مقابلة مع جون بول سارتر – اوريستي بوتشياني / ترجمة: بشرى الجحدلي

مقابلة مع جون بول سارتر – اوريستي بوتشياني / ترجمة: بشرى الجحدلي

(كانت مسرحية جون بول سارتر “أسرى ألتونا” محط الأنظار في العاصمة الفرنسية باريس والتي تم عرضها لأول مرة في مسرح النهضة، حيث صادف وجود اوريستي بوتشياني في ذلك الحين وتم إجراء المقابلة.)

بوتشياني: من ملاحظاتك التي اطلعت عليها من عدة مصادر عن مسرحيتك الأخيرة، رأَيت أَن تصورك بإشراك الأدب في الحياة قد تغيرت منذ نشرك لكتابك “ما هو الأدب؟” في عام ١٩٤٨. وقد أَخبرتني سيمون دي بوڤوار بأنك لا تعتقد بأَنه يمكن تغيير التصورات البشرية عبر الأَدب; وأن من أهم انطباعاتك عن كوبا هي بان سكانها لم يتغيروا. هل هذا صحيح؟

سارتر: نعم، انه صحيح لحد ما. ولكني في نفس الوقت أنا مقتنع بأنه إذا لم يتم إشراك الأدب في كل شي، فإنه لاشي.

بوتشياني: ماذا تقصد بهذا الكلام بالضبط؟

سارتر: ما أَقصده هو أَن الكاتب أو الروائي ــ على حد سواءــ لا يستطيع أَن يتعامل مع شؤون الحياة بدون أَن يشرك نفسه في جميع تفاصيلها. فعلى سبيل المثال، إذا أردت أن أصف مشهدا في حي سان جيرمان دي بري فأنا أجد نفسي منغمسا في كل ما يشغل هذا العصر من مشكلات، إلا أنه بإمكاني تجنب تصور هذه المشكلات بحصر عالمي في نطاق ضيق من الحقيقة. لكن في الواقع لا أستطيع. باعتبار جوهاندو مثلا، تجد بأنه حدد تصوره في نطاق الزوجين: ليزا وجوهاندو. هذا النوع من الكتابة ــ مهما كانت مثيرة للاهتمام ــ لا بد أن يقتصر إنتاجه على الوحشية. لا يمكن لأي كاتب عادي الإسهام في الإنتاج الأدبي. بطريقة أو بأخرى يعرف جميعهم هذه الحقيقة، لكنهم لا يقبلونها. وبالتالي، عندما يحاولون استغلال أوقات فراغهم، ينتهي بهم الأمر بكتابة قصص بوليسية. انظر إلى المجلد الأخير من Durrell، على سبيل المثال.

بوتشياني: أليس هذا نوعا مختلفا من المشاركة عن اللي تصورتها في عام 1948؟ إن مشاركة عام 1948، كما أفهمها، كانت في الأساس تعتني بالمحتوى عوضا عن النموذج الأدبي

 سارتر: نعم. كنت أرى أن المحتوى أهم من الشكل الأدبي، إذا صح التعبير. لكن وجهة نظري تطورت بالتأكيد منذ عام 1948. ففي عام 1948 كنت لا أزال يانعا – بالطريقة التي نحن عليها الكتاب في البدايات. اعتقدت، حتى بلغت سن الأربعين، كما ذكرت، بأنه يمكن تغيير الناس من خلال الأدب. لم اعد اصدق ذلك الان، مع إعتبار أنه من الممكن بالتأكيد تغيير الناس، ولكن ليس من خلال الأدب، على ما يبدو. لا أعرف لماذا بالرغم أن الناس يقرؤون ويبدوا أنهم يتغيرون، ولكن التأثير لا يدوم، لأنه لا يبدو بأن الأدب حقاً يحفز الناس على العمل والتغيير.

بوتشياني: هل لأنه ربما الأدب يرافق الناس في وحدتهم؟

سارتر: نعم، بالتأكيد.  ولكن هناك شيء أود إضافته وهو الاجتماعات السياسية على سبيل المثال – وأنا لا أقصد أنها بأي شكل من الأشكال متفوقة على الأدب، ولكن لها تأثير أكثر استدامة. فيبدو نتيجة لذلك أن العمل السياسي المباشر أكثر فعالية من الأدب. أعتقد أن هذا ربما يرجع إلى حقيقة أننا نحن الكتاب لا نعرف جيدًا ما نقوم به دائما. وضع الكاتب اليوم غريب جدا، فلديه اليوم وسائل أكثر تحت تصرفه من أي وقت مضى ومع ذلك يبدو أنه لا يستخدم إلا القليل منها. إنه أمر لا يصدق. الجميع اليوم معروف والجميع يعرف بعضهم البعض، ويمكن للكاتب الأقل أهمية نسبيًا أن يكون مشهوراً أو أكثر شهرة حتى من بودلير أو فلوبير في وقتهم. أما عني فلقد بدأت حوالي عام 1938 بـ الغثيان، وقبلها كانت لدي كتابات متواضعة ولا شيء أكثر. ولقد حظيت بنجاح كبير بذلك العمل. ولكن الآن انظر إلى ما جرى، بطريقة أو بأخرى، أعتقد بأن يجب أن يكون لدي أدوات أقل تحت تصرفي، مما أملك الان. وهذا يعني بأن هناك نوع من القصور في كونك كاتب اليوم، وأن إدراك ذلك هو عبر تصور الفرق بين موقعي اليوم ومما هو عليه في عام 1948.

بوتشياني: لقد ذكرت” القصور ” وهذا يقودني إلى “أسرى ألتونا” وكما أتصور، فإن الموضوع الرئيسي للمسرحية هو ” الحبس “. لكن المتلازمات اللغوية لـ “الحبس” هي عجز وقوة. هل توافق؟

سارتر: نعم. هذا صحيح بالتأكيد. لكن المسرحية بشكل عام تتمحور حول التعذيب.

بوتشياني: هل هي مسرحية عن الادب الأخلاقي؟

سارتر: نعم. لكنها ليست المسرحية التي أردت حقًا أن أكتبها. كنت أرغب في كتابة مسرحية عن التعذيب الفرنسي في الجزائر. كنت أرغب بشكل خاص في الكتابة عن شخصية الشاب الذي يُعذب ويتأقلم بشكل جيد مع ما فعله. ولكنها لم تكتمل.

بوتشياني: لماذا لم تكتب هذه المسرحية؟

سارتر: لسبب بسيط هو أنه لا يوجد مسرح في باريس كان سينتجها.

بوتشياني: لذلك اخترت ألمانيا كمكان لعرض المسرحية؟

سارتر: نعم. بعد كل ما حدث، لن يناقضني أحد إذا قلت إن النازيين ارتكبوا التعذيب.

بوتشياني: هل تشرح لي عنوان المسرحية؟

سارتر: حسنًا، كنت منبهرًا جدًا بـ “الحياة المعزولة”. وأنت تفهم ما أعنيه. هناك أسطورة شائعة – كانت شائعة جدًا في شبابي – حول الكاتب أو الشاعر الذي يعزل نفسه ويكرس نفسه للكتابة فقط لأنه لا يستطيع يتوقف، فمن الطبيعي أن يكون كاتبًا وهذا كل ما في الأمر. أما عني فلم أتبنى هذه الأساليب، لكنها شدت انتباهي. على أي حال، أردت أن أصور هذا الحبس كنوع من التحرير. إن موضوع المسرحية، كما ذكرت، برمته هو إعتزال من البداية، والعزلة هي موضوعي فيها. غيرلاج الكبير هو برجوازي، وصناعي قوي -ملقب بالبرجوازي الكبير – ويُعتبر محتجزا بسبب طبقته الاجتماعية. فرانتز هو أيضا محتجزا منذ البداية. وأول إشارة إلى أن فرانز كانت حيث مذنبًا حقًا بالتعذيب، وأنه كان أول من شرع به كرد فعل على السجناء اليهود الذين شعروا بالاشمئزاز من الأوساخ وتدهورهم بدلاً من ثورتهم. ليس هذا هو نوع من رد الفعل فحسب; يمكنك أن ترى أنه كان يهدف بفعله إلى تجريد “كرامة الإنسان” ومن هذا القبيل.

بوتشياني: يبدو لي أنه يمكننا أن نستنتج بأن فرانز كان رجلاً صالحًا لأنه انتحر؟

سارتر: نعم. شريطة أن تقول “لأنه انتحر”. في الواقع، لا معنى لمصطلحي “جيد” و “سيئ” في التاريخ، فكلما أدرك المرء أن “الجيد” كان “سيئًا” وأن “السيئ” كان “جيدًا” يعتريه نوع من الغموض حيالهما. المصطلحات لا تعني شيئًا حقًا في هذا السياق، فلا توجد عدالة مطلقة في التاريخ. يأتي فرانز في مرحلة ما لمواجهة ما تم فعله. وكذلك والده. عليهم أن ينتحروا. لكن إنتاج المسرحية للأسف بشكل عام لم يعبر عن المعنى من وجهة نظري.

بوتشياني: كان أداء ريجياني جيدًا جدًا مع التحفظات! الا تظن ذلك؟

سارتر: نعم، مع التحفظات.

بوتشياني: كان الإنتاج الألماني الأخير في إيسن مختلفًا تمامًا، فجيرلاخ ظهر كما كنت تنوي كصناعي قوي، وشديد البأس؟

سارتر: نعم. لكن ذلك كان غريباً أيضاً. فيبدو أن الألمان قطعوا المشهد حين أكل فرانز ميدالياته التي حصل عليها. فهي كما تعلم مصنوعة من الشوكولاتة. وفي مرحلة ما يأكلها هو وجوهانا. إنه لأمر غريب جدا بأن يأكل فرانز ميدالياته.

بوتشياني: لاحظت ذلك. لكني اعتقدت أن النسخة الألمانية كانت عبارة عن نسخة معدلة، ولكن في كل الأحوال لم يعجبني هذا المشهد على الإطلاق؟

سارتر: حقًا؟ لماذا؟

 

بوتشياني: اعتقدت أنها بعيدة عن التوقعات. لقد كانت خدعة. كم هو غريب بأن لم ينتقد أحد ذلك. ربما لأن العرض كان ناجح للغاية على المسرح

سارتر: أوه، ولكن يجب أن يضحك الجمهور لقد تعلمت أنه إذا لم تعطِ الجمهور فرصة للضحك عندما تريد أنت ككاتب ذلك، فسوف يضحكون عندما لا تريدهم أن يفعلوا. إلى جانب ذلك، ليس هناك جدوى من بعض الإيماءات الفارغة مثل تمزيق الميداليات أو هذا النوع من الأفعال. لا يوجد معنى في ذلك. فالمفترض أن تبقى الميداليات سليمة. ولكن إذا أكلهم فرانز، فهذا يعني أنها ستختفي الميداليات ويتم هضمها.

بوتشياني: لكن ما الهدف من ذلك؟

سارتر: هل نسيت أن لدينا أبطال في فرنسا ويجب أن يعلموا بالإهانة المقصودة، كما يجب أن يعوا قيمة ما يمثلونه.

بوتشياني: لقد سمعت مرارًا وتكرارًا أن مسرحيتك تنتقد على أنها برجوازية درامية. هذا يبدو لي غير عادل. أرى الفصول الأولى والثالثة والخامسة على أنها برجوازية عمدا; تظهر حقيقة “العالم الواقعي”. لكن الأخرى مختلفة تمامًا، وتبدوا في الطليعة. وهناك مستويان فيها: المادي والميتافيزيقي.

سارتر: نعم. بالضبط. ربما ليست “ميتافيزيقية” كليا، ولكن في نفس الوقت يمكن تصنيفها كذلك. يجب علينا أن نبدأ بالعالم البرجوازي ولا توجد نقطة انطلاق أخرى. وبهذا المعنى فإن الوجودية هي أيديولوجية برجوازية لكن هذا العمل ليس سوى محطة البداية. ففي نوع مغاير من العالم، سيكون المسرح نفسه مختلفًا. وكذلك الحال بالنسبة للفلسفة. لكننا لم نصل إلى هذه النقطة بعد. ففي المجتمع الذي يعي مشكلاته ويعرضها عبر المسرح، سيكون الأدب نقدًا وخلافًا مستمر. هذا مسار يطول شرحه لكن من الخطأ تمامًا وصف مسرحيتي بأنها درامية برجوازية، فالدراما البرجوازية تسعى لتقليص المشاكل التي تنطوي عليها. ليس هذا هو الحال في “سجناء ألتونا” فهناك تحرير فعلي في الانتحاريين، ولا يوجد غموض وسرية تم الكشف عنهما ولكن هناك جدلية.

 

بوتشياني: نعود إلى عنوان المسرحية مرة أخرى، هل لك أن تخبرني لماذا اخترت لها هذا العنوان؟ أعني أصل الكلمة.

سارتر: حسنا، أنت تعرف ما يعنيه المصطلح في الفرنسية، فالشخص الذي يعزل نفسه أو يُعزل يسمى “محتجز”.

بوتشياني: نعم. وأتساءل عما إذا كان هناك أصداء لذلك.

سارتر: بالتأكيد.

بوتشياني: إذاً مسرحيتك هي في الواقع اراء أخلاقية شخصية؟

 سارتر: نعم. الى حد كبير. ما زلت أؤمن بالأدب الاجتماعي الأخلاقي.

بوتشياني: قال مورياك إنك أنت الأسير الحقيقي. أتساءل ما رأيك في ذلك؟ فمسرحيتك تعكس اهتمامك بعجز الكاتب في حل مشكلات المجتمع وإحباطه بالرغم من امتلاكه القوى الكتابية.

سارتر: نعم، هذا صحيح. كنوع من التصريح المثالي. ولكن يجب على الكاتب أن يعي بأنه لن يتم منح الأدب هذه السلطة أبدًا. إذا كانت موجودة سابقا، فلن تكون موجودة الان. لديك أندريه مالرو كمثال. هذا المنحى خطير على الأدب. في الواقع، أحد أسباب تطور منظوري في هذا الصدد هو أنني أدركت، بعد عام 1948، أنني في طور إنشاء كتاب أخلاق للكاتب وحده أسميه “أخلاق الكاتب”. وودت في نفس الوقت الابتعاد عن ذلك لأني أرغب في التعامل مع جميع المشاكل، ليس فقط تلك المحصورة بعالم الكاتب.

بوتشياني: أود أن أسألك شيئًا عن التحليل النفسي الوجودي. أتذكر هذا بسبب “جنون” فرانز. لا يمكن للمرء أن يقول أن التحليل النفسي الوجودي هو تحليل نفسي للأشخاص العاديين في حين يتطلب فرويد فئة من “المرضى النفسيين” للقيام بالتحليل؟

سارتر: من المؤكد أن التحليل النفسي الوجودي معني بالأشخاص العاديين. إن التحليل النفسي التقليدي الذي يمارس اليوم في أمريكا وفرنسا هو وباء. يحيط بالفرد في مرضه. ليس هناك اي مخرج من ذلك.

بوتشياني: هذا أمر غريب بعض الشيء الآن، لكني أود أن أطرح سؤالًا آخر حول هذا التصور الأدبي. لقد سمعت في كثير من الأحيان الفلسفة الوجودية ينتقدها طلابي، على سبيل المثال — على أساس أنها مذهب للأبطال. أتذكر أن أحد الطلاب سألني: “كيف يمكن للكتاب المبتدئين أن يساهموا فيها”؟

سارتر: نعم، هذا مثير للاهتمام للغاية وقد يشكل مشكلة. لكني أتساءل عما إذا لم يكن هناك فرق بين فرنسا والولايات المتحدة في هذا التصور. فأنا أتخيل أنه في كاليفورنيا، على سبيل المثال، حيث الأمور عظمت أو صغرت يمكن ان تسير بشكل جيد.

بوتشياني: ممم.

سارتر: … نعم، بشكل سيء، لكنه مفعل بشكل أو بآخر … ولكن أن أتخيل أنه سيكون هناك نقص في الكوادر للمشاركة. لكن هذا لا ينطبق على فرنسا. هناك العديد من الكوادر هنا حيث يمكن لطالب مثل الذي ذكرته أن يجد مكانًا للعمل الفردي. وأعني من كل التيارين اليميني واليساري، على حد سواء.

بوتشياني: يقودني هذا إلى سؤال أخير حول مشاركة وفعالية الكاتب. فعلى سبيل المثال، هناك اهتمام كبير بالوجودية. في كاليفورنيا، بالرغم إنها بعيدة جدًا عن العالم. هل تعتقد بأن هذا الاهتمام سيكون موجودًا إذا لم تكن قد قدمت شكلاً أدبيًا لعملك؟

سارتر: الأدب مهم جدا بالتأكيد وأفهم ما تعنيه وأعتقد أننا يجب أن نعطي شكلا أدبيا لعملنا. فهو فرصة الكاتب الوحيدة، في نفس الوقت، ليس الأدب هو الوسيلة الوحيدة، ولكن يجب إشراكه. وخذ بالاعتبار بأني لا أعرض أي حجة هنا، فأنا أقل تفاؤلا مما كنت عليه، لكنني أعتقد أن الكاتب يمكنه المساهمة – في منع حدوث الأسوأ للمجتمعات.


المصدر:مقابلة سارتر

error: