ابن الهيثم وهندسة الأخلاق: شكوك الجابري حول مقالة تهذيب الأخلاق – جلال الدريدي

ابن الهيثم وهندسة الأخلاق: شكوك الجابري حول مقالة تهذيب الأخلاق – جلال الدريدي


تقديم (ابن الهيثم وهندسة الأخلاق)

  إنّ الغرض من هذا البحث هو محاولة كشف وجها آخر من وجوه كتاب/مقالة[1] تهذيب الأخلاق المنسوبة إلى لابن عدي وابن عربي والجاحظ والغزالي ومسكويه وابن سنان وابن الهيثم بتحقيقات مختلفة ومحقّقين مختلفين، وإنّه من أجل الوقوف على ذلك الإمكان، كان لابدّ –حسب الجابري- من استبعاد طريقة سادت في تلقّي هذه المقالة/كتاب، وخاصّة في تلقي خطاب الحسن بن الهيثم صاحب المناظر، ذلك الّذي ينظر إليه في حدود ما نُشر في كتاب المناظر، سواءً بصفته كتاباً علميّاً أو بوصفه مشروعاً محصوراً في علم البصريّات والهيئة. فهذه الأوصاف وإن صحّت بوجه، فإنّها تحرم القول الهيثمي من مداه الأصلي وتخومه الإشكاليّة. فعلى الرّغم من الحضور المميّز الّذي حظي به ابن الهيثم العالِم (le savant) في أوساط الباحثين والعلماء من خلال بحوثه العلميّة وكشوفه البصريّة، فإنّ الجانب الفلسفي ظلّ محتشماً، كما ظلّت بحوثه العلميّة خارج دائرة المساءلة الفلسفيّة، الأمر الّذي جعل ابن الهيثم الفيلسوف غائباً، أو “إذا ذكر فلكي يُستبعد بسرعةǃ”[2].

 وأمّا المتن والشّرح المذكوران في عنوان هذا البحث: هما مقالة/كتاب تهذيب الأخلاق (المتن)  وأمّا الشكوك فهي شكوك الجابري وشروحه الّتي عرضها في الفصل الثاني عشر من كتابه العقل الأخلاقي العربي[3]. ونحسب أنّه من أجل ذلك، تظلّ هذه الدّراسة ذات فائدة في إضاءة بعض جوانب هذه مقالة تهذيب الأخلاق، وبخاصّة عندما نريد فهم ماهية القول الهيثمي وما يشدّه إلى ضروب النّظر العملي وكذلك عندما نريد فهم مشروع صاحب نقد العقل العربي وموقفه من المسألة الأخلاقيّة وطرائق سياسة الذّات وطرائق تحصيل الفضائل والخيرات.

     أمّا الخيط الهادي الّذي نقترحه في بلورة ملامح هذا الأمر فيمكن تبيّنه من خلال المشكلات الثلاث الأساسيّة التّالية:

أوّلاً: ما الّذي يُشرِّع للرّبط بين ابن الهيثم ومقالة تهذيب الأخلاق؟

ثانياً: أين يقف ابن الهيثم من مشكلة الأخلاق؟

وأخيراً: أيّة مهمّة وجب أن يضطلع بها الفيلسوف؟

أوّلاً: ابن الهيثم ومقالة تهذيب الأخلاق: أيّة علاقة؟

إنّه على سبيل التّوطئة للأمور الّتي يدور عليها مبحثنا هذا، علينا أن نذكّر في البداية بأنّ كتب السِيَرْ الّتي ترجمت سيرة صاحب المناظر تُخبرنا أنّ لابن الهيثم “مقالة لطيفة في الأخلاق ما سبقه بها أحد”[4]. إلى جانب مقالة أخرى لم تُذكر في أيّ من الكتب الّتي حفظت لنا سيرته، والموسومة بـ”مقالة في ثمرة الحكمة”[5].

ومع أنّ المقالة الثانية لا خلاف في نسبتها إلى ابن الهيثم إلاّ فيما يتعلّق بشكوك رشدي راشد حول أسلوبها التّعليمي الّذي يختلف عن أسلوب صاحب المناظر في البحث والنّظر، فإنّ “مقالة الأخلاق” ظلّت إلى اليوم في حالة تشرذم وشرود، حيث لا يزال البحث لم يبلغ فصل الخطاب في شأنها، وكلّ من حقّق هذه المقالة أثبت جملاً إذا فُصّلت خرج منها زيادات ونقصان. وعلى الرّغم من أنّ كتب التّراجم والسير والتّقاليد النّسخيّة والمخطوطيّة تُرجّح كفّة صاحب المناظر[6]، فإنّ الوجه العصيّ لهذا الإشكال الّذي أشرنا إليه، مترتّب عن تقدير هويّة هذه المقالة المنسوبة إلى ابن الهيثم فضلاً عن الجاحظ وابن عربي وابن عدي ومسكويه والغزالي وابن سنان فيما رجّح ذلك الجابري في علاقة بهذا الأخير[7].

ومن جهة أخرى، ومن أجل الأفق الإنساني الّذي تنشده المقالة وانفتاحها على العديد من المرجعيات، بعيداً عن التّعصّب والانغلاق في اتّجاه تحقيق المحلوم به فلسفيّاً: نشر حكمة المحبّة بين البشر، فإنّها كانت مثار جدل لوقت طويل بلغ ببعضهم إلى مستوى تحريف نصّ المقالة “فأثبتوا كلمات أو عبارات تناسب دين المؤلّف الّذي ينسبون إليه الكتاب، وحذفوا مقابلها الّذي هو علامة على دين آخر[8].

 يمكن أن نتبيّن والحال هذه، أنّه إذا افترضنا بأنّ ثمّة جامع مشترك أدنى بين مقالة الأخلاق وابن الهيثم، فذلك لأنّ ابن الهيثم قد اشتغل بالوزارة في أوّل أمره فترة إقامته بالبصرة، فضلاً عن اهتمامه بالحكمة والنّظر فيها كما جاء في ترجمة ابن أبي أصيبعة لسيرته[9]، فلا أقلّ من اعتبار أنّه كان على اطّلاع على ضروب تدبير الشّأن العملي، ومن ثمّة، فليس من الغريب أن يكون لصاحب المناظر مصنّفات في السياسة والأخلاق وكلّ ما يتعلّق بآداب الكتابة والكّتّاب. هذا، وقد ذكر منها ابن أبي أصيبعة في ترجمته لسيرة صاحب المناظر: كتاب في صناعة الكتابة على أوضاع الأوائل وأصولهم، عهد إلى الكتَّاب، كتاب في السياسة من خمس مقالات” ومقالة في الأخلاق. وذكر له القفطي في ثبته أيضاً: “مقالة في الأخلاق”.

ولئن لم تصل إلينا المقالات الثلاث الأولى، فإنّ مقالة في الأخلاق ورسالة ثمرة الحكمة لا يخلوان من اهتمامات بالشّأن السياسي وبواقع تاريخي اتّسم بانحطاط في القيم، وبالتّعصّب المذهبي خاصّة عند الساسة والملوك، فما توجّه صاحب هذه المؤلّفات الخصّيص، بخطابه إلى الملوك والرؤساء، إلاّ دليل على اطّلاع الرّجل على أحوالهم في غيّهم وعدلهم.

وفي ضوء هذه الفرضيّة، وبعيداً عن أيّة أجوبة نهائيّة أو عن أيّ ادّعاء سنعمل في هذا السّياق على امتحان معاني هذه المقالة ودلالاتها واستنطاق مظانها واستكناه المسكوت عنه فيها، في محاولة للوقوف على مفترضاتها ورهاناتها ومنزلتها مقارنة بمجمل القول الهيثمي، وبخاصّة بما ورد في كتابه الموسوم بكتاب في ثمرة الحكمة. فما هو طريق تهذيب الأخلاق؟

ثانياً: طريق تهذيب الأخلاق (ابن الهيثم وهندسة الأخلاق)

لعلّه من نافل القول أنّ مزيّة ابن الهيثم، تكمن في قيمة مشروعه المعرفي، الّذي يعني في أحد وجوهه الأساسيّة الخروج من قبضة الأقوال الإقناعيّة، نحو فضاء نظريِّ آخر، هو فضاء “الرّياضيّ والبّرهانيّ”[10]. وعليه، لكي نُحسن تدبّر نصوص الرّجل، يجب أن نأخذ في الاعتبار أنّها ليست من جنس “الكتابات التّحليليّة التّركيبيّة من نوع كتابات المناطقة، بل هي من جنس الكتابات التّي تعتمد الاستقراء والسّبر والتّقسيم والاعتبار، كما يفعل الفقهاء والأطباء”[11]. وهذا يعني بعبارات أخرى، أنّ كتابات ابن الهيثم ليست من جنس الكتابات الّتي تعتمد الطرق الإنشائيّة، بل من جنس الكتابات الّتي تتوسّل الأساليب العلميّة نظراً إلى ذوقه العلميِّ الّذي يميل إلى التّدقيق والبساطة أكثر ممّا يميل إلى التّفخيم وجلال اللّفظ، فهو يحكّم ذوقه العلميِّ في كلّ المسائل الّتي يتناولها بالنّظر والتّمحيص والنّقد والتّحقيق، أين يكتسب تنظيم العبارة عندهمنحى برهانيّاً يُعرض ما وسعه تجنّب المصطلحات الحافّة ومظاهر اللُبس والغموض، لذلك نجده يُعيد النّظر في مبادئ علمه وبديهياته وتعريفاته الّتي بنى عليها مسائله ومعارفه إذا ما استبدّ به هاجس الخطأ لأنّ صميم الاستدلال عنده هو الانقطاع إلى “طلب معدن الحقّ وإدراك ما به تنكشف تمويهات الظنون”[12].

    فإذا استقام في تصوّرنا هذا الملمح الفريد من ملامح الخطاب الهيثمي تسنّى لنا أن نزعم بأنّ اللّقاء بين الفلسفة والعلم – من وجهة نظر ابن الهيثم- لن يكون إلاّ على قاعدة التّفكير الرّياضيِّ، لأنّ صناعة الهندسة كما صرّح بذلك: “هي صناعة بها يرتاض المبتدئ في معرفة البرهان حتى تثبت في نفسه صورته، ولا يقبل من البراهين الّتي تعرض عليه إلاّ ما طابق ذلك البرهان وساواه”[13]. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ العلاج الذّي ينصح به ابن الهيثم لا يمكن أن يُستخلص إلاّ من التّصريح الّذي صاغه شرطيّا،ً بقوله: “فالمبتدئ في طلب الحكمة يحتاج أن يرتاض أولا بالأصول الهندسيّة فيدركها بالبرهان الّذي به يُدرك كلّ حقّ”[14].

     يستدعي الأمر إذن تهيئة المتعلِّم وإعداده للارتياض أوّلا بالأصول الهندسيّة، فيدركها بالبرهان الّذي به يُدرك كلّ حقّ. ويبدو هذا السّبب كاف لتفسير الارتباط الوثيق بين المبحثين التّربوي والتّعليمي الّذي حملته رسالة ثمرة الحكمة مع تصوّر الكندي الّذي جعل من الرّياضيّات سبيلاً لتحصيل الفلسفة وزمام أمرها، لاسّيما وأنّ الحكمة كما يقول فيلسوف العرب “لا تُنال إلاّ بعلم الرّياضيّات”[15].

      وباختصار، يمكن أن نجد عند ابن الهيثم صدى لفلسفة الكندي الّذي يتوجّه في رسالته في كميّة كتب أرسطو طاليس مخاطباً طالب الفلسفة لينبّهه إلى وجه الحاجة للمِراس في الرّياضيّات ولينبّهه إلى أنّه أمام خيارين: إمّا أن يبدأ بالرّياضيّات قبل التّطرّق إلى كتب المبرّزين في الفلسفة، فيأمل عندئذ أن يصير فيلسوفاً، وإمّا أن يقتصد تلك المرحلة فلا يسعه أن يصير إلاّ راوياً للفلسفة إن كانت له القدرة على الحفظ[16].

     ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار ابن الهيثم قد هيّأ لبناء قول فلسفي جديد بعد أفلاطون والكندي، وهو قول يقوم أساساً على معرفة بالرّياضيّات كفنّ عام للتّفكير والتّدبير، هذه المادّة الّتي لا تؤمّن له أساس الخطاب العقلي المقبول من الجميع فحسب، بل وأيضاً ذلك الخطاب المؤهّل لإقامة خطاب برهاني على شاكلة البرهان الرياضيّ الّذي لا يترك حيّزاً للثّغرات، مرهونة حركته وكبوته بشروط التّفكير، “لأنّ المقدّمات إذا كانت صحيحة فكلّ ما بُني عليها فهو صحيح موثوق بصحتّه”[17].

وتتّصل بتلك الخاصيّة خاصيّة ثانية، وهي أنّ عقلانيّة ابن الهيثم “البرهانيّة” انتهت بالضّبط إلى إثبات حقّ العقل “توقّل[18] مراقِي العلم والمعرفة، والتّدرّج في مدارج النّشوء والارتقاء. فما المقصود بالتوقّل في مراس القول الهيثمي؟

    ثالثاً: في سُبل تحصيل ثمرات الحكمة (ابن الهيثم وهندسة الأخلاق)

    إنّه من أجل “ضعف سببنا إلى المعرفة”[19] كما يقول الجاحظ، فإنّ الدّرب الموصلة إلى تحصيل ثمرات الحكمة –من منظور هيثمي- هي “الطريق الّتي شرّعها الحكماء، وأوضحوها وشيّدوا أعلامها، وأصول ومباني رتّبوها وأحكموا ترتيبها، ترتيباً يتلو بعضها بعضاً، لا يمكن الوقوف على الثاني منها حتّى يوقف على الأوّل”[20]، فالسّبيل إلى الحكمة إذن، إنّما هو ثمرة جهد مبدع وخلاّق يثبت حقّ العقل في توقّل مراقي المعرفة، والتّدرّج به في مدارج النّشوء والارتقاء، إلى الدّرجة الّتي تدنو به من مراتب “استشراف الكمال”[21].

     تحملنا هذه الاعتبارات على اقتفاء أثر الفعل وقل الّذي يقال في معنى الصعود والتّدرّج والارتقاء[22] لذلك فإنّ –التوقّل– في مراس القول الهيثمي هو الّذي سيرسم طبيعة العلاقة الممكنة بين مستويات المعرفة. وبهذا المعنى، يظهر ابن الهيثم كما الكندي على شاكلة من يستنجد بالأسبق طلباً لما به يستعين على مشاق تدبّر سُبل تحصيل ثمرات الحكمة. وهذا يعني أيضاً أنّ الإنسانيّة لها في ذاتها أو ماهيّتها ما يجعلها تتغلّب على الصعوبات الّتي قد تعترضها، شريطة أن يتوفّر النّظر الفاحص الّذي يستطيع وجدان الحقّ والعمل به.

      ولكي نمتحن ما إذا كان هذا المصطلح لفظة جارية أو مصطلح تقني دقيق، علينا أن نشير إلى بعض من تحدّث عن هذا، وليس عرضاً أن يكون ابن الهيثم استعمل هذه العبارة بالمعنى الّذي نجده عند فيلسوف العرب[23]. وقد لا نتعجّب أيضاً إذا وجدنا لعبارة “توقّل” في لغة صاحب المناظر ما يعادلها في فلسفة ديكارت عبارة “التدرّج والارتقاء” (escalade)، وليس أدّل على ذلك من قول صاحب قواعد لتوجيه الفكر: “إلاّ أنّ كثيراً من النّاس لا يدركون ما تمليه هذه القاعدة أو أنّهم يجهلونها تمام الجهل، أو أنّهم يدّعون أن لا حاجة لهم بها، وغالباً ما يتناولون المسائل الأكثر صعوبة تناولاً قليل النّظام، فيبدو لي كأنّهم وجدوا في أسفل بناية وحاولوا بقفزة واحدة أن يصلوا إلى أعلاها. وذاك إمّا لأنّهم لم يأخذوا في اعتبارهم درجات السّلّم المعدّ للصّعود، وإمّا لأنّهم لم يتفطّنوا إليها”[24].

      في مثل هذه الخاصيّات الّتي تحيط بفعل وقل، قد يجوز أن نقول بأنّ فنون المعرفة لا تشكّل أنواعاً متمايزة فيما بينها، وإنّما هي درجات من جنس واحد، هو ذا الكلّ المعرفي الموسوم بالحكمة. وهذان المعنيان للفظ الحكمة يشكّلان درجات لشيء واحد، فالدّرجة الأولى تحدّد طبيعة التّفلسف بما هو فعل عقلي محض، في مقابل الحكمة في معناها العملي بما هي سبيل للعمل، وبذلك يتّضح نوع من التّواشج الجدلي بين تلك المستويات من المعرفة انطلاقاً من أنّها جميعاً معرفة بالحقّ والعمل بالعدل.

      ورغم أنّ هذه القاعدة تبدو وكأنّها لا تعلّمنا شيئا جديداً، فهي مع ذلك تحتوي على أهمّ سرّ في عقيدة ابن الهيثم المنهجيّة، فهي تعلّمنا فعلاً كيف نجعل من العلوم “جسداً متضامناً”[25] بعبارة لديكارت، وكيف يمكن أن نرتّب الأشياء وفق سلاسل متنوّعة، لا من جهة كونها تتعلّق بجنس من الأجناس الكائنات كما كان الأمر مع أرسطو ومن حذا حذوه حذو النّعل بالنّعل، بل من جهة أنّ المعرفة بعضها يمكن أن يترتّب عن معرفة البعض الآخر. وأنّ العلوم تركّب من بعضها البعض وتنشأ عن بعضها البعض وتصحّ وتتمّ ببعضها البعض. “ولعلّ هذا ما سهّل عليه تجاوز الاختلاف بين أصحاب التّعاليم (الصورة) وأصحاب فلسفة الطبيعة (مادّة المعرفة) في علم المناظر، ليرى الحقّ في الجمع بين النظريتين”[26]. بعبارة أخرى، أمسى مُمكناً بفضل هذه البنية النّظريّة، التّركيب بين الطّبيعيّ والتّعاليميّ (في الابصار، وفي المبصرات، وفي الضّوء ومختلف ظواهره العلويّة كالقوس والهالة والشميسات). ومن ثمّة، قد لا نجازف بالقول إذا قرّرنا أنّ الاعتبارات الّتي اعتبرها ابن الهيثم في شأن التّدبير العملي، إنّما تتحرّك انطلاقاً من هذا الفهم ذي الطّابع المُركّب[27] الّذي تتوالج فيه معارف مختلفة.

     وغير خفي ما في هذه الاعتبارات من إشارة إلى أنّه، سواء أتعلّق الأمر بما يُمكن أن يعلمه الإنسان ويتشوّفه من فضائل فكرية ليبلغ من المعرفة أسمى مباديها، أو بما يُمكن أن يرتاض به ليبلغ من الفضائل العمليّة أرقى معانيها، أي الوجه الّذي يكون فيه الإنسان مدبّراً لذاته أو للحقّ. إنّما يحتاج إلى أن يُرشد “إلى طريق التدرّب والتعمّل للعادات المحمودة حتّى يصير إليها على التّدريج”[28]، وذلك بالقدر الّذي يحتاج فيه أهل النّظر في المباحث العلميّة إلى التّرقّي “في البحث والمقاييس على التّدريج والتّرتيب”[29] للوصول إلى “الغاية الّتي عندها يقع اليقين (…) ويزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشّبهات”[30]. وبهذا الضّرب من التّمييز نقف على بعض أوجه التّماثل بين الجانب النّظريّ وضروب تحصيل الفضائل الفكريّة، والجانب العمليّ وضروب حيازة الفضائل الخلقيّة.

      بيد أنّنا لا ينبغي أن نأخذ الأمور، ههنا، على سبيل التّمثيل فقط، وإن كانت المماثلة لها دلالة في مثل هذه الأمور لأنّها تعطينا إشارات عن الطرائق الهادية في القول الهيثمي، بل إنّ الأمر هنا يتعدّى مجرّد إقامة التّناظر نحو تحديد حقيقة ما يقوّم ماهية الفعل الجدير بالاحترام، فضلاً عمّا يكفي الإنسان حاجته لنيل ما تسمو إليه نفسه لكي تحوز الكمال اللاّئق بها.

      وإذا استقام ما ذهبنا إليه، أمكننا أن نقول إنّ “منهج التّدرّج”[31] هو ما سيرسم خطّ الفصل بين النّقص والتّمام وبين الجهل والعلم، باعتبار أنّ “الإنسان الجاهل يؤثر أن يعلم، والعالم يُؤثر أن يزداد علما، لذلك لزم أن يكون الإنسان مهيئاً لطلب المأثور”[32].

     وفي أفق هذا الضّرب من الاعتبار، بإمكاننا القول، إنّ الفكر إنّما يتقوّم في سياق القول الهيثمي كقدرة على تسديد جهود البشر نحو الفعل العادل والفهم الفاضل[33]، أي وجدان الإمكان الأخّص بهم، بما هو كمالٌ لنفوسهم، أي كقدرة على استنباط الممكن الّذي بحوزتهم، وليست تلك القدرة سوى إنسانيتهم نفسها الّتي هي شرف الإنسان، أي في ما يعيّن إنسانيّته بالفعل لأنّ “الإنسان الحكيم هو الإنسان بالفعل”[34]. وهذا يعني بعبارات أخرى أنّ “طريق التّدرّج”[35]، من حيث هو تصوّر لما يُمكن أن يكونه الإنسان، لا يتعيّن فقط بوصفه مجرّد مشكلاً أخلاقيّاً أو مشكلاً معرفيّاً، بل هو يتعيّن في صميمه باعتباره مشكلاً إنسانيّاً، لأنّه يمتحن أحد حقوق الإنسان الأساسيّة، لا سّيما وأنّه يُشير عنده إلى طبع الرئاسة في الإنسان بما هو تشريع ذاتي لنفسه، ومن حيث هو يُشير أيضاً إلى حقّ التّرقّي في الماهية الإنسانيّة من جهة كونه يحمل مشروعاً ذاتيّاً من جنس ما تدعوه إليه الإنسانيّة، لأنّه إذا فعل ذلك صار “بالإنسانيّة متحقّقاً، وللرياسة الذّاتيّة مستحقّاً”[36].

     هي ذي بإيجاز بعض دلالات التّدرّج في مراس القول الهيثمي، فسواءً انطلقنا من الممارسة النّظريّة أو انطلقنا من الممارسة العمليّة، فإنّنا نصل في كلتا الحالتين إلى إثبات العقل صورة نوعيّة للإنسان، أي ذلك الإنسان الّذي تعلّم كيف يعتني بنفسه ويعتصم بفنون التّفكير والتّدبير حتّى يتسنّى له الفوز بصورته الطّبيعيّة الكامنة فيه. ولذا، فإنّ الحكمة إنّما تتقوّم، هنا، بوصفها صناعة يستفيد منها الإنسان في تحصيل ما به تشرف نفسه وتستكمل إنسانيّته، لأنّ “كلّ علم وكلّ تعلّم فله غاية هي ذروته الّتي يُرتقى إليها، وهي الّتي تسمو نفوس الراغبين فيه والمجتهدين في طلبه إلى الوصول إليها والاقتدار عليها”[37]. وبهذا التّقدير، أفلا يمكن القول بأنّ الإنسان مندرج في الوجود يتعلّم من خلاله باستمرار، فإذا هو يرتقي بلا هوادة نحو ما يحرّره من طبيعته الساذجة؟ ولكن، إزاء الحكمة وسبل تحصيل ثمراتها، ما تكون مهمّة الفيلسوف؟

     رابعاً: مهمّة الفيلسوف الإتيقيّة (ابن الهيثم وهندسة الأخلاق)

      إنّه من أجل أنّ مهمّة الإنسان هي انخراط في تجربة بحث عن الأفضل والفاضل، وعن الكمال الممكن للموجود، فإنّ هذا الانخراط قد يجد نفسه مسؤولاً عن إدانة من يدّعي امتلاك الحقيقة الوحيدة والصحيحة للجميع، في الآن الّذي يجد نفسه مسؤولاً على أن يدخل الحكمة في صميم الوجود الإنساني، لتنظيمه وفق القواعد الّتي يقرّرها النّظر الإنساني على أرضيّة الحكمة لا على أرضيّة الظنّ. وبذلك تتأكّد مهمّة الفيلسوف باستدعاء النّاس إلى المشاركة في تدبّر الحكمة وتدبيرها. وهذه الدّعوة ليست شيئاً آخر سوى دعوة للإنسان للتّدرّب على توسيع حدود الممكن لديه.

       ومن وجهة نظر الحكمة هذه، ومن أجلها، جاءت دعوة ابن الهيثم الإنسان ليسلك طريق البرهان ضدّ طريق الإقناع. وهو أنموذج يندرج في صلب الفصل -عند ابن الهيثم- بين المعارف الدّالة على التّحقيق الّتي معيارها النّظر البرهاني، والمعارف الدّالة على الاستعارة (الظنّ) والّتي معيارها الطرق الإقناعيّة.

 وانطلاقاً من هذه الإحداثيّة النّظريّة الموجّهة، أن تكون الرّياضيّات مدخلاً للحكمة معناه أن تجعلها مُمكنة، ولذلك أمكننا أن نقول، إنّها تشكّل شرط إمكانها النّظريّ بها يكون قوامها وتتحقّق ماهيتها. وبحكم طرح هذا النّوع من المسائل على هذا النّحو، فإنّ الحكمة تكون –في أزكى معانيها- ليست إلاّ تدربّاً على النّظر البرهاني. وعلى هذا النّحو، يكون العلم لا شرطاً من شروط نشأة الفلسفة فحسب وإنّما أيضاً شرطاً من شروط إمكانها وتنوّعها[38] بحسب الجابري.

      والحقيقة، إنّ هذا التّداخل العضوي بين المعرفتين الرّياضيّة والفلسفيّة ليس وقفاً على القدامى وحدهم بل هو ظاهرة امتدت حتّى عند من اعتبروا مفجّري الحداثة وصانعي الأنوار من أمثال ديكارت وكانط، لذلك لعلّه من الأفضل الالتفات من هذا المنظور إلى صاحب نقد العقل المحض الّذي لم يفتأ يلحّ، على غرار أفلاطون والكندي وابن الهيثم وصاحب حديث الطريقة[39] على ضرورة تعهّد المواهب ورياضتها بالأصول الرّياضيّة، لأنّه لا يُمكن للمرء بحال أن يصبح فيلسوفاً، محبّاً للحكمة، من غير معرفة علميّة دقيقة وصارمة وبديهيّة[40]. وللاقتناع بذلك يكفي أن نورد التّمييز الأفلاطوني الشّهير بين الفيلسوف (Le philosophe)  ومحبّ الظنّ أو الدعيّ (Le philodoxe)[41].

وبالعودة إلى التّصوّر الكانطي، فإنّ كانط يسمّي داء الجهل بالعلوم ميزولوجي (misologie) أي “كراهيّة العلم”[42]، فمن كره العلم وتعلّقت مع ذلك همّته بالحكمة كان ميزولوجيّاً، وتلك ظاهرة مرَضيّة تشير إلى كراهيّة “المنهج العلمي”[43] (La méthode scientifique)   وبالتّالي كراهيّة استعمال العقل استعمالاً علميّاً –في مقابل “الاستعمال العاميّ له”[44]-. ولذا، فإنّ الذين يرفضون طريق النّظر البرهاني أو قُل المنشغلين بشؤون المعرفة على “ضيق فطنهم عن أساليب الحقّ”[45]. ماذا يفعلون؟ إنّهم ممّن “يحوّل اليقين إلى ظنّ وحبّ الحكمة إلى حبّ الظنّ”[46] بعبارة لكانط.

      وباختصار، إنّ ما نحتاجه هو تعميق البحث في حدود الممكن الإنساني، وذلك باستدراج ما يضمن منطق الفكر وصرامته، بحيث يمكن أن نؤسّس عليه شروط إمكاننا، وشروط النّظر في خواص موجودات العالم من حولنا. فكأنّما جديّة “البداية الفلسفيّة” كما يقول هوسرل (Husserl) تلزم صاحبها بأن يتعلّم كيف يبدأ قبل أن يبدأ فعلاً.

      ولكن إذا سلّمنا بأنّ القول الهيثمي في مستوى علاقته التّكوينيّة بالأصول الرياضيّة هو كعلاقة الشّارط بالمشروط بحيث لا تدرك الحكمة كممارسة نظرية متميّزة إلاّ مستندة إلى أرضيّة برهانيّة، أمكننا أن نخلص إلى استنتاجين:

     أمّا الاستنتاج الأوّل فيخصّ ماهية الحكمة: فإذا كانت الحكمة لا واقعة معطاة، وإنّما ممارسة لا تتأتّى لمن يطلبها إلاّ بفضل ممارسة برهانيّة سابقة عليها، فإنّه يصبح بإمكاننا القول أنّه ليس المهمّ، بالنّسبة إلى ابن الهيثم، أن ندرك الحكمة، وإنّما المهمّ أن يكون دربنا إلى دركها موافقاً للمنهج القويم ممّا يتيحه من إمكانات خصبة للتّفطن إلى الأخطاء وإصلاحها وتجاوزها، وبخاصّة عندما تتزاحم المزاعم وتكثر الظّنون بين آراء أهل النّظر ويدّعي كلّ واحد ما لا حقّ له فيه.

      وأمّا الإستنتاج الثاني، فهو ضرورة وجود عقيدة علميّة ونظرة فلسفيّة تُنير درب العالِم من أجل توقّل مدارج النّشوء والارتقاء. وعلى هذا الأساس، بإمكاننا القول، إنّ الحقّ في ميزان القول الهيثمي حقّ كوني قوامه النّظر البرهاني. ولذا وجب اعتبار البرهان بما هو فنّ منتج لمعارف يقينيّة، هو الضّامن أيضاً للفهم والتّفاهم، وهو أحد أشكال اللّقاء بمن سوانا.

    وبالمحصلّة، قد يسعنا القول، إنّ نزعة ابن الهيثم الأخلاقيّة من حيث مادتها وأفقها العلمي تكشف بوضوح عن ميول جالينوسيّة، حيث كان جالينوس سنداً لابن الهيثم لا في أمور التّشريح فحسب، بل وأيضاً في أمور تدبير الشّأن العملي، وخاصّة حينما يتعلّق الأمر بتدبير الإنسان نفسه، وبالتّصريف الحاذق للأهواء والانفعالات وسياسة اللّذات. فمتون ابن الهيثم وإن لم تذكر جالينوس فإنّها تقع –بحسب الجابري- في أفق “هندسة الأخلاق”[47] كما رسم ملامحه الطبيب الاسكندراني الّذي جعل من الأخلاق مثار نقاش بالطّرق البّرهانيّة والعلميّة[48]. ولعلّ في حرص ابن الهيثم على استعادة هاته المرجعيّة وكتابة الأخلاق على الطّريقة الهندسيّة، هو التأكيد أنّ الأخلاق لن تكون مُثمرة إلاّ إذا يمّمت وجهتها شطر العلم والتعاليم.

    بيد أنّنا لابدّ أن نشير، ههنا، إلى أنّ هذا الطّرح يثير كثيراً من التّساؤلات لعلّ من أهمّها ما يتعلّق بخلفيّة ابن الهيثم الّتي لم تقتصر على الطبّ أو الهندسة كما ذهب إلى ذلك الجابري بل كانت مسرحاً التقت فيه عدّة موروثات ثقافيّة بما في ذلك التّمثيليّة الدينيّة الّتي تجلّت في العلاقة بين السياسة والنبوّة[49]. ولكن إذا أخذنا مقالة الأخلاق على أنّها تمثّل لحظة من لحظات تطوّر الفكر الهيثمي فإنّنا لن نستطيع أن ننفذ إلى صميم القول الهيثمي ما لم نميّز في سيرة عالِم البّصريّات بين ابن الهيثم المُتبِّعْ الّذي أفرغ وسعه للتّحصيل ومذاكرة الحكماء وبين ابن الهيثم المُبدِعْ الذي أفرغ وسعه لطلب معدن الحق كما جاء على لسانه. أو قل ما لم نُميّز بين أقواله الّتي تجري مجرى “الإيضاح والإفصاح”[50] وأقواله الدّالة على التّحقيق والنّظر والاعتبار.

خاتمة (ابن الهيثم وهندسة الأخلاق)

ملاك الأمر في هذا كلّه، يمكن اعتبار شرح الجابري لمقالة الأخلاق بمثابة الشّرح الّذي أنقذ المتن من غفلة القراءات المتشنّجة والانتقائيّة، بيد أنّ هذا الشّرح، ولئن أراد به صاحبه التّنويه إلى المشاكل الّتي يطرحها سند المقالة ومتنها، فإنّه مع ذلك يحمل في خضمّه مشروع صاحب نقد العقل العربي الطّامح إلى تحرير العقل العربي من تشنّجات اللامعقول العرفاني، والتّائق في الآن ذاته إلى تأصيل رؤية أخلاقيّة أساسها العقل العملي، “عقل الروية والخبرة والاعتبار”[51] لا أخلاق الطاعة والفناء “الّتي روّجت لها كتب الأدب والآداب السلطانيّة”[52]، وذلك عبر نقد التّصوّرات المعادية للمنهج العلمي الّتي لم تسهم إلاّ في ترسيخ الجمود الفلسفي والعمى الفكري في الفكر العربي عبر تاريخه. وعلى هذا النّحو، فإنّ ما يجدر بالفيلسوف إذن أن يقترحه هو تمرين النّاس على إتيقا إنسيّة حقّاً، حقّ الإنسانيّة في الحياة والوجود، وذلك بحفظ الصّلة بالبرهان لا في علاقة بقضايا الفكر فحسب، بل وأيضاً حينما يتعلّق الأمر بتدبير الشّأن العملي، بما يعنيه ذلك من مدّ التّفكير نحو الانتماء الجذري إلى النّوع الإنساني[53].


لائحة في المصادر والمراجع:

  • ابن أبي أصيبعة (أحمد بن قاسم)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق نزار رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1965.
  • ابن ساسي (محمد)، ابن الهيثم العالم الفيلسوف، مشورات نيرفانا، تونس، 2016.
  • ابن عدّي (يحيى)، تهذيب الأخلاق، تقديم سليم دولة، دار المعرفة للنشر، ط1، تونس، 2004.
  • ابن منظور (أبو الفضل جمال الدين)، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، ط3، بيروت، 1999.
  • ابن النّديم (أبو الفرج محمد)، كتاب الفهرست، قابله على أصوله وعلّق عليه وقدّم له أيمن فؤاد سيّد، مؤسّسة الفرقان للتّراث الإسلامي، لندن، 2009.
  • ابن الهيثم (الحسن)، مقالة في الأخلاق، ضمن، دراسات ونصوص في فلسفة العلوم عند العرب، جمع وتقديم عبد الرحمان بدوي، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1981.
  • ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ، كتاب المناظر، المقالات الثلاثة الأولى في الإبصار على الاستقامة، تحقيق وتقديم عبد الحميد صبرة، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1983.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــ، كتاب في حلّ شكوك كتاب أقليدس في الأصول وشرح معانيه، منشورات معهد تاريخ العلوم العربيّة والإسلاميّة بفرانكفورت، 1985.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــ، مقالة ثمرة الحكمة، تحقيق عبد الهادي أبو ريدة، ضمن كتاب مُهدَى إلى زكي نجيب محمود مُفكّراً وأديبا وفيلسوفاً، الكويت، 1987. وأعيد نشرها بتحقيق جديد لعمّار الطالبي، ضمن مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلّد الثالث والسبعون، الجزء الثاني، نيسان (أفريل) 1998.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، مقالة في التّحليل والتّركيب، تحقيق رشدي راشد، الرياضيات التحليلية بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، ج4، ترجمة محمد يوسف الحجيري، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2011.
  • البيهقي (ظهير الدين)، تتمّة صوان الحكمة، تحقيق وضبط وتعليق رفيق العجم، دار الفكر اللبناني، ط1، بيروت، 1994.
  • الجاحظ (أبو عثمان)، كتاب الحيوان، ج1، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، مصر، 1965.
  • الجابري (محمد عابد)، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليليّة نقديّة لنظم القيم في الثقافة العربيّة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط1، بيروت، 2001.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــ، تكوين العقل العربي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، ط 10، بيروت، 2009.
  • ديكارت (رينيه)، حديث الطّريقة، ترجمة وتقديم عمر الشّارني، دار المعرفة للنّشر، تونس، 1987.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــ، قواعد لتوجيه الفكر، ترجمة وتقديم سفيان سعد الله، دار سراس للنّشر، تونس، 2001.
  • القفطي (جمال الدين)، أخبار العلماء بأخبار الحكماء، دار الآثار للطباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، د ت.
  • الكندي (أبو يوسف يعقوب بن إسحاق)، رسالة في كميّة كتب أرسطو طاليس، ضمن رسائل الكندي الفلسفيّة، تحقيق وإخراج محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1950.
  • ـــــــــــــــــــــــــــــــــ، كتاب الكندي إلى المعتصم بالله الفلسفة الأولى، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1948.

  • Kant (Emmanuel), Critique de la raison pure, trad ; de Temesaygues et Pacaut, P.U.F, Paris, 1962.
  • ـــــــــــــ, Logique, trad L. Guillermit, J. Vrin, Paris, 1970.

  • Simon (Gérard), Archéologie de la vision, L’optique, le corps, la peinture, Seuil, Paris, 2003.

[1] الحسن بن الهيثم، مقالة في الأخلاق، ضمن، دراسات ونصوص في فلسفة العلوم عند العرب، جمع وتقديم عبد الرحمان بدوي، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1981. وهي نفس المقالة المنسوبة لابن عدي وابن عربي والجاحظ والغزالي ومسكويه بتحقيقات مختلفة ومحقّقين مختلفين.

[2] محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليليّة نقديّة لنظم القيم في الثقافة العربيّة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط1، بيروت، 2001، ص 324.

[3] المرجع نفسه، ص ص 315-344.

[4] البيهقي، تتمّة صوان الحكمة، تحقيق وضبط وتعليق رفيق العجم، دار الفكر اللبناني، ط1، بيروت، 1994، ص 83. كما جاء ذكر هذه المقالة في الفهرست الّذي أورده ابن أبي أصيبعة لترجمة سيرة ابن الهيثم بعنوان “مقالة في الأخلاق”. ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق نزار رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1965، ص 560. وأمّا القفطي فقد أورد لابن الهيثم مؤلّفاً في الأخلاق دون أن يصنّفه في أيّ جنس من التّصانيف أو يُبيّن ماهية هذا المؤلَّف. راجع: القفطي، أخبار العلماء بأخبار الحكماء، دار الآثار للطباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، د ت، ص 116.

[5] الحسن بن الهيثم، مقالة ثمرة الحكمة، تحقيق عبد الهادي أبو ريدة، ضمن كتاب مُهدَى إلى زكي نجيب محمود مُفكّراً وأديبا وفيلسوفاً، الكويت، 1987. وأعيد نشرها بتحقيق جديد لعمّار الطالبي، ضمن مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلّد الثالث والسبعون، الجزء الثاني، نيسان (أفريل) 1998. وهي النشرة الّتي سنعتمدها، ههنا.

[6] راجع هذه المعطيات في: الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مرجع مذكور، ص ص 317-318.

[7] أنظر: المرجع نفسه، ص ص 316-318.

[8] المرجع نفسه، ص 316. وكمثال على هذا التّلاعب، نجد في خاتمة مقالة تهذيب الأخلاق “وهذا حين نختم القول في تهذيب الأخلاق. والمجد لواهب العقل دائماً أبداً أمين”. يحيى بن عدّي، تهذيب الأخلاق، تقديم سليم دولة، دار المعرفة للنشر، ط1، تونس، 2004، ص 130. في حين نقرأ في المقالة المنسوبة إلى ابن الهيثم: وهذا حين نختم القول في الأخلاق. والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله”. ابن الهيثم، مقالة في الأخلاق، مصدر مذكور، ص 145.

[9] ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، مصدر مذكور، ص 550.

[10] الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مرجع مذكور، ص 327.

[11] المرجع نفسه، ص 324. التّشديد من عند الكاتب.

[12] ذكره ابن أبى أصيبعة في عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، مصدر مذكور، ص 552.

[13] ابن الهيثم، مقالة ثمرة الحكمة، مصدر مذكور، ص 291.

[14] المصدر نفسه، ص 291.

[15] ابن النّديم، كتاب الفهرست، قابله على أصوله وعلّق عليه وقدّم له أيمن فؤاد سيّد، مؤسّسة الفرقان للتّراث الإسلامي، لندن، 2009، المجلّد الثاني، ص 184.

[16] الكندي، رسالة في كميّة كتب أرسطو طاليس، ضمن رسائل الكندي الفلسفيّة، تحقيق وإخراج محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1950، ص ص 369-370.

[17] ابن الهيثم، كتاب في حلّ شكوك كتاب أقليدس في الأصول وشرح معانيه، منشورات معهد تاريخ العلوم العربيّة والإسلاميّة بفرانكفورت، 1985، المجلّد 11، ص 37.

[18] يقول ابن الهيثم متحدّثاً عن طلب علوم الفلسفة الثلاثة، الرّياضيّات والطّبيعيّات والإلهيّات: “فتعلّقت من هذه الأمور الثلاثة بالأصول والمبادئ الّتي ملكت بها فروعها وتوقّلت بإحكامها من حيث انخفاضها وعلّوها”. ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، مصدر مذكور، ص 553.

[19] الجاحظ، كتاب الحيوان، ج1، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، مصر، 1965، ص 85.

[20] ابن الهيثم، مقالة ثمرة الحكمة، مصدر مذكور، ص 290.

[21] ابن الهيثم، مقالة في الأخلاق، مصدر مذكور، ص 142.

[22] من معاني التّوقّل في لغة العرب، التّدرّج، وكلمة: “وقل يقل وقلاً، بمعنى رفع رجلاً وأثبت أخرى في الأرض، ووقل في الجبل: صعد فيه والوقْل من الخيل هو الصاعد، والوقل الحجارة، والكرب الّذي لم يستقص فبقيت أصوله بارزة في الجذع فأمكن المترقّي أن يرتقي فيها”. ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، ط3، بيروت، 1999، ج15، ص 376.

[23] الكندي، رسالة في الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد، ضمن رسائل الكندي الفلسفيّة، مصدر مذكور، ص ص 215-216.

[24] ديكارت، قواعد لتوجيه الفكر، ترجمة وتقديم سفيان سعد الله، دار سراس للنّشر، تونس، 2001، ص ص 47-48.

[25] ديكارت، حديث الطّريقة، ترجمة وتقديم عمر الشّارني، دار المعرفة للنّشر، تونس، 1987، الهامش، ص 52.

[26] محمد بن ساسي، ابن الهيثم العالم الفيلسوف، مشورات نيرفانا، تونس، 2016، ص 24.

[27] Simon G., Archéologie de la vision, L’optique, le corps, la peinture, Seuil, Paris, 2003, pp 121-168.

[28] ابن الهيثم، مقالة في الأخلاق، مصدر مذكور، ص 110.

[29] ابن الهيثم، كتاب المناظر، المقالات الثلاثة الأولى في الإبصار على الاستقامة، تحقيق وتقديم عبد الحميد صبرة، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1983، ص 62.

[30] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[31] ابن الهيثم، مقالة الأخلاق، مصدر مذكور، ص 136.

[32] ابن الهيثم، مقالة ثمرة الحكمة، مصدر مذكور، ص 288.

[33] يقول ابن الهيثم: “والحكيم يستفيد بالحكمة معنيين: أحدهما في ذاته، وهو الفضل، والآخر فيما يعانيه وهو العدل”. المصدر نفسه، ص 289. ويقول في موضع آخر: “فإنّ ثمرة هذه العلوم هو علم الحقّ والعمل بالعدل”. ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، مصدر مذكور، ص 558.

[34] ابن الهيثم، مقالة ثمرة الحكمة، مصدر مذكور، ص 288.

[35] ابن الهيثم، مقالة في الأخلاق، مصدر مذكور، ص 130.

[36] المصدر نفسه، ص 115.

[37] ابن الهيثم، مقالة في التّحليل والتّركيب، تحقيق رشدي راشد، الرياضيات التحليلية بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، ج4، ترجمة محمد يوسف الحجيري، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2011، ص 303.

[38] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، ط 10، بيروت، 2009، ص 337.

[39] أنظر: ديكارت، حديث الطّريقة، مصدر مذكور، ص 72.

[40] Emmanuel Kant, Logique, trad L. Guillermit, J. Vrin, Paris, 1970, p 26.

[41] أفلاطون، الجمهورية، دراسة وترجمة فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنّشر، الإسكندرية، 2004، ص 374.

[42] Kant, Logique, op. cit., p 27.

[43] Kant E., Critique de la raison pure, trad ; de Temesaygues et Pacaut, P.U.F, Paris, 1962, p 570.

[44] Kant, Logique, op. cit., p 28.

[45] الكندي، كتاب الكندي إلى المعتصم بالله الفلسفة الأولى، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1948، ص 103.

[46] Kant, Critique de la raison pure, op. cit., p 27.

[47] الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مرجع مذكور، ص 322.

[48] المصدر نفسه، ص 343.

[49] أنظر: ابن الهيثم، مقالة ثمرة الحكمة، مرجع مذكور، ص 289.

[50] ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، مصدر مذكور، ص 553.

[51] الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مرجع مذكور، ص 629.

[52] المرجع نفسه، ص 627.

[53] أنظر: المرجع نفسه، ص ص 623-629.