اللّامتناهي الفيزيائي واللاّمتناهي الرّوحي (لِمَ تتسبب الحداثة في الجنون؟) – جان ماريجكو / ترجمة: محمد عادل مطيمط

اللّامتناهي الفيزيائي واللاّمتناهي الرّوحي (لِمَ تتسبب الحداثة في الجنون؟) – جان ماريجكو / ترجمة: محمد عادل مطيمط

ملاحظة: كل الهوامش هي من إضافة المترجم.

 

  • شريط موبيوس[2] وجنات عدن ( Moebius et le jardin d’Eden).

  • الفكر باعتباره الينبوع الوحيد للحياة.

  • لماذا تتسبب الحداثة في الجنون؟

  • “هوبز” واستئصال الرغبة.

  • الرّوح باعتباره عنفا.

 

 

  • شريط “موبيوس” وجنّات عدن:

 

إن الانسان في حاجة الى اللاّمتناهي. فما يحرّكه، أي رَغْبتُهُ، لا يمكن اشباعه أبدا. ، أستطيع أن أتخيّل حلاًّ بالنسبة إلى حيوان بائسٍ لكونه مسجونا في قفص: أن أقوده الى الغابة المتوحّشة حيث سيكون سعيدا ومُشْبَعًا. ولكن إلى أين أقود الإنسانَ كي أجعله سعيدا؟ من المؤسف أن لا تكون هناك اجابة عن هذا السؤال. لا يوجد موضعٌ في المكان أو في الزمان يمكنه أن يسدّ النقص الذي بداخلنا أيًّا كانت كمّية الجنس أو الأكل التي يحتويها. ليس ثمّة في الكون موضعtopos  يمكنه الاستجابة لرغبتنا. فما يُحرّكنا هو بعبارة ما شيء لا-موضعيatopique ، غير مرتبط بنقطة ما في الزمان والمكان.  ومهما سافرت في اللاّمتناهي فإنني لن أجد شيئا. أيًّا كانت حركتي في المكان، فإن ذلك بالنسبة إلى رغبتي، أي بالنسبة إلى ما يجعلني أتحرك باعتباري إنسانا وليس باعتباري حيوانا، سيكون كما لو كنت لا أتحرك. يبدو ذلك كما لو أنني كنت أتقدم فوق شريط “موبيوس” Möbius  يساوي التقدم فوقه البقاء في المكان نفسه، اذ أنّ الحركة لا تختلف فوق ذلك الشريط عن السكون، مثلما هو الحال في مبدأ العطالة.

لم تدرك الإنسانية ذلك بشكل واضح دائما. أمّا نحن، الحداثيون[3]Les modernes ، فإننا نعرف ذلك ولكننا نفعل كل شيء من أجل تناسي تلك المعرفة، أي من أجل مواراتها وراء اعتمال متواصل، وراء حركات على الأرض وفي الفضاءات الشاسعة، لا بل وفي غياهب الكون. قديما، كان الفضاء مسحوراEnchanté . كانت الأميرات يطلبن القمر، وكان “ألكسندر العظيم”Alexandre le Grand  يُريد لسلطانه ان يطال تخوم العالم، وكانت الحكايات تُروى عن جنّة الإلدورادوEldorado  في مكان ما من أمريكا الجنوبية. كان هناك أمكنة إذن، بمعنى مواضع Topoi تختلف عن العالم اليومي، حتى أنه كان بالإمكان تخيّل امكانية الذهاب إليها لإشباع الرغبة. كان الانسان يتخيّل وضعيته كما لو أنه كان سجينا في قفص: يوما ما سيتم تحريره وسيعثر على الحديقة المسحورة حيث يمكن لرغبته ان تُشْبَعَ اخيرا. ربما كان اليهود وحدهم هم من لم يقع في هذا الفخ، لأنهم كانوا مبدئيا على علمٍ، ولا يزالون، بوجود ملاكٍ يحمل سيفًا  من نار يَحْرُسُ مدخل المكان الوحيد الذي ستُشبَع فيه رغبتنا في النهاية، جنّات عدن[4]Le Jardin d’Aden ، وبأنه لا يمكن فعل أي شيء من أجل العودة إلى ذلك المكان. ويبدو لي أن المسيحيين لم يتمكنوا من المحافظة على هذه الحكمة: لقد جعلتهم فكرة المخلّصLe Sauveur  يعتقدون أن ذلك السيف قد اندثر، فطفقوا يؤمنون بإمكانية العودة الى جنَّات عدْنٍ. وبذلك فهم قد تجرّدوا من يهوديّتهم. وهي سيرورة أخطر بكثير من الصورة الظاهرة لهذا التجرّد، أي معاداة السامية.

ومهما يكن من الأمر، فإن لحظة ما قد حانت بالنسبة الى الحضارة المسيحية حيث تَوَجَّبَ الإقرار فعليّا بعدم وجود جنّات عدن في الزمان والمكان. لم يحصل ذلك في يوم ودفعة واحدة، ولكن يمكننا أن نحدد تاريخا دقيقا لبداية هذا المسار، أعني مسار فكّ السحر عن العالمDésenchantement du monde  الذي يكثر الحديث عنه اليوم: وهذه اللحظة هي ليلة الحادي عشر من نوفمبر 1572. ففي تلك الليلة، شاهد “تيكو براهي”Tycho Brahé  قد اكتشف نجما جديدا Une nova. في حين أن الاعتقاد الذي كان سائدا إلى حدود تلك الفترة هو كون الفضاءات السماوية من طبيعة مغايرة لطبيعة الفضاء الأرضي: لا شيء يولد فيها ولا شيء يموت مثلما قال ذلك “أرسطو” منذ ألفي سنة خلت. وفجأة ينكشف خطأ ذلك. فالسماوات لم تكن مختلفة عن الأرض. ولن يكون بالإمكان تخيّل أننا بذهابنا إليها سنجد موضعا خاصا نُشبع فيه رغبتنا. ثمّ بعد ذلك بقرنٍ سيوسّع “نيوطن” اكتشاف “تيكو براهي” هذا مُبَيّنًا أن القوانين المتحكّمة في حركة الأجسام السماوية الرفيعة هي نفسها ما يُسَيِّرُ الحركات الأرضية الوضيعة. وبذلك بات من المستحيل الاعتقاد أن جزء من الامتداد الكوني (هو عالم ما فوق القمر) كان مختلفا كيفيا عن فضاء آخر (عالم ما تحت القمر). أي أنه حيثما يتمّ الذهاب في الكون، يكون الأمر هو نفسه دائما. لم يعد هناك جنّات عدن يمكن تخيّل ادراكها بحركة جسمية في الزمان والمكان. فماذا سنفعل إذن بهذه الرغبة التي تتعفف عن كل الاشياء المحدودة، هذه الرغبة التي تبحث عن اللامتناهي؟ ماذا سيفيد البشر إن حركتهم قوة لا تبحث عن الاشباع في الحركات الأرضية الوضيعة،  بل عن انتشاء لا نهاية له مثل ذلك الذي كانت الأجسام السماوية  تعطي الصورة الجميلة عنه الى حدود ليلة الحادي عشر من نوفمبر 1572؟

