حرفة علم الاجتماع وممارساته – عبدالرحمن بن عبدالله الشقير

حرفة علم الاجتماع وممارساته – عبدالرحمن بن عبدالله الشقير


يوجد تداخل بين مفهومي حرفة العلم وممارسته في جميع العلوم، ومن بينها حرفة علم الاجتماع وممارسته، وقد يرد كل مفهوم ويقصد به الآخر في الكتابات الكلاسيكية، وذلك لصعوبة إيجاد خط فاصل بينهما، وقد حرص من كتب عن هذا الموضوع على تكثيف الانغماس في علم الاجتماع لتمكينه من أداء دوره في فهم المجتمع وتفسير مشكلاته وظواهره من أجل السيطرة عليها بالعلم، أكثر من اهتمامهم بتقديم تعريفات قاموسية.

وسوف يرد مفهوم الحرفة في هذه الورقة، ويقصد به: تحقيق أعلى درجات الاحتراف والمهنية في التخصص والالتزام بوظائف التخصص في مجالات التدريس والبحث، وملاحظة الظواهر الاجتماعية ورصد التحولات، والمشاركة المجتمعية بكتابة مقالات لغير المتخصص، وإبداء الرأي في التحولات الاجتماعية وخدمة الباحثين والطلاب، والمشاركة المؤسسية بتقديم استشارات وإعداد دراسات، والأهم هو أن يكون لعلم الاجتماع انعكاس على تطوير شخصية الباحث ورفع كفاءته في إدارة وقته ومعالجة مشكلاته.

بينما يقصد بممارسة علم الاجتماع: انعكاس التخصص على الممارسات في الحياة اليومية، مثل المشاركة في قضايا المجتمع بإبداء الرأي ومناصرة الفئات المهمشة وتنوير المجتمع، إضافة إلى الانغماس في التخصص البحثي، مثل التواصل مع المتخصصين والعلماء ومتابعته للجديد في مجال التخصص، وإعداد البحوث والدراسات الموجهة لخدمة العلم والثقافة.

ويوجد صنف ثالث لا يعد ملتزماً بـ حرفة علم الاجتماع وممارسته، يتمثل في المتخصص الموظف، ويقصد به الذي يمارس مهام التدريس ويعد بحوثاً لأغراض الترقية؛ لأن مجاله لم يتجاوز حدود بيئته التدريسية. ويؤكد مايكل بوراووي على أن علم الاجتماع يكتب للعموم، ويعني بذلك أن تكون موجهة للجمهور العام ولصانع القرار، ولا تكتب لمجرد الحصول على الشهادات والدرجات العلمية، ولا أن يكون تخصص علم الاجتماع منعزلا ومغلقا على ذاته[1].

وتشترك الحرفة والممارسة في أنهما فن ومهارة، وأنهما يخدمان العلم، ويثريان المعرفة، ويؤديان مسؤوليتهما الاجتماعية في فهم المجتمع وإصلاحه وتفسير تحولاته.

وتكمن أهمية معرفة حرفة علم الاجتماع وممارسته في أنها تضع مسافة بين المتخصص الباحث والعالم وبين المتخصص الموظف، وهي مسافة ينبغي إدراكها في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى؛ نظراً لمساهمة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في خلط المفاهيم، ومنح الفرص للموظفين بتقديم أنفسهم بوصفهم علماء استناداً إلى امتلاكهم لمعلومات عامة تشبه معلومات الحياة اليومية، وتقدم إلى جمهور غير متخصص، ويتبرع هذا الجمهور بتقييم المتخصصين ووصفهم بالمهنية والعلم بناء على ما يعرفونه من معلومات عامة.

ومن المتوقع أن تسهم الورقة في تقارب الباحثين والمتخصصين الجدد مع جوهر تخصصهم والأدوار المتوقعة منهم تجاه العلم، وختمتها بملامح من دليل استرشادي لمن يرغب في كتابة بحث، وليس لديه المعرفة الكافية بمنهجية إعداد بحوث علمية متميزة.

