أكثر من 100 مليون امرأة مفقودة – أمارتيا سن / ترجمة: فاطمة الشملان

أكثر من 100 مليون امرأة مفقودة – أمارتيا سن / ترجمة: فاطمة الشملان


ملحق:

كُتبت مقالتي هذه في مجلة نيويورك ريفيو (New York Review) “نساء مفقودات” في بدايات التسعينيات واستخدمت المواد الجوهرية التي انبثقت في الثمانينيات بالأساس. في ذلك الوقت، كانت ظاهرة النساء المفقودات نتيجة التفرقة ضدهن أساسا – سواء النساء اليافعات أو الناضجات – نظرا إلى الظروف الصحية التي يتلقينها. ومنذ ذاك الحين، انبثق مصدر آخر للتفرقة وهو استخدام الإجهاض المنتقي لجنس الجنين والذي يستهدف على وجه الخصوص إجهاض الإناث. حتما حتى مع انخفاض الفارق في وفيات الإناث، ممارسا تأثيرا على خفض  معدل النساء المفقودات ، إلا أن بزوغ تزايد استخدام تحديد الجنس للأجنة، ويتبعه الإجهاض الانتقائي، امتلك تأثيرا تصاعديا على محصلة النساء المفقودات (لما يمكن أن يُسمى “التفريق بين المواليد”). وكنتيجة، المحصلة النهائية للنساء المفقودات لم ينخفض – أو انخفض بنزر قليل جدا في بلدان عدة بما فيها الصين والهند.

تُناقش مقالتي المنشورة في المجلة الطبية البريطانية (British Medical Journal) سنة 2003، بعنوان ” معاودة النساء المفقودات”، النمط المتغير للتفريق ضد النساء. ثمة في الهند أيضا انقسام حاد بين الولايات الشمالية والغربية من جهة، واللتين أحدثتا انحيازا معتبرا مناهضا للنساء بحلول تعداد 2001، وبين الولايات الشرقية والجنوبية اللتين لم تشيرا إلى الاستخدام المفرط للإجهاض المنتقي للأجنة الأنثوية. نوقشت هذه المسألة بتفصيل أكثر في كتابي المشترك مع جين دريزي “الهند: التطور والمشاركة” (جامعة أكسفورد للنشر، 2002). وفي حين يُظهر تعداد 2011 انخفاضا مجملا في الفرق بين نسبة الإناث إلى الذكور في الولادة، (أُخذت من بيانات تعداد الأطفال بين عمر 0 و6، مع تصويبات على معدلات الوفاة المختلفة للأولاد والبنات خلال أعمار 0 و6)، إلا أنه يؤكد عموما نفس الانقسام المناطقي، بأن الولايات الشمالية والغربية من الهند تُظهران دليلا بائنا ومتزايدا في الواقع على الإجهاض المنتقي للأجنة الإناث، في حين أن جُلّ الولايات الجنوبية والشرقية تقريبا سجلت نسبة إناث إلى ذكور ضمن المعدل الأوروبي. يمكنكم الاطلاع على كتابي اللاحق مع جين دريزي، مجد غير مؤكد: الهند وتناقضاتها (دار بينغوين للكتب، 2013؛ الطبعة الثانية، 2020).

أمارتيا سن


مقدمة:

غالبا ما يُقال إن النساء يمثلن غالب سكان العالم، بيد أنهن لسن كذلك. ذلك معتقد مغلوط مبني على صيغة تعميمية للوضع الراهن في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث معدل النساء إلى الرجال حوالي 1.05 أو 1.06 أو أعلى. في حين أن معدل النساء إلى الرجال يمكن أن يصل إلى 0.94 أو حتى أقل في كل من آسيا الجنوبية والغربية والصين، كما أنه يتفاوت بشكل كبير في مناطق أخرى من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. كيف يمكن لنا أن نفهم ونفسر تلك التباينات وأن نتصرف معها؟

1.

عند الولادة، يفوق عدد الأولاد البنات في كل بقعة من العالم بنفس المعدلات تقريبا – ثمة حوالي 105 أو 106 ذكر لكل 100 أنثى. يظل لماذا يؤدي علم أحياء التكاثر إلى هذه النتيجة محل نقاش. غير أنه يبدو أن علم الأحياء بعد الإخصاب يفضل النساء بالمجمل. أظهر عدد معتبر من الأبحاث بأنه إذا تلقى الرجال والنساء اهتماما غذائيا وطبيا وصحة عامة متساوية فإن النساء يجنحن إلى العيش أطول من الرجال. يبدو أن النساء بالمجمل أكثر مقاومة للأمراض وأكثر تحملا من الرجال على العموم، وهو امتياز يتمتعن به ليس حين يصبحن في عامهن الأربعين وإنما في بداية الحياة أيضا، خصوصا في الأشهر الأولى عقب الولادة بل حتى وهن في الرحم. فعندما يمنحن نفس الرعاية الممنوحة للذكور، ينحين الإناث للحصول على متوسط عمر أفضل من الذكور.1

 

يفوق عدد النساء الرجال بشكل ظاهر في أوروبا وأمريكا واليابان حيث وبالرغم من استمرار الأنماط المتعددة للتحامل ضد النساء (يملك الرجال امتيازات فارقة في التعليم العالي والتخصصات الوظيفية والترقية إلى مناصب تنفيذية عليا على سبيل المثال) إلا أنهن لا يعانين كثيرا من التفرقة في الرعاية الغذائية والصحية الأساسية. يعود عدد النساء الأكثر في تلك الدول جزئيا إلى الفروقات الاجتماعية والبيئية التي تزيد من عدد الوفيات ضمن الرجال، كالاحتمال الأكبر أن يتوفى الرجال جراء العنف مثلا ومن الأمراض المتعلقة بالتدخين. ولكن حتى بعد أخذ تلك بعين الاعتبار، يبدو أن الأعمار الأطول التي يتمتعن بها النساء إذا ما منحن نفس الرعاية مرتبط بالامتيازات العضوية التي يمتلكنها عن الرجال في مقاومة المرض. مسألة أن المعدل الأعلى لمواليد الذكور على الإناث مرتبط تطوريا بمعدل البقاء الأعلى المحتمل للنساء هي مسألة موضع اهتمام بحد ذاتها. يبدو أن النساء يملكن معدلات منخفضة للوفاة مقارنة بالرجال في غالب الأعمار متى ما حصلن على معاملة متكافئة في قضايا الحياة والموت.

