كيف اصبح أكاديمي مغمور أكثر المفكّرين احتراما –واحتقارا– على الإنترنت؟ – كليفا سانيه / ترجمة: لينا الحوشان

كيف اصبح أكاديمي مغمور أكثر المفكّرين احتراما –واحتقارا– على الإنترنت؟ – كليفا سانيه / ترجمة: لينا الحوشان

(أكاديمي مغمور) جوردان بيترسون مدافع عن القواعد والعادات وناقد لها في الوقت ذاته – الرسم بواسطة روس مكدونالد


        في فبراير 2000 ، نشرت المجلة الأمريكية للطب النفسي مراجعة موجزة لكتاب غير موجز على الإطلاق، وهو كتاب “خرائط المعنى: بنية المعتقد” ،والذي يقع في ما يقرب من ستمائة صفحة طويلة، وعلى الرغم من أنه تم نشره بواسطة دار النشر الأكاديمية روتلدج ، فإنه لايدخل بشكل دقيق في أي تخصص علمي. وقد حاول الشخص الذي قام بالمراجعة، وهو بروفيسور في علم النفس ومتعاطف، أن يفسر بشجاعة عبارات محرّمة مثل “البنية النحوية للأساطير التحويلية”. ثم اعترف بالهزيمة. وختم بالقول: “إن تحقيق العدالة لهذا الكتاب في خلاصة من فقرتين أمر مستحيل”. “هذا ليس كتابا يتم تلخيصه وإيجازه”. لكنه عبر عن أمله في أن تكتشف هذه النفوس فضول هذا الكتاب الغريب ، وتذوقه “في أوقات الفراغ”.

بعد مرور ثمانية عشر عامًا، أنتج مؤلف كتاب “خرائط المعنى” ، جوردان بي بيترسون، تكملة من نوع ما. أطلق عليها “12 قاعدة من أجل الحياة: ترياق للفوضى” ، وقد حطّم هذا الكتاب شباك التذاكر عالميا إن صح التعبير. بيترسون، وهو البروفيسور المغمور سابقًا ، هو الآن واحد من أكثر المثقفين نفوذاً واستقطابًا في العالم الناطق بالإنجليزية. يجده الكثير من المعجبين على موقع يوتيوب، حيث يمثل نوعا غير عادي من المشاهير، فهو محاضر صارم، ولكنه لبق وذو مرونة يمكنه أن يحتفظ بها لساعات، يخلط الجدل بالمحادثات الحماسية. بيترسون الذي نشأ في فيرفيو، كندا، وهي بلدة صغيرة في شمال ألبرتا، لديه ولع باللهجة العامية القديمة. تتحد لهجته ومفرداته ليجعله يبدو وكأنه رجل خارج المكان والزمان، خاصة في أمريكا. رسالته المركزية هي نقد حذر ومتواصل للثقافة الليبرالية الحديثة، التي يعتبر شغفها انتحارا للقيم والمبادئ القديمة. وقد تعلم أن يستخلص نظرياته الواسعة النطاق إلى جمل سطحية، بما في ذلك جملته التي أصبحت أشهر عباراته بحكم الواقع، وهي اقتباس زائف ربما يعكس أسلوبه ومضمونه: “رتب نفسك  ياصاح sort yourself bucko “.

 

يعطي بيترسون ذو الخمسة والخمسين عاما ونجاحه المتأخر الأمل للأكاديميين الذين لم يقدرهم أحد حول العالم. لسنوات قليلة، في التسعينات، قام بتدريس علم النفس في جامعة هارفارد ؛ وبحلول الوقت الذي نشر فيه “خرائط المعنى” ، في عام 1999 ، عاد إلى كندا – للتدريس في جامعة تورنتو ، وللعمل كطبيب نفساني سريري بالإضافة لبناء سمعته على شاشة التلفزيون ، كناقد لاذع. نمت شهرته في عام 2016 ، خلال النقاش حول مشروع قانون كندي يعرف باسم C-16 يسعى مشروع هذا القانون إلى توسيع قانون حقوق الإنسان عبر إضافة “الهوية الجندرية والتعبير الجندري” إلى قائمة الأسس التي يحظر التمييز بناءً عليها. في سلسلة من المحاضرات المصورة بالفيديو، اعترض بيترسون قائلا أن مثل هذا القانون يمكن أن يشكل انتهاكًا خطيرًا لحرية التعبير. كان تركيزه الأساسي هو مسألة الضمائر: العديد من العابرين جنسيا أو الأشخاص غير المعرّفين جنسيا يستخدمون الضمائر المختلفة عن تلك التي تم تعيينها لهم عند ولادتهم، بما في ذلك، في بعض الأحيان استخدام الضمير “هم” في وصف المفرد، أو الأفراد غير التقليديين ، مثل “ze”. ووجدت لجنة حقوق الإنسان في أونتاريو أنه في مكان العمل أو المدرسة، فإن “رفض الإشارة إلى شخص باسمه الذي اختاره وضميره الشخصي الذي يتناسب مع هويتهم الجنسية” ربما يعتبر تمييزاً.