أولاً: حرفة علم الاجتماع

اهتم علماء الاجتماع بعلم الاجتماع بوصفه حرفة منذ نشأته، وأول من كتب في هذا الموضوع المهم، ماكس فيبر، أحد مؤسسي علم الاجتماع، وصدر له كتاب “العلم والسياسة بوصفهما حرفة”، وهو في الأصل محاضرتان، الأولى بعنوان “العلم بوصفه حرفة”[2]، والثانية بعنوان “السياسة بوصفها حرفة”[3]، وذلك لرؤيته بأن أوروبا ينبغي أن تقوم على العلم والعمل السياسي معاً، ويكون عنصر الحرفة هو العامل المشترك بين العلم والسياسة؛ وذلك لأن إدارة الشأن العام سياسياً ينبغي أن يكون مبنيًا على العلم والمعرفة. وناقش في محاضرته الأولى بتوسع ظاهرة الأستاذ الجامعي الملتزم بحرفته، ومشكلاته مع الأكاديميا من حيث تعيينه، وترقيته، وكفاءته في التدريس والبحوث.

وكتب رايت ميلز ملحقاً لكتابه الشهير “الخيال العلمي الاجتماعي” من خمسين صفحة بعنوان محترف الفكر، وكان أكثر اقتراباً من واقع البحث العلمي، وتضمن نصائح مباشرة للباحثين وما ينبغي أن يتسموا به، والعائد الرمزي الذي يمكن أن يحققه الباحث. وأكثر ما يؤكد عليه للمتخصص قوله: “إنك سوف تدرك، كدارس للعلم، أنك تملك فرصة استثنائية لتصميم طريقة للحياة سوف تشجع على انتهاج عادات الحرفة الفكرية الجيدة، فالدراسة والعلم ما هو إلا اختيار لكيف يمكن أن تعيش، كما هي اختيار لسبيل الحياة، فالإنسان الذي يعمل في مجال الفكر، سواء كان يعلم أو لا يعلم، يقوم بتشكيل نفسه أثناء عمله نحو تحقيق الكمال لصنعته، وهو لكي يحقق قدراته الخاصة، ويأخذ بأي فرص تظهر في طريقه، فهو يقوم ببناء شخصية يكون لها صفات المفكر الجيد. وما يعنيه هذا، هو أنك يجب أن تتعلم كيف تستفيد وتستخدم تجربتك في الحياة في عملك الفكري”[4].

وتتميز مسائل حرفة علم الاجتماع عن مؤلفات مناهج البحث الاجتماعي بأنها تركز على تجارب العلماء والباحثين الخاصة، ويكشفون من خلالها عن تفاصيل تفكيرهم في اختيار موضوعات دراساتهم والمشكلات التي واجهوها وكيف تغلبوا عليها. وقد قدم رايت ميلز توجيهات للباحث في مجال إدارة وقته وتنظيم ملفاته البحثية، وأشار إلى تجربته في تأليف كتاب “الصفوة” وكيف نشأت عنده الملاحظة، وبدأ في مناقشتها مع من يتوقع قربهم من الفئة المدروسة[5].

وكتب بيير بوردو وباسرون وشامبوردون “حرفة عالم الاجتماع”، وهو يركز بصفة أساسية على تطوير مناهج التفكير والبحث في علم الاجتماع، وتدعيم هذا التوجه بنقل نصوص من ثلاثة وثلاثين فليسوفاً ومفكراً.

ويميز مايكل بوراووي بين علم اجتماع (سوسيولوجيا) العموم والسوسيولوجيا المهنية من خلال التمييز بين أربعة أنواع أساسية، كالتالي:

الأول: علم الاجتماع المهني Professional: وهو الشق الأول من علم الاجتماع الذي يفترض الاشتغال النظري/المفاهيمي، ويهدف لتوفير “المنهجيات الصحيحة التي تم اختبارها، والمعارف التي تم جمعها، والأسئلة الموجهة إلى مسار العمل، والأطر المفاهيمية”. وهي توفر الشرعية والدراية لأشكال علم الاجتماع الأخرى.

الثاني: علم اجتماع السياسات Policy: وهي تخدم الهدف الذي يحدده الزبون، الذي غالباً ما يكون مؤسسات وشركات. ويتحدد بأن هدفها يكمن في تقديم الحلول لمشاكل تعرض على المتخصصين، أو التصديق على حلول تم التوصل إليها مسبقاً. وبعض الزبائن يحددون مهمة الباحث الاجتماعي بعقد محدد بدقة، في ‏حين يقوم زبائن آخرون بدور أشبه بدور الراعي الذي يحدد الأجندات العامة للسياسة.

الثالث: علم الاجتماع النقدي Critical: وهو تقييم المنهجيات والأسس التي تقوم عليها بقية أشكال علم الاجتماع، وتتوجه تحديداً إلى دراسة أسس البرامج البحثية لعلم الاجتماع المهني سواء منها الأسس الواضحة والضمنية، أو الأسس المعيارية والوصفية.

الرابع: علم اجتماع العموم Public: وهي عملية إيجاد حوار بين علم الاجتماع وعامة المجتمع. ومن أشكالها وجود اجتماعيين يكتبون في صفحات الرأي في الصحف الوطنية، حيث يعلقون على قضايا تجتذب اهتمام العموم. ومن أشكالها أيضاً جهود الصحفيين الذين ينقلون الأبحاث الأكاديمية إلى خارج الوسط الأكاديمي في المجال العام[6].

وتركز مقولات علماء الاجتماع السابقة على تجاوز أشكال ومظاهر العلم والتخصص، إلى الدخول في روح العلم والإخلاص له، وهذا المبدأ يعد من الأسس التي ينبغي على المتخصص في علم الاجتماع أن يطلع عليها ويدركها، لارتباطها بتنمية وتطوير بقية حياته المهنية والعلمية والخاصة.

حرفة الباحث الاجتماعي

يوجد نوعان من الباحثين الاجتماعيين، هما: الباحث الاجتماعي صاحب الحرفة، وهو المتفرغ للفكر الاجتماعي وإثراء المعرفة والإسهام في تشخيص الواقع الاجتماعي والاقتصادي وتقديم تفسيرات لآليات تغيره والتحولات التي تطرأ عليه، وغالب أعمال هؤلاء تكون معدة للنشر. والثاني الباحث الاجتماعي المقاول، وهو الذي يبحث إما لأغراض الحصول على درجة علمية أو للحصول على مال، وغالب أعمال هؤلاء ليست للنشر.

وبما أن لدي خبرة في البحث الاجتماعي وتجربة حرفية، فسوف أعرض ملامحها كالتالي: منذ أن تخصصت في الجامعة والماجستير والدكتوراه في علم الاجتماع، وبدأت حرفة علم الاجتماع ، حيث في البداية كنت أشتري الكتب الورقية، وأبحث في مكتبتي المنزلية، وبعد توسع علاقاتي والتزاماتي اضطررت أن أحمل معي كتاباً أو اثنين وملف يتضمن البحث الذي أنوي إنجازه، وأتنقل بها في الفنادق والمقاهي التي سيكون لي ارتباط قريب منها، فصرت أكسب ساعات عمل بحثي متنقل. ثم أنشأت ملفاً في اللاب توب باسم أبحاثي وملاحظاتي، وقد أفادتني البحوث في الفضاءات العامة بزيادة ملاحظاتي الاجتماعية وتغيرات كثير من القيم الاجتماعية في المجتمع، كالتغير الاجتماعي بتزايد عدد النساء اللاتي يرتدن المقاهي والفنادق عن الفترات السابقة، وأساليب الشباب في التعامل والتحية والتواصل الاجتماعي مع الآخرين. وصار اللاب توب مرافقي الأساسي في الحل والترحال، وكان لهذه التجربة تأثير كبير في استثمار وقتي وارتفاع نسبة إنجازي.

ثانياً: ممارسة علم الاجتماع

اهتم عدد من علماء الاجتماع بتحديد ممارسة عالم الاجتماع، والأدوار المتوقعة منه، من أبرزها كتاب “ممارسة علم الاجتماع” سيرج بوغام، و”نحو علم ممارسة اجتماعي: بنية سوسيولوجيا بورديو ومنطقها” كتبه لويك ج. د. فاكان، وهو الفصل الأول من كتاب “دعوة إلى السوسيولوجيا الانعكاسية” الذي اشترك فيه فاكان مع بورديو.

ترتبط ممارسة علم الاجتماع بالمنهج العلمي ارتباطًا وثيقاً، بل إن المنهج العلمي هو الذي يحكم الممارسة الاجتماعية المتخصصة، ويقع انحراف العلم عندما يتجه المتخصص في علم الاجتماع إلى الشعبوية، من أجل جذب جمهور غير متخصص والعمل على تعزيز قناعاته من أجل الحفاظ على مكانته بينهم، ويتحول بذلك من عالم متخصص إلى “واعظ اجتماعي”، يكتسب شهرته ومكانته من تقييم جمهور غير متخصص، وقد تحدث بورديو ورفاقه في كتاب “حرفة عالم الاجتماع” عن جوانب من هذه الظاهرة وسماها “إغواءات النبوة”، التي تضع عالم الاجتماع في موقع النبي الذي يجيب على أمهات القضايا الخاصة بالحضارة ومستقبلها، وبناء علاقة مربكة مع الجمهور، وهي علاقة تشبه علاقة النجم بجمهوره أو النبي بأتباعه، ومن هنا يتعرض عالم الاجتماع أكثر من أي متخصص آخر إلى تقييم جمهور غير المتخصصين الذي يأتي تقييمهم غالباً ملتبساً ومتناقضاً، خاصة وأنه جمهور يشعر أنه مخول لدعم التحليلات التي يطرحها علم الاجتماع، خاصة عندما توقظ فيه هوس “الافتراضات المسبقة” المعرفة الاجتماعية العفوية، الذي يقيس العلم بقدر ما هو مألوف لديه[7].

البدء في كتابة بحث علمي

يمكن القول بثقة إن الباحث يتعلم من أخطاء الآخرين أكثر مما يتعلم مما ينبغي عليه فعله، وقد بدأت تجربتي في كتابة الأبحاث من الأخطاء التي وقعت فيها وما يزال يقع فيها كثير من طلاب الدراسات العليا؛ وذلك لأننا ندرس في مقررات مناهج البحث في الجامعة العمليات الإجرائية الصحيحة، ولم نعرف أن تنفيذ هذه العمليات يمر بسلسلة معقدة من التفاصيل التي لا تستحق أن تذكر في المقرر، ولكنه ينبغي أن تعرف من الباحث لحظة تنفيذ البحث، وبالتالي يبدأ باحث الدراسات العليا بكتابة موضوع مفروض عليه من القسم أو من مشرفه، وهذه ظاهرة خطيرة ومنتشرة في جامعاتنا، ثم يكتب وهو لا يملك الحد الأدنى من القراءات اللازمة في أدبيات الموضوع، ولا عن منهجية البحث التفصيلية، ولا أسلوب معالجة البيانات التي سيتبعها، ثم يحاول أن يخرج من هذا المأزق بالوقوع في مأزق آخر، وهو الاتصال بالباحثين لطلب توجيهه لمنهج ولنظرية ولمراجع جيدة، حتى ينجز البحث، ويدخل المناقشة وهو لا يستطيع أن يدافع عن الأفكار الواردة في البحث ولا تفسير الظاهرة المدروسة، وخاصة إذا كانت الدراسة كمية.

ومن ثم فعلى الباحث أن يكتب ما هو مقتنع به، بشرط أن يقرأ أهم أدبيات موضوعه، بحيث يكون مستعداً لأن يكون مرجعاً في مجاله، وأن يلقي محاضرة أو يكتب من ذاكرته أهم ما يمكن أن يقال عن الموضوع، وأن يقدم استشارات جيدة ومطلعة على أحدث الأفكار والنظريات فيه.

تمثل ممارسة علم الاجتماع الآليات التفصيلية التي تؤهل الباحث لفهم مناهج البحث، وبالتالي إعداد دراسات وبحوث قوية، وذلك لأن مؤلفات مناهج البحث غالباً ما تكون مقررات جامعية، تتضمن معلومات مكررة وعموميات، مما يجعل الطالب يحفظها ولا يعرف كيف يستخدمها بشكل صحيح، ومن ثم فإن ممارسة علم الاجتماع كفيلة بأن تملأ الفراغ الكبير بين الباحث ومناهج البحث؛ لأنها تتضمن تجارب العلماء في تأليف كتبهم، وفيها أبرز السمات التي ينبغي أن يتسم بها الباحث، وأساليب التعامل مع جميع الجزئيات التي تعترض الباحث أثناء البحث.

يدرس طلاب الدراسات العليا مناهج البحث وأدواته من أجل كتابة بحث علمي منهجي، ثم يتخرج وهو يعرف قوالب بحثية معدة مسبقاً وموزعة على شكل تساؤلات وأهداف وفرضيات وفصول، ومع ذلك يجد الباحث نفسه عاجزاً عن الكتابة بسبب مواجهته لتفاصيل كثيرة لم يتعلمها في مناهج البحث، والفراغ الكبير الذي يقع بين البدء بكتابة بحث وبين منهج البحث يسمى ممارسة علم الاجتماع، وهي الجزء الأهم الذي لم يتعلمه الطالب في الجامعة غالباً.

دليل استرشادي لممارسة علم الاجتماع

سوف أقدم دليلا استرشاديا لممارسة علم الاجتماع، بحيث يتضمن ملامح إجراءات الاستعداد لكتابة بحث علمي، وهي محاولة مستقاة من خبرات علماء الاجتماع ونصائحهم، ومن تجربتي البسيطة في هذا المجال، وهي كالتالي:

– أولاً ينبغي على الباحث أن يختار موضوعه بنفسه أو يُحدد له بدقة، وعليه قبل أن يبدأ بالقراءة المكثفة حول الموضوع ومحاورة المتخصصين والخبراء حتى يستوعبه، ويستطيع أن يتحدث عنه، ويدافع عن أي فكرة يتبناها. ثم بعد ذلك يختار زاوية جديدة لمعالجة الموضوع من خلالها، وتظهر زوايا البحث الجديدة مع التعمق في فهم الموضوع، ثم يختار عنواناً لموضوع بحثه، بحيث تكون جميع مفردات العنوان تعكس مفاهيم واضحة ومعروفة في الأدبيات الاجتماعية.

– لا يختار علماء الاجتماع مواضيع بحوثهم بالصدفة، بل يدرسون قضايا تمس مشكلات يعانون منها أو يعيشونها، مثل دراسة قضايا الهجرة من علماء ينحدرون من أسر مهاجرة، ودراسة الفقر والعمال والطبقات العمالية والتفاوت الاجتماعي من قبل علماء ينحدرون من طبقات فقيرة، كما تهتم الباحثات النساء بقضايا الأسرة والجندرية[8].

– من الأخطاء الشائعة في البحوث الاجتماعية الاكتفاء بوصف الظاهرة نوعياً وكمياً، فالباحث الذي يدرس الفقر لا ينبغي عليه أن يقدم إحصاءات عن عدد الفقراء ودخلهم وانتشارهم، بل عليه أن يفسر ظاهرة الفقر لماذا جاءت بالشكل الذي توصل إليه، وما الذي يشكل الوضعية الاجتماعية للفقير[9]؟

وعلى الباحث أيضاً أن يعرّف مفهوم الفقر تعريفاً يراعي الظرف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والواقع الراهن في لحظة الدراسة.

– ينبغي أن يطور الباحث اهتماماته بالمقارنات بين نتائج الدراسات السابقة ومقارنة الظواهر في المجتمعات وتجارب الدول في التعامل معها، مع مراعاة المؤثرات والأسباب الكامنة وراء الاختلافات التي يرصدها، فالمقارنة تزود الباحث بمجموعة أفكار تسهم في تطوير بحثه وتعميق رؤيته لموضوع دراسته، ويؤكد إميل دوركايم على أن: “ليس علم الاجتماع المقارن فرعاً مخصوصاً من علم الاجتماع، بل هو علم الاجتماع ذاته”[10]. وليس بالضرورة أن تكون المقارنة بين ظواهر ومجتمعات متجانسة، بل قد يحتاج خيال الباحث الاجتماعي أن يقارن بين ظاهرة في مجتمعين في عصرين متباعدين، أو بين طبقات ومجتمعات غير متجانسة، ويحقق هذا التوصل إلى نتائج جديدة قد تكون مخفية بسبب التجانس.

– اعتاد الباحثون على إجراء دراسات بفرضيات متوقعة من خلال قياس العلاقة بين متغيرين مثل: علاقة انحراف المراهقين بالطلاق، أو ارتباط الجريمة بالبطالة. وهذه رؤية تقليدية للبحث، ويتطلب الخيال العلمي الاجتماعي أن ينتج الباحث متغيرات أكثر عمقاً، مثل: علاقة البطالة بتوسيع مجالات العمل غير الرسمي، أو دراسة جماليات الطلاق وإعادة النظر في صورته الذهنية المترسخة عبر الأجيال.

– الالتزام باستخدام مصطلحات علم الاجتماع والتعبير عن الظواهر الاجتماعية بمفردات اجتماعية، وليس بكلام عام.

– متابعة الجديد في التخصص، من خلال متابعة نشاط مراكز الدراسات التي تستقطب علماء ومفكرين، ومتابعة دور النشر ومعارض الكتب والتواصل مع الباحثين المتخصصين.

– معرفة أهم العلماء الذين أسهموا بتقديم نظريات، ويمكن التوصل إلى هذه المتابعة من خلال متابعة مجلة “حوار كوني” التي تصدرها الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، وذلك لمتابعتها للدراسات والتحولات الجديدة في العالم، ولنشرها جهود علماء الاجتماع في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا وجنوبها، وذلك لأن الجامعات تركز على جهود علماء الاجتماع في أمريكا وأوروبا أكثر من غيرها.

– التواصل الدائم مع الباحثين والعلماء من خلال الاتصال والمراسلة ومحاورتهم والاحتكاك بهم والتعرف على نشاطهم.

– المشاركة في إبراز علم الاجتماع من خلال الكتابة والتأليف والتفاعل في المؤتمرات والندوات وورش العمل، والظهور الإعلامي، وتقديم الاستشارات للمؤسسات وللباحثين.

 

أخيراً

يمثل التعرف على حرفة علم الاجتماع وممارسته محاولة جديدة لغرس الباحثين الجدد تحت جلد التخصص، من خلال اطلاعهم على جهود علماء الاجتماع والباحثين المخفية في أداء أدوارهم باحتراف وكشف جانب من ممارساتهم البحثية، وهي البوابة الخلفية للمؤلفات الأساسية التي لا تُظهر إلا أفكارهم ونظرياتهم، على أمل أن تكون حافزاً للباحثين الجدد لأن يدخلوا التجربة البحثية باحتراف، ويكونوا نواة لعلماء اجتماع ملتزمين بـ حرفة علم الاجتماع وممارسته.


[1] مايكل بوراووي، نحو سوسيولوجيا للعموم، ترجمة مها بحبوح، بيروت: مجلة إضافات، عدد 10، ربيع 2010، ص 88

[2] ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، مرجع سابق، ص 149- 205

[3] ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، مرجع سابق، ص 261- 370

[4] رايت ميلز، الخيال العلمي الاجتماعي، ترجمة عبدالباسط عبدالمعطي وعادل مختار الهواري، اسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1987، ص 344

[5] رايت ميلز، الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سابق، ص 351- 358

[6] مايكل بوراووي، نحو سوسيولوجيا للعموم، مرجع سابق، ص 80 وما بعد

[7] بورديو، باسرون، شامبوردون، حرفة عالم الاجتماع، ترجمة نظير جاهل، بيروت: دار الحقيقة، ط 1، 1993، ص 32

[8] سيرج بوغام، ممارسة علم الاجتماع، ترجمة منير سعيداني، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط 1، 2012، ص 27

[9] سيرج بوغام، ممارسة علم الاجتماع، مرجع سابق، ص 35

[10] سيرج بوغام، ممارسة علم الاجتماع، مرجع سابق، ص 61