إن مصير النساء مختلف كثيرا في غالب آسيا وشمال أفريقيا. ففي تلك الأماكن، ينجو عدد أقل من النساء جراء الإخفاق في منحهن رعاية طبية مماثلة وتغذية ورعاية اجتماعية متكافئة لما يحصل عليه الرجال مما لو كان في حالة منحهن رعاية متساوية. ففي الهند مثلا، عدد وفيات النساء أعلى عن الرجال وثابت تقريبا في كل المجموعات العمرية حتى أواخر الثلاثينات (عدا في الفترة التي تعقب الولادة مباشرة). يتعلق هذا بمعدلات الأمراض الأعلى التي يعانين منها النساء والإهمال النسبي الذي تتعرض له الإناث في النهاية، خاصة في الرعاية الصحية والاهتمام الطبي.2 يمكن أن يُرى إهمالا مشابها للنساء مقابل الرجال في أجزاء أخرى من العالم، وستكون النتيجة نسبة أقل من النساء عما ستكون عليه الحالة لو أنهن حصلن على رعاية متساوية – في غالب آسيا وشمال أفريقيا ولحد أقل في أمريكا اللاتينية.

هذا النمط ليس موحدا في كل أرجاء العالم الثالث. ففي جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى مثلا، ثمة فائض في النساء  على رغم من دمارها بالفقر المدقع والجوع والمجاعة، معدل النساء إلى الرجال 1.02. “العالم الثالث” ليس بتصنيف مفيد في هذه المسألة، لأنه عالم متنوع جدا. فحتى ضمن آسيا، والتي تملك النصيب الأقل للنساء في العالم، تملك آسيا الجنوبية والشرقية (عدا الصين) معدل للنساء مقابل الرجال أعلى بقدر بسيط من واحد (حوالي 1.01). بل وحتما تقع الاختلافات الحادة أيضا ضمن مناطق معينة – أحيانا حتى ضمن بلد معينة. معدل النساء للرجال في الولايات الهند كالبنجاب وهاريانا مثلا والتي تعد من أغنى ولاياتها منخفض بشكل ملحوظ (0.86)، فيما تملك كيرلا في جنوب غرب الهند معدلا أعلى (1.03) والذي يقارب ذلك لأوروبا وشمال أمريكا واليابان.

لكي تتكون لدينا فكرة عن أعداد الناس المشمولين في المعدلات المختلفة للنساء عن الرجال، يمكننا تقدير عدد “النساء المفقودات” في بلد ما، فلنقل الصين أو الهند، عبر إحصاء عدد النساء الإضافيات في الصين أو الهند فيما لو امتلكت تلك الدول نفس معدل النساء إلى الرجال الحاصل في مناطق من العالم حيث يحصلون على رعاية مماثلة. إذا توقعنا تعدادا متساويا للجنسين، سيشير المعدل المنخفض للنساء مقابل الرجال (0.94) في آسيا الجنوبية والغربية والصين إلى نقص في النساء بمقدار 6 بالمائة؛ ولكن بما أن معدل النساء إلى الرجال في الدول التي يحظى بها الجنسين برعاية مماثلة هو 1.05، فإن القصور الحقيقي هو في حوالي 11 بالمائة. وهذا يصل في الصين وحدها إلى 50 مليون “نساء مفقودات”، وذلك بأخذ 1.05 كمعدل مرجعي. وحين يضاف هذا الرقم إلى الموجود في جنوب آسيا وغربها وشمال أفريقيا، تغدو أكثر من 100 مليون “امرأة مفقودة”. تروي لنا تلك الأرقام وبهدوء حكاية فظيعة عن اللامساواة والإهمال المفضي إلى وفيات فائضة للنساء.

2.

غالبا ما يُعرض تفسيران مبسطان لشرح مسألة اهمال النساء، بل وأكثر من ذلك يُفترضان بشكل مطلق. يركز المنظور الأول على التضاد الثقافي بين الشرق والغرب (أو بين المغرب والمشرق)، زعما بأن الحضارة الغربية أقل تحيزا جنسيا من الشرق. قد يمنح تجاوز عدد النساء ذلك للرجال في الدول الغربية الدعم لتعميم مشابه لكيبلينغ. (لم يؤرق كبيلينغ نفسه بالطبع باهتمامات تتعلق بالعنصرية الجنسية، بل جعل “الزوجان” يلتقيان في ظروف ذكورية رومانسية: ” غير أنه لا يوجد شرق أو غرب، حدود أو نسل أو ولادة، حين يقف رجلان قويان قبالة بعضهما وجها لوجه وإن أتيا من أطراف العالم!”). أما الحجة البسيطة الأخرى فتنظر عوضا عن ذلك إلى مراحل النمو الاقتصادي، ناظرة إلى عدم التكافؤ في الغذاء والرعاية الصحة المقدمة للنساء كدلالة على عدم النمو، وهي ميزة تمتاز بها الاقتصاديات الفقيرة التي تتحرى النمو الاقتصادي.

قد توجد جوانب من الحقيقة في كل من تلك التفسيرات، بيد أنها ليست بالمقنعة جدا كنظرية عامة. وإلى حد ما، يميل هذين التفسيرين البسيطين بمقتضى انقسامات “النمو الاقتصادي” و”الشرق – الغرب” إلى تقويض بعضهما أيضا. يبدو من الضروري وجود تحليل ثقافي واقتصادي جامع، وسأحاج، بأن يأخذ بالاعتبار ظروفا اجتماعيا كثيرة فضلا على الميزات المتعارف عليها في النظريات التراكمية البسيطة.