غير أنّ الوضع في بداية القرن 17 لم يكن بالبساطة التي يبدو عليها هنا. ذلك أن البعض يرى أن “جيوردانو برونو”Giordano Bruno  قد تمكّن في نهاية المطاف من إدراك اللامتناهي منتشيا بانهيار عالم “أرسطو” و”القديس أوغسطين” المغلق وبانفتاح الفضاء الكوني على امتدادات لا يمكن حدّها. ولكن من المؤسف أن ما لا يراه كل أولئك الذين شاركوا “برونو” انتشاءه بفكرة عالم لامتناهٍ، هو أن هذا اللاتناهي لن يُشبع الرغبة في اللامتناهيLe désir d’infini  لا بل إنه سيزيد الأمر تعكيرا. فهم لم يتفطّنوا إلى أن لامتناهي الفيزياء الجديدة هو لامتناهٍ سيّءٍ. ولكن لماذا؟

لقد دخل اللامتناهي السيء في عالم البشر بواسطة مبدأ العطالة الذي ترتكز عليه الفيزياء الجديدة، أعني ذلك المبدأ الذي قارب الجميع صياغته منذ بداية القرن 17 ولكن لم تُوضع له صياغة دقيقة إلا مع “غاسندي”Gassendi . وإلى يومنا هذا، لم نُقدّر بدقّة إلى أي حدّ كان هذا المبدأ رائعا ومروّعاFormidable et effroyable  . فمن خلال ابرازه أن لا شيء يميز الحركة عن السكون، يُقرّ هذا المبدأ إنّه لم يعد ثمة ما يُميّز الحياة (الحركة) عن الموت (السكون). ولكن كيف يمكن للحياة أن تكون مساوية للموت؟ لقد واجه ديكارت، ذلك الفارس الفخور والمتوحّد، هذا السؤال بكلّ إصرار. وقد تمكّن بسرعة من أن يرى كل ما يدلّ عليه مبدأ العطالة  (رغم كونه لم يضع له صياغة مكتملة). لقد رأى أنّ كل الحركات المنظورة هي حركات ميكانيكية. ولقد أبدى هذا الرأي لأن الحركة العطالية هي على وجه الدقة حركة شيء ميّت. عندما يتحرك متحرك عطاليّ، فإنه لا شيء يدلّ فيه على حياة، تماما كما لو كان ساكنا. لن نقول عن حركة دولاب محرّك مثلا إنها ترتبط بطبيعته المتمثلة في أنه دولاب متكوّن من تركيب ما أو بأن له هذه الصورة او تلك. فالدولاب يتحرك لأنه مدفوع بمجموع قطع المحرك الأخرى. أما الدولاب في حد ذاته فهو سلبيPassif ، أو قُلْ إنّه عاطلInerte  بعبارة أوضح. فلا تؤشر حركته على رغبة ما فيه. وفي حين لم يتوقف أستاذ “غاليلاي”Galilée  نفسه، أعني “بوناميكو”Bonamico  عن افتراض أن المتحرك لا يتحرك إلا بقدر ما يبحث عن إشباع، فإن هذا الافتراض فَقَدَ معناه منذ منتصف القرن السابع عشر لأن كل شيء أصبح يُفهَمُ وفق نموذج الكرة المتحركة، او بعبارة ديكارتية، لأن كل شيء اصبح يُفْهَمُ باعتباره نَسَقَ نَسِيجٍ وبَكْرَاتٍ مُتَحَرِّكَةٍ.

أين هي الحياة إذن؟ هنا أيضا يجيب “ديكارت” دون لف ولا دوران: لم تعد الحياة موجودة في أي مكان من العالم المرئي، أي في الحركة المادية. لقد أضحت منذ الآن توجد في حركة لا مرئية، في حركة الفكر. وحدها حركة الفكر تمثل في نظره حركة حياة وليس حركة موت. وبعبارة أفضل، فإن حركة الفكر ترتبط باطنيا بحركة مناقضة للحركة العطالية. وبالفعل فإن حركة الفكر بالنسبة الى “ديكارت” مرتبطة بحركة الحياة الحقيقية، أي بحركة الحياة الإلهية. وهو ما يعني بعبارة أخرى أنها مرتبطة بحركة لا نهاية ولا بداية لها. في هذه الحركة تحديدا يرى “ديكارت” لامتناهيا حقيقيا يمكنه أن يشبع الرغبة خلافا لذلك اللاّمتناهي المزيف للفضاء المادّي. صحيح أن السؤال معقّد جدّا لكون “ديكارت” يستخدم كلمة ارادةVolonté  ولا يقول رغبةDésir ، ولكونه لا يتحدث بتاتا خلافا لتلميذه المهرطق “سبينوزا”Spinoza عن البهجةJoie  او الإشباع الخالدين. لكن مهما يكن من الأمر فإن “ديكارت” بقي يهوديا ان شئنا القول، أي أنه ظلّ مقتنعا بأنه لا يمكن ادراك جنات عدن وأن لا شيء سوى موضع لا ماديّ، أي “موضع” الفكر، يمكنه ان يُشبع رغبتنا في اللّامتناهي.

 ولكن سيُقال إن الحركة العطالية هي الأخرى حركة لا بداية ولا نهاية لها، إذ يمكننا دون صعوبة تصور الحركة العطالية  التي لا تتوقف في الفضاء اللاّمتناهي للفيزياء الجديدة. فما لم يسقط المتحرك في حقل تجاذبي، أو يصطدم بنيزك، فإنه سيحتفظ بالسرعة نفسها ذات الاتجاه الواحد الى الأبد!. أفلا تصبح الطبيعة بأكملها بذلك هي جنّات عدن مثلما اعتقد “جيوردانو برونو”؟ أفلا تنخرط في الآن نفسه أدنى حركة نقوم بها في اللامتناهي؟ أفلا نشارك مباشرة في الحياة الإلهية بفضل أبسط نشاطاتنا، بفضل الإنتاج والاستهلاك مثلا ؟ سيقول البعض: لنعملْ بتواضعٍ، فنحن موجودون منذ البداية في جنّة الخلد أو في اللامتناهي وسيكون من غير المجدي،  لا بل من الخطير، أن نُلحِقَ الضرر بأنفسنا بسبب تلك الرغبة في اللامتناهي.

