الجماعة العلمية: طُهاة العلم! – عبدالله البريدي

عبد الله البريدي

أ. د. عبد الله البريدي، بروفيسور في جامعة القصيم (الجماعة العلمية)


  • مقدمة

نظرة الكثير منَّا إلى العلم تركز على المفاهيم والنظريات والنماذج والقوانين العلمية أي على ما يُظهره العلم أو ما يُنتجه، وهي تشبه إلى حد كبير نظرتنا إلى المطعم الفخم، حيث ننبهر بحسن ترتيبه، وبهاء أثاثه، ومذاق طعامه، وسلاسة عمَّاله في أدوار متساندة متكاملة، دون أن نتفكَّر ولو قليلاً في المطبخ الذي يُجهِّز كل ذلك، فلا نعرف شيئاً عمنْ يحدد قائمة الطعام ومكوناته وطهيه وأسعاره، ولا منْ يعدُّ طرائق تحضير الطعام، ولا من يقرُّ المهامَ الواجب القيام بها، ولا من يقطّع أو يجهّز أو ينظّف أو يقدّم الطعام للزبائن ونحو ذلك، ولا نتبين أن الوجبة التي أعجبتنا ستكون أزكى لو تولاها فلان عِوض علان، ولو أُنقص أو زِيد في كذا وكذا من المكونات، أو قُدِّم أو أؤخِّر في كذا وكذا من العمليات، ونحو ذلك.

العلمُ ليس مجرد معارف يصل إليها العلماء والباحثون، وإنما هو “كيان اجتماعي” بامتياز، ينتظم هولاء العلماء والباحثين وغيرهم؛ في سياق تفاعلي تشابكي معقد. هذا النص، سيعمد إلى جعلنا نلجُ الفِناءَ الداخلي للعلم، لنتعرف من ثمَّ على “طُهاة العلم”، وهم “الجماعة العلمية” Scientific Community. يعد هذا المفهوم تأسيسياً في هذا الجانب الاستكشافي، ولذا سأجهد إلى تجلية بعض أبعاده، بلغة ملائمة لغير المتخصصين في الإبستيمولوجيا ما أمكن، مع طرح الأمثلة التطبيقية التي يمكن أن تعين على استيعاب الأبنية المفاهيمية لهذا المصطلح العميق، وكيفية تفعيله في محيط التخصصات العلمية المتنوعة.  

 

يتكون “المجتمع العلمي” Scientific Society عادةً من عدد كبير من: منتجي المعرفة والبحوث، والناشرين، والمستخدمين، والمنتفعين بنتائج البحث العلمي[1]، وشبكات المعرفة المتداخلة فيما بينها في تفاعلات ديناميكية معقدة متغيرة متطورة، سواء أكان ذلك داخل هذا المجتمع العلمي، أو خارجه ضمن الشبكات الاجتماعية الأوسع في المجتمع الكبير[2]، الذي يُدرسُ عادةَ ضمن ما يُسمى بـ السوسيولوجيا الكلية، مقابل السوسيولوجيا الجزئية التي ندرسُ عَبرها الجماعةَ العلمية[3].

لنحقق الغرض المشار إليه، سأجيب عن سبعة أسئلة رئيسة حيال مفهوم “الجماعة العلمية” ، وهي:

  1. ما المقصود بـ الجماعة العلمية؟

  2. كيف تتشكل الجماعات العلمية؟

  3. هل تتفرع الجماعة العلمية إلى جماعات علمية فرعية؟

  4. هل تمثل الأقسام العلمية المتخصصة في جامعاتنا جماعات علمية؟

  5. كيف يمكننا توصيف الجماعة العلميـة ؟

  6. كيف يسعنا تصنيف الجماعة العلمية ؟

  7. ما أبرز الانعكاسات والتوصيات بخصوص مفهوم الجماعة العلمية؟

 

  • مفهوم الجماعة العلمية

الدلالة الرئيسة في مصطلح “الجماعة[4] العلمية” ليست بعيدة عن أذهان المشتغلين بالعلم والبحث، وهي ليست مُحدثة أيضاً، حيث إنها مستخدمة قديماً، ومن ذلك استخداماتها في التراث العربي الإسلامي ومن ذلك قولهم: “أهل هذا العلم/الفن أو ذاك” ،  “أهل الكلام”، “الفقهاء” “الأصوليون”، “المحدِّثون”، “النحويون”، وغيرها كثير، وقد تتجاوز الإحالةُ اجتماعَ الأعيان إلى ما تقرره الأذهانُ، من قبيل: “أصول البلاغة” ، “قواعد النحويين”، “أصول الصرفيين” ومثل ذلك كثير. وأحسب أن هذا التراث مكتنز بشذرات عميقة تستحق الدرس في هذا الباب.