وبأخذ المنظور الثقافي أولا، من الجلي بأن تأويل الشرق- الغرب معيب لأن التجارب ضمن الشرق والغرب تندمج بحدة شديدة. فاليابان مثلا وعلى العكس من غالب آسيا، معدل نساء للرجال لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي في أوروبا أو شمال أمريكا. وقد يوعز هذا، على الأقل سطحيا، بأن الدخل الحقيقي والنمو الاقتصادي يشرح أكثر التحيز ضد منح النساء ظروفا للنجاة عما إذا كان المجتمع مغربيا أو مشرقيا. شهدت اليابان في الإحصاء السكاني لعام 1899 و1908 نقصا جليا وحادا في النساء، غير أن عدد الرجال والنساء كان متساويا تقريبا في عام 1940، وفي العقود التي أعقبت الحرب، حين غدت اليابان دولة غنية ومتطورة صناعيا، انتقلت وبشكل قاطع نحو عدد فائض من النساء عوضا عن قصور فيهن. ولا تخلو دول في شرق آسيا أو جنوبها من استثناءات لقاعدة القصور في عدد النساء؛ ففي تايلند أو إندونيسيا مثلا، يتجاوز عدد النساء ذلك للرجال بفارق كبير.

كما يفشل تفسير الشرق -الغرب في صيغته البدائية وغير المنحازة أيضا في أن يأخذ بالاعتبار خصائص أخرى لتلك المجتمعات. فمعدل النساء إلى الرجال في آسيا الجنوبية مثلا يعد من ضمن المعدلات الأدنى في العالم (حوالي 0.94 في الهند وبنغلادش و0.90 في باكستان – وهو المعدل الأدنى لأي دولة كبيرة)، بيد أن تلك المنطقة هي من ضمن الرائدات في انتخاب النساء في أعلى المناصب السياسية. وبالحق، كل من تلك الدول الأربع الكبرى في جنوب آسيا – الهند وباكستان وبنغلادش وسيريلانكا – كانت لها إما امرأة منتخبة كرئيسة للحكومة (سيرلانكا والهند وباكستان) أو امرأة تقود الأحزاب المعارضة الرئيسية (كما في بنغلادش).

والحقيقة بالطبع أنه لم يحقق تلك النجاحات في جنوب آسيا إلا نساء من الطبقة العليا، وبالتالي امتلاك امرأة كرئيسة حكومة في حد ذاته لم يفعل الكثير للنساء عموما في تلك الدول. غير أن النقطة هنا هي فقط لتفنيد نظرة التضاد بين الشرق والغرب على أنه مبني على عنصرية جنسية أقل أو أكثر. تشير النجاحات الانتخابية الكبرى للنساء في الوصول إلى مناصب عليا في الحكومة في آسيا الجنوبية إلى أن على هذا التحليل أن يكون مركبا أكثر.

وبالتأكيد وصلن تلك النساء القائدات إلى مناصبهن في السلطة بمساعدة العلاقات السلالية – أنديرا غاندي ابنة جواهرلال نهرو، وبنازير بوتو ابنة ذوالفقير بوتو وهلم جرا. ولكن سيكون من السخف تجاهل – بناء على هذا الأساس فقط – أهمية صعودهن للسلطة عبر المطلب الشعبي. ليست العلاقات السلالية بجديدة على السياسة وهي خصائص متغلغلة في التعاقب السياسي في عديد من الدول. كون أنديرا غاندي استقت قوتها السياسية جزئيا من منصب والدها ليس في حد ذاته أكثر أهمية من حقيقة أن مصداقية راجيف غاندي السياسية مستقاة في أغلبها من منزلة أمه السياسية، أو حقيقة (لعله معروف بشكل أقل) أن والد أنديرا غاندي – جواهرلال نهرو – صعد إلى تلك المنزلة كابن لموتلال نهرو، الذي كان رئيسا لحزب مجلس الشيوخ. بالتأكيد ساعدت الجوانب السلالية لجنوب آسيا النساء للوصول إلى السلطة عبر الدعم الانتخابي، غير أنه لايزال واقعا فيما يخص الفوز بالانتخابات، بأن جنوب آسيا سابقة للولايات المتحدة وغالب أوروبا بمسافة حين يأتي الحديث عن التفريق وفقا للجنس.

وفي هذا السياق، من المفيد أيضا المقارنة بين معدل النساء في الهيئات التشريعية الأمريكية والهندية. نسبة النساء في مجلس النواب الأمريكي 6.4 بالمائة، في حين نسبة النساء في مجلس البرلمان الأدنى الهندي الحاضر والأخير 5.3 و7.9 بالمائة. اثنتان فقط من بين مائة نائب نساء، ومعدل 2 بالمائة هذا يتعاكس مع نسبة 9 و10 بالمائة من النساء في المجلس الأعلى الماضي والحالي، راجيا سابها، في الهند. (وفي مجال مختلف غير أنه ليس بالبعيد تماما، كان لي خلال تدريسي في جامعة دلهي زميلات نساء متقلدات للمناصب عما لدي الآن في هارفارد.) لابد أن للمناخ الثقافي في مجتمعات مختلفة علاقة واضحة بالاختلافات بين الرجال والنساء – في كل من معدلات النجاة وأمور أخرى كذلك – غير أنه من الميؤوس منه أن يُرى التبيان ببساطة كتضارب بين الشرق العنصري جنسيا وبين الغرب اللامنحاز.

ما جدوى التفسير الثاني (التفسير الاقتصادي البحت) لعدم مساواة النساء؟ بالطبع كل الدول التي تعاني نقصا كبيرا في النساء هي فقيرة إلى حد ما، ولو قسنا الفقر بالدخل الحقيقي وأنه لا يوجد قصور كهذا في دولة معتبرة بناتج قومي عالي لكل فرد، فثمة أسباب لتوقع انخفاضا في وفيات الإناث المختلفة مع النمو الاقتصادي. فمثلا، يمكن توقع انخفاض معدل وفاة الأمهات أثناء الولادة مع تحسن مرافق المستشفى وانخفاض معدل الولادة الذي يرافق عادة النمو الاقتصادي.