كثيرون هم أولئك الذين يتبنون هذا التصور الذي لا يخلو من عمق في غمرة الثورة العلمية. المشكل هو أنه إذا كان هذا التصور مرتكزا على الثورة العلمية فإنه ثمة خطأ، وتفسير ذلك هو التالي:

إن غياب النهاية (أو البداية) في الحركة العطالية لا يدلّ على حياة أزلية بل على موت أزلي. وبالانطلاق من ذلك، يصبح من الخطأ الاعتقاد ( مثلما اعتقد “جيوردانو برونو”) أن الفيزياء الجديدة تُسكِنُ الإنسانية في اللامتناهي. صحيح أن هذه الفيزياء تضعنا في لامتناهٍ ، ولكنه لامتناهي الموت، أو قل هي تضعنا في مملكة العطالة، أي في قبرٍ، مثلما سيؤشّر على ذلك “ادغار بويه”Edgar Poe  ثم قصص الفامبير(مصّاصي الدماء) في القرن التاسع عشر[5]. لم يُسلّم “ديكارت” وأتباعه بتاتا بشيء من هذا القبيل. فبالنسبة إليهم لا يفتح اكتشاف اللاّمتناهي المادّي باب جنّات عدن. بل الصحيح هو عكس ذلك: إنّهم يدركون أنه قد تمّ تجريد العالم من سحره في الفيزياء الجديدة. وبالتالي فإنّ الموضع الوحيد الذي يشبع رغبة الإنسان في اللامتناهي هو عالم الروح، عالم التفكير الخالص.  كان “ديكارت” يقول إنه يمكننا أن ندرك لامتناه ما في حركة الفكر أو من خلالها، ما لم يكن ذلك مؤشرا على الموت بل على الحياة.

ولكن ما هو يا ترى دور رسالة “القديس بولس”Saint Paul الشهيرة التي قيل فيها إن المسيحي الحقيقي قد دُفن مع المسيح وإن حياته هي بمثابة موت؟[6]  هل لعبت دورا في فكر “ديكارت” وفي تشكل “البراديغم العطالي” تحديدا؟ فرغم ما يذهب إليه “جيلسون”Gilson وآخرون، فإنه من المؤسف أن يتمّ تقديم  “ديكارت”، و”غاليلاي” أيضا، باعتباره أحد هؤلاء المحدثين الذين فكروا بشكل انطوائي. فإحدى أفظع سمات ثقافة القرن العشرين هي أسطورة ذلك الفكر الذي لا يدين بشيء للغير، رغم أن “ديكارت” قد تخلّص من السلف بكثير من الصرامة، بل إنه كان له من اللباقة حتى يعترف بذلك أكثر من “غاليلاي” نفسه. ولكنه لم يتكلم فيما أعلمُ عن رسالة “القديس بولس” هذه. أن يكون قد فكّر فيها  فإن ذلك ليس بالمستبعد خاصة اذا تذكرنا المنعطف الرواقي لفكره. ومهما يكن من الأمر، فإنني أميل الى الاعتقاد أنه يُفترَضُ في هذه الرسالة أن تكون قد أثّرت فيه سواء أكان واعيا بذلك أم لا. وفي كل الحالات فانه من البديهي بالنسبة اليه أننا أموات منذ زمن بقدر ما أننا نُمَثّلُ أشياء متحرّكة في غياهب الزمان والمكان وبقدر ما لا تكون الحياة هي محرّك كل هذه المتحرّكات في زمكانEspace-temps  الفيزياء الجديدة، بل شيء من العطالة أي من الموت. ثمّ إننا بقدر ما ندرك أننا أموات أو مدفونين في أجسادنا ، بقدر ما ندرك أننا لا نكون أحياء إلا بالفكر، حياةٌ لا علاقة لها البتّة بتلك الحركات العاطلة للزمكان، أي حياةٌ هي الحياة بحق.

هناك اذن بالنسبة الى “ديكارت” وبالنسبة الى كل الحداثة التي كانت تتشكل معه ضربين من اللامتناهي. أحدهما يرتبط بمبدأ العطالة والذي يدلّ ليس فقط على الموت بل على نقيض الحياة[7]la non-vie ، اما الآخر فإنه يتعلق بالحياة الإلهية عبر الفكر ويدلّ على حياة خالدة، أي على مَعِينٍ لا ينضب من الحركة. إن الصيغة ” أنا أفكر أنا إذن موجود” لا تترجم بشكل عميق فكر “ديكارت” لأننا نُحَالُ  بهذا ال”أنا موجود” إلى ضرب من الحجر الصلب أو إلى ضرب من التجانس الأنطولوجي Un monolithe ontologique، أي إلى اليقين في موجود ثقيل وغير قابل للكسر وخالد. ولكن ال”أنا موجود” يدلّ على الحياة الحقيقية، على الحركة الحيّةMouvement animé  وليس على الحركة العطالية. سيربط “سبينوزا” الذي سيفهم ذلك جيّدا، هذا اليقين بضرب من الانبثاق  الذي لا يتوقف Jaillissement ininterrompu، هو بمثابة مَعينٍ لانتشاء صوفيJoie mystique  لا ينضب.

وفي ما أعلمه، لم يؤكّد “ديكارت” بما فيه الكفاية على هذين اللامتناهيين (مثلما سيفعل “باسكال”Pascal). صحيح أنه كان يعني هذين اللامتناهيين في تمييزه الشهير بين الres extensa  (مجموع الامتداد) والres cogitans  (حقل الفكر بأكمله). ولكن ذلك لا يهمّ كثيرا. ما هو أساسي هو أنه قد تردد في حمل اللانهائية على المكان، لقد استشعر جيّدا وجود شيء من الرفعة والإلوهية في مفهوم اللامتناهي. ولم يكن لِيُوَافِقَ على رؤية هذه الرفعة وهي تتجسّد في امتداد وضيع تخترقه حركات عاطلة. لذلك صرّح بأن الفضاء لا متحددIndéfini  ولم يَقُلْ لامتناهٍInfini . وخلاصة الأمر أن لانهائية الكوسموس تمثل بالنسبة اليه لانهائية مزيّفة. فهو لا يرى لامتناهيا أصيلا إلا ذلك الذي يراه في حركات الفكر.

  • الفكر باعتباره الينبوع الوحيد للحياة:

في هذا المستوى يُطرحُ السؤال حول الكيفية التي انتقلنا بها من اللامتناهي الذي يسكننا إلى فلسفة ديكارت. أية علاقة بين هذا التعطّش الأبدي الذي يمزّقنا وهذين اللامتناهيين اللّذيْنِ  كنّا نتحدث عنهما؟ نقدم عن هذا السؤال ثلاثة أجوبة مصحوبة بمفارقتين:

أما الجواب الأول فهو أنه ما لم يكن ثمّة شيء في الزمكان يتناسب بوجه ما مع حاجتنا إلى الّامتناهي، فسنجد أنفسنا بصفة ضرورية أمام الكوسمولوجيا الديكارتية. ما الجدوى من حركتنا، أي ما الجدوى من أن نحيا بالجسد وأن نحاول الذهاب الى هنا أو هناك؟ الأفضل هو أن يبقى المرء حيث هو أو أن لا يتحرك اطلاقا كما سيفعل “سبينوزا” ! فكل المواضع مواضع للموت، وكل الحركات عاطلة والعالم فقد سحره. إنّ الموضع الوحيد للحياة هو الفضاء اللامادي للفكر، والحركة الوحيدة الحيّة هي حركة وعي يفكّر. من المؤكد أننا هنا بصدد جواب مُفْزِعٌ، ولكنه جوابٌ لا مفرّ منه بمجرد أن نأخذ الكوسمولوجيا المتأتية من الثورة العلمية للقرن السابع عشر مأخذ الجدّ. وهذا هو جواب “سبينوزا” الذي هو أكثر انطوائية من “كانط” مثلما رأينا للتوّ، وهو أمر ليس بالهيّن.

هذا الجواب الأول يتناسب مع مفارقة أولى: فلا شكّ أن “ديكارت” هو أحد الآباء المؤسسين للحداثة. ولكن ما الذي جعل الحداثة إذن تشجّع كثيرا على غزو الأرض ثمّ على غزو الفضاء اليوم؟ فلو تمّ الاصغاء إلى أقوال “ديكارت” وتمّ أخذ مبدأ العطالة على محمل الجدّ، لما سُخِّرَتْ كلّ هذه الطاقة لتلك الآلات التي تتيح التنقل في الفضاء وغزوه، فوراء الفضاء لا نعثر سوى على الفضاء نفسه دائما!  لقد كان على الثقافة الغربية أن تُسَخِّرَ كلَّ طاقتها لحياة الروح، أي للحركات اللامادية للفكر. غير أنّ ما حدث مثلما نعرف هو العكس، حيث انغمست هذه الثقافة في اللّهو بدلا من الفكر. عليّ أن اعترف بعجزي عن تفسير هذه المفارقة.

أمّا الجواب الثاني فيتمثل في الإقرار إنّ فلسفة “ديكارت” ضعيفة الحُجّة Insoutenable. فلا شكّ أنه لا وجود لأي مكان في الزمكان يمكنه فعلا أن يُسَكِّنَ تعطّشنا للاّمتناهي. فالحياة الحقيقية توجد خارجه… يبدو أن “ديكارت” على حقٍّ: فمن غير المجدي أن نبحث عن شفاء غليلنا هذا بالإنكباب على العالم المرئي. فنحن قد دُفِنَّا أحياءَ، مع المسيح أولا،  ثم بعد ذلك في غيابه ، بقدر ما تصاعدت عملية طرد المسيحية من الثقافة الغربيّةDéchristianisation de l’Occident  (“إدغار بوي” ثمّ قصص الفامبير…). ولكن كيف يمكننا أن نحيا في مثل هذه الظروف؟ من يمكنه أن يُمْضِيَ كلَّ وَقْتهِ في التفكير وهو سجين مملكة العطالة؟ “ديكارت” نفسه، وهو يستشعر هذه الصعوبة جيّدا، كان قد حذّر من ممارسة الفلسفة بكثير من الجدّ…. وباختصار فإنّه إذا كان “ديكارت” على حق، يبدو أن الحلّ الوحيد هو الانتحار، ما لم يكن المرء فاقدا للوعي…

ومن هنا تتأتّى مفارقة ثانية: ففي اللحظة التي أضحى فيها الغرب محتاجا أكثر الى الإيمان بالبعثRésurrection ، أي بعبارة أخرى  أقل تأثرا بلغة اللاّهوت، إلى الإيمان بالعودة من جديد بعد اقامة (مؤقتة) في مملكة العطالة (الحياة الدنيا)، في تلك اللحظة بالذات، اندثر الإيمان بحياة مستقبلية، أي بحياة حقيقية. لم يعد عيد الفصح بالنسبة الى المسيحيين سوى احتفال ديني، في حين تعجّ طرق اليأس بأُناسٍ يذهبون إليها تحديدا لنسيان عطالة الحركة، حتى لا يرون أنفسهم وهم عاطلون في مملكة العطالة….

أمّا الرّدّ الثالث على “ديكارت” فهو التالي: من غير الممكن أن نكون قد مُنِحْنَا هذه الرغبة في اللّامتناهي من جهة، وأن لا يوجد شيء من جهة أخرى يستجيب لها في العالم المرئي. نحن نوافق بالتأكيد على أن لا شيء يمكنه اشباع هذه الرغبة. ولكن ثمة فرق بين القول باستحالة العثور في الزمكان على ما يشبع هذا التعطّش، والإحساس الرهيب بأنّه لا شيء أيضا يمكنه أن يتيح هذا الاشباع حتى فيما وراء الزمكان. “ديكارت” نفسه لم يداخله هذا الإحساس الرهيب طالما أنه افترض نشاطا (هو الفكر) لا يمكن تنزيله في الزمكان. ولكلّ نشاط “شيءٌ ما” يُسنِدهُ: حَامِلٌSubstrat ، جوهرٌ مثلما كان يقول. ولكنّ من جاؤوا من بعدِه سيفقدون تدريجيا هذا الاعتقاد في وجود جواهر لا يمكن مَوْقَعَتِهَا Non localisablesفي الزمكان. فوجدوا منذ ذلك الحين أنفسهم في وضع مُفْزِعٍ لأنهم مسكونون برغبة لا متناهية وليسو في مواجهة كون مغلق على وجه الدقة، بل هم في مواجهة ما هو أنكى من الانغلاق، أي في مواجهة ذلك الكون الذي تكون لانهائيته مرادفا للموت والعطالة. لا فائدة في تكرار القول إنّه في عالم يكون لا متناهيا بالمعنى المادّي مثلما يقتضي ذلك مبدأ العطالة، لا توجد امكانية للخروج. فحيثما أردنا الذهاب سنجد الشيء نفسه دائما ، حتى ان التنقّل في هذا العالم يصبح غير ذي معنى. وبذلك لن يكون الفضاء وحده هو اللامتناهي الذي لا يمكننا الخروج منه، بل إن الزمن هو الآخر يُصبحُ كذلك. فإذا كانت الحركة لا تنقلني الى أي مكان، لن يكون لديّ أي شيء أنتظره على هذه الارض ولن أعرف ماذا سأفعل برغبتي التي تنتظر بشكل أبدي شيئا آخر عدا اشباع حاجاتي. إن مجموع الزمن الذي أُقضّيه على هذه الارض سيكون غير ذي معنى. مجموع يتكافأ فيه عُشْرُ الثانية مع مائة سنة. فلِمَ الحياة إذن؟ مرة أخرى نرى أن الأجدر بالمرء في مواجهة ذلك هو الانتحار.

لماذا تتسبب الحداثة في الجنون؟

وبناء على ما تقدّم يمكننا أن نقترح التعريف التالي للحداثة ولمشكل اللاّمتناهي. فأن يكون المرء حديثا هو أن يكون في مواجهة المعضلة التالية: أن يشعر بأنه مسكون برغبة في اللّامتناهي، وأن يشعر في الوقت نفسه بكونه مُلْقًى في عالمٍ لا يتيح له العثور على شيء يستطيع أن يسكّن هذه الرغبة من جهة، ولكنه لا يسمح له بالاعتقاد من جهة أخرى في وجود عالم لا مرئي حيث تستطيع هذه الرغبة أن تحقق اشباعها. كثيرة هي الأحداث التي ميّزت المحاولات التي قامت من أجل الحياة ضمن ظروف العالم الجديد: ولادة اللائيكية، والاقتصاد السياسي وحقوق الإنسان… لا بل إنّه عالَم غريبٌ لما يتصف به من نفاقٍ، طالما أن كل شخص فيه يدّعي أنه لا ينشغل إلا بوجوده المتناهي، في حين يدرك الجميع وجود شيء آخر غير هذا التناهي. تلك هي حالة الانفصام التي يعيشها الحداثيون. ففي نفس الوقت الذي يقرّون فيه بانشغالهم بالإنسان وبعالمه المتناهي، يُطلقونَ صيحات خافتة تدعو إلى نقيض ذلك، صيحات تعبّر عن تعلّق عميق باللاّمتناهي. تقول الأُمُّ اليائسةً لشخص مصاب بالانفصام إنها تحبّ ابنها، ولكنها تقول ذلك كيْ تخفي عن نفسها حقيقة أنها لا تحبه. وبذلك فهي تكشف عن نقيض ما تقوله بشكل مُفْزع، أي عن انعدام حبّها. وهذا هو حال الحداثيين الذين عبر إقرارهم بأنهم لا يريدون الانشغال إلاّ بهذا العالم الدنيوي، يفضحون تعلّقهم الشديد باللاّمتناهي. ذلك هو ما يدفع بالأطفال الذين يولدون في عالم الحداثة الى الجنون.

في عالم الحداثة يجب على البشر ان يتحرّكوا كما لو لم يكونوا مدفوعين بالرغبة في اللاّمتناهي، أي كما لو لم يكونوا بشرا بحق بل حيوانات، أي أيضا أن يتحرّكوا كما لو أن لا شيء بداخلهم يرنو الى ما وراء العالم الواقعي. إنّ ما يتم تلقينه لكلّ الأطفال في هذا العالم هو أن يقتلوا في أنفسهم كل رغبة في اللامتناهي. فمنذ القرن السابع عشر، بات يجب على هذه الرغبة ان تُقْتَلَ باسم البراديغم العطاليParadigme inertiel . وانطلاقا من القرن الثامن عشر، أصبح من الضروري قتلها باسم حركة أبدية للإنتاج والاستهلاك. وخلاصة الأمر أنه يجب على المرء أن ينقطع الى حركات  لا تتعلّق أبدا إلاّ بتناهي الحاجاتLa finitude des besoins . إنها إدارة عالميّة للإنغلاق داخل اللامتناهي المزيف للفيزياء الجديدة. إنها مصانع من أجل البقاء. ذلكم هو الحال الذي وصلنا اليه.

ونتيجة لذلك أصبح الربط بين المتناهي واللامتناهي مستحيلا. ولا شيء أكثر من تاريخ الفن يصوّر لنا ذلك بوضوح. إصبع مرفوع إلى أعلى، حركة شفة أو جفن، غزال فوق مرج، مشاهد كثيرة تتمفصل حول محور اللّامتناهي. أمّا اليوم، فلا شيء من ذلك يحدث في الرسم المعاصر. فهو يصوّر لنا أشياء أو أفراد محاصرين بلا رحمة داخل التناهيFinitude . وضع ذرّي للكائنات والأشياء متجسّد مثلما كان “سارتر” يقول، ليس على وجه الدّقة مثلما يعتقد هو بواسطة نظر الآخر، ولكن بواسطة البراديغم  الجديد المتأتّي من الثورة العلمية. إنه براديغم  العطالة، حيث تكون المواضيع، سواء كانت حيّة أم عاطلة، مُرصّفَةً بصفة لامحددة الواحد الى جانب الآخر داخل لامتناهٍ زمكانيٍّ  يُمثّل أضخم رفض(Verwerfung)Forclusion  للامتناهي يمكن تخيّله. ذلك أن الأمر لا يتعلق – ولنكرر قول ذلك –بان الحداثة ليست مؤمنة وبالتالي هي تُقصي المقدّس أو كلام من هذا القبيل. ما يجب قوله هو بالاحرى أنها تَسْجُنُ الانسان بفعل انفتاحها على فضاء لامتناه لم يعد من الممكن أبدا الخروج منه.

لم يفرض هذا البراديغم  نفسه دفعة واحدة. فالرّدود على هذا البراديغم  الجديد لها تاريخ مثير للانبهار. وأكثر هذه الردود إثارة هو رد “هيغل” الذي سيرثه أسلافه من اليسار ومن اليمين إلى حدود القرن العشرين في النازية والشيوعية في رقصة متبادلة وقاتلة.

ولكن لكي نفهم ردّ الفعل الهيغلي، علينا أولا أن نعود قليلا إلى “هوبز” والإقتصاد السياسي.

  • “هوبز” واستئصال الرغبة

يقرّ “هوبز”، ثم من بعده اقتصاديّو القرن الثامن عشر، إن الإنسان هو كائن حاجات محدودة وإن أفضل شيء يمكن القيام به  في هذا العالم المادي، هو تمكينه من العمل من أجل سدّ حاجاته، أو، باستخدام لغة الإقتصاديين، تمكينه من مضاعفة متعته. وقد وضع “هوبز”، قبل تشكّل الاقتصاد السياسي نفسه، نسقا لتنظيم للعلاقات الإنسانية يضمن نظريّا هذه المضاعفة. فبسبب الشعور بالفزع إزاء الكراهية اللامتناهية التي يمكن للإنسان أن يُكِنّهَا للإنسان الآخر، لم ير “هوبز”سوى حلٍّ واحد لوضع حدّ لتلك الأنهار من الدم التي يشهد عليها التاريخ البشري. لا شيء بالنسبة إليه سوى تهديد متواصل بالموت يمكنه أن يُرْهِبَ البشر إلى درجة جَعْلِهِم في النهاية يحافظون على هدوئهم وإرغامهم بالتالي على الاكتفاء بأعمالهم اليوميّة، أي بصناعتهمLeur industrie  مثلما يقول.

إذا كنتُ أَسْتحضرُ هنا ما هو جوهريّ في فكر”هوبز” السياسي، فليس ذلك من قبيل استعراض الموسوعية، بل وليس لبيان الصلة بينه وبين الاقتصاد السياسي ( الدولة البرجوازية)، ولكن كي أُبيّن أنه ليس من السهل سِجْن الإنسان داخل دائرة حاجاته المتناهية، أي أن نجعله ينسى اللامتناهي الذي يحمله في داخله. وبعبارة أخرى، ليس من السهل أن نقود الإنسان الى الحدّ الذي يكتفي فيه بمجرّد عمله اليومي، أي بدورية الإنتاج والإستهلاك و بنشرة أخبار المساء المتكرّرة الى ما لا نهاية مهما حدث. الأخبار اليومية عن ازدياد نسبة البطالة تجعلنا اليوم ننسى أنّه حتّى في الظروف المثاليّة للعمل والتقدم المادّي، لن نجد ذلك الإشباع تلقائيا. فاللّامتناهي يعود ليتملّكنا عبر الحروب والثورات مثلما قال “نيتشه”، أي عبر الدم والعنف.

ولكي نفهم ذلك، لنتخيل للحظة ذلك الوضع المثالي، أي لنتخيّل وجودًا خاليًا تماما من خشية فقدان العمل أو من انخفاض مستوى المعيشة. إن انعدام أحداث تطرأ على هذه الوضعية، ثمّ التكرار الرتيب للمتماثل المرتبط بحياة مُسَخّرةٍ بأكملها للإنتاج والاستهلاك سيؤدي ضرورةً الى العنف الأعمى وإلى فوضى من التشنجات الهستيرية والى انفجار الغضب والضجر. من أجل تجنب هذا العنف بالذات تخيل “هوبز”  نسقا قادرا على إرهاب البشر الى الحدّ الذي لا يفكّرون فيه سوى في الانتاج والاستهلاك. ما هو مُذهل في هذه القصة هو أنه بعد ثلاثة قرون من “هوبز” انقلبت الوضعية تماما وأصبح البشر يتصورون الانسان تلقائيا ككائن لا يرنو في العمق إلا الى متعة حيوانية وهادئة بعمله وبالخيرات التي ينتجها هذا العمل.  وإذا عجز عن ذلك، ينشأ الاعتقاد أنه لا تزال هناك عقبات مزعجة وأنه بقليل من التحسّن، سيتم التمكّن من ازالة تلك العقبات في القريب العاجل. ولكن إذا كان “هوبز” على حق، فإن هذا التصوّر سيكون مثيرا للاستغراب.  فلن يتسنى للإنسان أبدا أن يحقق اشباعه تلقائيا بواسطة محدودية الإنتاج والاستهلاك. يجب إرغامه على ذلك بإرهابه. يجب أن يتم إرهابه بواسطة تهديد مستمرّ بالموت، من أجل أن نسوقه الى(قبول) الإشباع بهذا الوجه. يجب حسب “هوبز” أن نعارض اللاّمتناهي الذي يقود البشر الى التقاتل بلامتناهي الموت الكفيل وحده بإقامة سدّ أمام اللامتناهي الأول. بهذا الثمن فقط يمكن بناء مجتمع من المستهلكين والمنتجين مشدودين أخيرا إلى حياتهم الأرضية.

وألاحظ في هذا السياق أن صاحب ذلك الفكر المثير “س. فرويد”S. Freud  لم يكن بعيدا عن التفكير مثل “هوبز” في أن الطبيعة البشرية قد شُكِّلَتْ بالوجه الذي يستوجب قَمْعها حتى يتسنى لمجتمع قابل للدوام أن ينبثق على وجه الأرض. في غياب قمع الإبن من قبل الأب، قمعٌ يكون أشبه بِدَوْسِ القدم يَجْعل رغبة الإبن تتوارى في أعماقه، فإن ذلك الإنسان الصغير لا يمكنه أن يصير كائنا انسانيا ناضجا. عليه بوجه ما أن يَقتُلَ نفسه ( بقبوله قمع الأب لرغبته) حتّى يُصبِحَ كائنا متحضِّرًا. هنا أيضا يكون الموت ضروريًّا، موتُ الرّغبةِ على أيّةِ حالٍ، وهو موتٌ ليس مختلفا كثيرا بالنسبة إلى الإنسان عن الموت في حدّ ذاته. وبعبارات “فرويد”، فإنّ هذا الموت هو الخَصْيُ (أي سجن الرغبة) الذي يسمح بحياة مشتركة تكون مُسَخّرَةً لتحسين البقاء ولا شيء سوى ذلك. وبطبيعة الحال فإن ذلك يسير على أحسن ما يرام. المشكل الوحيد هو أن تحسين شروط الحياة مثلما نقول اليوم، لا يتمّ في حقيقة الأمر مع أحياء بل مع كائنات هي في كلّ الأحوال نصف ميّتة. فالرّغبَةُ في اللاّمتناهي قد أُزيحت منهم أو قل إنّها أُبيدت. فقد لا تكون الحضارةُ الغربيةُ سوى معتقل ضخم ! وعلى أيّة حال، يجب أن يتمّ طرح السؤال حول ما عساه يكون ذلك الإنسان الذي فقد الرغبة في اللامتناهي. وإذا قلنا إنّه لم يعد انسانًا البتّة، فإن كلّ ما نَبْنِيهِ يومًا بعد يوم – طالما أنّه مجعول لقتل الرغبة في اللامتناهي –  يساوي تماما بناءَ معتقل ضخمٍ. لقد شَعُرَ “رامبو”  Rimbaud بالقشعريرة أمام هذا السؤال، ولكن من المؤسف أنه استسلم هو الآخر لموت الرغبة، ولكن لنتجاوز ذلك الآن نحو الخلاصة…: “فرويد” و”هوبز” اللَّذان من المحتمل أن يكونا أكبر متشائمي الثّقافة الغربية الحديثة، يفترضان كلٌّ بطريقته أنه لا وجود لطبيعة بشرية يمكننا ان نغذيها في هدوء يوما بعد يوم لكي نُنْتِجَ منها رجالًا جُمَلاءَ ونساءً جميلاتٍ فوق الأرض. بالنسبة إليهما، إمّا أن يتمّ قَمْعُه الرغبة في الإنسان بشدّة وإمّا أن تقع إبادتها (“هوبز”). أمّا بالنسبة إلينا نحنُ، ورثاؤهم الروحيّون، فإنّ السؤال هو كيف وصلنا إلى الاعتقاد في امكان تغذيةٍ هادئةٍ للملكات الإنسانية؟ سيتمّ التوسّع أكثر في طرح هذا السؤال خلال العشريّات القادمة لأن هذه التغذية لها الآن ثمن اقتصادي ضخم الى درجة الى أنه ما من أحد يمكنه الاعتقاد في امكانية العمل بها لوقت أطول…

كان “هوبز” معاصرا للثّوْرَةِ العلميةِ، وقد استشعر وجوب تعويد البشر على الاشتغال ميكانيكيا في اطار البراديغم  الذي كان شاهدا على تشكّله. ورغم أن تفكيره السياسي يساعدنا على التخلّص من السخافات الأنثربولوجية لذلك الزمن حول الطبيعة البشرية ومصير الإنسان، إلاّ أنّه لا يُمثّل الجوابَ الأعمق الذي يمكن إقامته على سؤال الحيرة اللامتناهية التي تَسْكُنُ الإنسان. ولكنّ هذا الجواب مثلما قلت قَدّمه “هيغل” الذي يجب الآن أن نتوقف عنده كي ننهي هذه الجولة القصيرة حول مسألة اللامتناهي.

