العرافون المسيحيون في صعود: ماذا سيحدث حين يخطئون؟ – روث غراهام / ترجمة: سارة المديفر

العرافون المسيحيون في صعود: ماذا سيحدث حين يخطئون؟ – روث غراهام / ترجمة: سارة المديفر


كان جيرميا جونسون، وهو من الذين يصفون أنفسهم بالعرافين ويبلغ من العمر 33 عامًا وأحد المسيحيين القلائل الذين أخذوا مستقبل دونالد ج. ترمب السياسي على محمل الجد في عام 2015.

ومن حينها نشأ جمهوره المخلص. حيث يتابعه مئات الآلاف على وسائل التواصل الاجتماعي ويتطلعون لتوقعاته حول مواضيع مثل جائحة فيروس كورونا، وتكوين المحكمة العليا، وإمكانية إحياء الروحانية في أمريكا. فقد شعروا بالارتياح قبل الانتخابات الرئاسية في الخريف الماضي عندما شارك جونسون رؤيا بأنه رأى ترمب يتعثر أثناء مشاركته في ماراثون بوسطن حتى خرجت امرأتان هزيلتان من الحشد لمساعدته حتى وصول خط النهاية.

وعندما تأكد فوز جوزيف بايدن جونيور في الانتخابات، قام جونسون بالاعتراف بأنه خذل أتباعه. وكتب في رسالة مفصلة نشرها على الإنترنت: “كنت مخطئًا وأنا آسف بشدة، وأني لأطلب السماح منكم. وأود أن أتوب عن تنبؤي غير الدقيق بأن دونالد ترمب كان سيفوز بفترة رئاسية ثانية كرئيس للولايات المتحدة”.

لطالما كانت الرغبة بالتكهن بالمستقبل تحظى بمكانه رفيعة. عززت الإيمان برموز تبنت العرافة من كهنة الإغريق القدماء إلى المنجمين بالعصر الحديث. فالمسيحية على وجه التحديد ديانة مليئة بنبوءات ثبتت صحتها بين النصوص التأسيسية ونهاية الكتاب المقدس. إن سؤال ما إذا كانت العرافة تستمر حتى يومنا هذا هو جدل ثيولوجي حاد منذ الأزل. ولكن في السنوات الأخيرة، انتشر العرافون في أنحاء البلاد وتصاعدت مكانتهم خلال فترة حكم ترمب. فهم نجوم الحركة التي تعتبر الآن أحد أركان المسيحية الأسرع نموًا، وهي حركة فوضوية ولكنها حماسية يقودها مئات الأشخاص الذين يعتقدون أن بإمكانهم التحكم بقوى خارقة للطبيعة ولديهم تنبؤات روحانية عن الأحداث العالمية.

كثير منهم عرافون مستقلون لا يترأسون الكنائس أو أي مؤسسات أخرى. حيث يتواجدون بشكل أساسي على الإنترنت ومن خلال الظهور في المؤتمرات أو كضيوف يخطبون في الكنائس، ويكسبون المال من خلال مبيعات الكتب والتبرعات ورسوم الخطب. وهم جزء من الإقبال المتزايد على نظريات المؤامرة بين الأوساط المسيحية – ومنها شعبية نظرية “كيو أنون” QAnon – وجزء من حركة مقاومة مصادر المعلومات الرئيسية المتعارف عليها.

وصل العرافون إلى ما هو أبعد من السياسة المحلية، فقد يتنبؤون في نتائج مباريات البطولة السنوية (السوبر بول) وبالطقس. ويحللون أحداث الثقافة الشعبية مثل تحول المغني كاني ويست  نحو المسيحية، والأحداث العالمية بما في ذلك الانبهار بإسرائيل تحديدا. ويحذر العديد من العرافين أتباعهم من الوثوق في وسائل الإعلام، ويوفرون بدلاً من ذلك نوعًا من مصادر الأخبار البديلة التي تفسر الأحداث في العالم من خلال عدسة تحليل خارقة للطبيعة.

يقول مايكل براون، وهو مذيع مسيحي ومن المؤمنين بالعرافة، لكنه من الذين يطالبون بالمساءلة الشديدة عند التنبؤ بأمور خاطئة: “خلال الـ 49 عامًا من حياتي وايماني بالمسيح لم أرَ هذا المستوى من الاهتمام بالتنبؤات… وهو أمر مؤسف لأنه مصدر إحراج للحركة”.

كانت السنة الماضية مليئة بالنبوءات التي لم تصدق. فعندما اجتاح فيروس كورونا الولايات المتحدة في الربيع، صرح العديد من العرافين بأن الفيروس سيضعف بحلول عيد الفصح. فقد قادت سيندي جاكوبس – أحد أكثر العرافين الأمريكيين تأثيرًا- يومًا عالميًا للدعاء “لاحتواء” الفيروس في شهر مارس. وبحلول الخريف تنبأ العديد من العرافين البارزين خطأً بأن الرئيس ترمب سيفوز بالانتخابات مرة أخرى، بحيث أصبحت سلسلة الاعتذارات والاتهامات تشكل الآن أزمة داخل الحركة.

كانت ردة الفعل العنيفة تجاه اعتذار جونسون فورية. فقد صرح في فيسبوك بأنه تلقى “تهديدات متعددة بالقتل والآلاف من رسائل البريد الإلكتروني من مسيحيين ينعتوني فيها بأقبح وأكثر الكلمات بذاءة تجاه عائلتي والكنيسة”. وقال أيضًا أنه خسر تمويل المتبرعين الذين اتهموه بأنه “جبان وخائن للروح المقدسة”.

مع تراجع المسيحية المذهبية في جميع المجالات تقريبًا، ملأ هؤلاء القادة المستقلون الجذابون الفراغ. يقول براد كريسترسون عالم الاجتماع في جامعة بيولا المسيحية: “فكرة أن لا تثق بأي شخص باستثناء هؤلاء الأشخاص الثقة هي أحد مظاهر عصرنا. لا يثق الناس في المؤسسات، ويعتقدون أن جميع المؤسسات الرئيسية فاسدة مثل الجامعات والعلوم والحكومة ووسائل الإعلام. فهم يبحثون عن مصادر صادقة للحقيقة “.

والنتيجة هي أن العديد من الكنائس غارقة بالمعلومات الخاطئة. حوالي نصف القساوسة البروتستانت يسمعون في كثير من الأحيان أعضاء في كنائسهم يكررون نظريات المؤامرة حول الأحداث الجارية، وذلك وفقًا لدراسة نشرت الشهر الماضي من مؤسسة “لايف واي ريسيرتش” وهي مجموعة بحثية تابعة للجمعية المعمدانية الجنوبية.

العرافة هي جانب من جوانب الحركة المسيحية الجذابة سريعة النمو، والتي تضم ما يقدر بنحو نصف مليار من أتباعها في جميع أنحاء العالم وتتميز جزئيًا بالاعتقاد بأن “هبة الروحانية”، والتي تشمل أيضًا التحدث بلغات عدة والقدرة على الشفاء تستمر إلى وقتنا الحاضر بدلاً من أن تكون من العصور الانجيلية.

عزز ترمب الصورة العامة لهذا التيار الصاعد للثقافة المسيحية. حيث شمل مجلسه الاستشاري المسيحي عددًا غير مسبوق من القادة ذوي الشخصيات الكاريزمية، بما في ذلك مستشارته الروحية الرئيسية ذات الشخصية الساحرة بولا وايت وهي داعية إعلامية مسيحية. قبل أسابيع قليلة من انتخابات 2020، حضر ترمب للمرة الثالثة في أحد الكنائس العملاقة المتخصصة بالشفاء الروحي والعرافة في لاس فيجاس، حيث شارك المتحدثون توقعات ورؤى حول انتخابه للمرة الثانية وسط هتاف من ترمب والمصلين. (تعتبر هذه الحركة الجذابة خصوصا متعددة الأعراق، على الرغم من أن أغلب العرافين والأكثر نجاحًا في حقبة ترمب كانوا من البيض حيث جذبوا جمهورًا يتوافق مع قاعدة ترمب).

يواجه العرافون المسيحيون تعطشًا من الباحثين عن الطمأنينة والحقيقة، وهو جانب يمكن ملاحظته في زوايا أخرى من الثقافة الأمريكية حيث انفجرت أيضا شعبية التنجيم. أكثر من 40 في المائة من الأمريكيين يؤمنون بالمنجمين، وفقًا لمركز بيو للأبحاث.

بشكل مشابه فإن العرافة ليست فقط أداة تنبؤيه، بل عدسة تحليلية لفهم الأحداث الماضية والحالية. يربط العرافون الأكثر نجاحًا بين أجزاء مختلفة من البيانات ويضيفون زوايا تحليلية جديدة عند تفسير الأحداث وتطورها ويدعون الآخرين للمساهمة أيضا.

في مدينة كريستال ريفر بولاية فلوريدا، قرأ سكوت واليس نبوءات جونسون على فيسبوك وأعجب بها. فقد وثق في جونسون جزئيًا – كما قال – بسبب نبوءتين حديثتين أثبتت صحتهما، منها واحدة حول فوز فريق لوس أنجلوس دودجرز ببطولة العالم (تنبأ جونسون بذلك قبل يومين من فوز الفريق بالبطولة).

بالنسبة لواليس – وهو قس وعراف أيضا –  من المنطقي تمامًا أن يكون للإله دور في نتيجة الانتخابات الأمريكية، تمامًا كما في الحياة البشرية عامة. قال واليس: “يعتقد بعض الناس، مثل الربوبيين، أن الله خلق الأرض لكنه تخلى عن الناس وتركهم. وأنا لا أصدق ذلك” فقد تنبأ له أحد أصدقاءه في عام 2014 أنه سيتزوج قريبًا، على الرغم من أنه ليس لديه حبيبة في ذلك الوقت، وفعلا تزوج بحلول نهاية العام نفسه.

سهّل الإنترنت على العرافين نشر رؤاهم، توفرت العديد من الوسائل لهم مثل مواقع التواصل الاجتماعي والبودكاستات والكتب ووسائل الإعلام التقليدية التي لا تزال لا تتلقى اهتمام واسع بين أغلب المسيحيين. يعتبر الظهور في برنامج “خارق للطبيعة!”  – وهو برنامج تلفزيوني يقدمه الإعلامي المسيحي ذو الثمانين عام سيد روث – بمثابة رفعة مقامه للعرافين، وكذلك عند دعم المنصة الإخبارية المعروفة ايلايجا لست Elijah List، والتي تضم 240.000 مشترك. وتغطي كل من مجلة كاريزما وشبكة البث المسيحية Christian Broadcasting Network التنبؤات كجزء من الأخبار.

تقول جينيفر إيفاز التي تطلق على نفسها اسم “العرافة المصلّية”، أنها أدركت في الكلية قدرتها على سماع صوت الإله بطريقة يمكنها “إثباتها”. وعندما بدأت هي وزوجها في قيادة كنيسة في وسط كاليفورنيا، تقول أنها كانت تحلم وتتلقى معلومات محددة عن الأشخاص الذين حضروا الكنيسة. وتقول أنها كانت حريصة على عدم تخويف الناس، وغالبًا ما تتحقق منهم بدلاً من التنبؤ في حياتهم.

ثم بدأت أيضًا في تسجيل مقاطع فيديو تدريبية عن الصلاة والعرافة، مما لفت انتباه ستيف شولتز مؤسس ايلايجا لست The Elijah List ودعاها للمساهمة في المنصة. ومع ارتفاع شعبيتها، أصبحت متحدثة مرغوبة دوليًا بالمناسبات في أماكن مثل معهد الشفاء الداخلي والخلاص ومؤتمر حكمة العرافة والدعاء، حيث يدفع اتباعها مقابل الموسيقى والتنبؤ والإلهام.

تقدم إيفاز نبوءات عامة حول الأحداث الوطنية أو الدولية. فقد أعلنت في مايو 2015 أن الجفاف الذي استمر لسنوات في كاليفورنيا سينتهي وأن “الأمطار ستعود مجددًا”. فربطت في رسالتها قصة النبي إلياس على جبل الكرمل مع رحلتها الأخيرة إلى مدينة كارمل باي ذا سي في كاليفورنيا، ورؤية أنثى دب تقاتل من أجل أطفالها بعلم ولاية كاليفورنيا وحاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم. (لم ينته الجفاف حتى عام 2017 على الرغم من أن الولاية شهدت هطول أمطار غزيرة بشكل غير عادي خلال صيف عام 2015).

وتقول أن هذه الأنواع من الرؤى تأتي إليها مرة واحدة فقط كل عام أو عامين. وأنها تراقب بقلق مثل هذه النبوءات صارت تهيمن على حركة العرافة “مثل التسوق للحقائق” مضيفة أن وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ “الضجة والإثارة” على الحكمة وتضغط على العرافين المستقلين خاصةً لنشر تنبؤات جديدة كل بضعة أيام.

مايك كيليون، الذي كان سائق حافلة خاصة في ولاية كارولينا الشمالية حتى تعطل عمله بعد اجتياح وباء فيروس كورونا، يقول أنه يثير اهتمامه ما يسميه “التزامن” وقد يسميه البعض الصدف. فهو يؤمن أن الإله منخرط بشكل دقيق في أحداث العالم ويسمع بدقة لدعاء الناس.

يقول كيليون على سبيل المثال لو تركت هاتفي النقال على الطاولة وذكرت رغبتي بالذهاب في رحلة بحرية فإن الهاتف “يسمعه” ويبدأ في عرض إعلانات للرحلات البحرية، فيوضح أن ذلك “مشابه لما يفعل الإله حيث يستمع إلى كل ما نقوله.”

ويقول كيليون أن العرافين ليسوا دائمًا على حق في كل تنبؤاتهم، وبالتأكيد لا تصدق تنبؤاتهم دائما مباشرة: “هناك اعتقاد أن العرافين يجب أن يكونوا على حق طوال الوقت، ويجب أن يكونوا على حق الأسبوع المقبل، ولكن هناك أنبياء ذكروا في الإنجيل كان لديهم نبوءات لم تتحقق في حياتهم حتى.”

وسخر كيليون من جونسون لتراجعه عن نبوءته بشأن فوز ترمب في انتخابات 2020. وقال كيليون قبل أيام قليلة من تنصيب الرئيس بايدن: “كان ينبغي على جيرميا جونسون أن يغلق فمه، لا يزال من الممكن أن يفوز ترمب.”

ويبدو أن جونسون ما زال تحت الهجوم بسبب ذلك. حيث بدأ سلسلة جديدة على اليوتيوب هذا الأسبوع بعنوان “كنت مخطئًا”، يحاول فيها استطلاع ماهية حركة العرافة ومتى بدأت بالانحراف. راجع في الجزء الأولى من السلسلة بعض تنبؤاته السابقة حول السياسة والأحداث الوطنية، وحدد أين أخطأ في عام 2020 وقال بحزن: “ليس كل ما يخاطبنا به الإله على انفراد ينشر للعامة. لقد اغترت بنفسي للحظة” ثم تحدث عن أمله في “الإصلاح” وعن مخاوفه بشأن حكم الإله في المستقبل. ووعد في الحلقات القادمة من السلسلة بأنه سيشارك نبوءاته مستقبلا.

المصدر