بيد أن هذه الصيغة البسيطة لا تشرح التحليل الاقتصادي كثيرا، بما أن العديد من الدول الفقيرة لا تملك في الواقع قصورا في النساء. وكما لوحظ آنفا، فإن جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى وعلى الرغم من فقرها وتأخرها إلا أنها تملك فائضا معتبرا في النساء. كما أن جنوب شرق وشرق آسيا (خلا الصين) تختلف عن الكثير من الدول الفقيرة نسبيا في هذا الجانب، ولو بدرجة أقل. وحتى ضمن الهند، كما لوحظ آنفا، تمتلك البنجاب وهاريانا – وهن ضمن الولايات الهندية الأغنى والأكثر نماء اقتصاديا – معدلا منخفضا جدا للنساء مقابل الرجال (0.86)، مقابل ولايات أكثر فقرا ككيرلا حيث المعدل أعلى من 1.03.

غالبا ما يرافق النمو الاقتصادي انحدارا نسبيا في معدل نجاة النساء (حتى وإن تحسن متوسط العمر بمعطيات مطلقة للرجال والنساء على السواء). فمثلا، تقلصت الهوة بين متوسط عمر الرجال والنساء حديثا في الهند، ولكن عقب عقود عديدة من انحدار مكانة النساء نسبيا. ثمة انحدار ثابت في نسبة النساء إلى الرجال في السكان، من أكثر من 97 امرأة مقابل 100 رجل في مطلع القرن الماضي (في 1901)، إلى 93 امرأة في 1971، والمعدل الآن ليس إلا أعلى بقليل فقط. إن انحدار مكانة النساء هو نتيجة مشاركتهن غير المتساوية في الامتيازات الطبية والتقدم الاجتماعي. لا يقلل النمو الاقتصادي من حرمان النساء من المزايا فيما يخص متوسط العمر.

حصل انخفاض جزئي مهم للنساء في الصين عقب الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي طُرحت في 1979. تُظهر الدفاتر الإحصائية الصينية انخفاضا متئدا فيما هو معدل منخفض أساسا للنساء مقابل الرجال، أي من 94.32 في 1979 إلى 93.42 في 1985 و1986. (ارتفع منذ ذلك الحين إلى 93.98 في 1989 – غير أنه لا يزال منخفضا عما كان عليه في 1979). كان متوسط العمر للنساء أعلى بشكل ملحوظ مقارنة بالرجال حتى حلول الإصلاحات الاقتصادية، غير أنه يبدو بأنه تخلف منذ ذلك الحين. حتما كانت السنوات عقب الإصلاحات سنوات ذات نماء اقتصادي عظيم، وفي نواح عدة، تقدما اجتماعيا، بيد أن تطلعات نجاة النساء ساءت. تُظهر هذه وحالات أخرى أنه يمكن للنماء الاقتصادي السريع أن يمشي يدا بيد مع سوء معدل النجاة النسبي للنساء.

.3

وبالرغم من معقوليتهما السطحية، لا يمنحنا مزعم التضارب بين “الشرق” و”الغرب” ولا النظرية البسيطة لحرمان الإناث كصفة للاقتصاد “المتخلف” أي فهم كافٍ لجغرافية حرمان الإناث من منطلق الحياة الاجتماعية الجيدة أو النجاة. علينا أن نمحص الطرق المركبة حيث يمكن للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن تؤثر على الاختلافات المناطقية.

وإنها لحقيقة حتمية مثلا أن الوضع والنفوذ للنساء في العائلة يختلف كثيرا في منطقة عن الأخرى، وثمة أسباب جيدة لتوقع أن تلك الخصائص الاجتماعية مرتبطة بالدور الاقتصادي واستقلال النساء. فمثلا، يمكن للعمل خارج المنزل وامتلاك العقارات أن يكون مهما لاستقلال المرأة وامتلاكها نفوذا، ويمكن لتلك العوامل أن يكون لها تأثيرا ممتدا على تقاسم المنافع والمهام ضمن الأسرة كما يمكنها أن تؤثر على ما يمكن قبوله ضمنا على أنه “حقوق” النساء.

وبالفعل للنساء والرجال على السواء اهتمامات مشتركة وأخرى متضاربة تؤثر على قرارات الأسرة؛ ومن الممكن رؤية أن القرار في الأسرة يتخذ صيغة السعي للتعاون حيث الحلول للجوانب المُختلف عليها في الأسرة يُتفق عليها ضمنا. تلك “الخلافات التعاونية” هي خصلة للعديد من العلاقات الجمعية، ويمكن لتحليل الخلافات التعاونية أن يمنح سبيلا مفيدا لفهم الموعز الذي يؤثر على “الصفقة” التي تحصل عليها النساء أثناء تقاسم المنافع ضمن الأسرة. ثمة مكاسب يصنعها الرجال والنساء عبر اتباع سلوك من أنماط التضمين المتفق عليها، غير أنه ثمة العديد من الاتفاقات الممكنة – بعضها مفضلة لطرف أكثر من الآخر. يفضي اختيار اتفاق تعاوني كهذا من ضمن مدى كبير من الخيارات إلى توزيع معين للمنافع المشتركة. (حاولت في موضع آخر أن أحلل الطبيعة العامة لـ “الخلافات التعاونية” وتطبيق تحليل لخلافات كهذه على الاقتصاديات الأسرية.4)

تُحل الخلافات في الحياة الأسرية عادة عبر سلوك من أنماط التضمين المتفق عليها والذي يمكن أن يكون أو لا يكون متكافئا بالخصوص. تتطلب طبيعة العيش الأسري بحد ذاتها – أي تشارك المنزل والتجارب – ألا تكون عناصر الخلافات محل تركيز جلي (سيُنظر عادة إلى منح اهتمام مستدام للخلافات على أنه سلوك شاذ)؛ ولن تملك النساء المحرومات أحيانا أدنى فكرة عن مدى حرمانهن. وبالمثل، يمكن أن يكون إدراك من يقوم بالعمل “المنتج” ومن “يساهم” في ازدهار الأسرة مؤثرا للغاية وإن كانت نادرا ما تُناقش المبادئ المنطوية على اعتبار كيف يمكن تقييم “الإنتاجية” أو “المساهمة”. أعتقد أن مسائل الادراك الاجتماعي ذات أهمية متغلغلة في عدم المساواة الجنساني، حتى في الدول الأغنى، غير أنها تملك تأثيرا قويا على الخصوص في استمرار حرمان الإناث في كثير من الدول الفقيرة.5