استاء بيترسون من فكرة أن الحكومة قد تجبره على استخدام ما وصفه بالـ(كلمات البرّاقة الجديدة) لاستبدايي حركة التصويب السياسي.

خلال إحدى النقاشات، التي تم تسجيلها في جامعة تورنتو ، قال: “لن أكون لسان حال للغة أكرهها”. ثم طوى ذراعيه، مضيفا “وهذا كل شيء!”

وصلت مقاطع الفيديو هذه إلى ملايين المشاهدين عبر الإنترنت، بما في ذلك الكثير من المشاهدين الذين ليس لها أي مصلحة في التشريعات الكندية لحقوق الإنسان. بالنسبة لكثير من الناس الذين أزعجهم تقارير المتطرفين المتعصبين في الحرم الجامعي، كان بيترسون شخصية حاشدة: مناظراً مطمئناً ذاتيًا، لم ترهبه الإدانات الليبرالية. نظم الطلاب احتجاجات صاخبة. بعث عميد الجامعة برسالة حذر فيها من أن تعهده بعدم استخدام ضمائر معينة كشف عن (نوايا تمييزية_عنصرية) ؛ كما حذرت الرسالة من أن “تأثير سلوكك يخاطر بتقويض قدرتك على امتلاك مكونات أساسية لوظيفتك كعضو هيئة تدريس جامعي”. بل أنه في الخريف الماضي تم تأنيب مساعدة مدرّس في جامعة ويلفريد لوريير في واترلو، أونتاريو، من قبل الأساتذة لإظهارها لفيلم واحد من مناظرات بيترسون. (بعد ذلك اعتذرت الجامعة)، وقد رفع هذا الانتقام من ملف بيترسون الشخصي، مما جعله يحول الإقبال على صفحة Patreon إلى رأسمال حقيقي، حيث يمكن للمخلصين لأفكاره التعهد بدفعات شهرية مقابل جلسات حصرية  للأسئلة والأجوبة، ودورات عبر الإنترنت.

في وقت سابق من هذا العام ، ظهر بيترسون على قناة 4 نيوز ، في بريطانيا. سألت المذيعة، كاثي نيومان، ما الذي أعطاه الحق في الإساءة إلى الأشخاص المتحولين جنسيا. سألها بمرح ، ما الذي أعطاها الحق في المخاطرة بالإساءة إليه؟ توقفت نيومان للحظات قليلة مؤلمة، وسمح بيترسون لنفسه بلحظة من الانتصار فقال “ها! نلتُ منكِ!”. قال ديفيد بروكس، في التايمز، عن هذه المقابلة، إن بيترسون ذكره بـ “وليام ف. باكلي شابا وصغيرا.

أما تاكر كارلسون، على شبكة فوكس نيوز،فقد وصف هذه المحاورة مع نيومان كواحدة من المقابلات العظيمة عبر الزمن.”

ونظراً لشعبية هذه المناقشات عبر الإنترنت ، قد يكون من السهل نسيان أن الجدال ضد حركة التصويب السياسي ليست الوظيفة الأساسية لبيترسون. فهو لا يزال _بالصنعة_ أستاذاً لعلم النفس، ولا يزال يقضي الكثير من وقته في ممارسة أشياء مثل علاج المرضى. يمكن لأي شخص بحاجة إلى استشارة العثور على الكثير من الاستشارات في “12 قاعدة من أجل الحياة”. الكتاب أسهل في الفهم من سلفه_كتاب خرائط المعنى_ ، رغم أنه قد يربك أولئك الذين يعرفون بيترسون كمحارب لأجل الثقافة فقط. أحد العديد من معجبيه هو PewDiePie ، وهو لاعب فيديو سويدي معروف بشخصية YouTube الأكثر انتشارًا في العالم – تضم قناته أكثر من 60 مليون مشترك. في استعراض فيديو لـ “12 قاعدة من أجل الحياة” ، اعترف PewDiePie بأن الكتاب قد فاجأه.