  • الرّوحEsprit باعتباره عنفًا:

لقد رأى “هيغل” أن ما يُحرّك الإنسانَ ليس جملةٌ من الحاجات، أيّا كانت درجة تعقيدها. إنّ ما يُحرّكُ الإنسانَ في نظره هو حاجتُه إلى أن يُعْتَرَفَ به. ولمبرّرات لا يمكنني تقديمها في هذا الإطار، سأصف هذه الرغبة بأنها رغبة “تِيمُوتِيّة” « thymotiques » . فالتجلّي الأول للتيموس[8]Thymos  حسب “هيغل”، كان في صورة صراعٍ حتّى الموت: رَجُلَيْنِ لَمْ يكونا إلى حدود تلك اللحظة مُنشغليْن سوى بالبقاء عبر الأكل والتكاثر، يكتشفان نَفْسَيْهِمَا فجأةً وهما مستعدّان للموت ليس من أجل حماية حيّز مكانيّ أو من أجل حماية أولادهما، أو حتى من أجل حماية نفسيهما، ولكن من أجل إثبات استعدادهما للموت من أجل لا شيء، أعني من أجل الشّرفL’Honneur ، من أجل مجرّد الرغبة في الاعتراف بأنهما ذَاتَيْنِ واعِيَتَيْنِ وليس كطبائعٍ تَسْتَغْرِقُهَا الحاجةُ إلى البقاء. يضع “هيغل” في بدايات التاريخ تلك النهاية التي يبدو أنها تشكّل تهديدا بالنسبة إلينا اليوم. فهو يتصوّر أن البدايات تميزت بانغماس الإنسانية داخل تناهي الإنتاج والاستهلاك. هو يتخيّل في البداية أناسًا يسبحون بِلُيُونَةٍ في مُتَعِهِم الحيوانيةِ، ثم يتخيّلهم وهم يخرجون من هذه اللّيونة في ذلك اليوم الذي انبرى فيه إثنان منهم وَ هُمَا على استعدادٍ للتقاتل من أجل لاشيء. عند قراءة “هيغل”، يحصل لنا الانطباع أنه يقوم مبكّرا بطرد ما سيُقلق كل الحداثيّين من بعده، من خلال بيانه أن البشر قد خرجوا من هذه الزّمنيةTemporalité  اللا-تاريخية المُتشكّلَةِ من الحاجات الخالصة ومن الإشباع الخالص، هذه الزّمنية التي لم نكفّ عن الخشية من كونها تنتظرنا في أفق التقدّم.

ما هو مزعج في هذا التصور الهيغلي بطبيعة الحال هو أنه يقدّم الخروج من هذه الزّمنية المسطّحة باعتباره فِعْلَ عنفٍ عظيمٍ. فلا يجب أن نتعجّب كثيرا من رؤية الحداثيين في القرن العشرين وهم يستخدمون العنفَ لطَرْدِ خشيتهم من الانغماس في هذا النمط نفسه من الزّمنية.

وبالتالي فإنه بدلا من ان نعتبر مثل “هوبز” أنّه يجب ازاحة الرغبةَ في اللامتناهي لكونها تقود إلى صراعات لا حدّ لها، أي إلى حرب هي “حرب الكلّ ضد الكلّ”، يقوم “هيغل” بإثبات النجاعة الفائقة لهذه الرغبة. فهو، أي التيموس، مَنْشَأُ الإنسانية والدول والقوانين والمؤسسات. اذ بفضله يوجد الوعيEsprit  على الأرض  التي لا تكون مجرّد مسرحٍ لدوريات طبيعيةCycles naturels. وبفضله أخيرا يكون ثمّة تاريخٌHistoire  وليس تجانس مُحْبط لِزَمَنٍ لا ماضي له ولا مستقبل.

وبإيجازٍ نقول: إن “هوبز” يقبل بالبراديغم  العطالي. إنه يفترض ضرورةَ استئصال الرّغْبَةِ في اللامتناهي من الإنسان لإخراجه من حرب أبدية هي حرب الكل ضد الكل وقيادته الى حيث ينشغل فقط ب”صناعته”، أي بإدارة وجود لا علاقة له بأيّ لامتناهٍ. أما “هيغل”، فإنه يعارض هذا الإدراج للإنسانيّL’Humain  ضمن ذلك البراديغم  وهو يُعِيدُ بذلك للتيموس رِفْعَتُهُ، باعتباره ينبوعًا للرّوح ومُولّدًا للتّاريخ.

ومن المؤسف مثلما بيّنت ذلك، أن تظلّ الفلسفة الهيغلية رغم عظمتها المؤكدة، تبريرا غير مباشر للعنف الذي يعبّر عن نفسه في القرن العشرين في شكل حروب وثورات. لقد ماتت هذه الفلسفة اليوم بسقوط جدار برلين. فلم يعد “هيغل” هو المُنتصر بل إنّ من انتصر (اليوم) هو”هوبز” بتشجيعه إيّانا على أن نَقْنَعَ بمجرّد إدارة وجودنا المُتناهي.

خلاصة:

لماذا يتمّ تصوّر الرّغبة في اللامتناهي بمثابة أمر خطيرٍ وفظيع؟ إنّ الجواب الأكثر وضوحا هو أن الحروب الدينية التي أدْمَتْ أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر قد قادت مُنظّري الشأن الإنساني (فلاسفة وفقهاء قانون) إلى أن يَرَوْا في علاقة الإنسان باللاّمتناهي ( أي الله) عِلَّةَ أكبر الكوارث التاريخية. فلا تزال الصحافة ووسائل الإعلام تشتغل اليوم وفق هذه الرؤية:  يكفي أن يُعْلِنَ قائدٌ سياسيّ عن كونه مؤمن حتّى يُسارَعَ إلى اعتباره قادرا على إتيان أفظع الأفعال.