لعل سيكون الانقسام في المنافع المشتركة للأسرة أقل حدة في عدم التفضيل عند النساء لو1) أمكنهن الحصول على دخل خارجي؛ 2) الإقرار بأن عملهن مُنتج (هذا يسهل تحقيقه بالعمل خارج المنزل)؛ 3) أن يمتلكن بعض المصادر الاقتصادية وبعض الحقوق التي يمكنهن الاستناد عليها؛ 4) ثمة فهم صاف للطرق التي حُرمن بها النساء والتعرف على الفرص لتغيير هذا الوضع. يمكن أن يؤثر تعليم النساء والفعل السياسي المشارك على النقطة الأخيرة كثيرا.

تقترح الأدلة التجريبية والتي هي في غالبها دراسات عن محليات معينة أن ما يُعرف عادة على أنه توظيف “مُكسِب” (أي العمل خارج المنزل بأجر أو في مهن “مثمرة” كالزراعة)، مقابل العمل المنزلي المجاني وغير مقدر – مهما كان الأول متطلبا – يمكن أن يعزز بشكل بالغ الفرصة التي يمكن للنساء الحصول عليها.6 وبالفعل، يمكن للتوظيف “المكسب” أن يصنع حلا للـ “خلافات التعاونية” أقل حدة في عدم التفضيل للنساء بطرائق عدة. أولا، يمكن للتوظيف الخارجي مقابل أجر أن يوفر للنساء دخلا يمكّنهن من سهولة الوصول ويمكنه أن يعمل كوسيلة للمعيشة بحيث يمكن للنساء الاعتماد عليه وبالتالي يصبحن أقل هشاشة. ثانيا، يمكن للاحترام الاجتماعي المرتبط من كون المرء “جالبا للقوت” (ومساهما “منتجا” في ازدهار الأسرة المشترك) أن يحسن من وضع النساء ومكانتهن في الأسرة ويمكن أن يؤثر على التقاليد الثقافية السائدة فيما يتعلق بمن يأخذ ماذا من المنافع المشتركة. ثالثا، حين يتخذ التوظيف الخارجي هيئة وظائف بأمان معين وحماية قانونية، فإن الحقوق المتوازية التي يمكن للنساء الحصول عليها تجعل موقفهم الاقتصادي أقل هشاشة وأكثر قيمة. رابعا، يوفر العمل خارج المنزل أيضا تجربة في العالم الخارجي، ويمكن لهذا أن يكون مهما اجتماعيا في تحسين موقع النساء ضمن الأسرة. من تلك الناحية، يمكن للعمل الخارجي أن يكون “تعليميا” كذلك.

يمكن لتلك العوامل ألا تحسن من “الصفقة” التي تحصل عليها النساء في الأسرة فحسب وإنما يمكن أن تقابل الإهمال النسبي للفتيات خلال نموهن. الأولاد مفضلون في العديد من الدول لأنه متوقع منهم أن يوفروا الأمان الاقتصادي لذويهم حين يبلغون من الكبر عتيا؛ لكن يمكن اضعاف هذا التحيز إذا عملن النساء والرجال على حد سواء وبشكل متكرر بوظائف مدفوعة الثمن. فضلا على أنه إذا ارتفع وضع النساء عموما وغدت مساهمات النساء مُعترف بها، قد يحصل الأطفال الإناث على اهتمام أكثر. وبالمثل، يمكن لانفتاح النساء على العالم عبر العمل خارج المنزل أن يوهن القبضة على المعتقدات والسلوك التقليدي على الرغم من أنه تأثير تعليمي.

وبمقارنة مناطق مختلفة من آسيا وأفريقيا، إذ حاولنا أن نربط تطلعات النجاة النسبية للنساء بـ “التوظيف المكسبي” لكلا الجنسين – أي العمل خارج المنزل وبأجر – سنجد بالفعل رابطا قويا. إذا المناطق المختلفة من آسيا وأفريقيا (عدا الصين) مرتبة وفق معدل النساء فيما يدعى التوظيف المكسبي إلى الرجال في وظائف كهذه، نحصل على الترتيب التالي وبنظام الأعلى فالأقل.

  1. جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى.

  2. جنوب شرق وشرق آسيا.

  3. غرب آسيا.

  4. جنوب آسيا.

  5. شمال أفريقيا.

وينتج عن ترتيب معدلات متوسط العمر الإناث إلى الرجال ترتيبا مشابها بشكل مذهل.

  1. جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى.

  2. جنوب شرق وشرق آسيا.

  3. غرب آسيا.

  4. شمال أفريقيا.

  5. جنوب آسيا.

يوعز تطابق الترتيبين تقريبا خلا التبادل الحاصل بين المناطق في الموضعين الأخيرين (الأدنى بمقتضى كلا المؤشرين) رابطا بين التوظيف وتطلعات النجاة. علاوة على أن التوازي الإجمالي بين الترتيبين، التضارب المخصوص بين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى وشمال أفريقيا وذلك بين جنوب (وغرب) آسيا وجنوب شرق و(شرق) آسيا، يوعز بفوارق ضمن أفريقيا وآسيا ورابطا التوظيف المكسبي بتطلعات النجاة.

من الممكن طبعا بأن ما نراه هنا ليس مسلما  به بأن التوظيف المكسبي يسبب تطلعات نجاة أفضل وإنما هو تأثير بعض العوامل حين ترتبط ببعضها. في الحقيقة، وعلى أساس ترابطات عريضة كهذه، من الصعب الخروج بأي استنتاجات راسخة؛ غير أن الدليل على ترابطات كهذه يمكن العثور عليها أيضا في مقارنات أخرى.8 على سبيل المثال، تملك البنجاب وهي أغنى الولايات الهندية أقل معدل للنساء مقابل الرجال (0.86) في الهند؛ كما تملك أقل معدل للنساء في التوظيف “المكسبي” مقارنة بالرجال. كما وُثق تأثير العمل الخارجي على جودة حياة النساء في عدد من الدراسات على مجتمعات معينة في مناطق مختلفة من العالم.9

4.

تستحق حالة الصين اهتماما مخصوصا. هي دولة تملك تحاملا موروثا ضد النساء، غير أنه وبعد الثورة أولى القادة الصينيون اهتماما معتبرا إلى تقليل عدم المساواة بين الرجال والنساء.10 ساعد في هذا التوسع العام في الصحة والخدمات الصحية الأساسية وكونها متاحة للكل وتزايد النساء في التوظيف المكسبي، فضلا على الاعتراف الاجتماعي الأكبر لأهمية النساء في الاقتصاد والمجتمع. ثمة توسع مذهل في طول العمر، وبالرغم من التراجع المؤقت خلال المجاعات الفظيعة 1958-1961 (عقب الفشل الفظيع لما يدعى القفزة العظيمة للأمام)، ارتفع معدل العمر الصيني  منذ الولادة من أول الأربعينيات في حوالي 1950 إلى أواخر الستينيات في حلول وقت تقديم الإصلاحات الاقتصادية في 1979. إن الانخفاض الحاد في الوفاة عموما (بما فيها وفاة الإناث) مذهل بالإجمال عبر النظر إلى حقيقة أنها حصلت بالرغم من المشاكل الاقتصادية العميقة في هيئة قصور صناعي منتشر وزراعة راكدة نوعا ما وارتفاع قليل جدا نسبيا في المردود لكل فرد. انخفض معدل الوفاة للإناث بشكل حاد – كجزء من انخفاض الوفاة عموما ومقابلا لوفاة الذكور نسبيا. زاد معدل عمر النساء منذ الولادة ذلك للرجال – والذي في حد ذاته تحسن كثيرا – وكان متقدما في وقت تقديم الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في 1979.

زادت تلك الإصلاحات على الفور من معدل النمو الاقتصادي وكسرت الركود الزراعي. تقترح الأرقام الرسمية تضاعف المردود الزراعي بين 1979 و1986 – وهو إنجاز معتبر حتى وإن  نُزعت بعض العناصر المبالغ بها من تلك الأرقام. ولكن في الوقت نفسه، تسجل الأرقام الرسمية كذلك تزايدا في الوفاة عموما بعد الإصلاحات، مع معدل وفاة أعلى ثابت عما حققته الصين في حلول 1979. كما يبدو أن ثمة انحدار في معدل النجاة النسبي للنساء، بما فيه انخفاض نوقش سابقا لمعدل النساء إلى الرجال في السكان، والذي انخفض من 94.3 في 1979 إلى93.4 في 1985 و1986. ثمة مشاكل في تفسير البيانات الحالية وصعوبات في الوصول إلى استنتاجات راسخة، بيد أن منظور معدل عمر النساء قد أصبح مجددا أقل من ذلك للرجال اكتسب دعما. فمثلا، يقترح التقرير عن التنمية في العالم والصادر مؤخرا عن البنك الدولي أن معدل العمر هو ستة وتسعون للرجال وستة وستون للنساء (بالرغم أن الطبيعة المربكة للموضوع منعكسة جيدا عبر حقيقة أن نفس التقرير يقترح أيضا متوسط معدل عمر يصل إلى سبعين للرجال والنساء مجموعين سوية).11

لماذا انحدرت تطلعات النجاة للنساء في الصين، خصوصا بالمقتضيات النسبية، منذ 1979؟ لاحظ عدد من الخبراء بأن القادة الصينيين مالوا مؤخرا وبالمجمل إلى تقليل التركيز على المساواة للنساء؛ لم يعد موضع نقاش، وبالفعل وكما تضعها عالمة الاجتماع مارغري ولف، إنها مسألة “ثورة مأجلة”.12 لكن تلك الحقيقة وإن كانت مهمة، لا تفسر لماذا تحدرت تطلعات النجاة للنساء جدا عبر السنوات الأولى من الإصلاحات، في الوقت الذي كان فيه تمددا سريعا للازدهار الاقتصادي إجمالا.

يمكن للإجراءات المفروضة للتحكم بحجم الأسر والتي قُدمت في 1979 أن تكون عاملا مهما. إذ أصرت السلطات في بعض أجزاء البلاد على “أسرة الطفل الواحد”. أفضى هذا التقنين، مع معطى التفضيل القوي للأولاد في الصين، إلى إهمال البنات إلى درجة بالغة. توجد بعض القرائن الدالة على قتل الإناث الرضع. ففي السنوات الأولى عقب الإصلاحات، بدا أن وفاة الفتيات الرضع ارتفع بشكل معتبر. أوعزت بعض التقديرات أن معدل وفيات الإناث الرضع ارتفع من 37.7 لكل ألف في 1978 إلى 67.2 لكل ألف في 1984. 13 حتى وإن بدا هذا مبالغا به على ضوء البيانات اللاحقة، فإن تطلعات النجاة للأطفال الإناث تأثرت بشكل غير مرغوب به عبر القيود الموضوعة على حجم الأسرة. وعكست التنازلات القانونية اللاحقة (بما فيها السماح بطفل ثانٍ لو كان الأول فتاة) بعض الاعتراف الرسمي بتلك المشكلات.

إن العامل الثاني ذو العلاقة بمشاكل النجاة للنساء الصينيات هو الأزمة العامة للخدمات الصحية منذ الإصلاحات الاقتصادية. فأثناء تنظيم وتوحيد الإنتاج الزراعي، الذي كان يوفر عادة غالب تمويل برامج الصحة في مناطق الصين القروية الممتدة والتي فُككت واستبدلت بما يسمى “نظام المسؤولية،” حيث تمركزت الزراعة في الأسرة، تحسن الإنتاج الزراعي، ولكن الحد من المرافق الاشتراكية وضع قيودا مادية على الخدمات الصحية القروية الممتدة في الصين. لعل الزراعة الاشتراكية لم تفعل الكثير للإنتاج الزراعي من ذلك المنطلق ولكنها كانت مصدرا رئيسيا لدعم الخدمات الصحية القروية المبتكرة والمتعمقة في الصين. وفيما يتعلق بالجنسانية، فإن الآثار المتعلقة بانخفاض مجال عمل تلك الخدمات كان محايدا رسميا، غير أنه ومن منظور التحامل المنحاز للذكور في المجتمع القروي الصيني، فإن الحد من الخدمات الصحية امتلك تأثيرا بالغا على النساء والأطفال الإناث. (كما أن التحامل المنحاز للذكور في الثقافة العامة هو ما جعل سياسة الطفل الواحد، والتي كانت محايدة أيضا في صيغتها، لا تفضل الأطفال الإناث فيما يتعلق بوقعها الفعلي.)

ثالثا، يمكن المحاجة أن “نظام المسؤولية” خفّض من انخراط النساء في توظيف مكسبي معترف به في الزراعة. ففي النظام الجديد، ومع الترتيب التقليدي للمسؤوليات في العمل، يمكن لعمل النساء في المنزل أن يعاني مجددا من الجحود والذي يؤثر بشكل طبيعي حتى على العمل المنزلي عبر العالم.14 يمكن لوقع هذا التغير على وضع النساء في المنزل أن يكون سلبيا للأسباب التي ذكرناها آنفا. لعل الفرص الوظيفية الممتدة للنساء خارج الزراعة في بعض المناطق وازن هذا التأثير ولو جزئيا على الأقل. لكن إوهان الترتيبات الأمنية الاجتماعية منذ الإصلاحات جعل كبر العمر عارضا، وبما أن عدم الأمان هو أحد دوافع الأسر المستمرة لتفضيل الأولاد على البنات، فإن هذا التغير أيضا قد يكون مساهما في تدهور رعاية الأطفال الإناث.15

.5

من الجلي أن التحليلات المبنية على الصراع بين الشرق والغرب ببساطة أو “التخلف” لن تأخذنا إلى أي مكان. إن المتغيرات التي تبدو مهمة – كتوظيف الإناث أو تعليمهن – تجمع كلا من التأثيرات الاقتصادية والثقافية. يمكن لعزو أهمية تأثير التوظيف المكسبي على تطلعات النجاة للنساء أن يبدو على السطح كمحاولة تفسير اقتصادي آخر، غير أنه من الخطأ رؤية الأمر على أنه كذلك. إن السؤال الأعمق هو لماذا توظيف خارجي كهذا متفشي في فلنقل جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى أكثر من شمال أفريقيا أو جنوب شرق أو شرق آسيا عن غرب أو جنوب آسيا. هنا تغدو الخلفيات الثقافية، بما فيها الدينية، للمناطق المستقبلة ذات أهمية. على الأسباب الاقتصادية لحرمان النساء أن تُدمج مع العوامل الاجتماعية والثقافية الأخرى لمنح عمق للتفسير.

إن التوظيف المكسبي ليس العامل الوحيد الذي يؤثر على فرص نجاة النساء بالطبع. يمكن لتعليم النساء وحقوقهن الاقتصادية، بما فيها حق الامتلاك العقاري، أن تكون متغيرات حاسمة كذلك.16 تأمل ولاية كيرلا في الهند، والتي ذكرتها آنفا. إنها لا تملك نقصا في النساء- معدل النساء إلى الرجال يتجاوز 1.03 ويقارب ذلك لأوروبا (1.05) عن ذلك للصين وغرب آسيا والهند بأكملها (0.94). إن متوسط العمر للنساء عند الولادة في كيرلا والذي وصل مسبقا إلى ستة وثمانين سنة في حلول آخر إحصاء سكاني في 1981 (والذي يقدر باثنين وسبعين سنة الآن) هو أعلى من ذلك للرجال أربعة وستون في ذلك الوقت (وسبعة وستون الآن). وفي حين أن النساء قادرات عموما على إيجاد توظيف مكسبي في كيرلا – أكثر من البنجاب بالتأكيد – إلا أن الولاية ليست استثناء في هذا الاعتبار. ما هو الاستثنائي في كيرلا هو معدل التعليم المرتفع بشكل ملحوظ؛ ليس أعلى بكثير من باقي الهند فحسب وإنما أعلى بشكل فارق من الصين، خاصة للنساء.

بدأت تجربة كيرلا مع توسيع التعليم الأساسي والممول من الدولة، والذي عززته حكومات الجناح اليساري للدولة في العقود الأخيرة. وقبل حوالي قرنين، ترأسه حكام ممالك ترافانكور وكوتشين (لم تكن تلك الولايات الأصيلة جزءا من الهند البريطانية؛ بل انضمتا سوية مع جزء صغير من رئاسة مدراس القديمة لتشكل ولاية كيرلا الجديدة عقب الاستقلال.) بالفعل، أصدرت الملكة الشابة لترافانكور، راني غوري برافاتي باي، ومنذ 1817، أوامر واضحة لدعم التعليم الحكومي:

على الولاية أن تتحمل كامل نفقات تعليم شعبها من أجل ألا يكون ثمة تخاذل في نشر التنوير بينهم، وعبر نفاذ التعليم قد يصبح هناك مواطنون أفضل وعاملون حكوميون وبذا تتقدم سمعة الولاية.17

علاوة على أن وفي أجزاء من كيرلا يورث العقار عبر نسل الأسرة الإناث. تساعد تلك العوامل مع المستوى العالي من الطب الاشتراكي في تفسير لماذا لا يعانين النساء في كيرلا من القصور في الحصول على سبل النجاة. وفي حين من الصعب “شق” المساهمات المصنوعة من كل من تلك التأثيرات، إلا أنه سيكون من الخطأ عدم شمل تلك العوامل من ضمن المتغيرات المثيرة للاهتمام والتي تستحق التمحيص.

وبالنظر إلى ضخامة المشاكل المتعلقة بنجاة النساء في أجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا، فإنه من المدهش بأن تلك المساوئ لم تحظى بالاهتمام المستحق. إن أعداد “النساء المفقودات” فيما يتعلق بالأعداد التي يمكن توقعها فيما لو حصل الرجال والنساء على رعاية متساوية في الصحة والطب والغذاء لهي كبيرة بشكل ملحوظ. أكثر من مائة مليون امرأة لسن موجودات لأن النساء مهملات مقارنة بالرجال. ولكي يُصحح هذا الوضع عبر الفعل السياسي والسياسة الحكومية، فإن أسباب لماذا ثمة كثير من النساء “المفقودات” يجب أن يُفهم بشكل أفضل. نواجه هنا ما هو جلي بأنه واحد من أكثر المشكلات آنية وإهمالا التي تواجه عالم اليوم.

رسائل

The Kerala Difference October 24, 1991


الهوامش

  1. يمكن إيجاد تقييم للبراهين المتاحة في:

Ingrid Waldron’s “The Role of Genetic and Biological Factors in Sex Differences in Mortality,” in A.D. Lopez and L.T. Ruzicka, eds., Sex Differences in Mortality (Canberra: Department of Demography, Australian National University, 1983).

فيما يخص التأثيرات الثقافية المتفشية انظر:

Sheila Ryan Johansson, “Mortality, Welfare and Gender: Continuity and Change in Explanations for Male/Female Mortality Differences over Three Centuries,” in Continuity and Change, forthcoming.

  1. إن تلك والبيانات المتعلقة بها معروضة ومقيمة في ورقتي المشتركة مع جوسيلين كينتش :

 “Indian Women: Wellbeing and Survival,” Cambridge Journal of Economics, Vol. 7 (1983), Commodities and Capabilities (Amsterdam: North-Holland, 1985), Appendix B. See also Lincoln Chen et al., “Sex Bias in the Family Allocation of Food and Health Care in Rural Bangladesh,” in Population and Development Review, Vol. 7 (1981); Barbara Miller, The Endangered Sex: Neglect of Female Children in Rural North India (Cornell University Press, 1981); Pranab Bardhan, Land, Labor, and Rural Poverty (Columbia University Press, 1984); Devaki Jain and Nirmala Banerji, eds., Tyranny of the Household (New Delhi: Vikas, 1985); Barbara Harriss and Elizabeth Watson, “The Sex Ratio in South Asia,” in J.H. Momsen and J.G. Townsend, eds., Geography of Gender in the Third World (State University of New York Press, 1987); Monica Das Gupta, “Selective Discrimination against Female Children in Rural Punjab, India,” in Population and Development Review, Vol. 13 (1987).

  1. انظر:

World Bank’s World Development Report 1990 (Oxford University Press, 1990), Table 32. Judith Banister, China’s Changing Population (Stanford University Press, 1987), Chapter 4,

رغم أن متوسط العمر لم يكن بالكبير كتلك التي اقترحتها التقديرات الأولية كما لاحظ بينستر لاحقا.

“Gender and Cooperative Conflicts,” Working Paper of the World Institute of Development Economics Research (1986), in Irene Tinker, ed., Persistent Inequalities: Women and World Development (Oxford University Press, 1990). Ester Boserup, Hanna Papanek, and Irene.

  1. على الرغم من كون الدراسات الحديثة عن نمذجة العلاقات الأسرية في ” مشاكل المقايضة” مثلا موعزة بشكل مفيدة ومستنيرة إلا أنها تعاني قليلا من منح دور قاصر لأهمية الإدراك (مقابل التعرف على المصالح موضوعيا) للأطراف المعنية. فيما يتعلق بالإدراك بما فيه التشوهات الإدراك (مشتق مما أسماه ماركس “الإدراك الكاذب”)، انظر في العلاقات الأسرية كتابي:

 “Gender and Cooperative Conflicts.” Resources, Values and Development (Harvard University Press, 1984), Chapters 15 and 16; Gail Wilson, Money in the Family (Avebury/Gower, 1987).

 “Gender and Cooperative Conflicts.” Ester Boserup, Women’s Role in Economic Development (St. Martin’s, 1970). Bina Agarwal, “Social Security and the Family,” in E. Ahmad, et al., Social Security in Developing Countries, to be published by Oxford University Press in 1991.

 “Gender and Cooperative Conflicts.”

Pranab Bardhan, Land, Labor, and Rural Poverty.

 “Gender and Cooperative Conflicts.”

Elisabeth Croll, Chinese Women Since Mao (M.E. Sharpe, 1984).

 World Development Report 1990, Tables 1 and 32. Banister, China’s Changing Population, Chapter 4. Athar Hussain and Nicholas Stern, On the recent increase in death rate in China, China Paper #8 (London: STICERD/London School of Economics, 1990).

Margery Wolf, Revolution Postponed: Women in Contemporary China (Stanford University Press, 1984).

 Banister, China’s Changing Population, Table 4.12.

 Nahid Aslanbeigui and Gale Summerfield, “The Impact of the Responsibility System on Women in Rural China: A Theoretical Application of Sen’s Theory of Entitlement,” in World Development, Vol. 17 (1989).

Hunger and Public Action (Oxford University Press, 1989).

  1. لتحقيقات مثيرة للاهتمام عن دور التعليم والمعرف عموما، في التأثير على جودة حياة النساء في بنغلادش والهند انظر:

Martha Chen, A Quiet Revolution: Women in Transition in Rural Bangladesh (Schenkman Books, 1983); Alaka Basu, Culture, the Status of Women and Demographic Behavior (New Delhi: National Council of Applied Economic Research, 1988).

  1. تملك كيرلا كذلك نشاطا تبشيريا معتبرا في المدارس (خمس السكان مسيحيون في الواقع)، كما تملك تجارة عالمية وعلاقات سياسية (مع شرق وغرب آسيا) ولمدة طويلة، ومن كيرلا أطلق الفيلسوف الهندوسي والمعلم العظيم سانكاراكاريا والذي عاش من 788-820 م حركته الكبيرة في وضع مراكز دراسة وعبادة في أرجاء الهند.

المصدر

error: