سيمفونية تشايكوفسكي السادسة: من الظلام خرجنا والى الظلام نعود – فياض معالي

سيمفونية تشايكوفسكي السادسة: من الظلام خرجنا والى الظلام نعود – فياض معالي


القسم الاول :

وفاة تشايكوفسكي : الكثير من الشائعات

كانت وفاة تشايكوفسكي حدثاً صدم معاصريه بشدة. تفاقمت مرارة الخسارة التي لا يمكن تعويضها من خلال الانطباع الذي كرسته سيمفونيته السادسة : فقد توفي رجلٌ مليءٌ بالقوى والخطط الإبداعية، في أوج شهرته وعطائه الفني.

بطبيعة الحال، أصبحت أسباب وظروف وفاة تشايكوفسكي على الفور موضع اهتمام عام متزايد.. وبالطبع كان لعمله السيمفوني الأخير وما لفه من غموض ارتبط بشكل خاص بظروف تأليفه وتقديمه وما تلا ذلك من موت درامي لمؤلفهِ مساهمة محورية في اثارة العديد من التساؤلات حول وفاة الملحن المفاجئة عن عمر يناهز 53 عامًا.

لقد راجت كثير من الشائعات حول هذا الموضوع، من فرضيات حول انتحارٍ مُحتمل اقدم عليه تشايكوفسكي او شُربه ماءً ملوثاً كان سبباً في أن يصاب بالكوليرا، وحتى إدانته بالمثلية من قبل ما عُرف ب “جمعية الشرف” دفعته نحو شرب الزرنيخ طواعيةً، باختصار كانت هناك العديد من النظريات حول هذا الموضوع. ومع ذلك، فإن الراجح بحسب الرواية الرسمية أن كوبًا من الماء غير النظيف تناوله في احدى المحال الشعبية كان سببًا في انتقال عدوى الكوليرا إليه.

وكما أشرنا، يَلعب عمله الأخير دوراً هاماً في تأجيج الشائعات حول فرضية انتحارٍ محتملة. من خلال التجديدات الفنية التي أدخلها تشايكوفسكي الى السيمفونية السادسة، والتي اتخذت بمجملها دلالاتٍ تتسق لحد بعيد مع ما أُعتبر (ترنيمةً وداعية)، وجدت هذه الشائعات أرضية خصبة للنمو والانتشار. فلم تتبع السادسة في بِنائها الفني اتجاه السيمفونيات الرومانسية في ذلك الوقت – من حيث، أنها اذا بدأت بِمفتاح الماينور (السلم الصغير / الحزين)، لا بد بالتالي وأن تنتقل السيمفونية في رحلةٍ من الظلام إلى النور – أي يَجب أن تنتهي في مفتاح الميجور (السلم الكبير / المبهج). “لكن سيمفونية تشايكوفسكي الأخيرة هي رحلة استثنائِية من الظلام إلى الظلام”.

كما تمتلئ السيمفونية ومراسلاته الأخيرة بأفكار حول موسيقى تحكي عن الموت والعبور. وتُكرس الحركة الأخيرة منها على وجه الخصوص انطباعاً شبيهاً بأجواء القُداس الجنائزي. بالإضافة إلى ذلك، فان عرض العمل وما اعقبه من وفاة مفاجئة بعد تسعة أيام فقط من تقديمه. قاد الكثيرين إلى الشك حول وجود صِلة بين العمل وموت المؤلف المُفاجئ على حَدٍ سواء. انطلاقاً من اعتبارهم العمل رسالة تشايكوفسكي الوداعية أو خطاب انتحاره، فليس من العبث انه استخدام لحن تهليله ارثوذكسية شهيرة تحكي عن الموت : “ألا فليرقد مع القديسين” في هذا الوقت بالتحديد ؟

بعد أيام قليلة أعقبت عرض العمل الاول في 28 أكتوبر 1893م. أصيب تشايكوفسكي بالكوليرا، عندما شرب كوباً من الماء غير المغلي، سواءً كان ذلك في المنزل أو عند تناوله الطعام في الخارج. غموض التفاصيل وفجوات الجدول الزمني بين الفترة التي يُقترح أنه شرب فيها الماء غير المغلي وظهور الأعراض، أثار عديداً من التساؤلات، بالإضافة إلى شراء الملحن للمياه غير المغلية، في مطعم حسن السمعة (وفقًا لأحد الحسابات). في خضم انتشار الوباء على الرغم من أن الدولة كانت قد وضعت مجموعة لوائح وقواعد صحية صارمة للحيلولة دون تفاقم الوضع. وعلى هذا الاساس تم التشكيك في دقة تقارير الاطباء الذين اشرفوا على الحالة. كما أن الروايات المتضاربة حول طريقة التعامل مع جثة تشايكوفسكي طرحت مزيداً من التساؤلات. فقد ورد أن التعامل معها لم يكن متوافقاً مع اللوائح الرسمية التي تفرض بروتوكولات صارمة فيما تعلق بالتعاطي مع ضحايا الكوليرا. في هذا الصدد روى نيكولاي ريمسكي كورساكوف في سيرته الذاتية هذه التفاصيل باستغراب، على الرغم من أن بعض الطبعات أزالت هذا القسم لاحقاً تحت اشرافٍ سوفييتي – (حتى لا تشوه صورة البطل القومي).

مع العرض الثاني للعمل الذي أُقيم لذكرى وفاة تشايكوفسكي  في 6 نوفمبر 1893م. نشأت موجة أخرى من المشاعر فيما يتعلق بالتعاطي مع السيمفونية السادسة.

هذه المرة صُدم الجمهور بالمأساة التي تنتهي بها السيمفونية، وكان حساسًا بشكل خاص للمزاج “الجنائزي” الذي طغى على العمل. وليس من المستغرب بالتالي أن يكون لدى العديد من المستمعين – (بمن فيهم الصحفيون الذين قدموا تقاريرهم عن الحفلة الموسيقية في الصحافة) – انطباعٌ بأن تشايكوفسكي قد كتب ترانيمه الوداعية. بعد ذلك بوقت قصير، ظهرت الشائعات الأولى حول “التسمم الذاتي” المحتمل للملحن بأمر من القيصر او بدافع من “محكمة الشرف”.

جُذور الإشكال :

كانت ميول تشايكوفسكي المثلية، معروفة جيدًا لمعاصريه. ولم تكن كذلك حدثاً ارتبط ظهوره الى العلن بسنواته المتأخرة، بل امتد ليشمل سنوات المراهقة والشباب، ففي عام 1862م، دخل تشايكوفسكي، رفقة بعض الاصدقاء، بمن فيهم أليكسي أبختين “Aleksey Apukhtin” “وهو زميل دراسة سابق ومن اوائل علاقات تشايكوفسكي المثلية وفقاً لروايات كُتاب السيرة”، في فضيحة جنسية مِثلية في مطعم “شوتان” في سانت بطرسبورغ، ونتيجة لذلك، على حد تعبير موديست تشايكوفسكي، “تم التشهير بهم في جميع أنحاء المدينة على أنهم أكوامٌ من “المثليين جنسياً”.

حاول تشايكوفسكي أن يضع حداً لانتشار ما كان يعتبر في روسيا المحفظة آنذاك “فضيحة”، عبر زواجه من احدى طالباته السابقات وهي أنتونينا ميليوكوفا. كان زواجهما كارثياً، حيث عاش الزوجان معًا لمدة شهرين ونصف، قبل أن يُقرر تشايكوفسكي الفَرار خارج روسيا لسنوات، كانت مثليته الجنسية سبباً لفشل هذا الزواج بالدرجة الاولى. حيث كتب تشايكوفسكي لشقيقه موضحاً أن أحد أهداف الزواج تتمثل في محاولته التخلص من الاتهامات بالمثلية الجنسية : “أود أن أتزوج، أو حتى أتواصل علانية مع امرأة، لسد أفواه أي مخلوق حقير لا أُقدر رأيه على الإطلاق، ولكن ربما يتسبب ذلك في حزن المقربين مني”.

في وقت لاحق، توصل الباحث والمؤرخ الكسندر امفيتياتروف “Alexander Amfiteatrov”، عندما حاول فهم هذه القضية، من خلال ما أجراه من مقابلات مع أشخاص مقربين من تشايكوفسكي، إلى استنتاج مفاده أن تشايكوفسكي يتميز بـ “الشذوذ الجنسي الروحي، والمثالية الأفلاطونية. أي أن شذوذه هذا لم يكن يتطلب التقارب الجسدي بقدر ما هو حاجة نفسية <……>  لقد كان مُحاطًا دائمًا بالأصدقاء الشباب، كان يَعبث بهم برقة، يَرتَبطُ بِهم ويَربِطُهم بِه، بحب ذو طبيعة عاطفية لا يتطلبُ “بإلحاحٍ” الحاجة للتقارب. أحد هؤلاء الأفلاطونيين أطلق النار على نفسه حزينًا عندما غادر صديقه الملحن مدينة تيفليس “…….” يمكننا أن نحصي العديد من الأصدقاء والمراهقين الشباب ممن كانوا تحت تأثير تشايكوفسكي، ولكن لم يكن هناك عشيقة واحدة ”.

تحتوي رسائل تشايكوفسكي، على اعترافات صريحة بميوله المثلية. في رسالةٍ كتبها إلى أخيه موديست بتاريخ 4 مايو 1877م، اعترف بانه يشعر بالغيرة على تلميذه، عازف الكمان جوزيف كوتيك البالغ من العمر 22 عامًا، دافعُ الغيرة هو أن هذا الأخير كان على علاقة مع المغنية زينايدا إيبوزينكو. في الوقت نفسه، وفي رسالة أخرى إلى موديست بتاريخ 19 يناير 1877م، أكد تشايكوفسكي، معترفًا بحبه لكوتيك، وفي نفس الوقت فهو لا يرغب في أن يتحاوز العلاقات الأفلاطونية البحتة معه.

أيام تشايكوفسكي الأخيرة :

كتب ألكسندر بوزنانسكي وهو مؤرخ وباحث في تشايكوفسكي، “أن تشايكوفسكي في 1 نوفمبر 1893م ذهب إلى المسرح لمشاهدة مسرحية ألكسندر أوستروفسكي “قلب الثائر”. بعد ذلك، ذهب مع شقيقه موديست، وابن أخيه فلاديمير دافيدوف، والملحن ألكسندر جلازونوف، وأصدقاء آخرين إلى مطعم يُدعى “Literaturnoye Kafe”، يقع في مبنى كوتومين هاوس في شارع نيفسكي بروسبكت “Nevsky Prospect”، سانت بطرسبورغ. أثناء تناولهم الطعام، طلب تشايكوفسكي كوبًا من الماء. وبسبب تفشي وباء الكوليرا في المدينة، نَصت اللوائح الصحية على ضرورة أن يتم غلي الماء الذي يُقدم في المطاعم قبل تقديمه للزبائن. أخبر النادل تشايكوفسكي أنه لم يكن هناك ماءٌ مغلي متاح. ثم قيل أنه طلب الماءَ البارد غير المغلي. وحذر الملحن من هم في رفقته من شربه، وقال إنه لا يخشى الإصابة بالكوليرا وشرب الماء على أي حال”.  [هامش ¹]

“في صباح اليوم التالي، في شقة موديست، لم يكن بيوتر في غرفة الجلوس يشرب الشاي كما هي عادته، كان في فراشه يشكو من الإسهال وآلام المعدة. أراد موديست استدعاء الطبيب. لكن تشايكوفسكي رفض ذلك، وبدلاً من ذلك تناول “زيت كبد سمك القد” دون جدوى.

ولعل السبب وراء ذلك هو أن تشايكوفسكي كان معتاداً على أن تصيبه آلام المعدة من وقت لاخر، ذلك كان دافعه لتجاهل الأعراض الأولى مما أدى إلى نتائج كارثية – بحلول الوقت الذي تم فيه استدعاء الأطباء، كان الآوان قد فات لإنقاذه. دمر المرض كليتيه، وتوفي بعد فترة وجيزة، كنتيجة حتمية ل (خمول الكلى) – حيث أصيب بتسمم الدم التدريجي :

“بعد ثلاثة أيام، كان يعاني من الكوليرا. ساءت حالته، وما زال يرفض رؤية الطبيب. أخيرًا تم إرسال طبيب من أجله لكنه لم يكن في المنزل، لذلك تم استدعاء طبيب آخر. تم أخيرًا تشخيص الكوليرا من قبل الدكتور ليف بيرتنسون “Dr. Lev Bertenson“. في هذه الأثناء، يبدو أن تشايكوفسكي يتحسن ولكنه سيتراجع بعد ذلك ويزداد سوءًا. بدأت كليته بالفشل. تم استدعاء كاهن من كاتدرائية القديس إسحاق ليقيم الطقوس الأخيرة، لكن المؤلف الموسيقي كان بعيدًا جدًا عن إدراك ما كان يدور حوله. توفي في الساعة الثالثة من صباح يوم 6 نوفمبر 1893” [مصدر ١]

نظريات وشائعات :

وفقاً لكاتب سيرة تشايكوفسكي أنتوني هولدن وصلت الكوليرا إلى أوروبا قبل قرن تقريباً من وفاة تشايكوفسكي. ضربت جائِحة أولى القارة في عام 1818م. وتبعتها ثلاثُ موجاتٍ اخرى. قبل أن تندلع موجة خامسة هي الأكثر ارتباطاً بالفترة التي توفي فيها تشايكوفسكي، بدأت في عام 1881م.

حدثت أولى حالات الكوليرا المُبلغ عنها في روسيا في مدينة فلاديفوستوك “Vladivostok“، عام 1888م. وبحلول عام 1892م، كانت روسيا إلى حد بعيد البلد الأكثر تضررًا من بين 21 دولة متضررة. في عام 1893م، كان ما لا يقل عن 70 منطقة ومقاطعة روسية تكافح الوباء.

يُضيف هولدن أنه وفقًا للسجلات الطبية الروسية المعاصرة للوباء، فإن موجة الوباء المُحددة والتي أودت بحياة تشايكوفسكي بدأت في 14 مايو 1892م وانتهت في 11 فبراير 1896م. خلال هذا الوقت، أصيب 504,924 الف انسان بالكوليرا. من هذا العدد، توفي 226,940 أي ما نِسبته (44.9 بالمائة) [مصدر ٢]

على الرغم من هذه الأرقام، فإن إصابة تشايكوفسكي بالكوليرا كانت مُفاجِئةً للكثيرين تماماً كوفاته. فبينما أثرت الكوليرا على كل طبقات المجتمع، إلا أنها كانت تُعتبر إلى حد كبير مرضًا يُصيب من هم تحت أي الفقراء. جعل هذا الارتباط بين المرض والفقراء الكوليرا طريقة مُهينة اجتماعياً للزوال. ولذلك بدى زوال البرجوازي الشهير تشايكوفسكي بالكوليرا طريقةَ موتٍ غير متصورة بالنسبة للطبقات العليا في المجتمع وحتى بالنسبة لمن هم تحت .. لاحظ أحد الكتاب في موقع “الحياة الروسية” أن “الجميع بَدى مندهشاً من الاصابة السريعة والغير متوقعة لرجل ذو عادات يومية متزنة” يُراعي المتطلبات الصحية التي نَصت عليها اللوائح الطبية، ومن هنا أشارت وسائل الإعلام إلى ذلك عندما شككت في وفاة الملحن. “كيف يُمكن أن يصاب تشايكوفسكي، بعد أن وصل لتوه إلى سانت بطرسبرغ ويعيش في ظروف صحية ممتازة، بالعدوى؟”. ذلك أن انتشار الوباء اقتصر في المقام الأول على الأحياء الفقيرة في المدينة، حيث عاش الفقراء في ظروفٍ مُزدحمة وغير صحية، دون مراعات الظروف الطبية الأولية. فلم يؤثر المرض على العائلات الأكثر ثراءً وتعليمًا لأنهم اتبعوا البروتوكولات الطبية التي تحظر استخدام أو شرب الماء غير المغلي.

في المقابل يؤكد هولدن أنه وبما أن الكوليرا نادراً ما أصابت افراداً من الطبقات الرفيعة في المجتمع حيث مارس الأطباء عملهم عادةً، فمن المحتمل أن تقارير الأطباء فاسيلي وليف بيرتنسون الذين أشرفا على حالة تشايكوفسكي غير دقيقة في تشخيصها، اذ يرجح انه لم يسبق لهما أن عالجا أو حتى شاهدا حالة كوليرا قبل حالة المؤلف. وكل ما قد يعرفونه عن الكوليرا هو ما قرءاه في الكُتب المدرسية والمجلات الطبية.

كان هذا الاستغراب من الطريقة التي مات فيها تشايكوفسكي وتضارب الروايات حول الأمر، إضافةً إلى طبيعة عمله الجديد وما حمله من اشارات وداعية عاملاً مُهما في أن تحاك الشائعات والنظريات..

بدأت فكرة “الانتحار” تسود منذ العرض الثاني للسيمفونية في سانت بطرسبرغ، بعد وقت قصير من وفاة الملحن.

استمع الناس هذه المرة “بعناية إلى نذير الموت. وكما هي العادة، وجدوا ما كانوا يبحثون عنه : اقتباس “موجز” لكنه واضح يَظهر ويختفي سريعاً في قلب الذروة العاصفة للحركة الأولى، وبالطبع النهاية غير التقليدية للسيمفونية : اداجيو يصف التلاشي والموت !. “

زادت السيمفونية من التكهنات وخاصة في أعقاب السقوط العلني لأوسكار وايلد الذي اتهم بالمثلية الجنسية، وكنتيجة لخلافه مع المعايير الاجتماعية في إنجلترا الفيكتورية. قُدم للمحاكمة بتهمة الفساد الفادح في عام 1895م. كانت المثلية الجنسية جريمة جنائية في ذلك الوقت في إنجلترا بعد أقل من عامين على وفاة تشايكوفسكي، ازداد ربط الناس بين انتحار الملحن المزعوم ومثليته الجنسية. على وجه التحديد، بدأ الناس يشكون في أن تشايكوفسكي قد انتحر لأنه تعرض لضغوط شديده وحتى للتعذيب بسبب ميوله الجنسية.

فهل كان موت تشايكوفسكي انتحاراً قسرياً ؟

أولى هذه النظريات هي ما يُعرف بمحكمة الشرف، يقال أن “محكمةً” نظمها أعضاءٌ سابقون في كلية الحقوق “Imperial School of Jurisprudence”، حيث أكمل الملحن تدريبه كموظف حكومي، قبل أن يلتفت الى تأليف الموسيقى. قادته نحو هذه النهاية الغامضة، حيث انتشرت شائعات حول ميول تشايكوفسكي المثلية. وانه كان على علاقة بشاب ذي مكانة اجتماعية عالية، يتحدث البعض أيضًا عن ابن أخيه فلاديمير دافيدوف الذي كرس السيمفونية له. كان الحادث هو السبب الذي قاد زملاء تشايكوفسكي السابقين إلى دفعه نحو الانتحار بالسُم حتى لا يجلب العار الى مدرستهم الأم والى المجتمع الروسي المحافظ.

تبنت عالمة الموسيقى الروسية ألكسندرا أورلوفا هذه الأطروحة وقدمتها للجمهور فور هجرتها إلى الولايات المتحدة سنة 1979م وهناك تم تبنيها والترويج لها – انتحار للتستر على فضيحة مزعومة، هكذا عنونة الصحف اطروحة أورلوفا هذه.

الشاهد الرئيسي في رواية أورلوفا كان ألكسندر فويتروف، وهو طالب في كلية القانون في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، والذي تورِد أنه كان مهتماً بجمع الكثير عن تاريخ جامعته وبعض سير تلامِذتها. من بين هؤلاء الأشخاص الذين أرخ لهم كان “نيكولاي بوريسوفيتش جاكوبي”، كبير المدعين في مجلس الشيوخ في تسعينيات القرن التاسع عشر.

يقال أن أرملة جاكوبي، إليزافيتا كارلوفنا، أخبرت ألكسندر فويتروف في عام 1913م أن الدوق “ستينبوك فيرمور” “Duke Stenbok-Fermor”، انزعج من الاهتمام الذي كان تشايكوفسكي يوليه لإبن أخِ الدوق، فقد ذهب تشايكوفسكي بعيدًا في مغامراته الجنسية معه على حد تعبيرها، وكتب الدوق الغاضب شكوى إلى القيصر ألكسندر الثالث في خريف عام 1893م وأعطى الرسالة إلى جاكوبي لتسليمها.

أراد جاكوبي الحيلولة دون خلق فضيحة عامة. لذلك دعا عدداً من زملاء تشايكوفسكي السابقين في معهد القانون ممن امكنه تحديد موقعهم في سانت بطرسبرغ – ثمانية أشخاص إجمالاً – للعمل فيما كان يعرف بـ”محكمة الشرف” لمناقشة التهمة. استمر هذا الاجتماع، الذي عُقد في مكتب جاكوبي، حوالي خمس ساعات. في نهاية المُحاكمة، اندفع تشايكوفسكي إلى الخارج، شاحبًا ومضطربًا، دون أن يَنبِس ببنت شفة. بمجرد أن غادر الجميع، أخبر جاكوبي زوجته أنهم قرروا أن تشايكوفسكي يجب أن يَقتُلَ نفسَهُ. في غضون يوم أو يومين من هذا الاجتماع، تم تداول أخبار مرض الملحن في سانت بطرسبرغ. وتشير أورلوفا إلى أن هذه المحاكمة عُقدت في غالب الامر يوم 31 أكتوبر. هذا هو اليوم الوحيد الذي لا يُعرف خلاله شيء عن أنشطة تشايكوفسكي حتى المساء.

حتى وقتٍ قريب كانت أُطروحة أورلوفا هي السائدة في الوسط الفني. في هذا الصدد وللمهتمين أقترح دراسات ألكسندر بوزنانسكي بدلاً من نظريات ألكسندرا أورلوفا.

حيث حاول ألكساندر بوزنانسكي، وهو أيضًا باحث موسيقي روسي مهاجر، في كتابه “الايام الاخيرة : موت تشايكوفسكي” دحض نظرية أورلوفا هذه، التي بدت مشبوهة بالنسبة له لأنها كانت أكثر اقتضاباً وتسرعاً في الاستنتاج مما يتطلبه البحث الشامل، فضلاً عن اعتمادها على رواية اشخاص غير موثوقين في هذا الصدد. من ناحية يؤكد أنه لا وجود لدوق بهذا الاسم “ستينبوك فيرمور”، بل كان هناك “كونت” وهو قَيمٌ على اسطبلات الخيول عند القيصر ولا يحتاج لان يَكتب له، وانما غالباً ما قابله بشكل يومي. ولم يكن كذلك بحاجة إلى وسيط لتسليم خطاب إلى القيصر.

من ناحية اخرى وفيما يتعلق بالتهديد المفترض لسمعة كلية القانون التي تُمثلها العلاقات المثلية لتشايكوفسكي، يصور بوزنانسكي الكلية على أنها كانت مَرتعاً للفسق والفجور الذكوري الذي وصل حد أن كان لهُ أغنيتُهُ الخاصة التي ترنم بهجاة المثلية الجنسية.

بالنسبة له، كانت وفاة تشايكوفسكي نتيجة حادث لأن الملحن شرب بطريق الخطأ كوبًا من الماء غير المغلي أثناء وباء الكوليرا الذي اجتاح روسيا في تلك الفترة.

في نوفمبر 1993م قامت هيئة الإذاعة البريطانية ببث فيلم وثائقي بعنوان “كبرياء أو تحيز”، حقق في صحة النظريات المختلفة المتعلقة بوفاة تشايكوفسكي. ومن بين الذين تمت مقابلتهم باحثين امثال أورلوفا وبراون وبوزنانسكي، إلى جانب العديد من الخبراء في التاريخ الروسي. خلص الدكتور جون هنري من مستشفى غاي، وهو خبير يعمل في وحدة السموم الوطنية البريطانية في ذلك الوقت، إلى أن جميع الأعراض المُبلغ عنها لمرض تشايكوفسكي “تنطبق بشكل وثيق مع عوارض التسمم بالزرنيخ”. وأشار إلى أنه في حالة تشايكوفسكي فمن المتوقع أن الناس كانوا سيربطون عوارض الإسهال الحاد والجفاف والفشل الكلوي التي تم توثيقها في حالته بالكوليرا فهي ايضاً مظهر من مظاهر وباء الكوليرا المنتشر في روسيا اواخر القرن التاسع عشر. كان من شأن هذا أن يساعد في تعزيز الخرافات المحتملة لموته نتيجة للكوليرا، الاستنتاج الذي تم التوصل إليه في الفيلم الوثائقي يميل إلى حد كبير لصالح نظرية “محكمة الشرف”.

ويدلل على ذلك كاتب سيرة تشايكوفسكي، ديفيد براون، عبر سرده بعض الاحداث التي اعقبت وفاته، فحتى اللحظة التي سبقت ظهور روايات الأطباء عن وفاة الملحن، كان ما حدث في شقة شقيقه موديست غير متوافق تمامًا مع الإجراءات المعمول بها بالنسبة لمتوفى داء الكوليرا. حيث نصت اللوائح على أن الجثة كان يجب إزالتها من مكان الموت على الفور في نعش مغلق للحد من انتشار الوباء.

وبدلاً من ذلك، عُرضت جثة تشايكوفسكي في شقة موديست، وفتحت الشقة بحرية للزوار الذين يرغبون في التعبير عن احترامهم للملحن.

من بين الضيوف، كان الملحن نيكولاي ريمسكي كورساكوف والذي كان محتاراً على ما يبدو مما رآه :

“كَم هُو غريب أنه وعلى الرغم من أن الموت نَتج عن الكوليرا، إلا أن الدخول إلى العزاء كان مُتاحاً للجميع ! أذكر كيف أن “ألكسندر فيرزبيلوفيتش” [وهو عازف تشيلو وأستاذ في معهد سانت بطرسبرغ الموسيقي]، كان مخمورًا تمامًا …… استمر في تقبيل رأس الرجل المتوفى ووجهه.” [مصدر ٣]

ومع ذلك، يبدو أن تعليقات ريمسكي كورساكوف هذه تتعارض مع ما قاله لاحقًا سيرجي دياجيليف. كان دياجيليف – “الذي أصبح معروفًا باسم مؤسس ومدير فرقة الباليه الروسي التي قدمت عروضاً لروائع الباليه الروسي في مختلف العواصم الاوروبية” – في ذلك الوقت طالبًا جامعيًا في سانت بطرسبرغ وكان قد التقى بالملحن وتحدث معه من حين لآخر، والذي كان على صلة قرابة بعيدة به عن طريق الزواج. عند سماعه بوفاة تشايكوفسكي، يتذكر دياجيليف :

“في غمرةِ اليأس هَرعتُ للخروج من المنزل، وعلى الرغم من أنني عَلمت أن تشايكوفسكي قد مات بالكوليرا، إلا أنني قمت بالتوجه مباشرة إلى مالايا مورسكايا “Malaya Morskaya”، حيث كان يعيش. كانت الأبواب مفتوحة على مِصراعيها ولم يكن هناك أحد … سمعت أصواتًا تنبعِثُ من غرفة أخرى، وعند الدخول رأيت تشايكوفسكي في روب منزلي أسود مُمدداً على أريكة. كان ريمسكي كورساكوف والمغني نيكولاي فينر يُرتِبان طاولة لوضعه عليها. رفعنا جسده نحن الثلاثة، ووضعناه على الطاولة. كُنا وحدنا في الشقة، فبعد وفاة تشايكوفسكي غادرت الأسرة بأكملها “

خوفا من العدوى… [مصدر ٤]

بالإضافة الى رواية دياجيلييف السابقة يُعارض بوزنانسكي استدلال براون برواية كورساكوف. ويجادل بأنه وعلى الرغم من تعليق ريمسكي كورساكوف، فلم يكن هناك شيء غريب بشأن ما حدث. كتب أنه وعلى الرغم من عرض الجثة مطولاً، فقد كان الرأي الطبي السائد في تلك الفترة أن الكوليرا كانت أقل عدوى مما كان يُفترض سابقًا. على الرغم من أن التجمعات العامة حول ضحايا الكوليرا كانت امراً غير مُحبب، إلا أن المجلس الطبي المركزي في ربيع عام 1893م سمح بإتاحة الخدمات العامة والطقوس المتعلقة بجنازات ضحايا الكوليرا.

كما أن الرأي الطبي الذي نَشرته صحيفة “بطرسبورغ جازيت” ذكر أن تشايكوفسكي تُوفي من عدوى دموية لاحقة، وليس من المرض نفسه. (حيث وُرد أنه تَمت السيطرة على المرض يوم الجمعة، 3 نوفمبر، قبل ثلاثة أيام من وفاة الملحن). وبالتالي ليس لديهم سبب للقلق كما يرى بوزنانسكي.

وتؤكد ذلك بحوث عالم الأحياء الدقيقة نيكولاي بلينوف Nikolay Blinov (سليل الأسقف الذي عمد تشايكوفسكي) الذي اولى اهتمامًا خاصًا للجانب الطبي للمشكلة. لأول مرة، قام بفحص دقيق للأفكار الطبية في روسيا القرن التاسع عشر. أفكار حول طبيعة الكوليرا والوقاية منها وعلاجها، وكذلك السِير الذاتية لجميع الأطباء الذين شاركوا في علاج تشايكوفسكي لفحص امكانية تواطؤهم للتخلص من تشايكوفسكي او حتى مدى معرفتهم الطبية.

أثبت بلينوف أن الأطباء تصرفوا بصرامة وفقًا لتوصيات العلم في ذلك الوقت. وتمكنوا من إنقاذ المريض من الكوليرا في الليلة الأولى، في المرحلة التي تُشير الإحصائيات إلى ان 90٪ من الوفيات تحدث فيها. لكن المشكلة في حالة تشايكوفسكي كانت في أن العلاج بدأ متأخراً، دون خطأ من جانب الاطباء، وعليه فقد فشل الأطباء في إنقاذ المريض من مضاعفات حتمية نتيجةً لتأخر الحالة (تبول الدم، تسمم الدم، إلخ)، مما أدى في النهاية إلى الوفاة، لا بسبب الكوليرا، ولكن نتيجة لعواقبها (خمول الكلى).

كما أنه وفي تلك الفترة أصبح الوصول إلى جثة المتوفى في نعش مفتوح أمراً ممكنًا، وهذا لا يتعارض مع مبادئ الوقاية في ذلك الوقت. كان يُعتقد أن عمل ميكروبات الكوليرا قد توقف قبل يومين من الوفاة، علاوة على ذلك، أثناء المرض، وفي أيام وداع الملحن، تم اتخاذ تدابير صحية وتطهير الشقة باستمرار. إن حقيقة عدم إصابة أي من الأقارب والخدم والأصدقاء الذين تواصلوا مع المريض هو خير دليل على فعالية هذه الإجراءات.

يظهر بالتالي أن اطروحة الانتحار” تعتمد بالدرجة الاولى على الافتراضات والفجوات” من ناحية غياب ترتيب زمني دقيق لايام تشايكوفسكي الاخيرة وهذا طبيعي، فَلم يكن موت تشايكوفسكي متوقعاً وبالتالي لِم سُيعنى أي احد بتوثيق الايام السبعة الاخيرة بشكل تفصيلي ؟ وعلى هذا فغياب تفاصيل بسيطة لا يشكل اساس قوي لبناء الاطروحة. ومن ناحية أُخرى في القرن التاسع عشر، لم تُعرف في روسيا دعوى قضائية واحدة ضد مثلي الجنس لاسيما ضد ابناء الطبقة الثرية التي كانت متسامحة لحدٍ ما مع الامر. كما لا يوجد دليل على أن تشايكوفسكي كان على اتصال بابن اخ “الدوق” وفي رواية تخمينية أخرى “ابن زميل سابق له”. ولتجنب فضيحة، كان يكفي أن يسافر تشايكوفسكي إلى الخارج لفترة قصيرة حتى يتم نسيان هذه القضية.

واذا افترضنا أن تشايكوفسكي كان قد تناول السُم (الزرنيخ) بالفعل امتثالا لطلب الانتحار، لكان مات بسببه في غضون ساعات قليلة من ابتلاعه الزرنيخ، لأنه في روسيا ذلك الوقت لم يكن هناك سُم متاح من شأنه أن يطيل عذاب المرء لأيام. فكما هو معروف استمر مرض تشايكوفسكي عدة ايام وفق  اليوم المقترح لشربه السُم !.

أُطروحة ثالثة وأخيرة نكتفي بها، بدأت عندما حاول الناس ربط انتحار الملحن المزعوم بضغوطات تعرض لها من قبل القيصر الكسندر الثالث بسبب ميوله الجنسية. أصحابُ هذه النظرية يعتقدون أن انتحاره كان بامر من القيصر، وهي وجهة نظر أخرى تحاول تفسير الامر على انها الاضعف من بين ما طُرح. روى هذه القصة عالم موسيقى سويسري يُدعى روبرت ألويس موسر “Robert-Aloys Mooser“، معقولية هذه القصة لكثير من الناس تأتي من أن الكسندر جلازونوف أكدها. واعتبر موسر جلازونوف شاهدًا موثوقًا به، مُؤكداً “شخصيته الأخلاقية المستقيمة، وتبجيله للملحن، وصداقته مع تشايكوفسكي”.

ومع ذلك، عارض بوزنانسكي القصة، فهو يرى ان جلازونوف لم يكن بإمكانه تأكيد قصة الانتحار ما لم يكن متأكدًا تمامًا من حقيقتها كما جاء في روايته. وخلص بوزنانسكي إلى أن مشاركة جلازونوف لهذه المعلومات مع موسر بعد ذلك أمر لا يمكن تصوره تقريبًا لأنه كان سيؤثر على جلازونوف نفسه في حال كان موته بأمر من القيصر.

بالاضافة الى ما نعرفه عن سلوك القيصر اتجاه تشايكوفسكي، فلقد احترم الكسندر الثالث بشدة موهبة الملحن. وغالبًا ما كان يواضب على حضور عروضه الموسيقية، هو او أفراد من العائلة المالكة. كما تم تكريم تشايكوفسكي كمواطن شرفي حين : حصل على وسام القديس فلاديمير من الدرجة الرابعة، ومُنح معاشًا مدى الحياة، بالإضافة الى انه حصل على هدية شخصية من الملك – خاتم ثمين. كما ان موته حسب شهادة كونستانتين كونستانتينوفيتش (رومانوف) وهو صديق مقرب من تشايكوفسكي، “أحزن القيصر كثيراً.” وفي نفس يوم الوفاة، أمر القيصر بتنظيم الجنازة الرسمية للملحن على نفقته الخاصة. من المشكوك فيه بالتالي أن مثل هذه العلامات ذات الاهتمام الأعلى قد مُنحت بعد وفاته لشخص وقع في عار خلال حياته. لاسيما وأن كون تشايكوفسكي مثليًا لم يكن سرًا مطلقاً لا يعرفه أحد، وإلى حد ما في الأوساط الموسيقية الروسية والمجتمع الراقي خلال حياته كان الامر شبه طبيعي. على الرغم من أن العلاقات المثلية كانت غير قانونية رسميًا، الا أنه كما يبدو فان المواقف تجاه المثلية الجنسية كانت متسامحة بشكل مدهش في روسيا القرن التاسع عشر، على الأقل بين الطبقات العليا. حتى أن عددًا من أصدقاء تشايكوفسكي المثليين عاشوا علانية علاقاتهم المثلية، وبعد أن منح القيصر ألكسندر الثالث تكريمًا رسميًا لتشايكوفسكي ومعاشًا تقاعديًا ممولًا من الدولة، لم يكن لديه ما يخشاه من حيث الملاحقة القانونية أو الهجوم عليه من الصحافة الروسية. ومن المؤكد أن القيصر في جميع الاحتمالات كان على دراية بالنشاط الجنسي لتشايكوفسكي ومع ذلك كان غير مكترث بالأمر. [هامش 2]

في النهاية فان كلتا الاطروحتين الاساسيتين لأورلوفا او بوزنانسكي “بشكل اقل” بهما نقاط ضعف وفجوات لا يتسع المقام هنا لسرد دقائقها، فحتى “محكمة الشرف”، تبدو فكرة تخمينية، لا يمكن دحضها بوضوح حالها حال عديد من النظريات الاخرى التي تناولت الامر. ولعل هذا ما دفع الكاتب رولاند جون وايلي “Roland John Wiley“، الى ان يختتم نصه في قاموس الموسيقى الأكثر شهرة باللغة الإنجليزية “قاموس نيو جروف للموسيقى والموسيقيين” متوصلاً إلى نتيجة نهائية حول هذا النزاع مفادها : ان” الجدل حول وفاة [تشايكوفسكي] وصل إلى طريق مسدود ….. وبالنسبة للمرض، فإن مشاكل الأدلة لا تقدم سوى أمل ضئيل في إيجاد حل مرضٍ : حالة التشخيص؛ ارتباك الشهود، تجاهل الآثار طويلة الأمد للتدخين والكحول. ببساطة نحن لا نعرف كيف مات تشايكوفسكي. وقد لا نعرف ذلك ابدا “… [مصدر ٥]

خُلاصة :

ختاماً، فإن “أكثر ما يُدهش بشأن هذه الشائعات هو استمرارها” على حد تعبير فاليري سوكولوف، على الرغم من أنه ومنذ أكثر من عشرين عامًا ظهرت دراسات جادة أثبتت أن سبب الوفاة هو الكوليرا تحديدًا.

في كتاب الباحث الأمريكي ألكسندر بوزنانسكي : “أيام تشايكوفسكي الأخيرة : دراسة توثيقية”، تم وصف كل دقيقة “حرفيًا” من الأيام الأخيرة لتشايكوفسكي، وكذلك الأحداث التي سبقت وفاته. في الواقع، وكما هو الحال دائماً، ففي حال الاختيار بين هذه النظريات التي تحتمل الكثير من الجدل وقصة الوفاة البسيطة فضل الناس الالغاز المثيرة والأفكار الرومنسية.

فإذا وقع تشايكوفسكي في شبابه في علاقة حب مثلية :(على سبيل المثال، عازف الكمان جوزيف كوتيك)، ففي سنوات نضجه، وفقًا لسوكولوف، “تم التعبير عن حبه بشكل أفلاطوني” – على سبيل المثال، ابن أخيه فلاديمير (“بوب”) دافيدوف، الذي كان تشايكوفسكي يشعر بالغيرة اتجاهه، إذا لم يمنحه الوقت الكافي.

تعرض تشايكوفسكي في هذا الصدد للكثير من التوظيف من ناحية والالغاء من ناحية اخرى، في فترة الاتحاد السوفيتي تم تجنب طرح مثل هذا الامر حيث اغلق الخبراء أعينهم عن الحياة الشخصية للملحن وعلى مبدأ “نحن لا نحبه هكذا”. ومع ذلك ف “لو لم يكن تشايكوفسكي من هو عليه – بما في ذلك هذا الجزء من شخصيته – لما كتب هذه الموسيقى. وهذا يتطلب نوعًا من طبيعته الشخصية الخاصة. لاسيما وان موسيقى تشايكوفسكي هي من اكثر الاعمال الموسيقية التي ترصد انفعالات مؤلفها النفسية.

في المقابل حاول البعض تأطير السيمفونية وفهمها من خلال ربطها بسيرة تشايكوفسكي المثلية “حصراً”، ومع ذلك تبدو فكرة الحاجة الى البحث عن تفسيرات للسيرة الذاتية مسالة اختزالية تقلل ضمنيًا من قوة خيال تشايكوفسكي الابداعية. بعد كل شيء، فإن تفسير السيمفونية على أنها “رسالة انتحار المثليين” اصبحت دارجة لاسيما في العديد من الاستعارات والقوالب النمطية المؤسفة التي لطالما كرستها توظيفات دعائية لغرض ما، من المهم أن نتذكر أن السيمفونية غالبًا ما يتم تفسيرها على أنها مأساة مثلي الجنس على وجه التحديد داخل مجتمع المثليين نفسه على الاقل.. في عام 1913-14، بعد 20 عامًا من العرض الأول لسيمفونية تشايكوفسكي، كتب إدوارد فورستر “E. M. Forster”

 رواية موريس بشخصيات وقصص مثلي الجنس بشكل واضح، موريس هي قصة حب بين المثليين في إنجلترا في أوائل القرن العشرين، تتبع الكاتب فيها حياة “موريس هول” بطل الرواية من أيام دراسته حتى الجامعة وما بعدها. تلعب سادسة تشايكوفسكي (وتفسيراتها التأملية) دورًا بارزًا في الرواية، مما يوضح مدى انتشار الشائعات حتى في العقود الأولى للسيمفونية. [مصدر ٥]

ولكن هل يمكن لمشاعر تشايكوفسكي فيما يتعلق بحياته الجنسية أن تلعب دورًا في نشأة السيمفونية السادسة؟ من المستحيل معرفة ذلك تماماً، ولا يوجد دليل مباشر يشير إلى أنه فعل ذلك وأن هذه الافكار كانت مصدر العمل. من المؤكد أن تشايكوفسكي واجه العديد من المصاعب الأخرى طوال حياته والتي كان من الممكن أن توفر الهاماً شاعرياً لسيمفونية مأساوية. ربما كانت وفاة أخته في عام 1891م، او والدته بالكوليرا، تلك الوفاة التي تركت فيه اثرا لا يمحى، فضلاً عن وفاة أصدقاء مقربين آخرين، حافزًا بديلاً للمزاج المأساوي للعمل ؟

ومع ذلك . . . لن يعرف أحد ما هو “البرنامج السري” لتشايكوفسكي او بشكلٍ أدق ما هي الدوافع بهذا الصدد، والسيمفونية مفتوحة للعديد من التفسيرات من قبل المختصين والمستمعين على حدٍ سواء.

بالنسبة لي، من شبه المؤكد أنها ليست “رسالة انتحار”. وهي كذلك ليست تجسيداً ل “مأساة المثليين”. على الرغم من حقيقة أن بيوتر إيليتش تشايكوفسكي توفي بعد تسعة أيام من إجراء العرض الأول لسيمفونيته السادسة، وحقيقة أن ظروف وفاته لا تزال غامضة حتى يومنا هذا، جنبًا إلى جنب مع الطبيعة الغامضة للعمل نفسه وما يكتنهه من الغاز.

على الرغم من كل هذه العوامل التي تشكل ارضية مثالية لخلق الخرافات والشائعات، فان الأدلة العلمية الوثائقية لعملية كتابة السيمفونية – والتي تتوفر بكثرة – تتجه صوب حقيقة هي ضد كل هذه التكهنات.

عرف تشايكوفسكي جيدا أنه يؤلف تحفة فنية، وكان فخورًا جدًا بها. في الواقع، يبدو أن تقدمه في انجاز السيمفونية مَنحهُ معنويات عالية وثقة غير عادية. كان يعلم أيضًا أن كتابة سيمفونية بـ ” أداجيو طويل ومطول ” يُمثل ابتكارًا فنياً بالنسبة لموسيقى العصر الرومنسي. ولذلك فإن الأدلة تتحدث بقوة ضد أي ارتباط بين السيمفونية والشائعات، وأن شخصية السيمفونية وتوقيت عرضها الأول ليسا سوى مصادفة.

الموسيقى نفسها أكثر إثارة من أي شيء آخر. حتى بدون أي أساطير مرتبطة بها، فإن ما يسمى بـ السيمفونية المؤثرة – “Pathétique”  هي علامة بارزة في تاريخ الشكل السيمفوني. كانت فكرة الختام بحركة بطيئة جريئة بما فيه الكفاية وغير مسبوقة.

رسائل تشايكوفسكي خلال عملية التكوين وفيرة. كتب إلى إخوته موديست وأناتولي وابن أخيه فلاديمير دافيدوف، وزميله والطالب السابق سيرجي تانييف، وآخرين. في هذه الوثائق، يتحدث المؤلف باستمرار وبصورة غامرة عن مدى فخره بالمقطوعة. قال لـ “أناتولي”: “يبدو لي أن هذا أفضل عمل كتبته على الإطلاق”. إلى دافيدوف، كتب يقول : أنه أحبها أكثر من أي عمل آخر كتبه. قال للناشر بيوتر يورغينسون “Pyotr Jurgenson“، : “يمكنني أن أقول بصراحة أنني لم أكن سعيدًا أبدًا في حياتي، أو فخورة جدًا، أو شعرت بأنني محظوظ بهذا الشكل لأنني ابتكرت شيئًا جيدًا مثل هذا”.

هل هذه تعابير شخص يؤلف نوتة انتحاره الموسيقية ؟ حتى بعد العرض الأول الذي كان مخيباً نوعاً ما، أقر بأن الجوانب الجديدة والمبتكرة للسيمفونية قد “تَسببت في بعض الحيرة” ….. “بقدر ما أشعر بالقلق، فأنا أكثر فخراً به من أي عملٍ من أعمالي الأخرى.” إنه اقتباس مُحدد في رسالة إلى دافيدوف، ولدينا اقتباس آخر يكذب بوضوح أفكار “هاجس الموت” التي يُدعى أن الملحن اوردها “كدلالة وداعية” : “لكم هو مفرحٌ أن أتيقن من أن وقتي لم ينقض بعد وبأنني لم أَزال قادراً على الإبداع. بالطبع، قد أكون مخطئا، لكنني لا أعتقد ذلك”. [هامش 3] وبالتالي، يمكننا القول بان الضرر الأكبر الذي لحق بأعمال تشايكوفسكي، كان سببه أولئك الذين يقدمونها كتعبير عن “كآبته المثلية” بالذات. ربما كان تشايكوفسكي يُفضل أن يحظى بتقدير جمهوره باعتباره مؤلفًا رائعًا ومعلمًا موسيقيًا لا يضاهى.

القسم الثاني:

عن السيمفونية :

بعد الانتهاء من السيمفونية الخامسة في عام 1888م، لم يبدأ تشايكوفسكي التفكير في سيمفونيته التالية حتى أبريل من العام 1891م، في طريقه إلى الولايات المتحدة حين تلقى دعوة من قاعة كارنيجي لتقديم ثلاث حفلات موسيقية بمناسبة الافتتاح، ظهرت المسودات الأولية لسيمفونية جديدة في ربيع عام 1891م. ومع ذلك، لم تكن أفكاره عن العمل الجديد ومحاولاته عليه تُرضي تطلعاته، ما دفعه لتمزيق المخطوطة في إحدى نوباته المزاجية، حيث يسود عادةً الاكتئاب والشك بالذات وعدم القدرة على الخلق والابداع.

كان هذا العمل الأولي سيمفونية برامجية بعنوان “الحياة”. “الجزء الأول منها يُمثل الشوق الى الحياة وينبغي له أن يكون مندفعاً ومملوءً بالنشاط، لكنه ينتهي بالموت”. ويمثل الثاني الحب. اما الثالث فهو، خيبة الأمل. وينتهي الرابع الى الاضمحلال والتلاشي”. لم يتم تنفيذ هذا البرنامج الفني، لكن الفكرة يبدو أنها كانت عزيزةً جدًا على الملحن، بحيث استمرت في اثارته ومراودته. على أن السادسة لا تعتبر امتدادا فنيا لهذا المخطط الاولي لا من حيث الشكل او صياغة الافكار، بناءً على “المخطط التفصيلي” الذي تم العثور عليه بين رسومات تشايكوفسكي يتضح أن لها مساراً مختلف نوعًا ما او فكرة لم تنضج بعد كما اشرنا.

حَول تشايكوفسكي افكار سيمفونية “الحياة” الى اعمال موسيقية اخرى حين صاغ الحركة الأولى منها لاحقًا إلى كونشرتو البيانو الثالث ذي الحركة الواحدة، في حين أعاد سيرجي تانييف صياغة الحركتين الأخيرتين بعد وفاة تشايكوفسكي باسم “Andante and Finale”. وفي خمسينيات القرن العشرين، أعاد الموسيقي السوفيتي سيميون بوغاتيريف “Semyon Bogatyrev” بناء المقطوعة الكاملة للسيمفونية، كما اعتقد أن تشايكوفسكي كان من الممكن أن يكتبها لولا خيبة أمله بها، ونشرها باسم “السيمفونية رقم 7 في مي منخفض : Symphony in E-flat”. تم عرضها لأول مرة في موسكو عام 1957م. ولم تخلو موسيقى السيمفونية مما يثير الاهتمام، ولكن طبيعتها الاحتفالية التي تؤكد الحياة، على ما يبدو، لم تتوافق مع مزاج الملحن في ذلك الوقت وبدت له لا تعبر عما اراده وغير صادقة.

في الوقت الذي أتخذ فيه تشايكوفسكي قراره بالتخلي عن سيمفونية “الحياة”، كانت تنمو في أعماق وعيه الإبداعي على ما يبدو خطة عمل لمشروعٍ سيمفوني جديد، مختلف تمامًا عنها في الفكرة والبنية العاطفية للموسيقى.

في عام 1893م، ذكر تشايكوفسكي عملاً سيمفونيًا جديدًا تمامًا في رسالة إلى أخيه موديست :

“أريد أن أقول لك شيئاً عن مزاجي السعيد حالياً، فيما يخص عملي الجديد. لقد أتلفت السيمفونية التي الفتها والتي وزعتها جزئياً في الخريف، وإنه لشيء مفرح جداً ايضاً فلقد كان فيها القليل من الأهمية، مجرد لعب فارغ للألحان ولا الهام حقيقي …. انا الان أكتب عملاً جديداً ولن امزقه بالتأكيد” ..

كان هذا العمل الجديد هو السيمفونية السادسة، وفي رسالة كتبها الى دافيدوف بتاريخ 11 فبراير 1893م، أثناء عمله عليها، أوضح تشايكوفسكي مخطط السيمفونية العاطفي وافكاره عنها قائلاً : “في رحلتي الاخيرة الى اوديسا راودتني فكرة لسيمفونية أخرى جديدة؛ هي سيمفونية برامجية هذه المرة؛ لكني سأترك برنامجها لغزاً، وأتيح للقوم أن يخمنونه بأنفسهم وسوف أدعو السيمفونية “سيمفونية برامجية” (رقم 6). إن هذا البرنامج شخصي للغاية، بحيث كنت أؤلفه في عقلي أثناء أسفاري وكثيراً ما وجدتني أجهش باكياً مع كل تقدم كنت انجزه. وحين عدت شرعت في تدوينها وعملت عليها بسرعة محمومة إلى حد أنني أنهيت الحركة الاولى منها بأقل من أربعة أيام وكانت لدي في ذهني فكرة واضحة في ذلك الحين عن باقي الحركات.

 وبخصوص الشكل فثمة الكثير مما هو جديد في هذه السيمفونية [……..] الخاتمة لن تكون حركة اليغرو سريعة وصاخبة بل على العكس من ذلك ستكون حركة بطيئة متهادية. لكم هو مفرحٌ أن أتيقن من أن وقتي لم ينقض بعد وبأنني لم أزال قادراً على الإبداع”…

أقيم العرض الاول للسمفونية في 28 اكتوبر 1893م في سانت بطرسبرغ بقيادة تشايكوفسكي نفسه ولم يلقى العمل النجاح المتوقع. “شيء غريب يحدث مع هذه السمفونية ! – كتب الملحن بعد العرض الأول. “لا يعني ذلك أنها لم تعجب الناس، لكنها جعلتني في حيرة من أمري. بالنسبة لي، أنا فخور بها أكثر من أي عمل آخر لي”. جاء الاعتراف المطلق بهذه الموسيقى العبقرية كتتويج فني لعمل تشايكوفسكي السيمفوني بعد بضعة أيام، أي مع وفاة تشايكوفسكي المأساوية والمفاجئة، حين تم أداء السيمفونية تحت إشراف إدوارد نابرافنيك لذكرى تشايكوفسكي.

السيمفونية المؤثرة “التسمية” :

بعد عرض السيمفونية كان تشايكوفسكي لا يزال يَبحث عن عنوان مناسب للقطعة. اقترح عليه شقيقه موديست كلمة : “باتيتيشيسكيا” – “Патетическая” -، وهي كلمة روسية تمت ترجمتها الى الكلمة الفرنسية : باثيتيك “pathétique” التي تُستخدم عادة في اللغة الروسية.

اشكالية التسمية الاولى تَمثلت في الكلمة الانجليزية، حين ترُجمة في وقت لاحق إلى اللغة الإنجليزية على أنها “pathetic” وهي تسميه تقلل من وقع الكلمة الأصلية الذي يرتبط بالعاطفة والمعاناة “بمدلول ايجابي”.

حيث أن الكلمة الانجليزية كانت قد أُخذت عن ترجمة غير دقيقة إلى الفرنسية للكلمة الروسية التي يفترض أن تشايكوفسكي وافق عليها حين اقترحها عليه موديست.

يروي موديست قصة التسمية على النحو الاتي :

“في صباح اليوم التالي للعرض الأول” … “كان بيوتر إيليش يحاول العثور على عنوان مناسب لعمله، لأنه تخلى عن فكرة تسميته “برنامجاً سيمفونياً”. اقترحت عليه أول الامر : “السيمفونية التراجيدية” – لكن هذا العنوان لم يرضيه “……..” فجأةً خطرت في ذهني كلمة : “Патетическая” (“Pateticheskaya”)”. أتذكر، كما لو ان الامر حدث بالأمس، كيف صاح أخي : برافو، موديست، رائع ! “باتيتيشيسكيا” ! ثم، وفي وجودي، اضاف التسمية إلى مسودة العمل، كان العنوان الاول “التراجيدية” شائعًا جدًا، حيث يتم استخدامه بكثيرة. اما “Pateticheskaya” فهو شخصي بشكل أعمق، لا يتطلب التعاطف والشفقة وحسب، بل الاحترام أيضًا..

الاشكالية الثانية تتمثل في اختلاف المدلولات بين الكلمة الروسية والفرنسية : فالعنوان الروسي “Патетическая”،  ستكون أقرب ترجماته “عاطفي / بشكل مُثير للتعاطف”. في حين فان كلمة “Pathétique” الفرنسية تعني “المُحزن”، وهو ليس المعنى الدقيق للكلمة، أدى هذا الخطأ في الترجمة إلى تسمية السيمفونية ب “المثيرة للشفقة” في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية قبل أن تحصل هذه الكلمة على دلالاتها السلبية مع التغير في اللغة بحيث اصبحت تعني بالإنجليزية معنى اشبه بالتحقير. لحسن الحظ، يتم تجنب هذا اللقب بشكل عام اليوم.

اختار ناشر العمل الاحتفاظ “بالعنوان الفرعي للسيمفونية”  واستخدم الكلمة الفرنسية، والتي تشير على الأرجح إلى سوناتا بيانو بيتهوفن رقم ثمانية التي تحمل الاسم نفسه “باثيتيك”.

وسواءً أكان الاسم دقيقًا أم لا، فقد ساهم العنوان الفرعي بالتأكيد في شعبية العمل والاشادة به، وهو أمر جيد. ويمكننا أن نكون شاكرين لأن تشايكوفسكي تخلى عن فكرته السابقة لاسم العمل “سيمفونية برامجية رقم 6”. لكن من المفيد معرفة المعنى الأصلي المقصود. حيث لا تعني كلمة “Pateticheskaya” الروسية بالضرورة مأساة، في حين أن “باثيتيك” الفرنسية تعني هذا بالضرورة.

حركات العمل :

الحركة الأولى: عشرون دقيقة من العاطفة الخالصة

من أعماق الظلام تولد السادسة، وعبر مقدمة تمهيدية للموضوعات يُظهر تشايكوفسكي منذ البداية مِزاجاً مُظلماً وقاتماً، مِزاجٌ ستَظهر ظلالهُ في كل ثنايا العمل. هذه المقدمة التمهيدية تعزف عبر أحلك آلات الاوركسترا “الباسون” الذي يَفتتِح العمل بصوت عميق وكئيب ترافِقه بخفةٍ الوتريات؛ نظرًا لأن هذه هي بداية السيمفونية، فإن تسايكوفسكي يستخدم القليل من الأدوات بحيث يظهر الصوت تقريبًا من العدم. وليحقق ذلك، استخدم أدنى قدر ممكن من الوتريات وآلات النفخ الخشبية.

إن هذا اللحن البطيء، هو نوع من “الهمهمة المكتومة” رأى فيه بعضُ علماء الموسيقى ترجمةً موسيقية للكلمة الروسية “Помогите / pomoghite” والتي تعني “ساعدوني”. [مصدر ٦]، تتكرر هذه العبارة، متبوعةً بأنين حزين من الكمان. لتقود عبر ريتينوتو “ritenuto “تَغيُر في الايقاع لتخفيف الطابع الدرامي”. نحو الموضوع الاول بشكلٍ مفاجئ. وهو تِكرار لموضوع المقدمة البطيء، حيث يعتمد بوضوح على المادة التي قدمها الباسون، ولكن هذه المرة في جَوٍ لاهث. تزداد الكثافة الدرامية، حينما ينقل هذا الموضوع الى آلات مختلفة، وبوتيرة متسارعة. تكرس حالة من الارتباك والرهبة ستعود بشكل مشؤوم في نهاية قسم التطوير.

يزداد الارتباك وبشكلٍ تصاعدي ينمو الموضوع فيصبح الحوار بين آلات النفخ الخشبية والأوتار أكثر توتراً، لينتهي بأول ذروة موسيقية “tutti” تشترك فيها كل الأوركسترا، ومن ثمة يتباطأ الإيقاع. وتتلاشى الموسيقى بعد ذلك إلى صمت.

من قلب هذا الصمت تَفتتح آلات الكمان والتشيللو الموضوع الثاني بعد مادة انتقالية قدمتها الكمنجات : يا لهُ من لحن عاطفي وجميل، يغنيه الكمان والتشيلو سويةً – إنه رمزٌ لتلك الحياة المثالية التي لا يمكن الوصول إليها في خضم هذا الصراع، والتي تسعى الروح اليها إلى الأبد –

تدخل الوتريات في حوار مع آلات النفخ الخشبية، التي تردد بدورها الموضوع في حوارٍ يُسمعنا فيه تشايكوفسكي أجمل ما كتب من الألحان، يمكن تحديد دلالة هذا الموضوع من خلال كلمات نقتبسها من تعليق المؤلف على سيمفونيته الرابعة : “أليس من الأفضل الابتعاد عن الواقع والانغماس في الأحلام”. هذا الموضوع سيكون خلال رحلة العمل في تضاد دائم مع الموضوع الرئيسي للعمل ذي الطبيعة الرثائية.

بعد ذلك، يتلاشى الموضوع الثاني تدريجياً بأعمق بيانيسيمو “pianississimo” كتبه تشايكوفسكي [هامش 4]

يبدأ قسم التطوير دون مادة انتقالية وبضربة رهيبة ساحقة تُقدمها الاوركسترا الكاملة على ارضية ايقاعية قوية. هل أيقضك الغليان من هذا الحُلم القصير ؟

انفجار عنيف غير متوقع يُدمر الهدوء والحلم الجميل، هذا ليس صراعًا مع القدر كما هو الحال في سيمفونيتيه السابقتين – إنه قلق حاد وتوتر، يحاول التمرد لكنه يستسلم لليأس في مزيج فوضوي من الصعود والهبوط.

يمكنك في قلب هذه الذروة ملاحظة كيف تُستعاد المواضيع وتبنى بوضوح كبير، في الواقع من السهل متابعة الموسيقى، وهذا جزء من عبقريتها.

بهذه الطريقة البسيطة تركيبياً يبني تشايكوفسكي عمله السيمفوني الخالد، صحيح انه لم يتملك عبقرية برامز في تطويره الموضوعات والتي استمدها من انكبابه على دراسة الاساليب والنظريات الموسيقية، الا انه كان الابرع في ابتكاره الالحان، من منا لا يعرف الحان تشايكوفسكي ؟.. فضلاً عن انه انتمى الى مدرسة فنية اخرى وحاول في موسيقاه بغض النظر عما كان يكتبه، التركيز على “كيف تؤثر موسيقاه في مستمعيه على المستوى الجمالي، في لحظات محددة من القطعة، وعلى المستوى التراكمي بمجرد انتهاء الموسيقى. بالنسبة له فان ما يختبره مستمعوه على المستوى العاطفي أو الباطني أصبح غاية في حد ذاته”.

يتكون هذا القسم من عدة موجات عنيفة مقسمة إلى كُتل منفصلة أو مستقلة إلى حد ما. هي ثلاث موجات من الغليان، تنتهي الموجة الأولى كما اسلفنا بانهيار سريع لفوضى عارمة.

ومن ثم يبرز ويختفي هاجس “حتمية النهاية”، الذي يَتمثل باستخدامه لحن التهليلة الأرثوذكسية الشهير : “ألا فليرقد مع القديسين” والتي تؤكد من جانبها ما تم فهمه لفترة طويلة. الاقتباس هو بلا شك جزءٌ من البرنامج الذي لم يرغب تشايكوفسكي في الكشف عنه، لكن وجوده بالطبع زاد من التكهنات والشائعات. قد يكون البرنامج عن الموت، لكن هذا ليس دليلاً على أن له علاقة بوفاة الملحن بالذات، فما اكثر من كتبوا موسيقى تنضح بأفكار الموت والوداع ومن ثم تابعوا حياتهم، فلا علاقة حتمية بين تأليف عمل من هذا النوع وضرورة وجود ميول انتحارية تستثني الطبيعة التعبيرية للفن ودوره في حياة الفنان والتعبير عما يعايشُه [هامش 5] ..

يُقدم “الهاجِس” من خلال الهورن الفرنسي والترومبون بهدوءٍ شديد. تمهيداً للموجة الثانية الأقصر والتي هي استعادة اوضح للموضوع الاول من السيمفونية، نغمات حزينة في صعود وهبوط هي اشبه هنا بالتنهد والبكاء، روحٌ بشرية منهكة، مصدومة بما تفتح عليه ناظِريها.

ومن قلب هذه الموجة تولد موجة الغليان الثالثة، ها هِي الذروة قد أتت ! اللحظة الاستثنائية، بِناءُ تشايكوفسكي الفريد، وكلمته الأخيرة حيث سيكشف بوضوحٍ عن المأساة بشكلٍ كامل، يقود الحوار المأساوي للوتريات مع السقوط التنازلي للترومبون إلى حالة من الانهيار نحو الهاوية الرهيبة.

هنا ضاع كل أمل، ويؤكد تشايكوفسكي تَبَدُدَهُ عندما يلعب الترومبون رمز القدر الموسيقي هذا “pppppp”

هذه الهاوية تعطي انطباعاً وكأنها النهاية. لكن وبعد وقفة قصيرة، دون أي انتقال او تمهيد، يبدأ قسم التلخيص، وفيه يكتفي تشايكوفسكي باستعادة الموضوع الثاني من قسم العرض مع اختلافات بسيطة هذه المرة حيث “يعود مشرقاً ومملوءً بالعواطف، تقدمه الكمنجات بسلم موسيقي آخر؛ “D- major”، مع عزف تصاعدي (يؤكد التفاؤل) اعطى انطباعا بابتعاد اللحن وكأنه يرحل و يودع، يتخلله لحن المقدمة الذي قدمه الباسون في بداية الحركة” ..

مُمهدا لكودا تَظهر مع تلاشي عرض الموضوع الثاني، كودا قصيرة تتسم بالرقة يسودها الظلام والاستسلام .. كورال مهيب للنحاسيات على أرضية بيتسيكاتو “pizzicato” – (نقر) على الوتريات .. ومن ثُم تَختفي هذه الحركة الرائعة.

الحركة الثانية : فالس في سيمفونية

تتميز الحركة الثانية بمقياس ايقاع غير عادي في ريتم 5/4. يخلق إحساسًا بعدم التوازن، وهذه هي المرة الأولى التي يُستخدم فيها هذا المقياس في سيمفونية (بينما يكثر استخدامه في مجال الاوبرا، ذلك انه ذو طابع غنائي).

تَفتتِحُ آلة التشيلو الحركة بواحدٍ من أجمل ألحان تشايكوفسكي. يُذكرنا هذا اللحن برقصات الفالس الجميلة التي لطالما عودنا عليها في اعمال الباليه خاصته.

“قيل لنا أن الباليه أثر في اسلوبه السيمفوني. ومع ذلك، فإن هذا التأثير “الباليتي” ينطبق على الكثير من نتاجه لدرجة تدفعنا للتساؤل : هل أسلوبه الجوهري تطور ليناسب الباليه “ابداعه الاساسي والاصيل” ؟

 ومع ذلك، فإن سيمفونيات تشايكوفسكي مُهمة، لأنه تَمكن فيها من التوفيق بين مدرستين متعارضتين. فمن ناحية كان القوميون الروس يأخذون عليه استلهامه للنماذج الغربية في مؤلفاته، بينما اعترض العديد من الأوروبيين الغربيين على “البدائية” الروسية، هنا تبرز قيمة تشايكوفسكي من خلال ايجاده توليفةً توافقية بين المدرستين، لقد استطاع التوفيق بين الاساليب والمؤثرات من الشرق والغرب في وقتٍ واحد – دَمجَ أناقة العمل الكلاسيكي وشعرية الموسيقى الإيطالية ومناهج البناء الألمانية مع العناصر الشعبية الروسية – أنتجت هذه التوليفة فنًا متعدد الأوجه، حد أنه اذهل التيار الغربي ببعض الأصوات الموسيقية الجامحة التي ابتكرها..

على الرغم من أن الحركة لها طابع رقصة الفالس الا انها مبنية على شكل سكيرتسو (A.B.A)، حيث يتخللها قسم ثلاثي (تريو) في المنتصف، وهذا هو ارتباطها الوحيد بالشكل، فليس فيها من مرح وخفة السكيرتسوهات شيء.

في القسم الأوسط – (التريو : في السكيرتسو هناك قسم اوسط يهدف الى خلق توازن بين قسمي السكيرتسو الاول والثالث) – يَظهر لحن حزين – انه القسم الاكثر حزنًا في الحركة، تُقدم الاوركسترا فيه نغماً من أصداء الحركة الأولى أو ربما هو نذير كارثة النهاية ؟

مع نهاية القسم الاوسط، يَعود الفالس الهادئ، حيث تتم اعادة عرض الموضوع الأول دون اجراء أي تنويعات.

وفي الكود، تُعيدنا الموسيقى “الى أجواء الحركة الأولى مع ظلال الشجن التي تبعثها فينا”. نسمع القلق مرة أخرى ويطغى احساس الذبول مع تلاشي النغم تدريجياً، كما لو أن شيئًا ثقيلًا انفجر في الأفكار، شيئًا مريرًا وغير سار، تودُ التخلص منه ولكنك لا تستطيع الى ذلك سبيلا..

الحركة الثالثة : آخر انتصارات تشايكوفسكي

 

تتميز الحركة الثالثة بأصالتها، حيث تجمع بشكل غريب بين عناصر من السكيرتسو والمارش الاحتفالي. مع طابعها غير الشخصي “المنفصل”، يتعارض مارش السكيرتسو في مرحه وخفته مع الطبيعية الغنائية الحزينة للسيمفونية ككل.

بالنسبةٍ لي، من المستحيل وصف الحركة بأنها تمثل أي شيء آخر عدى الانتصار… قد يشعر البعض نظرًا لأن الانتصار ليس هو نقطة النهاية كما هو معتاد، فهو “فارغ من المعنى” أو “سابق لأوانه” أو حتى “زائف”. لكن هذه الصفات ببساطة لا تتوافق مع ما نسمعه. الانتصار حقيقي والفرح حقيقي. إنه ببساطة ليس نهائيًا، ولا حرج في ذلك. بعد كل شيء، في النهاية، سيلتهمنا الموت جميعًا، بغض النظر عن عدد الانتصارات التي حققناها. ولكن هذه الحقيقة لا تعني أن لحظات النصر تلك كانت زائفة …

في المقابل وعلى الرغم من ديناميكية الحركة وزخمها، وكل ما يؤكد أنها مارش احتفالي يكتسح كل شيء امامه مبددا ثقل الحركتين السابقتين ومعبراً عن لحظات السعادة الغامرة في حياة مؤلفها او انتصاراته الفنية حتى.

فهذه ليست الطريقة الوحيدة الممكنة للنظر إليها. يُعلق ديفيد براون، وهو مؤلف سيرة ذاتية لتشايكوفسكي في أربعة مجلدات على الحركة معتبراً ايها “يأساً هستيرياً” هو استمرارية يائسة ورافصة للحقيقة تقود صاحبها مع ايقانه بالعجز الى حالة الجنون هذه، يقول :  “… هذا المارش، في حقيقة الامر، ينضوي على مفهوم مرير ومثير للسخرية للغاية – إنه محاولة يائسة للبحث عن السعادة واطالة لحظاتها لدرجة أنها تؤكد بسخرية لا جدوى السعي لذلك، بل وعبثية هكذا مسعى”. وتؤكد خاتمة السيمفونية البطيئة والمؤلمة هذا الرأي. بما تقدمه من تناقضات موضوعية واحتجاجاتٍ اخيرة على القدر او الحقيقة الحتمية، النهاية هي اللحظة التي تتكشف فيها هذه الحقيقة بوضوح. ضربة هادئة على صنج “تام تام” تعلن انتصار القدر وهزيمة الانسان.

من الناحية الفنية فالحركة مبنية في شكل سوناتينا “شكل اولي من قالب السوناتا، حيث لا وجود لقسم التطوير”، يُقدَم الموضوع الاول الخفيف والمبهج على الكمان في شكل سريع ومثير بايقاع اليغرو، مصحوبًا ببعض التبادلات مع آلات النفخ الخشبية.

الموضوع الثاني، لا يتناقض مع طابع الموضوع الاول، بل يعتبر لحد ما استمرارية له، يقود فيه الكلارينيت مجموعة الآلات.

بين العرض والتلخيص، لا يوجد قسم للتطوير – فقط مادة انتقالية بسيطة قبل ان تتم اعادة عرض الموضوعات، يُستعاد الموضوع الأول بقوة وعناد، لكن الثاني هو المنتصر وصاحب الغلبة، يتمثل ذلك بعزفه من خلال “tutti” تشترك فيه كل الأوركسترا، “حيث تفعل الموسيقى فعلها في فرض مناخ من السرور على أداء الأوركسترا الجماعي ككل” في لحظة حماسية فريدة لا تُنسى .. الكودا هي امتداد للموضوع الثاني بحيث لا تشعر بالفاصل الزمني بينهما..

الحركة الرابعة : المأساة تسود

احدى التأثيرات المُهمة التي احدثتها ثورة بيتهوفن في عالم الموسيقى الكلاسيكية، تمثلت في تَغَيُر المتطلبات الفنية المفروضة على القالب السيمفوني عندما وصل معه الي ذروته. ومن خلال سيمفونياته : الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة بخاصة، رفع التوقعات من الحركة السيمفونية الأخيرة. بدلاً من أن تكون روندو خفيف كما هو الحال في السيمفونية الكلاسيكية على سبيل المثال –  (شكل أقل ثقلًا من سوناتا أليجرو)، كانت الحركة الأخيرة هي نوع من بلوغ العمل السيمفوني نقطة كماله الموسيقي، وحلاً لحالة التوتر التي خلقتها الحركات السابقة. وبناءً على ذلك، أصبح هيكل الحركة الختامية أكثر تعقيدًا، حاله في ذلك حال الحركة الأولى.

إضافةٌ رفع من خلالها بيتهوفن التوقعات المرجوة من اي عمل سيمفوني سيكتب بعد ذلك، وهو تغيير من عدة تغييرات ادخلها على السيمفونية، كان من شأنها أن تخلق أزمةً أمكن لها أن تُنهي الشكل السيمفوني الى الابد. لولا ان ظهر برامز منقذاً السيمفونية من الانحلال على يدي ريتشارد فاغنر وفرانز ليست.

لقد أثرت هذا المتطلبات الفنية التي فرضها بيتهوفن على الحركة الختامية على المؤلفين اللاحقين، في حالة فيلكس مندلسون مثلاً، نجد أنه ظل يعبث ويعدل بحالة من عدم الرضا “شأنه في ذلك شأن الكثيرين” بآخر حركة في سيمفونيته “الإيطالية” حتى وفاته.

في هذه السيمفونية أدخل تشايكوفسكي من خلال الحركة الختامية تقليداً موسيقياً سيكون له كبير الاثر على ملحني القرن العشرين واواخر التاسع عشر. عبر استبداله النصر المعتاد في ختام السيمفونيات – (وهو تقليد اعطاه مكانته هذه بيتهوفن، من خلال الثيمة التي حملتها السيمفونية الخامسة بالذات) –  بإن اختتم سيمفونيته بالموت والعدم (في شكل اداجيو) – على حد تعبير أرنولد شوينبيرج، فإن هذه الخاتمة “تبدأ بالصراخ وتنتهي بالأنين”. ومن بين جميع ابتكارات تشايكوفسكي في العمل، كانت الخاتمة هي الأكثر تأثيرًا، ‏حيث انه بذلك كان أول من وظف الختام العدمي/ التراجيدي للشخوص او الاشياء في الموسيقى.

فكرة موت اللحن التي نجدها في ختام تاسعة غوستاف مالر والتي يتخذ فيها اللحن شكل جسدٍ يلفظ آخر انفاسه قبل استسلامه للموت “مع فارق البنية والشكل والدلالات حتى” نجدها حاضرة بقوة في عمل تشايكوفشكي الاخير. وليس ذلك بالغريب حيث ان تشايكوفسكي كما هو معروف ممن اثرت موسيقاهم على ماهلر الذي سبق له وان التقى الملحن في هامبورغ وقدم بعض اعماله الموسيقية عدة مرات.

 وبالطبع فهذا الختام ليس التلاشي السيمفوني الأول، طلب هايدن من قبل أن يغادر عازفوه المسرح تدريجيًا في نهاية سيمفونية “الوداع” التي كُتبت كنكتة موسيقية وهذا هو الفارق. وهي ليست الأخيرة كذلك ولكنها المؤسسة لنمط معين من التلاشي وموت اللحن [هامش 6].

كان ماهلر يتفوق على تشايكوفسكي في فن التلاشي كما هو الحال في نهاية سيمفونيته التاسعة، وسيتفوق عليه من حيث “الدمار الخالص” في نهاية سيمفونيته السادسة. لكن يمكن القول : انها كانت أول مأساة سيمفونية كبيرة، مأساة تَبرز قيمتها الفنية انطلاقاً من فهم الجو الثقافي الذي ولدت فيه. إنه انتصار تركيبي مهد لمزيد من التحرر الشكلي.

لذلك فهذه النهاية البطيئة للسيمفونية السادسة توصف بأنها “اكتشاف عبقري استطاع حل جميع المشكلات الفنية التي اربكت الملحنين بعد بيتهوفن.” والتي قد نتحدث عنها في مقال مستقبلي يفصل في طبيعة الازمة التي ادخل فيها بيتهوفن العمل السيمفوني من بعده. لقد أدى هذا الحل المبتكر والجريء في وقته إلى إعادة التفكير بعمق في جميع عناصر الشكل السيمفونية والتحرر لحد ما من ظلال سيمفونيات بيتهوفن عبر الالتزام بأشكالها وبُناها، والتي مع ذلك، لا تنتهك التقاليد والبناء السيمفوني.

وعلى هذا الاساس فقد رأى فيها باحثون أمثال بوريس أسافييف “Boris Asafyev” أهم توليفة موسيقية في كل منجزات السيمفونية الأوروبية في القرن التاسع عشر في فترة ما بعد بيتهوفن، لقد كانت إنجازًا حاسمًا دفع بالشكل نحو المستقبل. لذلك، لا يُمكن فهم أهميتها بالكامل إلا من قبل الأجيال اللاحقة وفي ضوء الإنجازات الفنية الجديدة في القرن العشرين.

لقد أدار تشايكوفسكي ظهره لكل هذه التقاليد بحركة رابعة لا تموت، يقود فيها جمهوره بعد سكيرتسو حماسي إلى حالةٍ من اليأس – (على النقيض من السيمفونية الرابعة التي اختتمها بالانتصار على القدر في تقليد لتسلسل البناء السيمفوني بعد بيتهوفن، هُنا، قَسم القدر ظهر تشايكوفسكي، وتمثل ذلك بالنهاية الجنائزية للعمل) – عبر الانتقال من مارش “مهيب ومبتهج” إلى النهاية البطيئة الحزينة، خلق تشايكوفسكي تباينًا حاداً في القوة التعبيرية. في هذا الاداجيو، لا يسمع المرء صوت الهلاك وحسب، ولكن أيضًا شعورًا عاطفيًا بالمقاومة، والعناد، والصراع الروحي. ومن هنا جاءت طبيعة موسيقاها المتضادة بشدة. يتناقض الموضوع الأول الغارق بشكل مأساوي بظلمةٍ توحي بالفاجعة مع الموضوع الأخف ثقلاً في القسم الأوسط من الحركة، والذي “يأخذ أنفاسه” تدريجيًا، ويتطور من خلال التصاعد النغمي، يرتفع إلى نقطة عالية السطوع، ولكن بعد ذلك يندفع بسرعة إلى أسفل – كما سنبين بعد قليل – في شكل غير كلاسيكي يحمل، على ما أعتقد، أكبر حقنةٍ عاطفية في السيمفونية. لا يبهرك فيها (مثل بيتهوفن) بل يشحنك باليأس الرومانسي. هذه الحركة مسؤولة إلى حد كبير عن سمعة تشايكوفسكي الكبيرة “بشكل لا يصدق” باعتباره مؤلفاً سيمفونيًا عند وفاته. لقد اعتبره معظم النقاد (حتى من يُسمون “براهمزيين”) أفضل من برامز نفسه ! – يصعب تصديق هذا، لكنه حقيقي !

من الناحية الشكلية، الحركة بسيطة للغاية، فهي ليست طويلة من الناحية المادية، جاءت في شكل بسيط من ثلاثة أجزاء. موضوعان يتناوبان في شكل بسيط (A.B.A) مع كودا قصيرة في ختام اعادة عرض الموضوع الاول (A).

الموضوع الأول تقدمه الآلات الوترية، في حوار بين مجموعة آلات الكمان الأولى والثانية. يقود عزف الباسون المنفرد وحيداً في الظلمة التي خلفها الموضوع الاول نحو القسم الاوسط من الحركة.

الموضوع الثاني (B)، وهو لحن “Andante” متناقض في طبيعته مع الموضوع الاول، يأتي في سلم “D major” لخلق التباين، لحن رقيق شاعري يبعث على الأمل بشكل لا يصدق، مما يخلق الوهم بأن المأساة يمكن التغلب عليها. إنها تتطور إلى ذروة عاطفية أخرى، تتصاعد تدريجياً .. “فيزداد اللحن اشراقا ليقشع هذا الظلام و ينشر النور حتى يصل للسماء ويُكوِّنُ ذروةً موسيقية تفيضُ بالأمل” …  هنا تحاول قوة الحياة استجماع نفسها من جديد والعودة، لكنها سرعان ما تنهار .. هبوطٌ مُرعب نَحو صمتٍ مفاجئ. هنا يحاول اللحن المليء بالأمل تأكيد نفسه، لكن دون جدوى، يتلاشى تدريجياً ويتحول الأمل الى يأس قاتم.. تشعر باللحن بعد هذا الصمت اللحظي وكأنه يجهش باكياً ! ومُمهدا لإعادة عرض موضوع الافتتاح الرثائي، التصاعد الأخير في النغم، بدا وكأنه تسريعٌ لوتيرة النزول إلى القبر أو جحيم دانتي. ومن حيث قوة التأثير المأساوي، فإن الذروة الاخيرة تكاد تكون مساوية للذروة العامة للعمل (في قسم التطوير) من الحركة الاولى، هذا الانفجار اليائس هو الاحتجاج الأخير قبل استكمال فاجعة النهاية.

يتلاشى الموضوع الثاني لتأتي بعض الأصوات الخافتة، ترتيب كورالي كئيب ومهيب لآلات الترومبون والتوبا، مصحوبًا بإيقاع : تام تام “tam-tam” – (لجأ تشايكوفسكي إلى استخدام آلة “تام تام” الايقاعية في حالات استثنائية، ودائمًا ما كان لها معنى واحد مُحدد : اللحظة التي مثلت موت مانفريد في دراماه السيمفونة “مانفريد”، وموت هاملت في فانتازيا مبنية على مأساة شكسبير)، وهنا في السادسة في اللحظة التي يُمهد فيها كورال نحاسي لكودا مُقفرة. فيها يتجلى الاستسلام النهائي للإرادة الكونية مختتماً بها الحركة.

[هامش 7].

في الكودا تُؤسس الاوركسترا الوترية بالكامل إيقاعا نابضاً، ويتم تحويل الموضوع الثاني الذي كان مفعماً بالأمل في وقت سابق إلى نغمة في سلم “B-mainor”، تستمر الوتريات حتى النهاية حيث يبني تشايكوفسكي فكرة التلاشي بمهارة..

لم تنتهي أي سيمفونية رومانسية بهذه الطريقة – لقد انتهت دائما بِذُرى موسيقية وبالحانٍ درامية قوية – وتصفيق عظيم ! اليس كذلك ؟ ولكن في هذه الحالة، تنتهي الرحلة الى الألم. “هذه هي الطريقة التي ينتهي بها العالم حقاً / ليس بانفجار للنحاسيات بل بالأنين”. . في الكودا تغوص الحركة مرة أخرى في الظلمة التي انبثقت عنها الحركة الأولى….

خُلاصة :

السادسة هي ذروة الإبداع السيمفوني لتشايكوفسكي، حقق من خلالها تركيزًا غير مسبوق في القدرة التعبيرية لعمله السيمفوني، وظف فيها ببراعة الاصطدامات والدراماتيكية جنبًا إلى جنب في تكامل غير عادي لتكوين بناء فني متكامل نحو شكل ذي معنى. كل هذه العناصر قادت نحو انشاءه أعظم روائعه السيمفونية.

 لم يكن تشايكوفسكي مُخطئًا في تقييمه لعمله هذا حين اعتبره ذروة نتاجه الموسيقي، فالسيمفونية السادسة لا تمثل نضج اسلوبه في مجال الموسيقى السيمفونية وحسب، ولكن في كثير من جوانبها تتنبأ بفن المستقبل. فلم يسميها مؤرخ الموسيقى الروسي أركادي كليموفيتسكي “Arkady I. Klimovitsky“، عملاً “نبويًا” لسبَبٍ عَبثي، فهي كما يرى تشير إلى طبيعة العمل الفني لموسيقى القرن العشرين حيث ” تَطرق الملحن فيها إلى جوانب نفسية من شخصية الإنسان، وهو ما سيصبح موضوع اهتمام العمل الفني في القرن العشرين”. وليس من قبيل المصادفة بالتالي أن بعض لحظاتها أثارت عند الباحثين ما يمكن ربطه بسيمفونيات شوستاكوفيتش اللاحقة التي بنيت على هذا الاساس.

بالنسبة لي ومن الناحية الموسيقية البحتة دون اللجوء الى ربط العمل بكل تلك الخرافات التي اثارها، فمن السهل فك تشفير “برنامج السيمفونية السري” الذي ترك الملحن للجمهور مَهمةَ تخمينه – فموسيقاها رمزية ومعبرة لدرجة أنها تتحدث عن نفسها دون الحاجة إلى أي شروحات جانبية. السيمفونية السادسة لتشايكوفسكي هي ملحمة مأساوية للحياة البشرية، وتجسيدٌ لنضال الانسان المرير عبرها، يتجلى فيها ذلك المسير نحو النهاية الحتمية – باتجاه قدر الانسان والانسانية الاخير أي نحو الظلام والنسيان.


هوامش :

[1]

يُشكك كتاب السيرة الذاتية بمن فيهم بوزنانسكي – “الذي روى هذه القصة هنا بقصد التفنيد” – بهذه النسخة من موته من حيث صحة ودقة الاحداث والتفاصيل. أولا، من المعروف ان تشايكوفسكي كان شخصًا دائم المرض. ولطالما عاني من آلام في المعدة، وكان يحمل الصودا في جيبه ويأخذها معه حيث ذهب. ولم يشرب الماء الغير مغلي حتى في الأوقات العادية، فكيف هو الحال أثناء انتشار وباء الكوليرا ؟ ثانيًا، في “مقهى الادب” الأنيق، كان الماء دائمًا يقدم مغلياً !

Poznansky, Tchaikovsky: The Quest for the Inner Man, 579.

[2]

كان كونستانتين كونستانتينوفيتش رومانوف (1858-1915)، حفيد القيصر نيكولاس الأول، شخصية مثيرة للاهتمام. على الرغم من أنه متزوج ولديه تسعة أطفال، يبدو أنه كان ثنائي الجنس بشكل أو بآخر.

كان يتحلى ببعض الموهبة والاهتمام الفني، كتب الشعر احياناً، ونشره تحت الأحرف الأولى من اسمه “KR” ليحظى بإشادة كبيرة. أقام صداقة لأول مرة مع تشايكوفسكي عام 1880م، ودعاه للقيام برفقته برحلة حول العالم (عرضٌ رفضه تشايكوفسكي بأدب). منذ أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، حافظا على مراسلات رائعة تشكل مادة مرجعية في فهم افكار تشايكوفسكي، ذلك بسبب الأفكار التي قدمها تشايكوفسكي فيما يتعلق بآراء حول الفن والعملية الابداعية. وضع تشايكوفسكي بعض قصائد الدوق الأكبر في الموسيقى، ولا سيما أعماله الرومانسية 63.

يظهر مما تقدم طبيعة العلاقة الودية بين تشايكوفسكي وافراد الطبقة الحاكمة، فضلاً عما توحي به ميول رومانوف المثلية من تساهل اجتماعي مع حالة الشذوذ الجنسي هذه، ما يجعل من اطروحة انتحاره بامر من القيصر غير منطقية والى حد ما “حكمة الشرف” بما أن العلاقة بين تشايكوفسكي والعائلة الحاكمة بَدت ودية لهذا الحد. اي لا يوجد أساس متين لفكرة محكمة الشرف بالتالي.

[3]

ومما يؤكد أن السادسة لم تكن “رسالة انتحار” تشايكوفسكي، كما يُزعم. بعد العرض الأول للسيمفونية، خلال الأسبوع الأخير من حياة تشايكوفسكي، تحدث تشايكوفسكي مع شقيقه موديست حول الموت : “هناك متسع من الوقت قبل أن نحتاج إلى التفكير بهذا الرعب؛ لن يخطفنا بعد! ” معلقا على كلام موديست، الذي أورده في مذكراته في ذلك المساء بالذات. ثم أضاف قائلا : “أشعر أنني سأعيش فترة طويلة”. (من كتاب تاريخ أكسفورد للموسيقى الغربية لريتشارد تاروسكين).

[4]

pianississimo :

تدوين موسيقي يشير الى ان المقطوعة يجب ان تعزف بشكل هادئ، بيانيسيمو : مأخوذة عن الايطالية وهي تدوين حركي كان يشير الى عزف البيانو بهدوء.

[5]

يميل البشر عادة الى اختلاق الاساطير وابتداع الخرافات، وفي حالة الاعمال الفنية يكون ذلك بدافع اضفاء الاثارة على العمل الفني عبر خلق جو من الغموض والالغاز المثيرة، في حالة السادسة وكما اوضحنا فكل شيء مبني على تكهنات من نوع، بدلاً من أن تنتهي السيمفوينة وكما هي العادة بحركة فرحة تمثل الانتصار، تختتم بألم شخصي.. ولهذا دلالته ورمزيته !

وقد يقول البعض :

مثل هذه الدلالات التي حملتها السيمفونية يمكن اعتبارها انعكاسا للسيرة الذاتية لتشايكوفسكي ! وبالتالي لا بد وأنه كان مكتئبًا، لديه ميول انتحارية، او على وشك أن يصبح ضحية لمحكمة سرية معادية “للمثلية الجنسية”.

وهناك المزيد بالطبع : ترانيم القداس الأرثوذكسي تظهر بشكل صارخ في واحدة من أكثر لحظات العمل اثارة ! ترى؟ هل كان يعلم أنه يحتضر!

الرد العلمي الوحيد الممكن على مثل هذه التكهنات العاطفية : كل هذا هراء. لنأخذ بعض الأمثلة من التاريخ الموسيقي : العديد من مقطوعات رحمانينوف يطاردها شبح “ثيم يوم الغضب” Dies Irae، ذلك النغم الذي يشير لفاجعة القدر وشيك الوقوع، ومع ذلك حتى بعد كتابته لمقطوعة “جزيرة الموتى”، استمر في العيش ولم تنته حياته. موسيقى بيرليوز هي الاخرى مليئة بإشارات الموت والفناء، لكنه استمر في العيش لعقود من الزمن، بعد أن حَلُم بإعدامه في دراماه السيمفونية (سيمفونية الخيال) ؛ولم يمت ماهلر بعد التاسعة وبقي على قيد الحياة بعد أن عبر لتوه حدود الفناء في صمت مع نهاية السيمفونية التاسعة.. في الواقع، الامثلة على هذه الافكار والتوظيفات قد لا تحصى !

إنها صدفة محضة ومأساوية “قد تكون حالة استثنائية في كل تاريخ الكتابة”، أن يموت تشايكوفسكي من الكوليرا بعد أيام قليلة من إجرائه السيمفونية السادسة عن عمر يناهز 53 عامًا – مع العلم أنه قام بتأليفها بصحة عقلية وجسدية جيدة وبتفاؤلٍ ملحوظ -. وعلى هذا فنحن نقوم بظلم المقطوعه وابداع تشايكوفسكي الفني فيها ظلما رهيبًا إذا رأيناها وسمعناها فقط من خلال منظور  الاسطورة .

Symphony guide: Tchaikovsky’s Sixth (‘Pathetique’) | Classical … – The Guardian. 26 Aug 2014

[6]

اختار ماهلر هيكلية السادسة واسلوبها في البناء، ليبني قياساً عليها هيكل آخر سيمفونية مكتملة له، “التاسعة” : حركة أولى ملحمية مكونة من عدة موجات من الذروة. تتلوها حركة ثانية راقصة مبنية على رقصة شعبية، وحركة سكيرتسو ثالثة نشطة قبل ان تنتهي السيمفونية في الظلام.

[7]

(там-там) / Gong :

آلة شعائرية قديمة شاعت بين شعوب جنوب شرق آسيا.  وهي نوع من الصنج. مصنوعة أيضًا من سبائك خاصة، ولها شكل دائرة يبلغ قطرها حوالي متر وتصدر صوتًا غامضًا وصاخبًا. منذ نهاية القرن الثامن عشر، تم استخدامه على نطاق واسع في الأوركسترات السيمفونية والأوبرا الأوروبية. حيث يتم استخدامها لإنشاء مؤثرات صوتية خاصة. يمكن أن تكون صوتها متنوعًا للغاية – من بيانيسيمو غامض وبالكاد مسموع إلى انفجار قوي، وأحيانًا مشؤوم وهائل. ليس من قبيل المصادفة أن تام تام كثيرا ما تستخدم في الأوبرا لتقليد رنين الجنازة. يصاحب صوت توم تام مشاهد من السحر والتعاويذ وصلوات الكهنة.


المصادر :

[١] Poznansky, Tchaikovsky: The Quest for the Inner Man, 579–589

[٢] “Asiatic Cholera”, Encyclopedia of Brogkauz & Efron (St. Petersburg, 1903), vol. 37a, 507–151. As quoted in Holden, 359.

[٣] Rimsky-Korsakov, My Musical Life, 340.

[٤] Diaghilev, Sergei, Memoirs (unpublished). As quoted in Buckle, Richard, Diaghilev (New York: Athenum, 1979), 17–18.

[٥] Wiley, New Grove (2001), 25:169.

[٦] philharmoniedeparis.fr –

Symphonie n° 6 « Pathétique » de Piotr Ilitch Tchaïkovski. Auteur : Bruno Guilois

Secrets, Rumors, and Lies: Tchaikovsky’s Symphony No. 6, Pathétique, Jan 03, 2020.

houstonsymphony.org


المراجع :

1- The Daily Telegraph: “How did Tchaikovsky die?”. Retrieved 25 March 2007

2- Secrets, Rumors, and Lies: Tchaikovsky’s Symphony No. 6, Pathétique, Jan 03, 2020.

houstonsymphony.org

3- Tchaikovsky’s last days: a documentary study by Poznansky, Alexander.

4- Brown, David, Tchaikovsky: The Final Years (New York: W. W. Norton & Company, 1992). ISBN 0-393-03099-7.

5- 5- Orlova, Alexandra. “Tchaikovsky: The Last Chapter.”

6-  تشابكوفسكي، سيرة ذاتية. الكسندرا أورولفا.