مجلة حكمة

عوالم بشمسين – ويلش، ودويل


باختصار-7

تصوَّرْ مشهدا، يحاكي في سحره مشاهدَ غروب الشمس على الأرض، لغروب مضاعَف تُلقي فيه نجوم مختلفة الألوان صورا لونية مثيرة من ظلال برتقالية وحمراء. فمنذ سنوات ونحن – أنا وزميلي – نتساءل: هل بإمكان نجوم مقترنة، أو «ثنائية» أن تدعم وجود الكواكب؟ هل يحتمل حقا وجود عوالم مثل عالم تاتووينTatooine الخيالي، المستلهم من أفلام حروب النجوم Star Wars، والذي تُضاء به السماء بوهج شمسين مختلفتين؟

وللفلكيين أسباب تحملهم على الاعتقاد باحتمال وجود مثل هذه المنظومات، غير أن بعض المنظِّرين لا يشاطرونهم هذا الاعتقاد. فهم يحاجُّون في أن البيئة المحيطة بزوجٍ من النجوم ستكون شواشية chaotic بدرجة عالية لا تسمح بتكوُّن الكواكب. فخلافا لِجرمٍ سماوي يدور حول نجم وحيد، يتعين على كوكب يدور حول زوج من النجوم التعاملَ مع حقلين تثاقليين(2) يتنافسان على جذبه. ولما كان النجمان ذاتهما يدور كل منهما حول الآخر، فإن شدة القوى التثاقلية(3) تتغير باستمرار. وحتى لو تمكَّن كوكب من التكوّن في هذه البيئة الدينامية(4)، يبقى استقراره على المدى الطويل أمرا غير مضمون – إذ قد ينتهي به الأمر إلى أن يُقْذَف بعيدا في أغوار الفضاء السحيق، أو يصطدم بأحد النجمين. وقد أظهرت أرصادُ منظومات نجوم ثنائية بعضَ الأدلة غير المباشرة على وجود كواكب حول هذه النجوم الثنائية – أو كواكب «حوثنائية» i“circumbinary” planets، لكن الأدلة المباشرة ظلت غير مؤكدة.

وبعد أكثر من عقدين من جهود حثيثة بذلها <W. بوركي> ومعاونوه لإطلاق مركبة فضائية مهمتها استكشاف كواكب خارج المنظومة الشمسية، تكللت مساعيهم أخيرا بالنجاح وذلك في الشهر 3/2009. فقد أثبتت بعثة كپلر Kepler Mission التابعة للوكالة ناسا NASA نجاحها الباهر منذ ذلك الوقت، وذلك باكتشافها السريع للمئات، ثم الآلاف، من الأجرام المهيأة لتكوّن كواكب، بطريقة العبور transit methodالتي تبحث عن الكسوف المصغَّر mini eclipse الذي يحدث حين يدور كوكب أمام النجم، حاجبا بعضَ نوره. بيد أنه بعد مرور سنتين، لم يُعْثَر على أي كوكب حوثنائي. وقد أسفر الافتقار المُحْبِط إلى أدلة على أنها كواكب فعلا عن نتائج سيئة. ففي أحد المؤتمرات الأسبوعية التي يناقَش فيها مشروع كپلر هاتفيا، وذلك في ربيع عام 2011، قَدَّم أحدُنا اقتراحا مشوبا بشيء من التشاؤم إذ قال: «قد يتعين علينا كتابة مقالة عن سبب عدم وجود تلك الكواكب.» عندها خيّم على المشاركين صمت مطبق.

لقد كانت مخاوفنا في غير محلها. فبعد مرور ستة أشهر على تلك المحادثة عقدنا مؤتمرا صحفيا لنعلن فيه اكتشافَ أول كوكب عابر حوثنائي(5). وقد أُطلق عليه اسم كپلر-16bا(6). وبعد أشهر اكتشفت مجموعة العمل المسماة Kepler Eclipsing Binary Working Group كوكبين آخرين حوثنائيَّيْن (هما كپلر-34bا(7) و كپلر-35bا(8))، مدللة على أن مثل هذه المنظومات، على غرابتها، غير نادرة الوجود. وهكذا ترسَّخَ وجود صنف جديد من المنظومات الكوكبية. والسجل الحالي للكواكب الكپلرية الحوثنائية يحتوي على سبعة منها، وربما يتضاعف هذا العدد في غضون زمن قصير. وواقع الأمر أن الحسابات توحي باحتمال وجود عشرات الملايين منها في مجرة درب التبانة(9).