وأما الدلالة الحديثة للمصطلح، فقد نشأت داخل نطاق علم الاجتماع، ولعلها بذورها تعود إلى السوسيولوجي الأمريكي الشهير روبرت ميرتون (1910-2003) مؤسس “علم اجتماع العلوم” أو “علم اجتماع المعرفة”، حيث دعا إلى النظر إلى العلم بوصفه “مؤسسة اجتماعية”، تقوم على باقة من القيم والمعايير “يُلوِّنها نوعُ من الانفعالات الوجدانية المفترض أنها تمارس تأثيراً إكراهياً على رجل العلم“، وهذه المعايير تتخذ أشكال: الوصفات، والمباحات، والمحظورات، والتفضيلات، وهي “مُشرعَنة باعتبار أنها قيم مؤسسية. وهذه الأوامر والنواهي المُنتقلة عبر الإرشاد والوصية والمثال، والمعزَّزة عبر لعبة الجزاءات، يستنبطها رجلُ العلم بدرجات مختلفة[5].

وبمنظور سوسيولوجي، يعالج ميرتون ضمن منهجه العميق لدراسة الجماعة العلمية مسائل عديدة، ومن بينها على سبيل المثال صراع رجال العلم على “الأسبقية” في الاكتشاف العلمي أو المفاهيمي، أو الصراع على الوجاهة العلمية بهذا القالب أو ذاك، ويرفض عزو هذا الجانب لاعتبارات فردية أو شخصية، حيث يعلقها بأستار تفضيلات المؤسسة الاجتماعية للعلم، التي تجعل من الأصالة قيمة عليا[6].

وبعد مثل هذه التأسيسات الميرتونية، تطورتْ الدراساتُ المنقَّبة والمشسِّعة لظاهرة الجماعة العلمية، ومن ذلك دراسات هارييت زوكرمان حول المكافآت العلمية (مثل جوائز نوبل)، ودراسات ستيفن كول وجوناثان كول حول الهرمية أو التراتب الاجتماعي في العلم أو طبقات رجال العلم داخل الجماعة العلميـة ذاتها، حيث يُعدانها قضية رئيسة في فهم الجماعة العلمية وتشكُّلها وتطورها[7].

 

  • تشكل الجماعة العلمية

هذه مسألة أعوصُ من سابقتها، وهي قضية معقدة متشابكة للغاية، ولذا فلا مجال لمجرد الزعم بأنه يُسعنا في هذا النص المكثف تقديمُ فكرة متكاملة ناجزة حَيالها، وإنما مجرد إضاءات عامة، لا أكثر وربما أقل.

لعله من المنطقي القول إن الحقل العلمي سابق على جماعته، حيث تُغرس بذرةُ التأسيس على يد عالِمٍ مُنظِّر، وقد يفلح في إنباتها في حقل معرفي ينال الاعترافَ من قِبل علماء آخرين، ليشاركوه في توسعة الحقل وتغذيته وتسويره وتثميره، فيكون الحقل بمثابة الكلأ الذي يجلبُ منْ يرومُ تسمينَ ماشيته وتكثيرها، فتنشأ الجماعةُ العلميةُ، التي تعرف لأهل التأسيس فضلَهم، وتمنحهم “حق التشريع” للحقل المعرفي الوليد، فيضعون الأسسَ والأصول والقواعد، وتأخذ هذه بالتطور والتوسع عبر الممارسات، فتظهر أعرافُ وتقاليد للكتابة والتأليف والنشر والقبول والرفض، والإعلاء والاحتفاء، والإخفاض والازدراء.

في إلماحة ذكية، يشدِّد وارن هاغستروم على أن “الرغبة في الاعتراف”[8] هي بيتُ القصيد في تفسير سر تماسك الجماعة العلمية، حيث يذعن رجلُ العلم لـ إملاءات جماعته العلمية، طلباً للاعتراف بنَتاجه العلمي ونشره وقبوله، والحصول على المكافآت العلمية والمالية والوظائف ونحو ذلك، وهذا ما يستجلب لنا فكرة محورية بلورها نورمان ستور في كتابه The Social System of Science ، حيث أشار إلى قدرة الجماعة العلـمية على: الإدارة الذاتية، واستقطاب أعضائها واستبقائهم، وتحفيزهم ومراقبتهم في آن، وتنظيم العلاقة مع المجتمع بما يضمن الاعتراف ونيل الدعم المادي والحماية[9]. وتلفتُ النظرَ دايان كراين إلى خطورة مسألة التحاشد العاطفي داخل الجماعة العلمية ذاتها، حيث يتورط بعضُ أعضائها بنوع من التعاطف تجاه أفكار أو قيم علمية محددة، ويتمكسون بها، دون أن يكون بمقدورهم تسويغها أو البرهنة على صحتها أو نجاعتها[10]. وهذا ما يعكس لنا جانباً من أهمية مفهوم الجماعة العلمية، حيث تشتد الحاجة لدراسة مثل هذه الظواهر والاتجاهات والسلوكيات غير المنهجية، لنثبت ذلك بشعار: إن ما تفشل في دراسته من “باب العلم”، يَلجُكَ من “نافذة الأيديولوجيا”!

 

  • التفرُّع 

الحديث السابق عن فكرة تشكل الجماعة العلمية وتماسكها قد يجعل البعض يظن أن الجماعة العلمـية غير معرَّضة للانقسام إلى جماعات علمية متعاونة أو متصارعة فيما بينها. من الصعب الظفر بفهم معمق لمفهوم الجماعة العلمية دون الإفادة من فكرة توماس كون، المتمثلة بالنموذج الإردشادي أو المِرشاد أو البارادايم، وسيكون لهذه الفكرة أثر في توضيح أبعاد عديدة حيال تفرع الجماعة العلمية وانقسامها.

سردية تشكل الجماعة العلمية التي أومأنا إليها تشير إلى أن ثمة إطاراً علمياً معيارياً، تقره الجماعـةُ العلمية في هذا الحقل المعرفي أو ذاك، سواء أكان في جوانبه النظرية (مثل: مفاهيم/نظريات/نماذج/مناهج/قوانين) أو التطبيقية (مثل أعراف البحث والنشر والمكافآت). هذا الإطار المعياري يُعبر عنه كون – في بعض معانيه[11]– بفكرة المِرشاد، أي النموذج العلمي المستقر المقبول من لدن أعضاء الجماعة العلمية وبالأخص الأعضاء المؤثرين ومنْ يتبعهم أو يتأثر بهم. مع اشتغال الحقل المعرفي على حل إشكالياته في سياق ديناميكي مُشبع بالتحديات، يجد الحقلُ المعرفي نفسه غير قادر في بعض الأحيان على حل إشكاليات معينة، مما يوقعه في “أزمة”. وهنا تتخلق نواةُ الانقسام، حيث يرى جملةُ من العلماء الجسورين الحاجة إلى بناء مِرشاد جديد قادر على حل الإشكاليات والتناغم مع المستجدات، وهنا تنفلِق الجماعةُ العلمية إلى جماعتين أو أكثر، وذلك بحسب: واقع الجماعة العلمية، وتشكلها، وإطارها المعياري، ونمط استقطاب أعضائها واستبقائهم، ونحو ذلك.

على أنه يتعين علينا القول إنه ليس صحيحاً البتة أن انقسام الجماعة العلمية العامة إلى جماعات فرعية أو انفلاق الفرعية إلى ما هو أصغر منها يحدث من جراء حيثيات علمية أو تنظيرية صرفة، حيث يمكن لحيثيات سوسيولوجية صرفة أن تتسبب في حدوث ذلك، ومنها رغبة باحثين متنفذين في الحصول على دور ريادي أو قيادي أو طليعي؛ عبر القبض على وصف “مؤسس” الحقل الفلاني حتى لو لم يكن ذلك مبرراً من الناحية التنظيرية أو المفاهيمية أو المنهحية، وقد يكون لذلك اعتبارات مادية أيضاً، إذ قد يؤدي الانقسام أو الانشطار إلى مصالح مالية لهذا الطرف أو ذاك، عبر منظومة البحث والابتكار أو منظومة التأليف والنشر أو منظومة التعليم والتأهيل ونحوها.

 

  • الأقسام العلمية ومدى كونها جماعات علمية

قد يعتقد البعض أن كل قسم علمي متخصص في هذه الجامعة أو تلك يمثل جماعة علمية، وهذا غير صحيح. ويأتي هذا الاعتقاد الخاطئ من جراء غياب أكثر الأبعاد الدقيقة لمفهوم الجماعة العلمية عن المدونة البحثية في عالمنا العربي واشتغالاتنا التحليلية والتشخيصية والنقدية. لا يمكن جعل وحدة التحليل هنا “القسم العلمي”، إذ إنه قد يكون مجرد كيان إداري ينتظم باحثين ومتخصصين في حقل معرفي محدد في سياق إذعاني لهذه الجماعة العلمية أو تلك، وقد يكون القسم الواحد متوفراً على أكثر من جماعة علمية لغوية، ونحو ذلك مما يبين عدم صلاحية القسم العلمي ليكون أداة التحليل في هذا الباب. إذن، هذا يعني الارتحال من الحديث عن الأقسام العلمية في جامعاتنا إلى مفهوم الجماعة العلمية، وسيكون لهذا الارتحال تأثير جيد على الرصد والتحليل والتشخيص والتأريخ لحركة البحث العلمي ونتاجه وتمظهراته وارتحالاته وتطوراته، مما يبشر بالانعتاق من فوائض الكلام المكرور غير المربوط بمفاهيم عميقة، قادرة على إحداث التراكمية المنشودة، تشخيصاً ومعالجة لأدوائنا العلمية، وتفعيلاً لمقدراتنا ونقاط تميزنا العلمية في الضفة الأخرى.

 

  • توصيف الجماعات العلمية

ليس سهلاً القيام بمثل هذا التوصيف، حيث يتطلب الاتفاق على مفهوم ارتكازي للتوصيف أو أكثر، بحيث يكون بمثابة المعيار الناظم لعملية التوصيف. إذن، يمكن القول بإطمئنان بأن هذا التوصيف لهذه الجامعة العلمية أو تلك إنما يحتاج إلى عمل بحثي معمق.

 

  • تصنيف الجماعة العلمية  

من الجلي أنه يتعذر علينا القيام بمثل هذا التصنيف في حال عدم وجود التوصيف الأساسي للجماعة العلمية في هذا الحقل المعرفي أو ذاك. ولكن دعونا من باب التطبيق العملي لهذا المفهوم وما اجترحناه من تأثيث دلالي له، نُقدِم على عرض مثال تطبيقي على الجماعة العلميـة اللغوية العربية (ويمكن النسج على منوال هذا المثال إزاء أي حقل معرفي آخر). بالنظر إلى هذه الجماعة العلمية اللغوية في الجامعات العربية، يمكن تصنيفُ هذه الجماعة إلى عدة تصنيفات؛ وفق معايير عديدة متشابكة فيما بينها، ومن ذلك مثلاً: 

 

  1. التخصص والمنظور

لو قررنا البدء بمعيار “التخصص”، فسنجد أنه يمكن تصنيف الجماعة العلمية اللغوية العربية وفق التخصصات العلمية الدقيقة المكونة للغة العربية، بيد أن “المنظور” الذي نعتمده في التخصصات يَبرزُ ليخلُقَ لنا سؤالاً إشكالياً، مفاده: هل هو منظور تراثي أم حديث؟ فإذا كان المنظور تراثياً، فيسعنا حينذاك تصنيفُ الجماعة اللغوية إلى: الجماعة العلمية النحوية  (النحو والصرف، ويمكن جعل كل منهما في جماعة فرعية)، الجماعة العلمية البلاغية، الجماعة العلمية الأدبية، أو شيء من هذا القبيل، ونحن هنا لا يهمنا الجدل في مسألة إدخال مثلاً النقد هنا أو هناك أو غير ذلك، وإنما في عموم الفكرة من طرح المثال التطبيقي. وإذا كان المنظور حديثاً، فيمكن مثلاً تصنيفها إلى: الجماعة العلمية اللغوية التراثية (بأي اسم كان)، والجماعة العلمية اللسانية الحديثة (بأي اسم كان)، أو تصنيفها تصنيفاً ثلاثياً: جماعة لغوية تراثية صِرفة (تُنابذ اللسانيات الحديثة تماماً)، وجماعة لسانية حديثة صِرفة (تدعو إلى قطعية إبستمولوجية مع التراث)، وجماعة لغوية مهجَّنة (تقرُّ منهجاً يؤلف بين القديم والجديد في سياق ينشد التجديد). وقد يكون التصنيف متأثراً بمنظور الخصوصية والكونية، فنقول بتقسيمها إلى: جماعة كونية اللغة، وجماعة خصوصية اللغة.

 

2- البوصلة البحثية

حينما ننظر في النتاج البحثي للجماعة العلمية اللغوية في عالمنا العربي، سنجد أنه يمكن تصنيفها بشكل عام ضمن مجموعتين كبيرتين، وهما: جماعة الفوائض البحثية، وجماعة النوابض البحثية. الجماعة الأولى تركز على فوائض الأذهان العلمية وما تراه من مسائل وقضايا علمية خالصة، معزولة عن الاحتياجات التنموية المحلية، في أن الجامعة العلمية الثانية تتلمس “نبض المجتمع”، فتعمل على استدماجه ضمن أجندتها البحثية، فتمزج بين البحث النظري الذي يعلي من شأن التنظير وتطوير الأدبيات العلمية، والبحث التطبيقي الذي يسهم في تشخيص المشاكل اللغوية ومعالجتها بمنظور علمي ملائم.

 

 

  • الانعكاسات والتوصيات

أحسب أن الاشتغال البحثي والنقدي على مفهوم الجماعة العلمية بأبعاده المفاهيمية ومنظوراته الدلالية وأدواته القياسية، سيعين على أن نظفر بعمق أكبر لخريطة البحث العلمي في جامعاتنا العربية وكيفية تشسيعه وتجويده وتطييب ثمرته، ومعالجة الإشكاليات التي تحد من نموه وتطوره ومواكبته للجديد في سياق يُحافظ فيه على الأصالة والمعاصرة؛ بعمق إبستمولوجي، واعتدال فكري، وفطنة حضارية، ويحفظ للعلم الرصين حقَه، ويستجيب برشد لمتطلبات التنمية ومستهدفاتها القريبة والبعيدة على حد سواء.  

 

وبعد هذا الركض، سنُوقِف عربةَ هذا النص أمام بوابة التوصيات، وسنجعلها مركزة في خمس توصيات كبيرة:   

  1. الاشتغال على مفهوم الجماعة العلمية ضمن سياق إبستمولوجي معمق، إذ إنه سيكون عديم الفائدة إذ كان معزولاً عن هذا السياق، مما يتطلب تفعيلاً شاملاً للإبستمولوجيا، مع تعضيد الأبحاث البينية والعابرة للتخصصات.

  2. إدماج مفهوم الجماعة العلمية ضمن مقررات الدراسات العليا وتفتيح أذهانهم على الفناء الداخلي للعلم، وجعلهم يتعرفون بعمق على طهاته وكيفية الطهي وإيجابياته وسلبياتها، مع السعي لتأسيس خطط بحثية جيدة في برامج  الدكتوراه لطلبة نابهين.

  3. تنظيم مؤتمرات وندوات وحلقات نقاش عن الجماعة العلمية، ويمكن أن تكون في حقل معرفي محدد، ويمكن أن تكون في العلوم الإنسانية والاجتماعية من جهة، والعلوم الطبيعية من جهة ثانية، والعلوم الدينية من جهة ثانية ثالثة، ويمكن أن تكون خليطاً من هذا وذاك.

  4. نشر الأبحاث الجيدة المقدمة للمؤتمرات والندوات وحلقات النقاش في كتب ورقية وإلكترونية، ويمكن بلورة منظور لتأليف كتب محررة Edited Books في حقل معرفي أو أكثر؛ لتفعيل الطروحات حيال مفهوم الجماعة العلمية.

  5. تخصيص أعداد خاصة في المجلات العربية المُحكَّمة في التخصصات العلمية المتنوعة لتناول مفهوم الجماعة العلمية ومعالجته تنظيراً وتطبيقاً.

مفهوم الجماعة العلمية ليس مفهوماً بسيطاً Concept، بل هو مفهوم تركيبي Construct، وما عرضناه ليس سوى رأس الجبل الدلالي له، إذ بمقدوره أن نجعلنا نلج أدمغة هذه الجماعة العلميـة وأمخاخ تلك الجماعة العلمية الأخرى، لنكون قادرين من ثمَّ على فهم “النموذج الكامن” الذي يُحرِّكهم، فنشجع الإيجابيَ ونُنميه، ونحاصر السلبيَ ونُفقِره. وأخيراً، أرجو أن يُسهم هذا النص الصغير في مبناه الكبير في معناه في تحريك المياه الراكدة تجاه هذا المفهوم المحوري الغائب عن فكرنا العربي العلمي المعاصر وعن أدبياتنا العربية في مختلف التخصصات، وأن ترتقي طروحاتنا التحليلية والتشخيصية والعلاجية إلى منازل البحث الإبستمولوجي، فندارس العلم بالأدوات والمناهج الفعالة، فنصل بذلك إلى فهم أعمق لخريطة تموضع العلم في عالمنا العربي، وكيف يسعنا تحريك عربته، ليسهم في تحقيق النهضة الحضارية المنشودة.

 


هوامش:

[1] بخصوص المنتفعين، نلمح إلى خطورة تأثير السوق على حركة البحث العلمي المعاصر في ضوء النيوليبرالية بوصفها عيدة الاقتصاد العالمي راهناً، وما يدفع إليه من تأثير الشركات الكبرى على مسار العلم ونتائجه، بما في ذلك فبركة الأبحاث لتحقيق مصالح مادية،  للمزيد انظر: عبدالله البريدي، دعونا نناضل من أجل تدعيم حركة العلم.. الأبحاث العلمية المفبركة خالقة للأزمات وخانقة للحلول، المجلة العربية، 15-1-2018.

[2]  Mulkay, M. (1977). Sociology of the scientific research community. In I. Spiegel-Rosing & D. Price (Eds.), Science, technology, and society: A cross-disciplinary perspective (pp. 93-148). London, England: Sage.

ويقرر البعض أن “الجماعات العلمية بعلاقات بحثية تشابكية فيما بين أعضائها بدرجة تفوق تفاعلها مع المؤسسات المجتمعية الأخرى في كثير من الأحيان:

-Xiao, H. (2011). The Capacity of a Scientific Community: A Study of the Travel and Tourism Research Association. Journal of Hospitality & Tourism Research, 35(2), 235–257.

[3] Macro sociology vs. micro sociology, e.g. Collins, H. M. (1975). The Seven Sexes: A Study in the Sociology of a Phenomenon, or the Replication of Experiments in Physics. Sociology, 9(2), 205–224.

[4] مفهوم “الجماعة” موح بـ “بدرجة من الترابط” (Chaskin et al., 2001, p. 14)، في سياق يتقبل أعرافاً وقيماً علمية محددة (Xiao, 2011):

  • Chaskin, R., Brown, P., Venkatesh, S., & Vidal, A. (2001). Community capacity and capacity building: A definitional framework. In R. Chaskin, P. Brown, S. Venkatesh & A. Vidal (Eds.), Building community capacity (pp. 7-26). New York, NY: Aldine.

  • Xiao, H. (2011). The Capacity of a Scientific Community.

[5] ميشال دوبوا، مدخل إلى علم اجتماع العلوم، ترجمة: سعود المولى، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2008، ص 55.

[6] السابق، ص 56-57.

[7] السابق، ص 58-60.

[8]  السابق، ص 63..

[9] السابق، ص 63-64..

[10] السابق، ص 64-65..

[11] إذ ثمة دلالات عديدة لمفهوم البارادايم عند توماس كون في كتابه: بنية الثورات العلمية، وقد تعقبتْ باحثة متخصصة (ماسترمان Masterman في بحثها Nature of Paradigm) هذا المفهوم في هذا الكتاب، وخلصتْ إلى أنه يحمل  21 دلالة مختلفة، وذكر كون نفسُه أنه يحمل 22 دلالة، حول هذا الأمر، انظر: توماس كون، بنية الثوارت العلمية، ترجمة: شوقي جلال، بيروت: دار التنوير، ط1، 2017، ص 16 (في الهامش، وهو جزء من تقديم  نفيس سطَّره فيسلوفُ العلم الكندي إيان هاكنج).