غير أنّ هذا الجواب يظلّ ، رغم كونه صحيحا جزئيّا، غير مقنع. اذ يوجد شيء آخر عدا هذه الظروف التاريخية. هناك ما أسميته بالبراديغم  العطالي: فإذا لم يعد هناك أي شيء في الكوسموس يكون قادرا على الاستجابة لرغبة الإنسان في اللامتناهي، فإن هذه الرغبة  ستتحوّل إلى رغبة هستيرية، أي إلى حالة من الهذيان والجنون التامّ، وباختصار: إنها ستصبح خطيرة. ولكن ستكون نتيجة صعود البراديغم  العطالي مثلما بيّنت هي على وجه الدقة جعل البشر يعتقدون أن لا شيء في عالم الخلق يمكنه أن يستجيب لرغبتهم في اللامتناهي.  وانطلاقا من ذلك، لا يبقى أمام البشر سوى إمكانيتين : اما استئصال الرغبة في اللامتناهي من الإنسان (الحلّ الهوبزي الذي ورثته المنظومة النيوليبراليةNéolibéralisme  اليوم)، أو معرفة كيف يمكن لهذه الرغبة أن تجد إشباعها في التاريخ ( الحلّ الهيغلي بوجهيه الشيوعي والنازي).

وفي تقديري، تُمثّلُ هاتان الامكانيّتان طريقين مَسْدُودَتَيْنِ. فلا فائدة في التأكيد على أن حلّ “هيغل” يمثّل حلاّ وهميّا لأنه لا أحد يمكنه اليوم تصديق الشيوعية او النازية. أما حلّ “هوبز” والنيوليبراليين، رغم كونه في أوج صعوده اليوم، فإنه حلّ وهميٌّ أيضا، اللّهم إلاّ اذا اقتنعنا بتصور البشر بمثابة روبوتاتRobots  منتجة ومستهلكة.

ولكن ثمّة أمر آخر زيادة على هذين الاعتراضين. هناك حقيقة أن الحلين الهوبزي والهيغلي متأتّيَيْنِ معًا من البراديغم  العطالي، أي من رؤيةٍ للكوسموس ترتكز على مبدأ العطالة وعلى فيزياء القرن السابع عشر. ولكنّ هذه الفيزياء بعيدة عن أن تكون محلّ اتّفاق. ليس فقط لكون الفيزياء الكوانطيةPhysique quantique  ونظرية النسبيةLa Théorie de relativité  يضعانها محلّ تساؤُلٍ ولكن لأن مشروعها هي نفسها القائم على تشكيل خطاب رياضي لقَوْلِ الواقِعِ يَبْدُو بصدد فقدان معناه من يوم لآخر مثلما بيّن ذلك “كارل بوبر”Karl Popper من خلال نظريّة القابلية للدحض Théorie de la falsification. فما تتمّ زعزعة الثقة فيه الآن هو مجموع المغامرة العلمية الغربية. وبهذه الزعزعة فإن إجابات “هوبز” و”هيغل” عن سؤال رغبة الإنسان في اللامتناهي تَفْقِدُ بالمثل مصداقيّتها. وهذا في حدّ ذاته أمر مُشَجِّعٌ.

[1] Jan Marejko, « L’infini et le paradigme inertiel », Arkhai, numéro 8, septembre 2003.

[2]  شريط موبيوس ( نسبة إلى واضع النظرية الرياضية لهذا اللغز، عالم الرياضيات الألماني أوغست فرديناند موبيوس August Ferdinand Möbius (1790-1868) )  هو سطح بجانب واحد وبعنصر حدودي واحد. هو هنا صورة مجازية عن الفضاء اللامتناهي للفيزياء الحديثة الذي لا نعثر فيه على موضع مختلف تتوقف عنده الحركة فيكون تحققها بالمعنى الأرسطي. كذلك هو مصير الرغبة الإنسانية في مثل هذا الفضاء حيث أنها كمن يتحرك فوق السطح الواحد لشريط الموبيوس.

[3]  الحداثيونLes modernes ، أي المنتسبين إلى الحداثة Modernité  .

[4]  وفي اللسان العربي ترتبط هذه التسمية بمعنى المكان والإقامة فيه: يقال  عدَنَ بالمكان أي أقام به، وعَدنَ البلاد أي توطّنها. وجنّاتُ عدْنٍ أي جنّات إقامة لمكان الخلد فيها.

[5]  وجه الشبه هنا يتعلّق بمكانة الموت في أشعار وكتابات “ادغار بوي” 1809-1849 Edgar Allan Poe  وحتى في ترجمته الذاتية ( لغز موته ثمّ قصّة قبره الغريبة)، وكذلك بصورة الميّت الحي الذي يخرج متحركا حركة آلية من القبر في قصص مصّاصي الدماء.

[6]رسالة القديس “بولس” إلى الرّومان:

 “01 Que dire alors ? Allons-nous demeurer dans le péché pour que la grâce se multiplie ?”

02 Pas du tout. Puisque nous sommes morts au péché, comment pourrions-nous vivre encore dans le péché ? 03 Ne le savez-vous pas ? Nous tous qui par le baptême avons été unis au Christ Jésus, c’est à sa mort que nous avons été unis par le baptême. 04 Si donc, par le baptême qui nous unit à sa mort, nous avons été mis au tombeau avec lui, c’est pour que nous menions une vie nouvelle, nous aussi, comme le Christ qui, par la toute-puissance du Père, est ressuscité d’entre les morts. 05 Car, si nous avons été unis à lui par une mort qui ressemble à la sienne, nous le serons aussi par une résurrection qui ressemblera à la sienne.06 Nous le savons : l’homme ancien qui est en nous a été fixé à la croix avec lui pour que le corps du péché soit réduit à rien, et qu’ainsi nous ne soyons plus esclaves du péché.07 Car celui qui est mort est affranchi du péché”   Lettre de St. Paul aux Romains, ch. VI.

[7]  في اطار الرؤية الفيزيائية الجديدة للميكانيكا الكلاسيكية، لا يتعلّق الأمر بمجرّد الموت، أي بغياب الروح عن الجسد أو العالم المادّي, بل يتعلّق أكثر من ذلك بانعدام الحياة تماما أي بعدم وجود الحياة لا في العالم المادّي ولا في أي عالم آخر وهمي.

[8] يقسم أفلاطون الروح في الكتاب الرابع من الجمهورية إلى ثلاثة قوى: الإبيثيمياepithumia  وتدلّ على الرقبات الجسمية، والتيموسthumos وهو القوة الانفعالية (ما سيسميه الفلاسفة العرب بالنفس الغضبية)، تلك هي القوة التي ينشأ بمفعولها الغضب أو الخوف وسائر الحالات العاطفية للروح. أمّا القوة الثالثة فهي النوسnous  أي العقل باعتباره القوة العليا التي يجب أن تُخضع الإبيثيميا بمساعدة التيموس.

المصدر:MarejkoArkhai

error: