفي أمين بالحاجة القائمة لتعزيز فهم جنوبي التمركز للعالم، إضافة إلى تقديم فهم بديل للرأسمالية، وهذا من الأهمية بمكان نظرًا لكون الدراسات التي تبنت موقفًا نقديًا تجاه الرأسمالية قد تم تهميشها إلى حد كبير في المناهج الدراسية لعلم الاقتصاد في كل أنحاء العالم.
    عندما ناقش أمين أطروحته للدكتوراة في معهد الدراسات السياسية بباريس في عام 1957، كان ذلك في وقت يمكن فيه الحصول على درجة الدكتوراة في علم الاقتصاد من خلال طرح المفاهيم الماركسية في مؤسسات النخبة. وقبل ذلك ببضعة أعوام فقط، وتحديدًا في عام 1951، تمت ترقية بول باران، وهو عالم اقتصاد ماركسي، إلى درجة أستاذ في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا، عقب فترة
    قصيرة من تقاعد بول سويزي، وهو أيضًا عالم اقتصاد ماركسي، من جامعة هارفارد بماساشوستس في عام 1947. في ذلك الحين، كان علماء راديكاليون من جميع أنحاء العالم يقدمون تفسيرات جديدة ومتضاربة للنزعات الاستقطابية للرأسمالية. لقد ساد على وجه التحديد لدى علماء من الهند إلى البرازيل اهتمام بإعادة تفسير ماركس من وجهة نظر عالم ما بعد الاستعمار. كانت تلك أيضًا الفترة التي قدم خلالها مؤتمر باندونغ -تجمع في إندونيسيا عام 1955 لممثلي 29 دولة آسيوية وإفريقية حديثة الاستقلال من أجل بناء تحالفات حول التنمية الاقتصادية وإنهاء الاستعمار- جوًا من التفاؤل لأولئك الذين عارضوا الاستعمار والاستعمار الجديد neocolonialism.
    لقد تطورت النقاشات التي شهدها منتصف القرن العشرين حول المركزية الأوروبية من الصراعات المادية الواقعية ضد العلاقات الاستعمارية والاستعمارية الجديدة، والتي تتناقض مع المجال المعاصر لعلم الاقتصاد حيث تم اختزال التحليل فيما يمكن دراسته ضمن إطار الاقتصاديات التقليدية المحدثة، وببعض أساليب الاقتصاد القياسي المقبولة. من منظور أميني، يحتاج إنهاء الاستعمار في الجامعات إلى إفساح المجال لنوع الدراسات الراديكالية التي تفحص بشكل نقدي دور النظام الرأسمالي نفسه في إنتاج التفاوتات والمظالم على الصعيد العالمي، والتي كان من الممكن القيام بها في منتصف القرن العشرين.

    ثانيًا: يمكن لأمين أن يساعدنا على رؤية الأسس الإيدلوجية لعلم الاقتصاد السائد، ولتنظيرات العلوم الاجتماعية بشكل عام. وهنا، يعطينا أمين نقطة الانطلاق الضرورية لنتحدَّى مجالًا لا يزال أوروبي التمركز.

    ثالثًا: قد نتعلَّم أيضًا دروسًا مهمة من أمين عندما يتعلَّق الأمر بالاستراتيجية، فهو لم يتواصل كثيرًا مع جامعات النخبة في المركز. لقد كان إفريقيًا وحدويًا، ومواطنًا للعالم النامي، كرَّس حياته لبناء المؤسسات السياسية والثقافية في إفريقيا. وهذا ما يتناقض مع المبادرات العديدة من جامعات المركز التي تحاول استيعاب علماء الأطراف ضمن مؤسساتها (التي غالبًا ما تكون أوروبية التمركز) بدلًا من دعم المؤسسات والأبستمولوجيات الجنوبية.

    أخيرًا، ربط أمين دائمًا عمله بالصراعات المادية الواقعية، فقد كانت الحاجة إلى مناهضة العلوم الاجتماعية أوروبية التمركز مهمة لأنها تفضح البعد الاستعماري للنظام الاقتصادي العالمي، وهذا أمر مهم في سياق الدعوات إلى إنهاء الاستعمار في الجامعات، والتي غالبًا ما يتم إطلاقها بمعزل عن الصراع الاجتماعي الأوسع المرتبط بإنهاء الاستعمار. من هنا يعد عمل أمين بمثابة تذكير حاسم بأنَّ الاستعمار يتعلق بالموارد المادية، ومن ثم فإنَّ إنهاءه لا يمكن أن يتحقَّق عبر
    التغييرات في الأبستمولوجيا فقط.

    المصدر

  • كيف تعيش مثل الأبيقوريين

    كيف تعيش مثل الأبيقوريين

    الكاتبايميلي أوستن
    ترجمةخالد تركي آل تركي

    كيف تعيش مثل الأبيقوريين؟
    اتبع هذهِ الفلسفة للحصول على أفراح عجيبة وغير متوقعة ومرونة في مواجهة المحن التي لا مفر منها.
    ما يجب أن تعرفه خذ لحظة لتسترجع في ذهنك بعضاً من أعز ذكرياتك، تلك الذاكرة المفعمة بالحياة التي يمكنك تصورها ووصفها بتفاصيل غنية. قد تتذكر مثلاً إجازة مع الأصدقاء أو حفلة موسيقية أو ولادة أطفالك أو تساقط شهب في إحدى ليالي الصيف أو عرض زواج أو ذلك العناق الذي ساعدك على تجاوز الأزمة.
    ربما؛ ورغم ذلك وجدت نفسك في البداية تكافح من أجل تحديد التجارب ذات العلاقة، أو ربما أدركت أنك لم تصنع ذكرى كهذهِ منذ وقت طويل، لا يوجد شيء يضاهي استرجاع متع الحياة الغنية ليجعلنا نتساءل لماذا تبدو الذكريات التي تستحق الاستمتاع بها وكأنها مصدر نادر في عالم يهدد بإرباكنا عند كل منعطف، يعتقد أبيقور (341-270 قبل الميلاد) وهو فيلسوف يوناني قديم عاش هو نفسه في أوقات مضطربة أن الحياة يمكن أن تقدم لنا منجم ذهب من البهجة على الأقل إذا تعلمنا كيفية البحث عنها وتذوقها.
    يكتب أبيقور أن”اللذة هي نقطة البداية والنهاية للعيش في سعادة” وأنه لا يستطيع حتى تصور الخير البشري دون السعي إلى اللذة. الأبيقوريون إذا استخدمنا المصطلح التقني هم أصحاب مذهب اللذة، فهم يعتقدون أن اللذة تجعل الحياة جيدة، أي شيء آخر غير اللذة لا يكون جيداً إلا بقدر ما ينتج عنه من لذة، إما على الفور أو على المدى البعيد. الآن؛ أظن أنك تقوم بالفعل بتصنيف المخاطر الحقيقية للذة، وتذكير نفسك بأن السعي بشكل قهري نحو اللذة هو الطريق القصير إلى الحياة في الحضيض.

    قبل أن نفكر في مخاطر اللذة، دعونا نتوقف لحظة لنلاحظ مدى قوة التحرر عندما نسمع أن اللذة أمر جيد، وأننا يجب أن نهدف إلى الاستمتاع بحياتنا. كثير من الناس يخجلون من الرغبات الإنسانية الطبيعية تماماً، والبعض الآخر يريد ببساطة أن يأكل قطعة من الكعك دون الشعور بأنهم مجبرون على استرضاء جوقة النقاد. اسأل أحد الأشخاص في إحدى دور الرعاية عما إذا كان يشعر بالندم، وأشك في أنه سيصرح برغبته في قضاء وقت أطول في العمل ووقت أقل مع الأصدقاء
    والعائلة، اسألهم عن أبرز معالم الحياة، وسوف ينتجون كاتالوجاً لمتعهم المفعمة بالحيوية(أوراق الشجر النابضة بالحياة في الخريف، عشاء صاخب مع الأصدقاء، حب حياتهم، ولادة أطفالهم، روعة الكمان…إلخ).
    تشجعنا الأبيقورية على إعطاء الاهتمام المحوري لاستحضار وتذوق الملذات التي لا تُنسى في الوقت المحدود المتاح لدينا.

    حسنًا، دعونا الآن نسمح للاعتراض الطبيعي بإعادة تأكيد نفسه، مذهب اللذة يبدو وكأنه وصفة للاعتماد مدى الحياة على الكحول، وسلسلة من العلاقات الفاشلة، والجسد الذي أضعفه الكسل. يعترف أبيقور بسهولة بأننا كثيراً ما نكافح من أجل السعي وراء اللذة دون أن نتسبب في إفسادها، قد يقودنا فشلنا إلى الاعتقاد بأنه خطأ اللذة. مع ذلك، يعتقد أبيقور أننا نمارس اللذة بطريقة خاطئة، نحن نبحر في مشهد اللذة والألم دون قصد أو اهتمام، وفي بعض الأحيان دون أي خطة على الإطلاق. تهدف الأبيقورية إلى توجيهنا في الاتجاه الصحيح ومساعدتنا في العثور على الأمان والفرح وممارسة اللذة بشكل صحيح. أولاً، دعونا نستكشف بإيجاز سبب تأييد أبيقور لمذهب اللذة، ثم ننتقل إلى منهجه المميز في التعامل مع اللذة.
    فكر بالأمر
    البشر كائنات ممتعة ذات أدمغة متطورة
    إن التزام أبيقور بمذهب المتعة ينبع من علمه الطبيعي الحديث المثير للصدمة. قبل تشارلز داروين بآلاف السنين يجادل أبيقور بأن البشر كائنات متطورة تتقاسم العالم مع الكائنات الأخرى التي أثبتت حتى الآن أنها أكثر قدرة على البقاء، أيضًا قبل عصره ينكر أبيقور أن الكون قد خُلق بواسطة كائن إلهي لصالح البشر؛ وبدلاً من ذلك، فقد نتجت عن تفاعلات سببية محددة للذرات جنبًا إلى جنب مع الحركة الذرية التلقائية العرضية من النوع المفترض في فيزياء الجسيمات وعلوم الدماغ الحديثة. بالنسبة لأبيقور نحن كائنات تعيش في عالم مادي غير متعلق بالعناية الإلهية.
    تتجنب الحيوانات الألم وتسعى إلى اللذة بطبيعتها(أي أنها من محبي اللذة)، ومذهب اللذة لدينا يشبه مذهب اللذة لدى كل حيوان واعي آخر في كثير من النواحي. مثل الحيوانات الأخرى نحن نستكشف العالم ونعالجه من خلال التجربة الحسية وخاصةً مشاعر اللذة والألم. مثل الحيوانات الأخرى نريد بشكل أساسي أن نشعر بالأمان من التهديد الخارجي ونختبر اللذة.
    بخلاف الحيوانات الأخرى يتمتع البشر بأدمغة متطورة بشكل مميز، لدينا إحساس بأنفسنا في الوقت المناسب حتى نتمكن من التخطيط للمستقبل في ضوء الماضي، يمكننا أن نختبر اللذة من خلال استدعاء متع الماضي إلى أذهاننا، ويمكننا تذوق المتع الحالية من خلال إعطائها اهتمامًا خاصًا، نحن ننقل أفكارنا باستخدام اللغة والرموز، لدينا أيضاً وعي بموتنا، هذهِ القدرات العقلية العليا تزيد من متعنا النفسية المتاحة، ولكنها يمكن أن تسبب أيضاً مخاوف مثل الخوف من الموت أو العقاب الإلهي.
    ومع ذلك، مرة أخرى نحن نرغب بشكل أساسي في الأمان واللذة لأننا كائنات، يسمي أبيقور النسخة البشرية المميزة من الشعور بالأمان ب”الطمأنينة”، والتي تُترجم عادةً باسم “الهدوء”، وهي حالة مستقرة تتميز بغياب القلق ووجود اللذة، تنشأ الطمأنينة من تقدير أننا اكتسبنا الموارد المادية والنظرية والشخصية اللازمة للصحة النفسية، على الرغم من أن مذهب اللذة الأبيقوري يركز في البداية على تلبية الاحتياجات وإزالة مصادر القلق غير الضرورية، إلا أن الطمأنينة تفتح أيضاً فرصاً جديدة لأفراح خالية من القلق.
    يغضب أبيقور من النقاد الذين يصورون(بقصد أو بدون قصد) مذهب اللذة بشكل كاريكاتوري على أنه تأييد لـ “نوبات الشرب والحفلات المستمرة”. وهو يصر على أنه يؤيد «الحصافة» التي تُفهم على أنها فن «الحساب الرصين» بشأن «الاختيار والتجنب». يساعدنا الحذر في تحديد ما يسبب اللذة على المدى البعيد، ويشجعنا على اختيار الآلام التي تُنتج لذة أكبر، على سبيل المثال: ممارسة التمارين الرياضية لزيادة الصحة، وتجنب الملذات إذا أدت إلى المزيد من الألم(مثلاً:
    ديون بطاقة الائتمان، الإفراط في تناول الكحول). بعبارة أخرى تخبرنا الحكمة أن(نوبات الشرب والحفلات المستمرة) ليست استراتيجية حياة عظيمة، إن الحكمة تبقينا خارج الحضيض وتساعدنا على تحقيق الطمأنينة أو الاقتراب منها.
    ومع ذلك، فإن الطمأنينة ليست اللذة الوحيدة التي تستحق الاستمتاع بها حتى لو كان كل ما نحتاجه بشدة للرضا في أوقات الشح أو الشدة. لم يكن أبيقور مسرفاً ولم يكن مروجاً للزهد المتطرف أو مذهباً للذة بالاسم فقط، في حين يعتقد أبيقور أننا نستطيع بسهولة الحفاظ على الطمأنينة عندما تقيدنا الظروف بالضروريات، فإنه يشجعنا على متابعة وتذوق فرص اللذة
    المبهجة عندما تسمح الظروف بذلك. في الواقع هو يعتقد أن التقدير الأساسي لامتلاك كل ما نحتاجه يسمح لنا بتقدير البذخ أكثر من الآخرين. وعلى حد تعبيره: “أولئك الذين لا يحتاجون إلى الإسراف هم أكثر من يستمتعون به”.
    إذاً فإن فن الحكمة الأبيقورية يتضمن اكتساب ما نحتاج إليه من أجل الطمأنينة والحفاظ عليه، والتمتع بالإسراف الذي يثري الطمأنينة دون تقويضها، وتجنب كل ما يقوض الطمأنينة. يقدم أبيقور تصنيفًا للرغبات لمساعدتنا في التمييز بين ما نحتاج إليه وما هو ممتع وما يجب أن نرفضه بكل إخلاص: الرغبات الطبيعية والضرورية، والرغبات الطبيعية وغير الضرورية، والرغبات غير الطبيعية وغير الضرورية.
    ركز على ما هو ضروري على عكس أقدم وأعظم منافسيهم(الرواقيون) يعتقد الأبيقوريون أن لدينا احتياجات مادية وعلائقية، والتي إذا تُركت دون تلبية تجعلنا قلقين وغير آمنين.
    يؤكد الرواقيون على أن الفضيلة وحدها ضرورية وكافية لتحقيق السعادة، يجب أن يكون لدينا فضيلة، والفضيلة هي كل ما نحتاجه، وعلى النقيض من ذلك يعتقد الأبيقوريون أننا نحتاج أيضاً إلى الطعام وبعض السلع المتنوعة الأخرى. وبينما يطور الأبيقوريون استراتيجيات للتعامل مع الشدائد، فإنهم لن ينكروا أبداً أن الألم الذي لا يمكن علاجه هو أمر سيء حقًا.
    البشر كائنات ضعيفة بطبيعتها، ويجب علينا دعم نقاط الضعف هذه بأفضل ما نستطيع للبقاء على قيد الحياة والشعور بالأمان.
    العديد من الأشياء ذات الرغبات الضرورية بديهية. نحن بحاجة إلى الغذاء والماء والمأوى، الجوع والعطش مؤلمان، وإذا تُركنا بدون طعام وشراب لفترة كافية نموت. إذا كان حصولنا على الماء والغذاء يتطلب المال، فإننا بحاجة إلى ما يكفي من المال لتناول الطعام والشراب بشكل موثوق. عندما يفتقر الآخرون إلى الثقة في امتلاك مثل هذه الموارد، فلا ينبغي لنا أن نتظاهر بأنهم لا يزال لديهم ما يحتاجون إليه لتحقيق السعادة كما قد يفعل الرواقي. ومع ذلك، فإن تلبية هذه الاحتياجات الجسدية الأساسية لا تكفي لتحقيق الطمأنينة، يعتقد أبيقور أن البشر لديهم احتياجات قليلة نسبيًا لكنها ليست كلها مادية.
    لدينا أيضًا احتياجات شخصية وفكرية تنشأ من طبيعتنا المميزة، مما يعني أنه حتى الأشخاص ذوي الثروات الكبيرة يمكن أن يجدوا أنفسهم مع رغبات ضرورية غير مُرضية. وعلى وجه التحديد، نحن بحاجة إلى الأصدقاء لأننا لا نملك الاكتفاء الذاتي لإنتاج ما نحتاج إليه للبقاء على قيد الحياة، ونسعى إلى الحصول على الثقة في أن شخصا ما سوف ينقذنا من خطر مادي جسيم أو تهديد خارجي. نحتاج أيضًا إلى مرشدين جديرين بالثقة لمساعدتنا في فهم أنفسنا والعالم. ذكرياتنا الأكثر
    بهجة عادة ما تكون مع الأصدقاء، لذا فإن الأصدقاء هم أيضاً مصدر كبير للمتعة. باختصار، يجب علينا أن نجد الأشخاص الذين يمكننا الوثوق بهم.

    وأخيراً، تتطلب الطمأنينة فهماً وتقديراً أساسيين للعلم لأن الخرافات تمثل تهديداً خطيراً لرفاهيتنا المجتمعية والنفسية، يساعدنا العلم الجيد على التنبؤ بالعالم الطبيعي وفهمه والتنقل فيه، فهو يجعلنا أكثر قابلية لتأمين ما نحتاجه للبقاء على قيد الحياة، ويعتقد أبيقور أنه يزيل أيضاً خوفنا من أن يحدد إله متقلب مصيرنا(في ديننا وعقيدتنا الإسلامية نؤمن أن الله عزيز حكيم، وكثيراً ما يرتبط اسم الله الحكيم بالعديد من أسماءه الأخرى وخصوصاً اسمه العزيز لدلالات متعددة يمكن
    الرجوع إليها في كتب التفاسير القرآنية، قد لا نفهم الحكمة خلف بعض الأمور السيئة لكننا نثق أن الله له حكمة تغيب عن عقولنا القاصرة والمحدودة”المترجم”). كما أنه يساعدنا، كما يقول على إدراك أنه ليس لدينا ما نخافه من الموت. ومن ناحية أخرى، فإن الفهم العلمي الضعيف يتركنا فريسة للمشعوذين ومروجي الخوف الذين يشجعوننا على اتخاذ قرارات سيئة بشأن صحتنا وسلامتنا العقلية.
    إن تلبية هذه الاحتياجات مُجتمِعةً تُنتج حياة كريمة جداً: الطعام والشراب والمأوى والأصدقاء الداعمين، والقدرة على التنقل وفهم العالم دون أن يخدعهم أحد أو تخيفهم الخرافات. يعتقد أبيقور أنه يمكننا أن نعيش حياة آمنة وراضية ومبهجة بصحبة الأصدقاء إذا أعطينا الأولوية لإشباع رغباتنا الضرورية واستطعنا أن نرى ذلك كافياً.
    ولسوء الحظ، فإننا غالباً ما نفشل في تأمين ما نحتاج إليه لأننا نضع أولوياتنا في غير محلها، نحن نضيع الوقت في مطاردة الحُلي غير الضرورية على حساب تنمية العلاقات الشخصية والتفاهم الذي نحتاجه.
    إن الشخص الذي يعلن “لا أريد أصدقاء جيدين” قد يبدو لنا منحرفاً، لكن سيلًا لا هوادة فيه من الدراسات يشير إلى أن الكثير من الناس يجدون أنفسهم بدون أصدقاء جيدين، يبدو الشخص الذي يعلن “أنا أستمتع بكوني جاهلًا بكيفية حماية نفسي من العلوم السيئة” غريبًا كذلك، ومع ذلك أفرغ الناس الرفوف لشراء مزيل ديدان الخيول لحماية أنفسهم من كوفيد-19.
    حتى عندما يكون لدينا ما نحتاجه يمكننا مع ذلك أن نجد أنفسنا غير راضين، يعتقد أبيقور أننا نفشل في الحصول على ما نحتاج إليه أو نظل غير راضين على الرغم من حصولنا عليه لأننا نستثمر أنفسنا في رغبات يصعب بل من المستحيل إشباعها، وعلى وجه الخصوص فإننا نبالغ في تقدير الإسراف، والأسوأ من ذلك أننا نطارد أهداف الرغبات المسببة للتآكل، إن الرغبات المسببة للتآكل تقوض إشباعنا بمجرد وجودها، مثل التنين الذي ينفث النار والذي يهدد دائمًا القرويين في أرواحنا.

    استئصال الرغبات المسببة للتدهور

    الرغبات المسببة للتدهور عبارة عن مجموعة متنوعة، لكنها تشترك في التشابه العائلي، تميل أهدافها إلى إكمال الجملة “لا يمكنك أبداً الحصول على الكثير…” لا يمكنك أبداً الحصول على الكثير من المال، أو الكثير من القوة، أو الكثير من الأرباح، أو الكثير من النقرات، أو الكثير من “الإعجابات”، أو الحياة الطويلة، وما إلى ذلك. يُطلق على مثل هذه الرغبات اسم “غير محدودة” لأنها تحتوي على فكرة أن هناك دائماً المزيد مما يستحق المتابعة، إن الطبيعة غير المحدودة للرغبات المسببة للتدهور تعني أننا لا نستطيع إشباعها أبداً، هناك دائماً المزيد، الوصول إلى غاية بعيدة المنال، والرضا على الأقل بتحقيق خطوة واحدة نحو الأمام، الطمأنينة نوع من الرضا، والرغبات المتآكلة لا تُشبع أبداً، وإذا كان الشخص يرغب في المزيد فإن ما لديه لا يكفي أبداً.
    والأسوأ من ذلك، لأن موضوعات الرغبات المسببة للتدهور تنافسية وتأتي بدرجات، فهي تدعونا لمقارنة أنفسنا بالآخرين، فقد نحسد أولئك الذين لديهم المزيد أو يشعرون بالتفوق على أولئك الذين لديهم حظوظ أقل، إذا سيطرت رغبة معينة على رصيدنا العقلي والعاطفي فمن الممكن أن تطغى حتى على القيم الأخلاقية وتغرينا بالغش أو السرقة أو الدهس على الآخرين للحصول على المزيد مما نريد، إن الرغبة في الحصول على أكبر عدد ممكن من “الإعجابات” تغرينا بتحويل
    أنفسنا إلى ما يرغب ملايين الأشخاص في مشاهدته على الإنترنت، مثل هذهِ الرغبات تسحبنا بعيداً عن الأصالة والعلاقات ذات المغزى في سعينا للحصول على إعجاب الأشخاص الذين لا نعرفهم حتى، إن السعي لتحقيق أقصى قدر من الربح يجعل سحق الضعفاء أمراً حكيماً لإنتاج تقرير أرباح أعلى قليلاً.
    إن الرغبات المسببة للتدهور تتركنا غير راضين وتثير مشاعر مؤلمة مثل الحسد والاستياء وتبعدنا عن الآخرين وتحفزنا على التصرف بطرق غير أخلاقية تورث تأنيب الضمير. دعونا نستكشف الفئة المتوسطة المتبقية(الرغبات الباهظة).

    استمتع بالبذخ غير الضار

    الرغبات الباهظة عادة ما تكون لنماذج أكثر تحديدًا وتعقيداً من الرغبات الضرورية، على سبيل المثال بدلًا من تناول وجبة بسيطة جداً يمكنك التنزه في الحديقة مع زجاجة من النبيذ، قد تستمتع بالمحادثة مع صديق مقرب في المقهى، أو ليلة في السينما، أو حفلة موسيقية، أو رحلة إلى محل الآيس كريم. قد تكون بعض المناسبات الفاخرة أكبر مثل إجازة في الخارج
    أو تناول العشاء في مطعم فاخر، ما يهم في البذخ هو كيف نختار ونقدر.
    نحن نخطئ بشكل رئيسي عندما نتعامل مع الإسراف على أنه احتياجات، ونرى فشلنا في امتلاكها كسبب وجيه لعدم الرضا عن الحياة، ولأن التبذير قد يكون نادراً نسبياً ويمكن أن يختفي في لمح البصر، فإن التعامل معه باعتباره أي شيء آخر غير المصادر المشروطة للبهجة يجعلنا متقلبين نفسياً وعرضة للقلق وخيبة الأمل غير الضروريين، إن اتباع نظام غذائي ثابت من الإسراف أيضاً كما ذكرنا أعلاه يمكن أن يستنزف متعة البذخ نفسها، نحن نستمتع بشيء أكثر عندما نختبره على
    أنه غير ضروري وغير متوقع ورائع.
    ويعتقد أبيقور أن لدينا أيضاً موقفاً خاطئاً تجاه الإسراف عندما يقودنا إلى إهمال إشباع رغباتنا الضرورية، على سبيل المثال إذا أصررنا على تناول طعام فاخر عندما لا يستطيع أصدقاؤنا الطيبون تحمل تكاليفه فإننا نعطي الإسراف الأولوية على الصداقة. إذا كان ذوقنا الراقي في الموسيقى أو أجهزة الاستريو يجعلنا نسخر من الأشخاص الذين يفضلون الراديو الشعبي، فهذا يعني أننا ننفر الآخرين بسبب شيء لا أهمية له بالنسبة لرفاهيتنا، الصداقة ضرورية، والطعام الجيد أو
    الآراء المستنيرة حول السينما الفرنسية ليست كذلك.
    إن الإسراف إذا تم اختياره جيداً يعزز أو يعمق الطمأنينة، لكن ليس هناك إسراف معين ضروري تمامًا لحياة راضية، وعلى حد تعبير أبيقور فإن الإسراف “يتنوع” بدلاً من “زيادة” الطمأنينة. نحن لا نصبح أكثر سعادة لأن إسرافنا أكبر أو أكثر عدداً أو أكثر تكلفة، سيجد الأبيقوريون أفراحاً في حياتهم اليومية ويغتنم الفرص لمزيد من البذخ المتقن في حالة حضورها مع الحفاظ على الاتزان الأساسي. والبحث عن هذه الأفراح خاصة مع الأصدقاء يساعدنا أيضاً على الاستعداد
    لمواجهة سوء الحظ والتعامل معه.
    قد تسأل نفسك إذاً: هل لدي كل ما أحتاجه لتحقيق الرضا والاستقرار، بما في ذلك ليس فقط السلع المادية الأساسية، ولكن أيضاً الضروريات العلائقية والفكرية، إذا اكتشفت أنك تفتقر إلى بعض الأشياء الجيدة المهمة على سبيل المثال الأصدقاء الداعمين، فإن أبيقور يعتقد أن فرص الرضا لديك تنمو بشكل كبير إذا ركزت طاقاتك وتخلصت من الرغبات غير الضرورية
    التي تضيع الوقت وتولد عدم الرضا.
    إذا وجدت نفسك بدلاً من ذلك مع كل ما يعتبره أبيقور ضروريًا لتحقيق الرضا، فهل تعتبره كافياً لحياة جيدة ومبهجة؟
    الكثير منا لديه ما يحتاج إليه، لكننا نفشل في تقديره أو رؤيته على أنه كاف. نحن نقنع أنفسنا بأننا بحاجة إلى المزيد والمزيد، وتحمل رغباتنا اللامحدودة عدم الرضا والقلق طوال الرحلة، يعتقد أبيقور أنه بمجرد حصولك على ما تحتاجه
    وبمجرد أن تتمكن من تقديره باعتباره كل ما تحتاجه، فإن الشعور بالرضا يتيح الوقت والطاقة للاستمتاع بالبذخ الممتع الذي يعطي الشكل واللون لحياتنا.

    سبب أهميتها

    إن كتابة كتاب يمكن أن تمنح الشخص شيئاً يشبه العقل ذو المسار الواحد، ولسوء الحظ بالنسبة للآخرين، فإن هذا يعني أن الموضوع يشق طريقه بطريقة سحرية إلى كل مناقشة تقريباً. تشير محادثاتي مع الأصدقاء والعائلة والأشخاص القادرين على التكيف مع مختلف الظروف إلى أن الناس يجدون الأبيقورية أكثر جاذبية عندما يفكرون في الصداقة والامتنان وسوء الحظ، في الواقع يربط أبيقور هذه الجوانب المهمة من الحياة معاً، حيث تعتبر الصداقة الخيط المركزي.
    يتحدث أبيقور بصورة شعرية غير معهودة عن الصداقة، فيكتب أنها “ترقص حول العالم لتعلن لنا جميعاً أننا يجب أن نستيقظ على السعادة”، وبقدر أقل من الذوق البلاغي يزعم أن من بين الأشياء التي توفرها الحكمة لسعادة المرء في الحياة بأكملها أعظمها على الإطلاق هو امتلاك الصداقة. ويعتقد أبيقور أننا لا نحتاج إلى الأصدقاء فحسب، بل إن الأصدقاء يساهمون أكثر في خير الحياة. تمنحنا مجموعات الأصدقاء الثقة في الدعم في أوقات الشدة المادية والعاطفية، وتساعدنا
    في التعرف على أنفسنا والعالم. في بعض الأحيان، يمكن للأصدقاء فقط إيصال الحقائق الصعبة بشكل فعال. بالنسبة لأبيقور، تتويج نعمة الأصدقاء الجيدين هو دورهم في بناء مكتبة الذكريات المبهجة التي نعتمد عليها في أوقات الشدة أو الملل أو سوء الحظ.
    ومع ذلك، تكشف مجموعة كبيرة من الأدلة أن الكثير منا يفشلون في إشباع الرغبة الضرورية في الحصول على أصدقاء، على الرغم من أننا نقدِّر الصداقة ونحتفل بها، إلا أن نسبة عالية من الناس أفادوا بأن لديهم عدداً قليلاً من الأصدقاء المقربين والداعمين إن وُجدوا. تكشف الدراسات الطولية أن الوحدة لا تدمر صحتنا النفسية فحسب، بل تدمر صحتنا الجسدية كذلك، حتى أن المملكة المتحدة عينت وزيرًا للوحدة في عام 2018 لمعالجة هذه القضية. فلماذا نفشل في تحقيق شيء يبدو أننا جميعاً نريده وينتج عنه مثل هذه الفوائد الكبيرة؟
    يعتقد أبيقور أننا في بعض الأحيان نختار ونبقى في صداقات غير صحية، وفي أحيان أخرى نفشل في تحديد الأولويات وتعميق صداقاتنا الصحية، حسنًا، في بعض الأحيان مع الأسف لسنا بأنفسنا أصدقاء رائعين.
    ترتكز الصداقات الأبيقورية على سمتين: الثقة والاعتراف المشترك بما يهم في الحياة.
    من خلال الثقة يعني أبيقور أن الأصدقاء يمكنهم الاعتماد على الدعم المتبادل في أوقات الحاجة أو سوء الحظ، وليس أننا نستطيع أن نثق في صديق لن يبالغ في طهي الطعام مثلاً، يمنحنا الأصدقاء الثقة بشأن مستقبلنا ويسهلون علينا الوصول إلى الطمأنينة. باختصار، الأصدقاء لا يجعلون الأصدقاء قلقين، إذا كان لدينا سبب وجيه للاعتقاد بأن صديقاً سيتخلى عنا في وقت الخطر، فإن أبيقور يعتقد أن الصداقة مجرد علاقة وربما مضيعة للوقت. وعلى نفس المنوال، لدى أصدقائنا سبب لتوقع الثقة والدعم منا، الصداقة هي مصدر للفرح، ولكنها تبدأ بالاعتراف المتبادل بالحاجة الإنسانية.
    والسمة الثانية للصداقة الآمنة ـالمفهوم المشترك لما يهم تعمل على تعزيز الثقة. يعتقد أبيقور أنه عندما ندخل في علاقة أو نحافظ عليها لأسباب متقلبة، فإن صداقتنا أيضاً تكون غير آمنة، فكر مثلاً في رفاق الشرب، في حين أن أصدقاء الشرب قد يستمتعون بأشياء كثيرة أثناء الشرب، إلا أن الصداقة تنهار إذا توقف أحد الأصدقاء عن الشرب، الصداقات التي تحركها وتدعمها الرغبات المسببة للتدهور في الجمال أو المكانة أو الثروة تكون غير مستقرة لأن الجمال والمكانة والثروة هي في حد ذاتها غير مستقرة.
    من الممكن أن نفقد الثروة بسبب سوء الحظ، ويختفي جمال الشباب حتماً. وبما أن هذه الصفات تأتي بدرجات، فإن الصديق الذي تأسره الرغبات المسببة للتدهور قد ينتقل إلى شخص آخر عندما يظهر خيار أكثر ثراء أو شعبية أو أجمل، على النقيض من ذلك، فإن الصداقات الأبيقورية متجذرة في أشياء تقع تحت سيطرتنا إلى حد كبير وليست عرضة للمنافسة، الدعم والموثوقية ورفض الرغبات المسببة للتدهور كسبب وجيه للدخول في صداقة أو الحفاظ عليها.
    يلعب الأصدقاء الموثوق بهم دوراً حاسماً في النهج الأبيقوري للتحضير للشدة وإدارتها، تذكر أن الأبيقوريين على عكس الرواقيين يرفضون العناية الإلهية، لذا فإن موت الطفل لا يتناسب مع الخطة الإلهية المنظمة جيداً والتي تقع خارج نطاق الفهم البشري. المصائب لا تحدث من أجل الخير لأنها لا تحدث من أجل أي شيء، وكما قال الفيلسوف جوليان باجيني في صحيفة الغارديان هذا العام: “كان أبيقور واقعياً بالدرجة الكافية لتقبل حقيقة مفادها أن الظروف الخارجية من الممكن أن تجعل الحياة لا تطاق، وأن الحزن أمر طبيعي وحقيقي، وأن الأشياء تحدث”. وعندما يحدث ذلك، فأنت بحاجة إلى صديق يظهر لك عند عتبة بابك ولا يهرب إذا بدأت بالبكاء بشكل غير متوقع، ويأخذ أطفالك إلى السينما حتى تتمكن من قضاء بعض الوقت بمفردك. في حين اعتبر الرواقيون مثل سينيكا أنه من المخزي أن نحتاج إلى الأصدقاء صدقاء في الأزمات، اعتبر الأبيقوريون أنه من الخطأ أن ننكر حاجتنا إلى الأصدقاء.
    يساعدنا الأصدقاء أيضاً في الاستعداد لمواجهة سوء الحظ بطريقة أكثر غرابة في مذهب اللذة الأبيقوري. يوصي بعض معارضي الأبيقورية بالتدرب مسبقاً على الشرور المحتملة وإجراء نوع من التدريب الذهني على المحن التي قد لا تحدث أبداً، مما يجعلك لا تعتقد أن مثل هذه الأحداث ضارة. لكن الأبيقوريين يفضلون عدم اقتراض المتاعب، حيث يعتقدون أننا نستعد بشكل أفضل لسوء الحظ من خلال العيش بسعادة مع الأصدقاء وتنمية الامتنان لتلك الفرحة من خلال تذكرها
    ووضعها في الاعتبار.
    إذا استخلصت أي شيء من هذا الاعتبار للأبيقورية، فيجب أن يكون هذا أفضل شيء يمكنك القيام به لنفسك هو تكوين صداقات داعمة تستحق الثقة، والتأكد من أنك تستحق ثقة أصدقائك، ثم عيشوا معاً بسعادة وشاركوا متعكم الخاصة واصنعوا متعاً مشتركة. إذا أصابك سوء الحظ وسيحدث ذلك بشكل عام خلال حياتك، فيمكنك الاعتماد على تلك الموارد الوفيرة(أصدقائك الداعمين ومكتبة ذكرياتك الغنية) لتسليتك عن الألم والمساعدة في تذكيرك بروعة الحياة.

    وأخيراً عليك أن تضحك! يكتب أبيقور أن”على المرء أن يتفلسف وفي نفس الوقت يضحك…وأن يستخدم بقية ممتلكاته الشخصية، وألا يتوقف أبداً عن التصريح بأقوال الفلسفة الصحيحة”. الفلسفة الصحيحة يجب أن تكون ممتعة تماماً مثل الحياة.