 

استراتيجيات البحث(**)

لقد بدأ البحث عن كواكب حوثنائية في ثمانينات القرن العشرين، حتى قبل عثور الفلكيين على أول دليل على وجود كواكب غير شمسية exoplanets خارج منظومتنا الشمسية [انظر: «البحث في الكون عن ظلال أراض أخرى»، العدد 4 (2002)، ومراجع الاستزادة الملحقة بها.] ومع أن حوادث العبور قد تكون أشد تعقيدا بكثير في منظومة ثنائية، فإن الآمال المعقودة على اكتشاف منظومة كهذه كان يذكيها توقع بسيط مؤداه أنه إذا دار كوكب فعلا حول منظومة نجمية ثنائية كَسُوفة(10)، فإننا نتوقع من هذا الكوكب أن يتحرك في المستوى المداري نفسه للنجمين ذاتهما. وبعبارة أخرى، إذا رأينا من منظورنا على الأرض أن النجمين كَسَفَ أحدهما الآخر، فإن الاحتمال الغالب هو أن يكسف الكوكبُ أحد النجمين أو كليهما. وهذا يفترض أن للكوكب والنجمين مدارات واقعة في مستو واحد، وهي فرضية معقولة – ومن الممكن اختبار صحتها.

وتؤلف النجوم الثنائية الكسوفة، عموما، الأساسَ الذي تُبنى عليه الفيزياء الفلكية النجمية. واتجاههما الخاص على طول خط بصرنا يعني أن النجمين يمر كل منهما أمام الآخر مرة واحدة كل دورة كاملة لهما، حاجبا بذلك بعضَ الضوء. وبإجراء نمذجة دقيقة للطريقة التي يخفت بها الضوء أثناء حوادث الكسوف، نستطيع إدراك حجمي النجمين وشكليهما، وهندسة مداريهما. وإذا أضفنا إلى ذلك قياسات أخرى، تمكنا من قياس نصفي قطري النجمين وكتلتيهما. وهكذا، فإن النجوم الثنائية الكسوفة توفر تقييما للكتل النجمية وأنصاف الأقطار، التي تستعمل بدورها في تقدير خصائص النجوم غير الكسوفة والنجوم الوحيدة.

وإذا كان النجمان في نظام ثنائي بعيدين جدا أحدهما عن الآخر، وكان دورهما المداري orbital periodيستغرق مئات السنين، مثلا، فإن تأثير أحدهما في الآخر لا يكاد يُذكر، ومن ثم فإنهما يتحركان وكأنهما في معزل أحدهما عن الآخر. وقد تدور الكواكب حول أيٍّ من النجمين، من دون أن تتأثر كثيرا، على وجه العموم، بوجود النجم الآخر، وهذه تسمى كواكب حونجمية circumstellar, أو من النمط-Sا(11)، وقد اكتُشِفت العشرات منها في العقد المنصرم.

وتصبح الأشياء أكثر إثارة للاهتمام حين يكون النجمان متقاربين جدا، وعندئذ فإن الوقت الذي يستغرقانه ليدور كل منهما حول الآخر دورة كاملة، لا يتعدى أسابيع، أو حتى أياما. وكي يكون لكوكب في نظام ثنائي كهذا مدار مستقر، لابد له أن يدور حول كلا النجمين، لاحول واحد منهما فقط. وتبين الحسابات العددية أن البعد المداري لكوكب عن النجوم يجب أن يكون أكبر من مسافة صغرى حرجة؛ إذ إن القرب الشديد سيحمل النظام الثنائي الدوّار على زعزعة استقرار مدار الكوكب، ومن ثم ابتلاع الكوكب أو لفظه بعيدا في أعماق المجرة، علما بأن الحد الأدنى لمسافة الاستقرار يعادل تقريبا اثنين إلى ثلاثة أمثال المسافة الفاصلة بين النجمين. ويُعرف هذا النوع من الكواكب بالكواكب الحوثنائية circumbinary planets، أو كواكب النمط-Pا(12). وفي حين نرى أن الكواكب حول نجوم وحيدة، وحول نجوم منفردة في منظومات ثنائية نجماها بعيدان جدا أحدهما عن الآخر، هي كواكب شائعة في الفضاء، فإننا نتساءل عما إذا كانت الطبيعة قادرة على تأليف منظومات كوكبية في التشكيل الحوثنائي، حيث يدور الكوكب حول النجمين كليهما.

وفي منظومة بسيطة مكونة من نجم واحد وكوكب واحد، تحدث عمليات العبور بإيقاع دوري يساعد كثيرا على كشفها. لكن إضافة نجم آخر يجعل منظومة الأجسام الثلاثة الحاصلة تبدي مظاهر من التعقيد الشديد، الذي ينشأ نتيجة سرعة حركة النجوم – خلافا لمنظومة النجم الوحيد الذي يكون فيه النجم ساكنا عمليا. وفي الحقيقة، لما كان النجمان قريبين أحدهما من الآخر أكثر من قربهما من الكوكب، فيجب أن يدور كل منهما حول الآخر بسرعة أعلى من سرعة دوران الكوكب حولهما – وهذا تجسيد لقوانين <J. كپلر> الشهيرة في الحركة الكوكبية. وهكذا، فإن الكوكب يقوم بعبور هدف سريع الحركة، ويقطع النجمَ في وقت مبكر أحيانا، وفي وقت متأخر أحيانا أُخرى [انظر للإطار التالي “استراتيجيات البحث الدقيق عن كواكب”]. وفي حين يمكن التنبؤ بدقة بحوادث العبور (إذا كانت الكتل والمدارات معروفة)، فإن هذه الحوادث ليست دورية الوقوع. إضافة إلى ذلك، يتغير أمد العبور تبعا لحركة الكوكب بالنسبة إلى النجم الذي يجري قطعه – فإذا كانا يتحركان بالاتجاه نفسه، فإن العبور يستغرق مدة أطول، غير أنه إذا كان النجم موجودا على النصف الآخر من مداره ويتحرك بالاتجاه الآخر، فسيستغرق العبور مدة أقصر. ومن شأن هذه التغيرات أن تجعل كشف الكواكب الحوثنائية عملية صعبة، لكنها توفر فائدةً مهمة هي أنه حالما يتبين مدار النجم الثنائي، فإن نمط أوقات ومدد العبور المتغيرة يمكن الإفادة منها للتوثق على نحو قاطع من وجود جسم حوثنائي يدور في فلكه، علما بأنه ليست ثمة ظاهرة فلكية أخرى يمكن أن تبدي هذا النمط، بل إنها سمة فريدة مميزة لجسم حوثنائي – وهي بمنزلة دليلٍ قاطع.

 

الاكتشاف الأول(***)

ظلت بعثة كپلر – إلى أن عطّلتها مشكلات تقانية في وقت مبكر من هذا العام – تراقب بعناية رقعةً وحيدة من السماء بحثا عن المنطقة الخافتة الضوء التي تُحدِثها الكواكب العابرة أمام نجومها المضيفة. وأثناء قيام كپلر بعمليات بحثها عن كواكب، اكتشفت أيضا أكثر من ألفي منظومة جديدة لنجوم ثنائية كسوفة. وقد اكتشفت عدة منظومات غريبة جدا، من بينها أولى ما عُرفت من منظومات ثلاثية النجوم كسوفة(13).

وفي عام 2011 لاحظ أحدنا (<دويل>)، بالتعاون مع الباحث المشارك <R. سلوسون>، الذي كان يعمل معه في معهد SETI، ومقره مدينة ماونتين ڤيو بكاليفورنيا، حوادث كسوف إضافية في النجوم الثنائية المسماة KIC 12644769. ولوحظ أن النجمين كان يكسف أحدهما على الآخر كل 41 يوما، بيد أنه كان ثمة ثلاثة حوادث كسوف أخرى لم يُعرف لها سبب أو تفسير؛ حدث أول اثنين منها بفاصل زمني قدرة 230 يوما، أما الثالث فحدث بعد ذلك ب 221 يوما – أي قبل الموعد المتوقع بتسعة أيام. وهذه هي بالضبط الإشارة التي تصدر عن كوكب حوثنائي.

وبذلك تكون حوادث العبور هذه قد وفرت دليلا على وجود جِرمٍ ثالث يدور حول النجم الثنائي. لكنه قد يكون مجرد نجمٍ صغيرٍ عاتم يَسِفُّ(14) جزءا من النجم الكبير – وكما أظهرت لنا بعثة كپلر، فإن مثل هذه المنظومات النجمية الثلاثية الكسوفة ليست نادرة جدا. وقد دل الإعتام(15) الطفيف على أنه قد يكون للجِرم نصف قطر صغير، لكن الأجرام النجمية الشكل، مثل الأقزام السُّمر brown dwarfs صغيرة أيضا، لذا فلا يمكننا الجزم بأن الجرم كوكب، بل لا بد من قياس كتلته.

 

[تصنيف فلكي]

نمطان من النجوم الثنائية(****)

  لمنظومات النجوم الثنائية عدة مظاهر مختلفة. فبعض هذه النجوم ذو مدارات هائلة حلقية حول مركز كتلتيهما المشترك، وتستغرق مئات السنين لإتمام دورة واحدة. وتميل هذه النجوم إلى الحركة وكأنها منعزلة عن غيرها تقريبا. إن كوكبا من النمط-Sا(16)يمكن أن يدور حول نجم واحد من منظومة النجم الثنائي دون أن يؤثر فيه النجم الآخر. وفي المقابل، يمكن أن يدور نجمان متقاربان أحدهما حول رفيقه في غضون أسابيع أو أيام. والسؤال عما إذا كانت الكواكب من النمط-P ستظل على قيد الحياة في بيئة تثاقلية شواشية حول نجم ثنائي، مازال مفتوحا منذ سنوات.

وفي كل منظومة ثلاثية الأجرام، يستطيع رفيق غير مرئي لجرم ثنائي أن يعلن عن وجوده بطريقتين أساسيتين. تصور نجمين يكسف كل منهما الآخر، وكوكبا كبيرا نسبيا بعيدا عنهما يدور حولهما. إن جرمي هذا النجم الثنائي يدوران حول بعضهما البعض، لكن يضاف إلى ذلك أن مركز كتلة هذا الزوج يدور حول مركز كتلة المنظومة الثلاثية الأجرام [انظر للإطار التالي “استراتيجيات البحث الدقيق عن كواكب”]. ونتيجة لذلك، تنزاح النجوم الثنائية شيئا ما، مقتربة من الأرض أحيانا، ومبتعدة عنها أحيانا أخرى. وعند ابتعادها، يستغرق الضوء الصادر عن النجمين زمنا أطول ليصل إلينا، ومن ثم تقع حوادث الكسوف في وقت متأخر قليلا. وحين تكون النجوم أقرب إلينا، تقع حوادث الكسوف في وقت مبكر. وكلما كبرت كتلة الجرم الثالث، كبر هذا التغير. وهكذا، فإن تأثير زمن انتقال الضوء الدوري يسمح لنا بالاستدلال على وجود أي جرم غير مرئي وتقدير كتلته. كذلك، فإنه كلما ازداد بُعد الجرم الثالث عن النجم الثنائي، تعاظمَ ذلك التأثير لأن المسافة المضافة ستؤدي عمل رافعة، لكن كلما ازداد البعد، طال زمن الدورة. وفي حالة كوكبنا الحوثنائي المرشح، لم يكن هناك تغيُّر دوري يمكن كشفه في توقيت الكسوف من مرتبة 230 يوما، وهذا يقتضي أنه كان للجرم المخفي كتلة ضئيلة. لكن، ما درجة هذه الضآلة؟

 

[استراتيجيات البحث الدقيق عن كواكب(17)]

طريقة العثور على كواكب حول منظومات متعددة النجوم(*****)

  تظهر النجوم الثنائية أجراما فلكية بطريقة فريدة. فإذا حدث، من وجهة نظرنا، أن النجمين يكسف كل منها الآخر أثناء دورانهما في مداريهما، فيمكننا أن نعرف الكثير عن كل نجم عن طريق قياس مدى إعتام الضوء أثناء مدة الكسوف. ويمكن، أيضا، الإفادة من عمليات الكسوف هذه للعثور على كواكب تدور حول منظومة نجم ثنائي. بيد أن العثور على هذه الكواكب ليس أمرا سهلا؛ فمنظومات الأجرام الثلاثة يمكن أن تتحرك بطرائق معقدة. والأشكال التوضيحية الآتية هي نماذج مستمثَلة للآثار التي يبحث عنها الفلكيون.

  كيف تبدو النجوم الثنائية (******)
في كل منظومة نجم ثنائي كسوفية، يحجب كلُّ نجم ضوءَ الآخر مددا قصيرة، وهذا يُولِّد انخفاضات دورية في درجة السطوع.

الرسوم التخطيطية ليست وفق مقياس معيَّن

  تأثير زمن انتقال الضوء(*******)
في منظومة مؤلفة من ثلاثة أجرام، يدور مركز كتلة النجمين المكوِّنين للنجم الثنائي حول مركز كتلة منظومة الأجرام الثلاثة هذه. وينجم عن ذلك أن النجوم تكون في بعض الأوقات أبعد عن الأرض، وفي أوقات أخرى أقرب إلينا. وتعني المسافة الإضافية أن الضوء الصادر عن الكسوف الثنائي يستغرق زمنا أطول للوصول إلى مقاريبنا our telescopes، وهذا يؤخر قليلا توقيت الكسوف المرصود. أما المسافة التي هي أقصر، فإنها تُولِّد حوادث كسوف مبكرة.

  التأثير الدينامي(********)
يمكن أيضا للكواكب أن تغير أسلوب تحرك منظومة نجم ثنائي. فإذا كان نصف القطر المداري للكوكب صغيرا نسبيا، فإنه يؤثر في أحد النجمين (أو في كليهما) أثناء دورانهما. وفضلا على ذلك، إذا كان أحد النجمين أصغر كتلة من كتلة الآخر، اقترب مداره أكثر من الكوكب، وهذا يُضخِّم تأثير الكوكب. ويمكن للاقترابات الدانية تعديل مداريْ نجم ثنائي بطرائق معقدة. وفي هذا المثال، يسبب سحب الكوكب للنجم الثانوي حدوث الكسوف الرئيسي للنجم في وقت مبكر، وحدوث الكسوف الثانوي في وقت متأخر.

  حوادث عبور كوكبية عبر نجوم ثنائية(*********)
إذا مرَّ كوكب أمام نجم، فقد يحجب قدرا ضئيلا من ضوء النجم. وفي منظومة حوثنائية، تكون النجوم الخلفية في حالة حركة. ونتيجة لذلك، يمر الكوكب أمام النجم في وقت مبكر أحيانا، وفي وقت متأخر أحيانا أخرى، يضاف إلى ذلك أنه إذا كان الكوكب والنجم متحركين بالاتجاه نفسه، فإن العبور يستغرق مدة أطول؛ أما إذا كانت الحركتان باتجاهين متعاكسين، فالمدة أقصر، وهذا التأثير يسبب تأخيرات تطول أياما أو أكثر.

أما الطريقة الأخرى التي يؤثر بها جرم ثالث في النجم الثنائي، فتتم بواسطة التآثر التثاقلي المباشر directgravitational interaction الذي يسمى التأثير الدينامي the dynamical effect. وتهيمن هذه الطريقة على تأثير زمن انتقال الضوء للأجسام القريبة. ويُحدِث الرفيق غير المرئي تغيرات طفيفة في مدارات النجوم الثنائية، ويمكن اكتشاف هذه التغيرات من الاختلافات الحاصلة في أوقات وقوع حوادث الكسوف. وبسبب دنوِّ النجم الصغير أكثر فأكثر من الجرم الثالث، يتزايد اضطراب مداره. وخلافا لتأثير زمن انتقال الضوء، فإن التأثير الدينامي يُغيِّر أوقات الكسوف بطرائق معقدة.

وقد لاحظ أحد زملائنا من الفريق العلمي لبعثة كپلر وهو <C .D. فابريكي> ، الذي يعمل الآن في جامعة شيكاگو، أن الجرم الذي له كتلة نجمية يخلّف أثرا قويا في أوقات الكسوف، في حين يولد الكوكب بصمةsignature أضعف بكثير – لكنها قد تكون قابلة للقياس. وفيما يتعلق بهذه المنظومة، لابد من أن تكون التأثيرات الدينامية أقوى كثيرا من تأثير زمن انتقال الضوء. وقد بحثنا عن التغيرات في توقيت الكسوف ووجدناها، وتبيّن أن قوة السحب tug المؤثرة في النجوم لم تكن على الإطلاق قريبة مما يمكن أن يولده رفيق ذو كتلة نجمية.

وحانت الخاتمة الرائعة للبحث عندما تمكن <A .J. كارتر> [الباحث في مركز Harvard-Smithsonian Center for Astrophysics] من ابتكار نموذج حاسوبي متقدم للمنظومة، استطاع مقابلة مجموعة البيانات الكاملة لكوكب تماما مع كتلة مماثلة لكتلة كوكب زحل. وقد أثبت الانسجام الرائع بين الأرصاد والنمذجة وجود الكوكب، ووفر قيما دقيقة جدا لأنصاف أقطار المنظومة وكتلها وخصائصها المدارية.

وقد أُطلِق على هذا الكوكب اسم كپلر-16bا(18)، وكان أول كوكب حوثنائي عابر يكتشف. ويلاحظ أن اجتماع حوادث العبور والتأثيرات الدينامية الظاهرة جعل هذا الكشف واضحا لا لبس فيه. ولما كانت النجوم الثنائية تبدو مثل أقراص بحجم الشمس عندما تُرى من هذا الكوكب، فسرعان ما استعار كپلر-16b اللقب «Tatooine» من الكوكب الخيالي في أفلام Star Wars وصورته الأيقونية لغروب شمسي مضاعف. وهكذا، يتحول الخيال العلمي إلى حقيقة علمية.

 

صنف جديد من الكواكب(**********)

بدا كپلر-16b، في البداية، كوكبا غريبا جدا. فمداره قريب بدرجة غير مريحة من نجومه المضيفة، إذ إنه لايزيد سوى 9 في المئة فقط على المسافة الحرجة الصغرى اللازمة للاستقرار المداري. وبسبب كونه الكوكب الحوثنائي العابر الوحيد عند اكتشافه، فقد طرحنا على أنفسنا السؤال التالي: تُرى، هل كان كپلر-16b محض مصادفة؟

ولحسن الحظ، جاء الجواب بسرعة. ففي إطار عملنا مع <A .J. أوروز> [من جامعة سان دييگو الحكومية]، كنا نبحث عن كواكب حوثنائية لا تَعْبُرُ نجومَها. وهذه يجب أن تكون أكثر شيوعا بكثير من حالات العبور، ذلك لأن التراصف الخاص لمدار الكوكب لإحداث العبور أمرٌ لا لزوم له. وقد تقدَّم لنا آنفا أن التغيرات الطفيفة في توقيتات الكسوف حرّية بإظهار مثل هذه الكواكب. لقد كنا نتابع هذا الخط من البحث على مدى شهور، وتمكنا من تحديد بضع منظومات محتملة. وبعد ذلك، وتحديدا بعد ظهر يوم ثلاثاء من الشهر 8/2012، لاحظ أحدنا (<ويلش>) حوادث عبور في إحدى منظومات النجوم الثنائية. وما هي إلا ساعات حتى أنشأ <فابريكي> نموذجا حاسوبيا أعاد توليد أوقات العبور المتغيرة وآمادها، مؤكدا أن الجرم العابر هو كوكب. وقد سمينا الكوكب المكتشف كپلر-34bا(19). وفي اليوم التالي بالضبط، كشف <أوروز>، الذي كان يعمل دون كلال أو ملال، حوادثَ عبور في منظومة نجم ثنائي كَسوف أخرى، وكانت تؤوي أيضا كوكبا هو كپلر-35bا(20).

وعلى مدى الأشهر القليلة التي تلت، واصل <أوروز> بحثه ليكتشف كپلر-38bا(21)، مدللا أيضا على وجود كواكب حوثنائية صغيرة كتلها من مرتبة كتلة نبتون، ثم ليكتشف المنظومة الكوكبية كپلر-47(22) التي تحتوي كوكبين على الأقل، مدللا على أن النجوم الثنائية يمكن أن تؤوي كواكب متعددة. على أن اكتشاف أحدث كوكب حوثنائي، وهو كپلر-64bا(23) (المعروف أيضا باسم PH1)، كان ثمرة بحوث، متزامنة ومستقلة، قام بها <V. كوستوڤ> [طالب الدراسات العليا في جامعة جونز هوپكنز] وفريق من الفلكيين الهواة يعمل بصفته جزءا من المشروع المسمى Planet Huntersا(24). إنه جزء من منظومة رباعية النجومquadruple-star system من شأنها توسيع نطاق تنوع الأماكن حيث يحتمل أن تتكوّن الكواكب.

وتدلُّنا الكواكب الحوثنائية السبعة التي اكتشفت حتى الآن على أن هذه الأجرام ليست نادرة الوجود جدا، بل إنها مكنتنا من الكشف عن صنف كامل جديد من المنظومات الكوكبية. وفي كل مرة نكتشف فيها منظومةً كوكبية عابرة، ينبئنا علم الهندسة أن ثمة خمسة إلى عشرة كواكب تقريبا تتعذر علينا رؤيتها لأنها لاتمتلك التوجه السليم الذي يجعلها تمر أمام النجوم الثنائية كما تُرى من موقعنا المشرف المؤاتي لرصد تلك الكواكب. وبافتراض أن الكواكب السبعة اكتُشِفَت في نحو ألف نجم ثنائي كَسوف جرت دراستها، فبمقدورنا القول بتحفظ إن مجرتنا مأوى لعشرات الملايين من مثل هذه المنظومات الكوكبية الحوثنائية.

إن جميع كواكب كپلر الحوثنائية العابرة المكتشَفة حتى الآن هي عمالقة غازية، إنها عوالم تنعدم فيها القشرة الصخرية التي تسمح لرائد فضاء بالوقوف على سطحها ومعاينة روعة حوادث الغروب المضاعفة. والبحث مستمر عن كواكب صخرية صغيرة، مع أن الكواكب الحوثنائية التي يماثل حجمُها حجمَ أرضنا ستكون عسيرة الكشف على الراصدين.

ومع أننا لا ندرك لماذا تنزع هذه الكواكب إلى تفضيل مدارات غير مستقرة كهذه، فبمقدورنا استنتاج شيء أعمق، ألا وهو أن تَكَوُّن الكواكب عمليةٌ عنيفة تستدعي قوة شديدة.

ولكن، حتى بوجود هذه العينة الصغيرة من الكواكب، فإن عددا من الأسئلة المثيرة للاهتمام تطرح نفسها. فمثلا، تبين أن لنصف مجموع نجوم كپلر الثنائية الكسوفة دورا مداريا أصغر من 2.7 يوم، لذا توقعنا أن يكون لنصف عدد النجوم الثنائية التي لها كواكب، أدوارٌ أصغر من 2.7 يوم أيضا. لكن الواقع هو أنه لايوجد لأي منها مثل هذا الدور؛ فأقصر دورٍ مداري لها هو 7.4 يوم. تُرى، إلامَ يعود سبب ذلك؟ نحن نظن أن ذلك مرتبط في المقام الأول بالعملية التي قرّبت النجوم بعضها من بعض.

إضافة إلى ذلك، تنِزع الكواكب إلى الدوران حول نجومها على مقربة شديدة منها. ولو أنها كانت أقرب كثيرا من ذلك، لغدت مداراتُ الكواكب غيرَ مستقرة. إذن، ما الذي يجعلها تعيش في خطر شديد؟ إن فهم سبب حركة الكواكب الحوثنائية في مداراتٍ قريبة جدا من أنصاف أقطار عدم استقرارها الحرجة، يساعدنا على تحسين النظريات المتعلقة بطريقة تكوّن الكواكب، وبطريقة تطور مداراتها على مرّ الزمن.

 

منطقة دينامية صالحة للسكنى(***********)

إن نزوع كواكب كپلر الحوثنائية للبقاء قريبا من نصف قطر الاستقرار الحرج ينطوي على نتيجة مهمة. فنصف القطر الحرج في عينة كپلر النجمية قريب عموما من المنطقة الصالحة للسكنى – وهي المنطقة المحيطة بنجم (أو، في هذه الحالة، المحيطة بنجمين) حيث الطاقة الصادرة عن ذلك النجم تجعل درجة حرارة الكوكب ملائمة تماما لإبقاء الماء في الحالة السائلة. وإذا اقترب الكوكب من النجم اقترابا شديدا غلى ماؤه، وإذا ابتعد كثيرا تجمد ماؤه. وغنيٌّ عن القول إن الماء مطلب أساسي للحياة.

أما المنطقة الصالحة للسكنى في نجم وحيد، فهي منطقة ذات قشرة كروية حول ذلك النجم. وفي منظومة ثنائية، توجد لكل نجم منطقة صالحة للسكنى خاصة به، وهي تندمج في مجسم كرواني spheroid مشوه إذا كان النجمان قريبين أحدهما من الآخر بقدر كاف، كما هي الحال في كواكب كپلر الحوثنائية. وبدوران النجمين أحدهما حول الآخر، تدور المنطقة المشتركة الصالحة للسكنى أيضا مع النجمين. ولما كان النجمان يدوران بسرعة أعلى من سرعة دوران الكوكب، فإن المنطقة الصالحة للسكنى تدور بسرعة أعلى من سرعة الكوكب.

وخلافا للأرض التي تسبح في مدارٍ شبه دائري حول الشمس، فإن المسافة، التي تفصل كوكبا حوثنائيا عن كلٍّ من نجميه المضيفَيْن، يمكن أن تتغير تغيرا كبيرا على مدى السنة المدارية للكوكب. وهكذا، فإن الفصول الكوكبية قد تتزايد أطوالها أو تتناقص في غضون بضعة أسابيع فقط مع دوران النجمين كلٍّ حول الآخر. ومن الممكن أن تكون هذه التغيرات المناخية شديدة، ولن تكون إلا شبه منتظمة.

ويذكر أن اثنين من الكواكب العابرة السبعة المعروفة موجودان في المنطقة الصالحة للسكنى ضمن منظومتيهما، وهذه نسبة عالية جدا. ومع أن الوجود في منطقة صالحة للسكنى لا يضمن توفر ظروف صالحة للحياة – مثلا، قمر الأرض موجود في منطقة الشمس الصالحة للسكنى، ومع ذلك لا وجود لحياة عليه بسبب صغر كتلته التي هي أضعف من أن تحتفظ بغلاف جوي حوله – فإن هذه النسبة العالية من الكواكب الحوثنائية في مناطقها الصالحة للسكنى تدعونا إلى وقفة للتفكير والتساؤل: ما هو شكل الحياة، بل الحضارة، على عالم حوثنائي تسوده فصول عنيفة سريعة التغير؟

 

 

(مجلة العلوم – أكتوبر 2014)


 

المؤلفين:

William F. Welsh <ويلش> أستاذ علم الفلك في جامعة سان دييگو الحكومية.

 

Laurance R. Doyle <دويل> متخصص بالفيزياء الفلكية بمعهد SETI في ماونتين ڤيو بكاليفورنيا.

 


 

مراجع للاستزادة

Kepler-16: A Transiting Circumbinary Planet. Laurance R. Doyle et al. in Science, Vol. 333, pages 1602–1606; September 16, 2011.
Transiting Circumbinary Planets Kepler-34 b and Kepler-35 b. William F. Welsh et al. in Nature, Vol. 481, pages 475–479; January 26, 2012.
Kepler-47: A Transiting Circumbinary Multiplanet System. Jerome A. Orosz et al. in Science, Vol. 337, pages 1511–1514; September 21, 2012.
The Kepler Mission: http://kepler.nasa.gov
The Planet Hunters: www.planethunters.org


(*)WORLDS WITH TWO SUNS

(**)SEARCH STRATEGIES

(***)THE FIRST DETECTION

(****)Two Types of Binary Planets

(*****)How to Find Planets around Multistar Systems

(******)What Binary Stars Look Like

(*******)The Light-Travel Time Effect

(********)The Dynamical Effect

(*********)Planetary Transits across Binary Stars

(**********)A NEW CLASS OF PLANETS

(***********)A DYNAMIC HABITABLE ZONE


(1) two-star systems

(2) gravitational fields

(3) gravitational forces

(4) dynamic environment

(5) circumbinary

(6) Kepler-16b

(7) Kepler-34b

(8) Kepler-35b

(9) Milky Way

(10) eclipsing binary star system

(11) S-type

(12) P-type

(13) eclipsing triple-star systems

(14) يمس مسّاً خفيفا.

(15) dimming

(16) S-type

(17) planet-hunting strategies

(18) Kepler-16b

(19) Kepler-34b

(20) Kepler-35b

(21) Kepler-38b

(22) Kepler-47b

(23) Kepler-64b

(24) صياد الكواكب.

*مجلة العلوم