“إنه كتاب للمساعدة الذاتية!” يقول عنه “لم أعتقد أنني كنت سأقرأ كتاباً للمساعدة الذاتية.” (ومع ذلك ، أعلن أن كتاب بيترسون ، على الأقل الأجزاء التي قرأها، كان “مشوقًا جدًا”). حيث يعتنق بيترسون نفسه فكرة مساعدة المرء ذاته إلى حدٍ ما.

لقد بني الكتاب حول نصيحة صريحة وربما غير عملية، بدءا من الفصل الأول، “قف مستقيما وأرجع كتفيك إلى الخلف” إلى الفصل 12، “ طبطب على أي قط إن واجهته في الشارع.” الجدل السياسي يلعب دورا صغيرا بشكل نسبي، فهدف بيترسون لايهتم بمساعدة القراء على تغيير العالم بقدر استهداف مساعدتهم في العثور على مكان ثابت بداخل هذا العالم.

من أكثر قواعد حكمه إقناعا _والتي هي بسيطة بشكل صادم_: “عليك أن تفعل ما يفعله الآخرون، ما لم يكن لديك سبب وجيه جدًا لئلا تفعل ذلك”. بالطبع، بيترسون مشهور اليوم لأنه قرر أنه  ضمن ظروف خاصة، توجد أسباب وجيهة لصد المد الشعبي.

إنه ، بطبيعته ، مدافع عن التقليدية _العادات والتقاليد_ وناقدٌ لها أيضا، ويعتقد أنه إذا كان القراء ينتبهون بقدرٍ كافٍ، فإنه يمكنهم أيضًا تعلم متى ينتقدون العادات والتقاليد.

مثل العديد من قصص التحول، بدأ بيترسون في أزمة إيمانية – سلسلة من الأزمات في الحقيقة. لقد تمت تربيته كبروتستانتي، وكصبي أرسل لجلسات تثبيت الميرون (طقس ديني بعد التعميد) ، حيث طلب من المعلم أن يدافع عن الحقيقة الحرفية لقصص الخلق في الكتاب المقدس. رد المعلم لم يكن مقنعا لبيترسون ولا حتى للمعلم نفسه.

في “خرائط المعنى ”  كتب يقول متذكرا ردة فعله:” لقد كان الدين للجهلاء والضعفاء والخرافات، وتوقفت عن الحضور إلى الكنيسة، وانضممت إلى العالم الحديث. “تحولت أولاً إلى الاشتراكية ثم إلى العلوم السياسية، بحثًا عن تفسير “الجنون الاجتماعي والسياسي العام وشرًّ العالم” ، وفي كل مرة كان يجد نفسه غير راضٍ (كانت حقبة الحرب الباردة، وكان بيترسون منشغلاً بإمكانية الفناء النووي). لذلك طرح سؤالا نفسيا، وسعى للحصول على إجابات نفسية ، وحصل في نهاية المطاف على شهادة الدكتوراه من جامعة ماكجيل، بعد أن كتب أطروحة تدرس إمكانية توارث الإدمان على الكحول.

طوال الوقت ، كان بيترسون يتابع مشروعًا أكبر وأغرب. لقد وقع تحت سيطرة كارل يونغ، رائد علم النفس السويسري الصوفي الذي فسر الحياة الحديثة كدراما لا نهاية لها، مسكونة بالأساطير القديمة. (يصف بيترسون يونغ بأنه “مرعب للغاية” ، وهو نوع من المجاملات الجونغية). في “خرائط المعنى”، اقتبس بيترسون من يونغ، ومن علم النفس التطوري: أراد أن يُظهر أن الثقافة الحديثة “طبيعية” تطورت على مدى مئات الآلاف من السنين لتعكس  وتلبي احتياجات الإنسان. بعد ذلك، وبدافع من الجرأة، سعى إلى شرح كيفية عمل عقولنا بالضبط، موضحًا نظريته بمخططات هندسية تفصيلية (“العناصر التأسيسية للتجربة: كشخصية وكإقليم وكعملية”) نظرية يبدو أنها تم تشكيلها بغرض تعذيب طلابه الجامعيين .

يستبدل الكتاب الجديد المخططات برسوم مبهجة لأطفال عند بيترسون يتصرفون بنصائحه. وفي المقدمة، يقول صديق نورمان ديودج _ وهو طبيب نفسي بارز_ عن مقابلته في مأدبة غداء في الهواء الطلق في منزل صديق مشترك. كان بيترسون يرتدي أحذية رعاة البقر، ويتجاهل بإصرار سرباً من النحل. “كانت لديه هذه العادة الغريبة” ، كتب دويدج ، “يتحدث عن أعمق الأسئلة لمن كان على الطاولة -ومعظمهم من معارفه الجدد – كما لو أنه كان مجرد حديث اعتيادي”.

في جميع أنحاء الكتاب ، يقاطعك بيترسون بأجزاء صغيرة وغريبة من سيرته الذاتية. يتذكر الوقت الذي جاء فيه صديق قديم يدعى إد، يرافقه شخص آخر كان في تقدير بيترسون “خارجا عن طوره.” وقد شعر بيترسون بالحذر مما حدا به للتدخل: أخذتُ إد جانباً وأخبرته بأدب أنه يجب عليه المغادرة”. وكتب بيترسون يقول :”قلت إنه لم ينبغِ أن يحضر معه نذلا ​​عديم الفائدة كرفيق”. أخذ إد صديقه وذهب – خوفًا ربما- من أن يتلقى تحذيرا أقل تهذيبا.

لدى بيترسون طريقة لجعل حتى أصغر صوت يلفظه يبدو مثل إعلان موت لسجينٍ سياسي. ففي “خرائط المعنى” ، تتبع بيترسون شعوره بأن هناك شيئا طارئا لايحتمل التأجيل إلى شعوره الذي لايطاق بأنه قد خدع في الجامعة. عندما بدأ بالكلام، كان يسمع صوتًا يخبره “أنت لا تصدق ذلك. هذا ليس صحيحًا”. ولدرء الانهيار العقلي، قرر ألا يقول أي شيء ما لم يكن متأكداً من صدقه؛ هذه الممارسة هدّأت ذلك الصوت الداخلي، وفي الوقت نفسه شكلت أسلوبه البلاغي، والذي كان قويا لكنه حذر.

في “12 قاعدة من أجل الحياة”، يروي بيترسون تجربة مماثلة عندما عمل، كعالم نفسي، مع عميل تم تشخيصه بالبارانويا. ويقول إن هؤلاء المرضى “خارقون تقريبا في قدرتهم على كشف الدوافع المختلطة ، والحكم، والباطل” ،

يكتب “بيترسون”: “وهكذا ضاعف جهوده ليقول فقط ما كان يعنيه.” عليك أن تستمع بعناية شديدة وأن تقول الحقيقة إذا كنت تريد من شخص مصاب بالبارانويا أن ينفتح أمامك. وجد بيترسون أن هذا المنهج يعمل بنجاح مع جزء كبير من عموم السكان أيضًا.

لئن كان لديه ميل إلى عزل نفسه، فقد تغلب بيترسون عليه كليًا.

“لا تزعج الأطفال عندما يتزلجون” ، يعلن (القاعدة 11) ، لكن المعزوفة المعروفة حول (زيادة حماية الأطفال) تقود إلى قصة أخرى من منظور بيترسون: إلى قصة قاتمة عن صديق مضطرب انتحر، ثم إلى ذكرى أستاذ الذي تفاخر بأنه وزوجته اتخذوا قرارًا أخلاقيًا بأن ينجبو طفلًا واحدًا فقط، ومن هناك إلى حجة مفادها أن كلا من الصديق التعيس والأستاذ المتغطرس “كان معاديًا للإنسان، حتى الصميم”. في مكان آخر من نفس الفصل، يكتب أن ” الأولاد تنصب اهتماماتهم نحو الأشياء”  “بينما تنصب اهتمامات البنات نحو الناس”، وأن هذه الاهتمامات “تتأثر بشدة بالعوامل البيولوجية”. كما أنه قلق بشكل خاص حول الأولاد والرجال، حيث يبجّلهم بجرعات منتظمة من الحب القاسي: “الأولاد يعانون في العالم الحديث ،” يكتب ، ويقترح أن المشكلة هي أنهم ليسوا صبيانيين بما فيه الكفاية. بالقرب من نهاية نفس الفصل، يحاول أن يسكّ عبارة جديدة: “ كن قويا (استرجل) يا ابن عرس!”.

عندما يخوض معركة كمحارب ثقافي ، خاصة على شاشة التلفزيون ، يتقمّص بيترسون في بعض الأحيان دور معادٍ حادٍ للنسوية، عازما على إنهاء اضطهاد الذكور من خلال تدمير أسطورة القمع الذكوري. (لقد أشار ذات مرة إلى منتقديه على أنهم “الخفافيش المسعورة). لكن نبرته أكثر براغماتية في كتابه، وقد يفاجأ بعض منتقديه بالعديد من النصائح التي يقدمها والتي لا يمكن الاعتراض عليها، إذ كانت نصائح قديمة الطراز: إنه يريد الشباب الرجال ليكون أفضل الآباء، أفضل الأزواج، وأفضل أفراد المجتمع. وبهذه الطريقة ، يمكن أن يُنظر إليه على أنه وريث لمعلّمي الرجولة القدامى مثل إلبرت هوبارد، الذي نشر عام 1899 عظة صارمة نالت شعبية كبيرة بعنوان “رسالة إلى غارسيا”. كتب هوبارد يقول: “ ما أكثر مايحتاجه الشباب؟ يحتاجون أن يشدّوا ظهورهم” .

بيترسون هو أيضا وريث لفناني الإغواء الذين انتشروا في كل مكان، حيث يصبح هناك وضع مختلف للرجال الضعفاء، إذ يعد فنانو الإغواء أن يجعلوا الرجال جنسياً أفضل (يدعى اكتمال العلاقة الجنسية “إغلاقاً كاملاً” ، كما في إغلاق صفقة) ، يفعل بيترسون ذلك بشكل أكثر طموحا ، إذ يعد بمساعدتهم على الزواج وإبقائهم متزوجين.

يقول لهم: “عليك أن تنظّف روحك”. “عليك أن تنظف ذلك الشيء اللعين قدما”. عندما يدعي بيترسون أنه قد حدد” أخلاقيات الغرب المدروسة” فإنه قد يستفزّ المرء،  لكن ما يأتي لاحقا، بدلاً من ذلك، هو وصفة تبدو قانونية وشرعية حتى أنها تدل على ذاتها: “انطلق إلى يومك، لكن لتستهدف أعلى مستوى من الصلاح” وذلك لحث الرجال على الإنجاز والتجاوز، كما يحثهم أيضًا على التكيُّف، وأن يصبحوا أعضاء منتجين في المجتمع الغربي.

في كثير من الأحيان ، يتوقف بيترسون لتذكير قرائه كم هم محظوظون.

“البنية التحتية الوظيفية للغاية التي تحيط بنا، لا سيما في الغرب ،” يكتب بيترسون، “هي هدية من أسلافنا: الأنظمة السياسية والاقتصادية غير الفاسدة نسبياً، والتكنولوجيا، والثروة، دورة الحياة، والحرية، والترف، و الفرص.” قد يبدو هذا غريباً على القراء في الولايات المتحدة، حيث يوحّد تفسير واسع الانتشار للخلل الوظيفي سياسيين ومعلقين يتفقون على القليل من الأمور الأخرى. لكن بيترسون لا يعيش في أمريكا دونالد ترامب، بل في كندا حيث                  رئيس الوزراء جوستين ترودو يضرب مثلا من بيترسون على أنه أفضل تجسيد لليبرالية المحتالة والنصّابة.  مؤخرا، حاول ترودو أن يقاطع أحد السائلين المتجهمين بقوه (شبه مازح) : “يجب أن تقول الجنس الأناسي peoplekind  بدلا من أن تقول جنس البشر mankind

tظهر بيترسون على “فوكس آند فريندز” لتسجيل اعتراضه قائلا: “أخشى أن يكون رئيس وزرائنا قادراً على إدارة أفكاره فقط على بضعة مسارات إيديولوجية ضيقة للغاية”.

ويبدو أن بيترسون ينظر إلى ترامب على أنه أحد أعراض مشاكل الحداثة وليس سبباً لها. وهو يشير إلى أن صعود ترامب كان أمراً مؤسفاً ولكنه حتمي – “إنه جزء من نفس المسار الذي يحصل في صعود سياسيي اليمين المتطرف في أوروبا. فيحذر من أنه “إذا تم دفع الرجال أكثر من اللازم من أجل التماشي مع النسوية، فإنهم سوف يصبحون أكثر فأكثر مهتمين بالإيديولوجية السياسية الفاشية القاسية”.

يطلب بيترسون أحيانًا من الجماهير أن ينظروا إليه كبديل للتجاوزات السياسية على كلا الجانبين. ففي مقابلة على إذاعة BBC Radio 5 ، قال: “تلقيت آلاف الرسائل من أشخاص استمالتهم إغراءات اليمين المتطرف، الذين انتقلوا نحو المركز المعقول نتيجة مشاهدة مقاطع الفيديو الخاصة بي”. لكنه عادة ما يرى الليبراليين أو اليساريين أو “ما بعد الحداثيين” كمعتدين مما يؤدي به، على نحو مفارق، إلى تصوير بعض أعضاء “اليمين المتطرف” كضحايا.

العديد من مواقفه السياسية مبنية على هذا النوع من الانقلابات.

إن ما بعد الحداثيين، كما يقول، مهووسون بفكرة القمع، فمن خلال شن الحرب على الطغاة الحقيقيين والمتخيلين، يصبحون هم أنفسهم طغاة. ويقول إن الليبراليين يتحدثون دائما عن أهمية التعاطف، ومع ذلك، ليس هناك شيء أكثر فظاعة بالنسبة للأطفال والناشئين، أكثر من التعاطف المفرط. (هذا الرعب، كما يقول، يتجسد في شخصية “الأم الفرويدية التامة”؛ على سبيل المثال، يستشهد بأورسولا ، ساحرة البحر من “حورية البحر الصغيرة”). يبدو أن الخطر هو أن أولئك الذين يريدون تحسين المجتمع الغربي قد ينتهي بهم الأمر إلى تدميره.

يعتقد بيترسون أن هذا الخطر له علاقة كبيرة بالرجال والنساء ، والطريقة المتغيرة التي نفكر بها. “إن تقسيم الحياة إلى جنسين مزدوجين حدث قبل تطور الحيوانات متعددة الخلايا”، يكتب عن طريق الجدل بأن البشر ملزمون بالاهتمام بهذا التقسيم. خلال نقاشه على القناة الرابعة، ضغطت كاثي نيومان على ما إذا كان يؤيد المساواة بين الجنسين ، فأجاب بأنه يعتمد على ما تعنيه العبارة. وقال “إذا كان ذلك يعني المساواة في النتائج، فمن شبه المؤكد أنها غير مرغوب فيها”. “لن يضع الرجال والنساء أنفسهم في نفس الفئة إذا تركت لهم الخيار.” (ذكر أنه في الدول الاسكندنافية، وهي جزء غير عادي من المجتمعات الديمقراطية في العالم، يتم تمثيل الرجال بشكل كبير بين المهندسين، والنساء بين الممرضات). وقد شكّلت قناعات كهذه إلهاما في داخله للتشكك بشكل عام حول الجهود الرامية إلى تصحيح عدم المساواة بين الجنسين. وقد جادل بأن السمات الأنثوية تقليديا، مثل التوافق، ليست مرتبطة تاريخيا بالنجاح المهني. (يقول أنه، كطبيب نفساني، كان دائما يشدد على عميلاته الإناث بأن يكنّ أكثر جدية وحسما في العمل). وعندما اقترح نيومان أن هذا الارتباط _بين الجنس وطبيعة العمل_ قد يعكس فقط الطرق التي أقصيت بها النساء خارج نطاق قيادة الشركات، بدا بيترسون متشككا وهو يعلّق “قد يبدو الحال أنه إذا عدلت الشركات سلوكها وأصبحت أكثر أنوثية، فستكون ناجحة”. “لكن لا يوجد دليل على ذلك.”

ليس بيترسون مهتمًا بشكل أساسي بالسياسة ، لكنه كان حريصًا على الانضمام إلى النقاش حول C-16 ، حيث يحظر هذا القانون الكندي التمييز على أساس الهوية أو التعبير عن النوع. في معارضته لمشروع القانون، ارتدى بيترسون عباءة حرية التعبير. “هناك اختلاف” ، يوضّح: “بين القول أن هناك شيء لا يمكنك قوله، وقول أن هناك أشياء يجب أن تقولها”. ولكن إذا كانت قوانين مكافحة التمييز تحظر أيضا التحرش، فإنها تحظر بالضرورة بعض أشكال المضايقات اللفظية، وبالتالي سوف تحد، إلى حد أكبر أو أقل، من الكلام. كندا تحدّ فعليا من الكلام بطرق لا تقوم بها الولايات المتحدة: تم إلغاء قانون ضد “خطاب الكراهية” في عام 2013 ، لكن الحكومة ما زالت تحظر “دعاية الكراهية”. من وجهة نظر أمريكية، قد تبدو هذه القوانين غير حكيمة، أو حتى قمعية. ومع ذلك، فمثل العديد من الجدل حول مسألة حرية التعبي، كان هذا النقاش إلى حد كبير جدلًا حول الوضع السياسي لأقلية ما.

انتهت مناقشة C-16 ، في الوقت الحالي – تم تمرير مشروع القانون وتم إقراره في الصيف الماضي. لكن بيترسون لا يزال رمزًا للرأي لحركة حظر أو تقييد حقوق المتحوّلين. عندما يلمح بسخرية إلى  “الضمائر المستحدثة ” ، يبدو أحيانًا أنه يسخر إلى الأشخاص الذين يستخدمونها ، مما يشجع معجبيه على رؤية الأشخاص المتحولين جنسياً أو غير الثنائي جنسياً على أنهم مرتبكون أو مخدوعون.

مرة واحدة ، بعد محاضرة، اقترب منه أحد النقاد في الحرم الجامعي وأراد أن يعرف لماذا لا يستخدم بيترسون الضمائر غير الثنائية. “أنا لا أعتقد أن استخدام ضمائرك ستفعل أي خير، على المدى الطويل ” أجابه بيترسون.

إذن ما الذي يؤمن به بيترسون فعلاً بالجنس والضمائر؟ يمكن أن يكون من الصعب التخمين. ففي وقت لاحق من هذا الحوار في الحرم الجامعي، عندما سئل عما إذا كان بيتر، في حالة عدم وجود إلزام قانوني، على استعداد لاستخدام الضمائر مثل “إنهم they” و “هم them” إذا طلب منه شخص عابر جنسيا ذلك، اعترض بيترسون. وقال “قد يعتمد الأمر على الطريقة التي يطلبون بها ذلك”.

 واحد من معتقداته التأسيسية هو أن الثقافات تتطور، مما يوحي بأن الضمائر غير القياسية يمكن أن تصبح قياسية. في نقاش حول الجندر (النوع الاجتماعي) في التلفزيون الكندي، في عام 2016، حاول إيجاد أرضية وسطى للحوار: “إذا كان مجتمعنا سيتوصل إلى نوع من الإجماع حول المرحلة التالية بينما حول كيف سنحل مشكلة الضمائر ،” وأردف قائلا: “ثم أصبح هذا جزءًا من اللغة الشعبية، ويبدو أنه سيحل المشكلة بشكل صحيح، دون التضحية بالتميز بين المفرد والجمع، ودون أن يطلب مني حفظ قائمة مستحيلة من عدد غير محدد من الضمائر، فأنا على استعداد لإعادة النظر في موقفي “.

على الرغم من ولعه بالمطالب الأخلاقية، إلا أن بيترسون يمكن أن يتخذ موقفا نسبيا. يميل إلى تخيّل مجتمع غربي يتغير بطرق لا يمكن التنبؤ بها. في مناقشة العديد من النساء اللواتي انتقدنه، تحدث عن كيف أن الخلافات اللفظية عادة ما تحتوي على تهديد ضمني بالعنف ، وكيف أن مثل هذه التهديدات الضمنية “ممنوعة” عندما يتعامل الرجال مع النساء. ومع ذلك، حتى عندما يكون الموضوع أساسيا كالعنف الذكور ـ الإناث،  فإنها تتغير معاييرنا: ففي الولايات المتحدة، تم سن قوانين ضد العنف الزوجي لأول مرة في منتصف القرن التاسع عشر. قوانين ضد الاغتصاب الزوجي ليست سوى بضعة عقود من العمر. منذ وقت ليس ببعيد، بل  ربما بدت هذه القوانين متطفلة ومدمرة. الآن، يرتجف الكثير من الناس من فكرة أنه كان يوما ما من القانوني أن يهاجم رجل زوجته جسديا. يبرع بيترسون في شرح سبب ضرورة توخي الحذر بشأن التغيير الاجتماعي، ولكن ليس لمساعدتنا على تقييم التغييرات التي يجب أن نفضلها؛ حيث يمكن تصوير أي تدبير إنساني حداثي على أنه انحراف جذري عن سنن من قبله. وفي حالة الهوية الجنسية، فإن حكم بيترسون هو أن “مجتمعنا” لم يوافق بعد على تبني ضمائر غير تقليدية، الأمر الذي لا يعتبر حجة لا يجب أن نفعلها. وهذا الحكم ليس من المرجح أن يكون مقنعاً في أماكن – مثل بعض الجامعات الجامعية في أمريكا الشمالية ، ربما – حيث يبدو الأفراد المشار إليهم بالضمير (هم) وكأنهم فعليا جزء من النسيج الاجتماعي.

نوع مختلف من المحارب الثقافي قد يعبر عن العداء للضمائر غير التقليدية من الناحية الدينية. ففي الولايات المتحدة، كان الكفاح ضد الحقوق القانونية للمثليينLGTBQ تحت قيادة المؤمنين. لكن بيترسون – مثله مثل بطله ، يونغ – لديه علاقة معقدة بالاعتقاد الديني. إنه يبجل الإنجيل لقصصه، مستلهمًا أن أي قصص أخبرنا أنفسنا بها لفترة طويلة يجب أن تكون، بمعنى ما، حقيقية.

في مقابلة حديثة على البودكاست، ذكر بيترسون أن الناس يسألونه أحيانا إذا كان يؤمن بالله. “أنا لا أستجيب هذا السؤال بشكل جيد” لذلك وقال: “الإجابة على هذا السؤال هي أربعون ساعة طويلة، ولا يمكنني تكثيفها في جملة.” أربعون ساعة ، كما تبين ، هي الطول التقريبي لمسلسل محاضرات قام بإنشائها بناءً على ” خرائط المعنى “.

في بعض الأحيان ، يؤكد بيترسون اهتمامه بالمعرفة التجريبية والبحث العلمي – على الرغم من أن هذه هي الأجزاء الأقل إقناعا من “12 قاعدة من أجل الحياة”. هناك تشابه واسع بين البشر وسرطان البحر، استنادا إلى ملاحظة أن الكركند (اللوبستر) الذكر الذي أثبت أنه مهيمن ينتج المزيد من السيروتونين. يقترح أنه عندما يتراجع الناس، مثل الكركند وهو يضعف، فإنهم أيضاً سيعانون من نقص السيروتونين، الأمر الذي سيجعلهم غير سعداء. حقيقة أن السيروتونين لديه تأثيرات متنوعة ومتناقضة في بعض الأحيان بالكاد هنا: قصة بيترسون عن سرطان البحر هي بالأساس أسطورة حديثة. يريد أن يتخيل القراء البائسون أنفسهم كالكركند البطولي. يريد أن تظهر صورة مخالب في أذهانهم عندما يشعرون أنهم بدأوا في الركود. يريد مساعدتهم.

بيترسون يريد مساعدة الجميع ، في الواقع. في أقل لحظات له ، يسمح لنفسه أن يحلم بعالم متحول. “من يعلم؟” يكتب “كيف سيكون الوجود إذا قررنا جميعا السعي للأفضل؟”

سنواته العديدة في الدراسة زرعت فيه قناعة أن الخير والشر موجودان، وأننا نستطيع تمييزهما دون اللجوء إلى أي  سلطة دينية معينة. هذا اعتقاد مطمئن، خاصة في الأوقات المربكة: “كل إنسان يتفهم، بداهة، ربما ليس ما هو جيد بالضرورة، ولكن بالتأكيد ماليس جيدا”. لا شك أن هناك معالجي ومدربي حياة في جميع أنحاء العالم يوزعون نماذج متعددة لهذه الصيغة، ويدفعون زبائنهم لمتابعة حياتهم التي تتفق بشكل أفضل مع حدسهم الأخلاقي. تكمن المشكلة في أنه عندما يتعلق الأمر بمسألة كيفية ترتيب مجتمعاتنا – عندما يأتي الأمر ، وبعبارة أخرى ، إلى السياسة -فقد ثبت أن حدسنا غير موثوق ولا متماسك. إن “البنية التحتية عالية الكفاءة ” التي يمتدحها هي نتيجة لجدل لا يتوقف حول ما هو جيد، بالنسبة لنا جميعا؛ متى نلتزم ومتى نختلف. يمكننا، معظمنا ، أن ننقذ أنفسنا، أو أن نتعلم كيفية القيام بذلك. هذا لا يعني أننا سوف نتفق على كيفية إنقاذ أي شخص آخر.

 

هذه المقالة تظهر في النسخة المطبوعة من 5 مارس 2018 ، بعنوان ( أنقذ نفسك ياصاح ).

يعمل كليفا سانيه كاتبا في مجلة نيويوركر منذ عام 2008.

المصدر

error: