فلسفة هيجل والفكر النسقوي – سليمان السلطان

فلسفة هيجل والفكر النسقوي – سليمان السلطان

سليمان السلطان

أ. سليمان السلطان


فلسفة هيجل هي فلسفة “نسقوية” بكل معنى الكلمة، إذ أنها تضم شتاتاً متنوعاً من المعارف والأفكار المختلفة (في بعض الأحيان إلى حد التناقض) في نسيج واحد دقيق الصنع محكم الحبكة…!  ولا مشاحة أن يهتم هيجل هذا الاهتمام ببناء فلسفة على هذا الأساس المتقن، إذ أن الفكر الذي لا يصاغ بهذه الصورة النسقيّة لا يعتبر – في نظره – فلسفة علمية، يقول هيجل”وما لم تشكل الفلسفة نسقاً فإنها لن تكون نتاجاً علمياً”.

لذا حرص هيجل كل الحرص على أن يصب مذهبه الفلسفي في نسق تام الشمول ، اعتبره الكثيرون “منتهى” الفلسفات السردية، و”مبلغ” ذراها الأخيرة.  وقد كان ثمة نزوعٌ فلسفيٌ وفكريٌ في عصر هيجل ينحو إلى “أَنْسَقة” الفلسفة، وقد عبرت “الهيجلية” عن هذا أبلغ تعبير، إذ أنها الأكثر “نسقوية” من بين الفلسفات الأخرى التي ظهرت في عصره.

النسقوية مفهوماً:

من المهم قبل أن نمضي قدما في الحديث عن “النسقوية” لدى المثالية الألمانية عموماً ولدى هيجل على وجه الخصوص،  أن نعرّف ماذا نعني بـ”النسقوية” كمفهوم فلسفي، وينبغي كذلك أن نفرق بينهما وبين فلسفة النسق، لكي نمنع أي لبس قد يقع بينهما، من المهم أن نشير إلى أن المقصود بالنقد هنا ليس تصنيف وتجميع الأفكار في أنساق منسجمة ومتناسقة، ولكن بالأحرى فرض مثل هذا الانسجام والتناسق على الواقع، ولا نقصد بها كذلك محاولة بناء الأفكار في مقولات ورصد العلاقة التي تربط بين هذه الأفكار ، بل ولا حتى صياغة هذه العلاقة في منهج معين، فهذا الأمر لا مندوحة عنه لمن أراد أن يخوض المبحث الفلسفي، ولكن نقصد بها الحِجْرَ على الفكر أو الواقع أو كلاهما معاً في نسق واحد ثابت، على أساس أنه هو النسق الوحيد الذي يمثل لنا الحقيقة الكلية واليقين المطلق، ويقدم لنا إجابات عن كل التساؤلات في المجالات الفلسفة المتفرقة من فلسفة أخلاق ودين وميتافيزيقا وطبيعة وغير ذلك…!

والنسقوية بهذا المعنى هي مذهب (بل هي أدلوجة)، إذ أنها ليس عبارة عن “بنية” فكرية وحسب، ولكنها أيضاً مبادئ ورؤى، تريد أن تفرض وجودها على العالم الخارجي، ويصبح من يعتنقها مرغماً على أن يرى العالم بهذه الصورة وحسب – أي أن يكون سجين النسق وسجّانه في ذات الوقت، وهذه هي ميّزة الفكر الأدلوجي.

وهذا ما يفرق ما بين النسقية وبين النسقوية. فالنسقية بالأحرى هي المنهج الفلسفي الذي ينحته الفيلسوف لكي يدلل على أفكاره، ويربطها في إطاره الفلسفي، من دون الإدعاء بأن هذا هو نسق مطلق الجوهر، وضروري العلة، وشمولي العناصر.  وهكذا النسقية متعلقة فقط بالمنهج الفلسفي ذاته، لا في الادعاء بأن هذا المنهج يمثل العالم الموضوعي، كما نشهد ذلك في بعض الفلسفات النسقوية ذات النزعة الشمولية.  فالفلسفة الكانطية مثلاً هي فلسفة نسقية لأنها عبارة عن منهج فلسفي ابستمولوجي يحاول أن يقف على علم إمكانية المعرفة في العقل النظري وعلى الأحكام الأخلاقية والجمالية وفقاً لحدود هذا العقل، ولكنها لا تقدم نفسها على أنها “تفكّر” Reflection يعكس لنا العالم الموضوعي، والحقيقة العليا واليقين المطلق، وبالتالي هي نسق منهجي أكثر من كونها نسقاً أدلوجياً…!

والفلسفة الألمانية المثالية لا سيما الهيجلية لم تمل من الزعم بأنها قد قدمت فلسفة شاملة ومطلقة للفكر والتاريخ والمنطق والطبيعة، كل ذلك في نسق واحد، ومبدأ واحد، لا يفعل ذلك على أنه يعكس “الحقيقة” وحسب، بل أيضاً على أنه ذاته هو “الحقيقة”. يصف محمد الشيخ هذه النزعة النسقوية ويقول:

“ولقد اتفق أن وسم الفلاسفة المثاليون الألمان سعيهم للبحث عن “نظيمة العالم” هذه بميسم “السعي إلى المطلق” وعرفوا الفلسفة بأنها علم المطلق، فكان أن قصروا بذلك فعل التفلسف على هذه البغية واستعملوا “العلم الفلسفي” بساطاً إلى هذه الغاية. ثم أنهم اشترطوا لذلك الشروط وتوسلوا له الوسائل. فأما الشروط فقد ذكرها شلنغ فقال: إن هنا شروطاً يجب أن تتوافر في المذهب الذي يعتبر نفسه نسق العالم ذاته: أولها أن يكون له بما هو “نسق العالم” مبدأ قائم بذاته يظهر نفسه في كل أجزاء المجموعة، وثانيها ألا يتم إغفال أي شيء منه مهما جل شأنه أو دق”

فلا تكتفي بالادعاء بأنها تمثل نسقاً معرفياً وحسب، ولكن أيضا تدعي أنها تمثل نسق كل شيء بكل معنى الكلمة، لذا نرى أنها تزج في نسقها بكافة المجالات الأخرى مثل الدين والفن والجمال والطبيعة والدولة وغير ذلك، وتضع كل ذلك في بنيانٍ مرصوص، تزعم بأنه يتطابق مع الفكر والعالم.

ومن أبرز معالم الفلسفة النسقوية أيضاً أنها تسعى إلى إلغاء الذات المفردة والوجود المتعين في مقابل الذات المتعالية والوجود المطلق… وقد لحظ محمد الشيخ هذا، فقال: “لعل أحد أشد مظاهر تجديد القول الفلسفي عند المثالية الألمانية استعاضتها عن “أنا” الفيلسوف المفكرة ب”ذات مفكرة مطلقة”، أو بمعنى آخر: “تذويب” “الذات المفردة” في “ذات كونية”…” ومن الطبيعي أن تفعل ذلك، لكي يتسنى لها الادعاء بالمطلق (دون النسبي) والمفارقة للعالم (دون المحايث)، معانقة فكر الكلي دون الجزئي.

بدايات الفلسفة النسقوية قبل هيجل

يمكن أن نرجع بدايات الاهتمام بالنسقوية إلى الفلسفة الإغريقية، سيما لدى شقها “المابعد سقراطي”، وذلك من خلال اهتمامها ببناء فلسفة متكاملة تختزل “الحقيقي” و”اليقيني”… وبحكم طغيان مفهوم “الانسجام” على الثقافة الإغريقية كما يبدو، فقد ارتهنت الفلسفة إلى هذا المفهوم، فما هو منسجم هو بالضرورة صائب…

غير أننا نلحظ بأن الميل الجاد إلى الاهتمام بصياغة فلسفة نسقوية بدأ مع مطلع عصر التنوير في أوربا، فقد انشغل الفكر الأوربي آنذاك في الفلسفات التأسيسية التي استلزمت أن تلجأ إلى نوع من النسقية، لكي يكفل لها نوعاً من الرضا إشكالية الذات والموضوع التي أضحت الموضوع الأبرز في الفلسفات الحداثية.

ونذكر في هذا الشأن محاولات اسبنوزا المبكرة لإصلاح العقل وبناء الأخلاق واللاهوت على نسق استنباطي، تساوق الهندسة الاقليديسية في قطعيتها ووضوحها.  ونذكر كذلك صنوه في تأسيس الفكر الحداثي أقصد رينية ديكارت واهتمامه بالطريقة والمنهج الذي يمكن أن نؤسس “المعارف” عليه، ووجد ضالة في الذات المفكرة التي يرد لها كمنطق وأساس للمعرفة كل ما هو حقيقي و يقيني.

وسار كانط على منهج فلاسفة الحداثة الكبار، غير أنه عدّل قليلاً من إستراتيجية من كانوا قبله، فوجد أن من الأجدى التوقف لتأمل العقل ذاته قبل أن نتحدث عن أي أنساق عقلية، وذلك بعد أن صدمته الشكية الهيومية. وفقاً لـ ديفيد هيوم أن المعرفة اليقينية و(بالتالي كل ما يدعي النسقية) هي وهم، وكل ما لدينا من هذا العالم هو مجرد انطباعات حسية، نربط بينهما وبين ما يحدث في العالم على سبيل العادة لا الضرورة. ومن ثم أي محاولة لربط العالم الخارجي على أساس ضروري في نسيج واحد لابد أن تبوء بالفشل!

لذا كان على كانط أن يعيد النظر في “المنهج” و”النسق” لا من خلال أن يؤسس لهما بقدر ما أن يُشرِّحهما كيما ينظر في أدعاء العقل على أنه قادر على أن يؤسس للنسق، فأنتقل البحث الفلسفي من هنا من تأسيس النسق إلى النظر في شروط إمكانية تأسيس النسق ذاته.   من المهم أن نشير هنا إلى أن الكانطية ليست فيصلاً ما بين فلسفة وفلسفة كما يراها البعض، ولكنها بالأحرى محطة استئناف، فهي محطة مراجعة ونقد، لما تمخضت عنه فلسفة الحداثة منذ مطلع القرن السابع عشر. وكانط كان يأمل  من خلال الفلسفة النقدية المتعالية أن نعود إلى روح الفلسفة التي تجلت في الخطاب الفلسفي الحداثي المبكر، وهي روح تنمّ عن رغبة في بناء نسق فلسفي من شأنه أن يخوّل للفلسفة ذاتها أن ترتقي إلى مصاف العلم…!

وهذه الرغبة تمثلت بصورة نموذجية في فلسفة كانط، لذا عدّت هي الأكبر تأثيراً في الفضاء الفلسفي بعدئذٍ، ولكن لدواعي الاختصار، سأذكر بعضاً من هذا التأثير المتعلق فقط بموضوعنا هذا أي تشكل مفهوم النسقوية لدى هيجل… وهي مما لا شك فيه قد تجلّت بوضوح ساطع في الفلسفة المثالية الألمانية.

كانط أوكل إلى العقل دورَ المنظم للمعرفة (لا المصدّر لها)، وبنزوع العقل الذاتي المرتكز على مقولات متعالية (المكان والزمن والعلة) وعلى حدوس التجربة الحسية، تشكل لدينا نظام ابستمولوجي يوحي لنا بأن ثمة في العالم الخارجي “نسقاً” ينبغي للعقل فقط أن يميط اللثام عنه… وقد كان هذا ما ألهم الفلاسفة المثاليين الألمان، ونلحظ هذا جلياً لدى فتشه – أول الفلاسفة المثاليين الخلص في ألمانيا!

هذه من جهة ومن جهة أخرى لقد عزل كانط بين مملكة العقل النظري (العلم) وبين مملكة العقل العملي (الدين). ونتج عن ذلك، أن تم تقسيم الميتافيزيقا (ربما لأول مرة في تاريخ الفلسفة)  إلى شطرين اثنين، جزء منها ينتمي إلى العقل النظري الذي لابد منه لتأسيس العلم (المقولات الذاتية)، وجزء منها ينتمي إلى تأسيس العقل العملي (الله والخلود والحرية)… طبعاً هذا الانشطار مرفوض في داخل العقل النظري، لكنه ليس كذلك في العقل العملي.

وبينهما تدعو فلسفة كانط – ولو اضماراً – إلى بناء الفلسفة بناء نسقياً، ونظرّت للعقل من الداخل لكي تعيد له مكانته، فيحق له أن يقوم باكمال مشروع الحداثة الأكبر (وهو البلوغ بالفلسفة إلى مصاف العلم اليقيني والدقيق)، فإن الصورة التي انتهت إليها هي صورة “لانسقية”، فقد فصلت ما بين المجالات الفلسفية، كالأخلاق والدين والميتافيزيقا والعلوم والاستيطيقا.

وقد وجد الفلاسفة الذين جاؤوا بعد كانط في هذا تحدياً واستفزازاً لهم..

أهم هؤلاء الفلاسفة من الشبان هو فتشه الذي كان تلميذاً لكانط بالمعنى الحرفي للكلمة…! وكان لزعمه بأننا نستطيع أن نرد المعارف إلى مبدأ واحد دور كبير في تشكيل الفكر النسقوي في المثالية الألمانية، وهذا المبدأ كما يرى فتشه هو مبدأ “الأنا” المرتبط بمبدأ الهوية، فإن القضية التي تقول أن الأنا هي الأنا هي قضية حقيقية وبديهية، ويبغي بالتالي أن ينبع منها كل شيء، ومن هنا نؤسس العلم المطلق والكلي في داخل النسق الفلسفي ذاته، وهذان المفهومان هما من المفاهيم الأهم في الفكر النسقوي.

والمراد من طرح فكرة “الأنا” المطلقة لدى فتشه هو رد المعرفة الذاتية والموضوعات الخارجية إلى مصدر واحد، فتختفي الثنائية، ويحل بدلاً منها نسقٌ واحدٌ، نستطيع أن نطوي فيه كل المعارف والموضوعات في العالم من دون أن نشعر بوخز الضمير من “عذابات” إشكالية الذات والموضوع.

وتناول شعلة الفلسفة المثالية بعد ذلك شلنج، وقد كان تلميذاً لفتشه، وصديقاً لهيجل…!  وفلسفته لا تخرج عن فلسفة فتشه من حيث موقفها من العالم الخارجي، رغم ذلك كرس فلسفته للتصدي للأنا الفتشية التي كان يرى بأنها هدامة، وبأنها تلغي “الحركة” و”الصيرورة” لأنها ذات نزعة توحيدية لا جدلية، لذا لقد بدأ شلنج فلسفته من الطبيعة ذاتها، ثم قال بمبدأ وحدة الهوية، فجوهر الأشياء هو الواحد، وهو المعرفة الذاتية التي لا يقوم شيء خارجها، وهذه الهوية ليس هي جوهر الكون وحسب، ولكن أيضاً صورته وقانونه من هنا أصحبت الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من (هوية) العالم. والنزعة النسقوية أشد بروزاً لدى شلنج منها لدى أستاذه فتشه، فقد شمل في فلسفته مواضيع متفرقة مدفوعاً بفكرة النسق والمذهب، وقد عبر عن ذلك بقوله: “ليس للفلسفة أساساً موضوع مختلف عن موضوعات سائر العلوم، كل ما في الأمر أنها تنظر في موضوعات العلوم كلها على ضوء علاقات أعلى، وتنظر إلى الموضوعات الجزئية للعلوم، مثلاً للنظام الكوني، عالم النبات والحيوان والدولة، تاريخ العالم، الفن – على أنها مجرد أعضاء في جهاز عضوي واحداً يرتفع من هاوية الطبيعة التي تمتد فيها بجوره إلى عالم الأرواح”.

معالم مذهب هيجل النسقوي:

وبحكم أن هيجل يعتبر امتداداً لهذا التاريخ الفكري، بل هو ابنه البار، فإن فلسفته بلغت بالفلسفة النسقوية مبلغاً عالياً… لقد آمن هيجل بنسقية الفلسفة إيماناً وثيقاً حتى أنه يوازى ما بين “الحق” و”النسق”، يقول هيجل معبراً عن هذا: “إن الشكل الحق الذي تكون فيه الحقيقة إنما هو النسق العملي الذي لها، وما يشغلني إنما هو المساهمة في أن تتزيد الفلسفة دناوة من صورة العلم ومن الغاية التي تطرح بها أس حب حتى تكون العلم الحاقّ”.

ويبدو هذا جلياً في مذهبه الفلسفة الذي أطره في صيغة “ثالوث” في كل منحى من مناحيه، ومن ثم كل حلقة من هذا الثالوث تنقسم بدورها إلى ثالوث فرعي، وتنقسم هذه بدورها إلى حلقات فرعية أخرى ثالوثية أيضاً .

والثالوث الرئيسي في فلسفته هو: المنطق، وفلسفة الطبيعة، وفلسفة الروح، وتنسجم هذه التقسيمات والحلقات مع منطق فلسفة هيجل الجدلية، إذ أن  المنطق في مذهب هيجل الفلسفي هو مقولة الفكرة في ذاتها (وهي القضية)، وفلسفة الطبيعة هي الفكرة في الآخر أي في تخارجها إلى الموضوعات (وهي النقيضة)، والقسم الأخير من الثالوث الهيجلي هو الروح المطلق، إذ أنها (المركب) الذي يتكون من القضية ونقيضها، وتتجلى الروح المطلقة فيه عن نفسها في العالم عائدةً إلى ذاتها بعد أن فارقتها في مرحلة النقيضة.  هذا ما يعرف بالديكالطيقي الهيجلي، وأضحى له شأناً عظيماً في فلسفة التاريخ، إذ صور التاريخ في صيرورة دينامية تسير على هدى هذا المنهج.

وفلسفة هيجل لا تنطلق من الأنا (كما لدى فتشه)، ولا من الموضوع “الطبيعة” (كما لدى شلنج) ولكن تنطلق بدايةً من المنطق، لأن مقولات الوجود هي مقولات الفكر، والمنطق إذن هو ” علم الفكرة في وسطها الفكري الخالص “… أي أنه ” علم الفكر: بقوانينه وأشكاله المتميزة “  الذي يهتم بمقولات ونشاطات العقل من حيث أنه هو ذاته، وعلى هذا الأساس يؤكد هيجل على أنه لا ينبغي أن ” يُفهم على أنه يعني منهجاً أو صورة، بل على أنه يعني الشمول الذي يتطور ذاتياً لقوانينه، وأشكاله الخاصة، وهذه القوانين هي عمل الفكر نفسه، وليست مجرد واقعة حقيقية يكشفها، ولابدّ أن يخضع لها”.

وطالما أن المنطق هو مقولة الفكرة في ذاتها، فإن الطبيعة هي الفكرة في الآخر، وهي تتلمس ذاتها في العالم الواقعي ، إذ أنها “تتتخارج من أجل أن تصل إلى إنتاج الحياة الواعية، ومن ثم إلى أن تدخل في نفسها وتستبطن في فكرة الإنسان” في النهج الديكالطيقي، الطبيعة هي المرحلة الثانية، وهي نقيضة القضية الأولى (الفكرة/العقل)، على أنه لا ينبغي أن ننظر لمفهوم الطبيعة هنا على أنها خروج عن الفضاء الفكري والروحي، فالطبيعة ليست إلا الفكرة، ولكنها في تخارجها عن ذاتها، ففلسفة هيجل لم تهتم بالمادة في الطبيعة، وإنما بفكرة الطبيعة، بخلاف العلوم التجريبية، وكان هيجل يحرصّ على أن لا يزاحم الفيلسوفُ العالِمَ الطبيعي في حقله المعرفي.

وفي فلسفة الروح، وهي المرحلة الأخيرة من الثالوث الهيجلي، تتجلى الروح المطلق عبر الفنون والدين والفلسفة، ” فينومينولوجيا الروح التي يرينا فيها هيغل الوعي وهو يترقى رويداً رويداً من الإشكال الابتدائية للإحساس وصولاً إلى العلم، ثم المنطق حيث يتحدد التصور في ذاته، ثم فلسفة الطبيعة التي تشير إلى اللحظة التي يغدو فيها الروح غريباً عن نفسه، وأخيراً فلسفة الروح التي تبين عن عودة الروح إلى ذاتـه في القانون والأخلاق والدين والفلسفة، فالمذهب إذن ملحمة رحيبة للروح “تجربة” كما يقول هيغل نفسه”.

هذه الملحمة تشبه ملحمة الأوديسة، التي يغترب فيها الملك “عوليس” في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر، ثم يعود بعد غياب طويل إلى وطنه وزوجه، فالفكرة في تخارجها عن ذاتها للطبيعة، تشعر بالاغتراب، والحنين إلى العودة إلى ذاتها تارة أخرى، ولكنها هذه المرة، لا تعود كفكرة في ذاتها كما في المرحلة الأولى، بل تعود محملة بعلوم عن الآخر، فتتحوّل روحاً مطلقاً، لأن الروح لا يمكن أن تستقل بإدراك ذاتها وحسب، ولكن لابد لكي تبلغ أوّجها أن تدرك الآخر، وعودة الفكرة إلى ذاتها حينئذٍ هو تجلّى للروح المطلق بكل جلالها وعظمتها، ولا غرو أن تكون هذه محط فلسفة هيجل كلها في فلسفة الحضارات الإنسانية من تاريخ وقانون وأخلاق وفن ودين.

وتنقسم فلسفة الروح (وهي في مذهب هيجل نهاية اللانهاية) إلى ثلاث حلقات فرعية تندرج – كما قلنا آنفاً – إلى الثالوث الرئيسي من فلسفة هيجل المطابق للمنهج الديكالطيقي. (1) الروح الذاتية مضمونها هو العقل البشري منظوراً إليه نظرة ذاتية على أنه عقل الذات الفردية. أما في (2) الروح الموضوعية، فهي تبدأ بالخروج من ذاتها إلى الآخر في الخارج، هو عالم الموضوع، ولكنه ليس بالعالم المادي، بل هو العالم الروحي (الفكري) – أي عالم المؤسسات والتنظيمات: القانون والأخلاق والدولة. ويتحد الذاتي مع الموضوعي فيشكلان (3) الروح المطلق التي تمثل الروح البشري في تجلياتها في الفن والدين والفلسفة، وهذه المراحل لا ينبغي أن تفهم على أنها مراحل زمنية، ولكنها بالأحرى منطقية، إذ تُستنبط كل حلقة من الأخرى استنباطاً منطقياً.”

وكما هو واضح هنا، هيجل لا يدع مجالاً لكسر الاطراد النسقي، فنسقه نسق دائرية يسير على خطى ثلاثية، إذ كل مجال ينقسم بالضرورة إلى ثلاثة، تنسجم مع منطقه الديكالطيقي الذي يتحرك على خطى ثلاثية أيضاً: فكل قضية تتجه بحكم المنطق الجدلي إلى نقيضها، ومن ثم تحال إلى “مركب” يتشكل من القضية ونقيضها في ضام واحد.  زائداً على ذلك أن هيجل لم يكن يرى – كما كانت النظرة السائدة في عصره – بأن الفلسفة لابد أن تكون منطقية وحسب، بل لابد للفلسفة أن تكون هي “المنطق” ذاته.

لذا لم يجعل التناقض الموجود في الواقع ينغصّ على نسقه، إذ أن النسقية تستلزم الانسجام والوئام، فجعل من التناقض من خلال المنهج الديكالطيقي هو ذاته جوهر النسق! فما نجده في العالم من تناقض هو في نهاية المطاف ليست توحداً في المطلق كما ترى بعض الفلسفات الوحدوية النزعة، ولكنها جدلية وصيرورة، وإن كانت تسير في حركة متناهية إلا أنها في نهاية المطاف تتوجه إلى اللامتناهية (أي المطلق) ومن هنا يصبح اللامتناهي يحد من نفسه في الواقع بالمتناهي، فبدلاً من أن يصبح للامتناهي ضداً للمتناهي أو العكس يصبحان جزآن من كيان واحد.!

لذا المنطق الديكالطيقي عند هيجل يربط ما بين “المتناهي” و”اللامتناهي” في آصرة واحدة هي التي تضفي على كل “فرادة” هويتها حيث أن كل عنصر فردي أياً كان هو حد للعنصر الآخر “المضاد” الذي يشكل كيانه الهووّي (من هوية)، ولكنه في ذات الوقت هو جزء يمثل الكل، لأنها مرتبط نسقياً بالمطلق وذلك عبر نسيج عضوي كل جزء فيه يرجع إلى ذات الجسد.  من هنا لا يصبح التنوع والتغير الذي نشهده في واقع الحياة مشكلاً يحتاج إلى حل، بل هو ذاته يمثل الحل، والتضاد من ثم يصبح عملية ايجابية في ظل “النسقوية” الفلسفية لدى هيجل..!

نقد النسقوية الهيجلية:

لعل ما يثير فينا الإعجاب بفلسفة هيجل هو نفسه ما يثير فينا الامتعاض…!   فبقدر ما تدهشنا الفلسفة النسقوية بكل بنائها المحكم، فإنها بالقدر نفسه تسرق منّا الشعور بالعفوية والحرية…  وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل فعلاً الواقع والحياة هما تماماً مثل هذا البناء المنسق والمشيد الذي يصفه لنا هيجل؟

وصحيح أن هيجل أراد أن ينتصر لديناميكية الحياة إذ قرنها بنزوع إلى الإثبات مقابل السلوب، وهو التقابل الذي ينتج عنه الكمال، ولكن في هذا السعي المحموم إلى خلق “النسق”، دفع ضريبته غالياً، وهو التضحية بالحياة من حيث كونها حياة مترعة بالعفوية والحرية، ولعل وصف شلينج لأفكار هيجل بالأشباح أكثر من كونها أفكاراً حية صادق إلى حد كبير،  فقط ضحى هيجل في نظري بالحياة الحية لقاء حصوله على حياة شبحية، يسهل تنظيمها في نسق، ولكن يستحيل التعاطي معها “ككينونة حية”…!

ربما بدايات التفلسف لدى هيجل كانت صادقة، ولكن هيجل بعد ذلك، انحاز إلى نسقه الفلسفي أكثر من انحيازه إلى الوجود الواقعي، إذ رأى لزاماً (وبصورة قبلية لا مبرر لها إلا نسقه ذاته) أن يوسّع من نسقه، ويسحبه على كل شيء، فحتى التاريخ لابد أن يسير على خطى منهجه، لذا رأى بأننا وصلنا إلى التجلي المطلق وأعتبر الدولة البروسية المعبر عن ذلك، وأضطر من جراء ذلك أن “يقزم” التاريخ لكي يدخله في عنق زجاجته.  يقول الشيخ واصفاً هذه الرغبة العارمة حيال النسقوية لدى المثالية الألمانية:

“أن رغبة فلاسفة المثالية الألمانية في تحويل الفلسفة إلى علم إنما أقترنت بجهدهم الكبير لتصيير الأقوال الفلسفية “نسقاً” أو بحسب عبارة هيغل تحويل الأقوال الفلسفية التلقائية إلى “أقوال علمية متينة البنيان” وما زال المثاليون الألمان يلحون على مسألة “النسق” هذه حتى غدت “داء العصر المتأصل في كل فكر” ما دامت هي نمّت عن طموح المثاليين الألمان إلى “سجن الفكر الحي في قمقم النسق” على حد تعبير إميل برهييه”

فالانسياق وراء النسقية يوقعنا في وهم أن العالم والحياة لابد أن تكون متسقة على شاكلة هذا النسق العقلي، رغم أن الحياة بحيويتها وعفويتها الطاغية كما يقول برجسون ترفض أن تخضع لآلية العقل وتراتبيته.

ومن محاسن  فلسفة هيجل أنها موسوعية (وهذا راجع إلى سعة اطلاع هيجل الثقافي) إلا أنها في ذات الوقت قد مكنته من أن يوسع من نسقه الفلسفي، لكي يشمل مجالات شديد التنوع وكبيرة الاختلاف لدرجة يصبح من “الامتحال” و”التنطع” أن نضمها في نسق واحد ومبدأ واحد،  وهذا ما لحظه برهييه، إذ عقب عن فلسفة هيجل:

“كان هيغل موسوعيا إذن، لكنه كان أيضاً صاحب مذهب، فالموسوعي فيه ما كان يريد أن يدع أي واقع وضعي يفلت منه، وسحاب المذهب فيه ما كان يشاء أن يستبقي سوى نتاج النظري العقلي، وكان طموح هيغل منذ البداية أن يربط بأوثق العرى بين الموسوعة والمذهب بحيث يجد الواقع الوضعي بتمامه مكانا له في المذهب، ولكن ليس كما لو أن هذا الواقع معطى على أنه كتلة خارجية عن القكر يفترض بهذا الأخير أن يستوعبها رويدا رويدا، بحيث لا يعود للفلسفة في هذه الحال سوى وظيفة شكلية لا تتعدى التنظيم، بل لابد على العكس من أن يضع الواقع في المذهب وبه: فالفيلسوف يريد أن يتصور الوجود على أن لا مندوحة أيضاً من تبرير الانتقال من التصور إلى الوجود ومن الوجود إلى التصور إذ لا يعود ثمة من أمل للتقريب بين الحدين متى ما تم وضعهما على أن كل منهما خارجي بالاضافة إلى الآخر والعلم التجريبي لا يعدو أمره في هذه الحال أن يضيف المتناهي إلى المتناهي ويمسى الفكر خاوياً بلا موضوع” (أميل برهييه ص 195-196)

لكن المذهب الهيجلي لم يكن موسوعياً (شمولياً) وحسب،  ولكن كان أيضاً تراتبياً في نسقيته بشكل مفرط، وهذه التراتبية تعمل بصورة دقيقة لأن العلاقة بين عناصرها تقوم على الضرورة والعلة، فتذكرنا بالساعات المحكمة الصنع التي تسير دواليبها وبكراتها وعقاربها بدقة الآله، وفي ذات الوقت تبدو هذه التراتبية خاوية من أي روح.!

ولأجل تبرير مطابقة ما في الأعيان لما في الأذهان على الدوام، لزم هيجل أن يقول ” أن الواقع عقلي خالص، وعلى ذلك فإن البحث في الوجود هو البحث في الفكر وقوانينه، وما يبحثه العقل من قوانين هو في الواقع قوانين الحقيقة الواقعية، وعلى ذلك فإن مقولات الفكر هي بعينها مقولات الوجود. فإن كان الفكر ديالكتيكي الطابع فيما ذلك إلا لأن الوجود نفسه ديالكتيكي.” ولكن بمجرد أن يرهن هيجل الحقيقة في التاريخ والجدل والحركة، فإنه بالتالي لا يمكن أن يضمن اتساق واطراد مطابقة الفكر للوجود.  وهذا هو المأخذ الذي أخذه عليه هوسرل (الذي سعى من جهته أن يجعل الفلسفة علماً دقيقاً، ولكن من منحى آخر غير المنحى النسقوي المثالي)، يقول هوسرل في كتابه “الفلسفة علماً دقيقاً”:

“فقد كان للفلسفة الهيجلية من حيث هي ميل إلى اضعاف النزوع العلمي في الفلسفة عواقب نشأت عن نظرياتها في التبرير النسبي لكل فلسفة بحسب عصرها، ولا شك أن لهذه النظرية في نسق يدعى الصحة المطلقة معنى مختلفا تمام الاختلاف عن المعنى الذي ينسبه إليها المذهب التاريخ، وهو المعنى الذي أخذت به تلك الأجيال التي فقدت – بفقدان إيمانها بفلسفة هيجل – كل إيمان بقيام فلسفة مطلقة أيا كانت”

فغلو هيجل في النسقوية ساهم في تفرق تلاميذه مشكلين تيارات مضادة للهيجلية (وإن لم تستطع أن تخرج عنها كل الخروج)، وفي الواقع أن ما أفرزت الهيجلية من حركات مضادة، يعتبر من ناحية التنوع الكمي والكيفي سابقة فريدة من نوعها، من ضمن هذه التيارات التيار الوجودي الذي ينظر له عادة على أنه “ردة فعل عكسية” لشطحات الهيجلية في الفلسفة التجريدية المطلقة.

فالوجودية دعت إلى العيني ضداً للكلي، ووفقاً لكيركيجار (وهو من أهم تلامذة هيجل الذين انتقدوا فلسفته وخرجوا عنّها)، الوجود مستحيل أن يكون مذهباً “نسقاً”، لأن الوجود بطبعه فردي وعيني، وبمجرد أن نرده إلى نسق (مذهب)، فإننا بالتالي نطغى على فرديته وعينيته وهكذا نلغي جوهره!!!  وتحت ذات العنوان “النسق الوجودي مستحيل“، يقول كيركيجارد في إحدى كتبه:

“من المستحيل أن نصوغ الوجود في نسق [=مذهب]… فالوجود لا يمكن أن يتجلى “نسقاً” لأي روح حيه [موجودة]. إن النسق والتناهي يتطابقان، ولكن الوجود هو بالضبط نقيض التناهي، قد تم النظر إلى النسق والوجود  – من منظور خالص التجريد –  على أنهما لا يمكن التفكير بهما معاً: فلكي يتم التفكير في الوجود بأي حال من الأحوال، فلابد للفكر النسقي أن يفكر به كأمر مبطل، ومن ثم غير موجود، الوجود يفصل ويقبض على اللحظات الوجودية المختلفة، كل لحظة على حدة، وبشكل متكتم، [بينما] الفكر النسقي يتألف من “نهائيات” قام الفكر النسقي بجمعها “ .

يقصد كيركيجار بأننا لا يمكن أن نطابق ما بين انطولوجيا “الوجود” والفكر كما يرى هيجل، بل إنهما متعارضان ولا يجتمعان، إذ “أن الوجود عند كيركيجارد ليس هو الوجود الخالص أو المجرد الذي يبدأ به هيجل، بل هو الوجود العيني الذي يتضمن الفردية والصيرورة[…] لأنه الوجود الذاتي المتزامن بالزمان والذي لا يقبل الاندماج في مذهب [نسق]”، وذلك بحكم أن الفكر الوجودي يفصل اللحظات المتنوعة في الوجود، لكي يجعلها عينية وفردية، في حين أن الفكر النسقي ينحصر دوره في خاتمة الأمر على جمع اللحظات في رباط عقلي،  وهكذا فإن “النسق المنطقي ممكن” بعكس الوجود،  ومرد هذا – كما يقول كيركيجار – أن “الديكالطيقي” ذاته وجودي بطبعة أي أنه دينامكي ومتحرك، وهذا يتعارض مع طبيعة المنطق ذاته، لذا يقول: “بالتأكيد أن من الغريب أن نجعل من الحركة أمراً أساسياً في مجال لا يمكن أن يقبل التفكير في الحركة، وأن تجعل الحركة تفسّر المنطق في موضع لا يمكن – في واقع الأمر – للمنطق أن يفسر الحركة”. وبحكم أن المنطق مجاله الفكر فإنه بالضرورة – في نظر كيركيجارد – لا يقبل الحركة، ومن الخلف إذن أن يقترن بالديكالطيقيا الانطولوجية، إذ أنه يتناسب مع ديناميكية الوجود، لا مع سكونية الفكر…!


المراجع:

  1. هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية، ترجمة امام عبدالفتاح امام، دار التنوير بيروت (2005م)

  2. هيجل، فنومنولوجيا الروح، ترجمة ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2006م
  3. محمد الشيخ، فلسفة الحداثة في فكر هيغل، الشبكة العربية للابحاث والنشر، بيروت 2008
  4. عبدالرحمن بدوي، شلنج، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1981م،
  5. أميل برهييه، تاريخ الفلسفة – مجلد القرن ،19 ، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة بيوت 1987،
  6. عبدالرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1984
  7. أدموند هوسرل، الفلسفة علماً دقيقاً، ترجمة محمود رجب، المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 2002م
  8. فريال حسن خليفة، نقد فلسفة هيجل، دار التنوير، بيروت 2006م

  1. Howard Caygill, A Kant Dictionary, Blackwell, 2008,
  2. Soren Kierkegaard, Concluding Unscientific Postscript, A Kierkegaard Anthology, edited by Robert Bretall, Princeton University Press New Jersey