مفارقة التناسخ: تقرير مفاهيمي حول “الكتابة والتناسخ” لعبد الفتاح كيليطو – محمد ازويتة

مفارقة التناسخ: تقرير مفاهيمي حول “الكتابة والتناسخ” لعبد الفتاح كيليطو – محمد ازويتة

مجلة الجابري – العدد الثالث


“لننظر الآن إلى النوع الآخر من النسخ، أي السيمولاكرات: إن ما تدعيه هاته النسخ وما تزعمه،(…)، تدعيه بطريقة ملتوية ومن أجل عدوان وتحريض وحث وخلخلة ضد الأب، ودون مشورة المثال… ج.دولوز

تتقدم الدراسة المنجزة في “الكتاب والتناسخ” باعتبارها طوبوغرافيا نظام علائقي، يشتغل من خلاله مفهوم “التناسخ” -بتنويعاته الدلالية والمتصدية- كأفق يحكم إنتاج النصوص وتداولها…
مسالك هذا السعي “واضحة”: التحرك داخل فضاء الثقافة العربية الكلاسيكية في تمفصل خطاباتها، وتعالق بنياتها، ونظام مرجعياتها وموجهاتها… مع رصد “إحالي”، تتكشف عنه آليات اشتغال التناسخ واستلزاماته…

بهدف رصد المعطيات المعطيات المذكورة، ثمة أجرأة خطوات الاشتغال داخل كومة مفاهيمية، تتوزع بين السلطة والأصل والنموذج والمثال… تنويع دلالي يتمفصل داخل محتويات نصية ذات طبيعتين متعاليتين:

طبيعة تمثيلية: على مستوى المتن الإحالي، إذا راعينا تراتب النصوص وقوة حضورها داخل حضن الثقافة العربية الكلاسيكية شهادة واستشهادا… دون أن يكون القصد من الخطاب عامة، تسيطر محتويات معرفية، أو كشف مقاصد أيديولوجية ما…

طبيعة تجانسية: على مستوى السند المعرفي، إذ تتكشف من خلالها بنية انتظام إبستمولوجي، يؤشر على إحدى الآليات الأساسية الموجهة لافق اشتغال المعرفة في الثقافة العربية الكلاسيكية، كما تكونت في عصر التدوين، وكما كرستها العلوم العربية الاستدلالية من نحو وفقه وكلام وبلاغة…
في مشروع قوي وهادف-على مستوى القوة النظرية والمقصد الحضاري يستأنف الجابري النظر في “العقل العربي”، كما تكون وتشكل داخل محضن لثقافة العربية الكلاسيكية، بمختلف فروعها “العالمة”، مع بدء النظر في كيان العقل العربي داخل النظم في كيان العقل العربي داخل النظم المعرفية الثلاث (بيان-عرفان-برهان)، بتحليل آلياته المعرفية، ورصد تجلياته الخطابية… مما استلزم عنه أفقا استراتيجيا جديدا، يراهن على “مراجعة شاملة لآليات العقل العربي ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه”.

في أفق هذه المواقعية النظرية، نقف على مستويين من انتظام الحضور بالمعنى القوي للمفهوم:
انتظام تكويني: تأخذ فيه سلطة النصوص وترتبيتها سندا قويا للاحاجاج عند اللغويين/النحاة، طبق شروط تدوينية “محددة” زمانيا ومكانيا، تراهن على ضبط المتون اللغوية، وتقعيد بنياتها… ضمن قوالب منطقية، وهياكل صوتية، وقد “فعل البلاغيون مثل فعلهم، حينما أقروا وركسوا في أواخر عصر التدوين ذاته مقاييس جعلت النموذج الجاهلي، نموذج الأعرابي خاصة، يتحكم في الإنتاج الشعري، والذوق الأدبي على مر العصور”.

نقف على إجراءات التقنين المذكور -على مستوى “المؤلف”- من خلال سلطة الإعرابي والنحوي والبلاغي، متمفصلة مع حقول أخرى، ومتوجة بقيود إسنادية، مهمتها ضبط الرواية والرواة، مع حصر الترخيصات الموجبة للإجازة، مخضعة التوقيع بكل حمولته الرمزية لسلطة الإشراف…

انتظام إبستمولوجي: تتجلى من خلاله آليات التفكير التي تحكم النظام المعرفي البياني ككل، ونوع الرؤيا التي يقدمها عن العالم… وفيما يخص موضوعنا، فإن إحدى الآليات الأساسية التي تتجلى فيها خصوصية التفكير البياني، وبها يتميز هي “إن عملية التفكير في هذا العقل محكومة دوما بـ”أصل”، وبعبارة أخرى، إن العقل البياني فاعلية ذهنية لا تستطيع، ولا تقبل ممارسة أي نشاط إلا انطلاقا من أصل معطى أو مستفاد من أصل معطى… ليس هذا وحسب، إنها تؤسس عملية إنتاج المعرفة ذاتها(…) لنضف أخيرا مظهرا ثالثا من مظاهر سلطة “الأصل” على العقل البياني، يتعلق الأمر بالقواعد الأصولية التي يضعها البيانيون…”.

لعل إحدى خصوصيات التحليل الإبستمولوجي المعتمد، هو أنه يسوغ منهجيا إعادة النظر في التقسيمات التقليدية لحقول المعرفة العربية، بالنظر إليها في إطار “وحدة” دلالية ملتئمة المفاصل، متعالقة الإحالات… مما يستدعي مراجعة الأحكام التجزيئية التي كانت تصدر عن رؤية أحادية لعلم من العلوم العربية…

الدراسة المنفصلة للعلوم العربية، تفتقد إلى الصواب المنهجي، مما يجعل من الانتقاء والاختزال -تصورا وأحكاما- عناصر تلك المباحث… أما عندما يتعلق الأمر بالمقارنة بين علم من العلوم العربية، ومباحث أخرى في الضفة الأخرى، فإن قوة التأويل تؤدي بالضرورة إلى اسنتاجات عجيبة…
بالنظر إلى هذا النظام المرجعي، فإن الأدب -بالمعنى القديم- كنوع خطابي هو جوء من ممارسة خطابية، تتميز بنفس الانتظام الإبستيمي “حين ينصح ابن قتيبة الشاعر بعدم التجديد(…) فإنه يتوافق مع النحوي والفقيه اللذين يؤكدان تعلقهما بالأصل، الأدب برمجة للمستقبل تبعا لنموذج الماضي”.

من هنا تشكل الألفة مع النصوص وشخصيات الماضي، أفقا لإثراء النصوص داخل حدود مرسومة سلفا، يتعين اقتفاء تلك الرسوم، واتباع تلك الآثار، بهذا المعنى ترتسم منعرجات التناسخ في سياق من التقليد والمحاكاة، متخذة أشكالا متنوعة، موزعة في ذات الوقت توزيعا تكامليا بين السرقة، والتخلي والنسبة والانتحال… في اشتغال هذه المفاهيم، ينسج كيليطو خطابا مسهبا بالتأويلات النافذة والمعهودة، في القصيدة كما في النادرة، ويتوقف عند ملامح طوبوغرافية من حيل التناسخ مع الشاعر/الممدوح (السرقة الذاتية)، ومع الجاحظ/المؤلف-الحجة (النسبة المزيفة)، لتتبدى آفاق سوسيو-ثقافية تتعلق بمادة الكتابة، والكتابة على الكف، والنسخ… مشحونة بقوة تناسخية-أورفية، تخلخل نظريا الوصفات الجاهزة عن تحديدات الكتابة بما هي تمثيل خطي بسيط.

للوقوف على سؤال التناسخ في مستوى قوته المفهومية الكبرى، يلزم ربطه بمستوى آخر من الانفتاح:
إذا انطلقنا من فرضية الجابري وهي “أننا لا نحتكم في إطار الموروث الثقافي العربي، إلا إلى ما كرس في عصر التدوين كإطار مرجعي فرض نفسه تاريخيا لما قبله وما بعده”، فإن بناء هذا الصرح الثقافي قد شكل بالفعل حدثا تاريخيا عظيما، تجندت لمهامه الدولة والأفراد، استهدف هاجس التدوين بالأساس الدفاع عن الماضي العربي -ضد الحركات الشعوبية- وبالتالي الدفاع عن الهوية القومية، لا بل الدفاع عن الوجود وأسباب الوجود”.

انطلاقا من هذه الضرورة التاريخية، الملازمة للدور التأسيسي “للنحن”، سينصب الاهتمام على إعادة بناء الماضي العربي-الجاهلي منه والإسلامي، باستثمار المادة الوثائقية في كتابة التاريخ بتبريراتها الأونطولوجية (صورة ذاكرة عتيقة جماعية، تستعين بالوثائق المادية لكي تستعيد الذكريات في حرارتها…)، والمعرفية (التقليد، الوحدة، الأصل، الهوية). بالنظر إلى مفهوم الاتصال و: “أنغامه المتباينة”، تتضح بنية اشتغال الممارسة الخطابية في ثوبها الكلاسيكي، يؤشر حقلها المفاهيمي على تصور ميتافيزيقي للتناسخ كتطابق مع النموذج والمعنى والصورة، ذلك “أن وحدة النموذج وذاتية وتطابقه هو ما يؤسس وضعية النسخة” داخل الفكر الأفلاطوني.

بالإحالة إلى انشغالات كيليطو النظرية، نقف على سلسلة مفاهيمية، تخترق عملية الاحتواء، وتوقف مجال الكلينة النهائية التي محور الخطاب النقدي التقليدي انتظامه فيها ومن خلالها… لتتجلى مستويات من الانفتاح النصي، المنتج، بقدر ما يسكن التعارض (نموذج/نسخة)، يقاوم فعله، يخل بنظامه، ووصفاته الجاهزة، غازيا في نفس الوقت مجال النتظامه وصاية مرجعية راشدة، ينتظم داخل أفق معرفي، يحدث عمل التذكر كفعل استراتيجي لمفعولات الحقيقة، بكل تنويعاتها الدلالية، مراهنا على طاقة النسيان كقوة تمايزية، تؤسس الاختلاف وتوجهه “النسيان كارثة تلم بالبنيان، وتفك أواصره، وتفتت أحجاره، ليتحول الألف مقطوع إلى ركام لا حد له ولا صورة”، يتعين على الشاعر إذا أن ينطلق من الشذرات إلى خلفها التفويض، من المادة المبعثرة، وأن يعمل باتجاه محو الذاكرو والقضاء عليها، فإذا كان “لكل مقطوع شعري ذاكرة، (فمن) الضروري عند الاستماع إليه، القضاء على هذه الذاكرة وتغطيتها…” تصبح “التربية” الشعرية المقصودة خارج مدار التلقين والتذكر… النسيان بهذا المعنى طاقة خلاقة يصبح الجهد المبذول لإحياء الذكرى عبثا، إذ لا يستعيد إلا بقايا مادة لا تفصح عن الصورة الوحيدة المجيدة للقطعة المعينة.

بالنظر إلى هذا “التصحيح”، تصبح “الذات” وظيفة موقعية، لا تتعلق بوعي مرجعي، أو بإرادة قول قصدية، بل تخضع لشروط انتظامية تشغلها، وبالرغم عنها. فإذا كانت اللغة عند البنيويين منظومة مغلقة، مكتفية بذاتها، وليست واسطة أو أداة تعبير عن تجربة ذاتية، وإنما هي تعبير عن إمكانيات وحدود الشفرة والمستعملة. فإننا في الخطاب الأدبي نصبح أمام انتظام أنواعي محدد أشد التحديد، بحيث إن لكل نوع عرف خاص به، سيكون “من العبث أن نفتش في شخصيات الشعر العربي عن أفراد محددين، أو أن نتساءل عن صدق الشعراء، لقد تلقى عمر بن أبي ربيعة اللوم لأنه خالق من بعض قصائده القاعدة، التي بمقتضاها توصف المرأة بأنها -حسب تعبير كثير- مطلوبة ممتنعة”، بهذا المعنى فإن التجربة الشخصية للشاعر لا تؤخذ بعين الاعتبار، وإنما المهم هو الخضوع لشبكة الانتظام، وتوزيع الأغراض، فسواء تعلق الأمر بالمدح أم بالرثاء أم بالنسبيب، فإن النقد العربي القديم “يضع حواجز صارمة بين مختلف النماذج التي لا يمكن للشاعر أن يمدحها(…) لكل نموذج كلام يناسبه، ومجموعة من الخصال لا تخصه إلا هو بالذات، ولا ينبغي أن تحمل على نماذج أخرى…” في معرض تحليل كليطو لبيت بشار المتيم (وقد كان ضخم الجثة):

إن في بردي جسما لو توكأت عليه لانهدم
يخلص إلى ما يلي: “الرأي السائد هو أن القصيدة تعبر عن الشاعر، هذا الرأي يغفل عمل النوع: القصيدة تعبر قبل كل شيء عن النوع الذي تنتمي إليه: وحتى إذا افترضنا أننا أمام اسم نموذجي/مؤلف-حجة، فإن قيد النوع يظل واردا، داخل تعالق مبني كنائيا، يكفي أن نتلفظ بالغزل “العذري” كي ننتقل إلى جميل أو قيس أو كثير… وليس جرير أو الأخطل أو الفرزدق، وبعبارة أوضح، فإذا كان النوع يتمظهر من خلال المؤلفات “الفردية”، فهو لا يفنى فيها، بل يتجاوزها ويخترقها، بحيث لا يستطيع “المؤلف” هجرات النوع الذي حصر نفسه داخله، أو حصره “الاعتقاد الشائع والذي حط فيه نهائيا، الحركة أمر محظور عليه، يمكن أن ننسب إليه ما شئنا من نصوص ذلك النوع”.

لا نريد بطبيعة الحال الوقوف عند دائرة ما نريد خلخلته وتفكيكه، أو الاكتفاء بعملية القلب البسيطة، وبالتالي إعادة مركزة النسيان والنوع مقابل التذكر وقصدية الذات… بل أننا نستهدف وسم مجال نقدي طموح، وتعيين آفاقه النظرية والأنطولوجية، بالاستناد إلى الأطروحة الظاهرة للتناسخ خارج مدار الوحدة والوهوية… حيث يتولد التكرار كقوة دينامية تصدع وحدة النموذج، وهيمنة الميتافيزيقا، لينقى الأصل بها خضور زماني ومكاني، بهذا المعنى فلا “وجود للكلام إلا في تكراره وتقليده(…) الكلام الذي لا يجتر نفسه، يكون عرضة للفقر والجمود، فيفنى جوعا وهجرانا. التقليد الذي يقتل الكلام هو الذي يبعثه ويحييه: في البدء كان التكرار”.

من هذه الزاوية تتخذ مفارقة التقليد (الانعتاق من النموذج مع البقاء في حصته) وضعا نظريا خارج مدار التطابق، إنه عالم البدائل والنظائر، حيث يسكن الآخر الذات، ولا يكون إلا بعد الذات عن نفسها “ذلك البعد الذي يجعل الآخر، في اختلافه، شبيها بالذات دون أن يكون مطابقا لها”


مراجع البحث:
ـ الكتابة والتناسخ: مفهوم المؤلف في الثقافة العربية (ع.الفتاح كيليطو) ترجمة ع.السلام بنعبد العالي، الطبعة الأولى 1985، المركز الثقافي العربي.
L ‘Auteur et ses doubles essai sur la culture arabe classique, Seuil, Paris. “أقدمية” المؤلف (1985) لا تنفي راهنية الطرح المنهجي الذي يلازمه.
ـ تكوين العقل العربي، المركز الثقافي العربي، ط4، 1981 (محمد عابد الجابري)، بنية العقل العربي، محمد عابد الجابري، المركز الثقافي العربي، ط1، 1986.
المقامات، ع.الفتاح كيليطو، ترجمة ع.الكبير الشرقاوي، ط1،1993.
ـ حفريات المعرفة، وما بعدها/ميشال فوكو، ترجمة سالم يفوت، ط1،1986.
ـ أسس الفكر الفلسفي المعاصر، (قلب الأفلاطونية)، مجلة فكر ونق، العدد 1، شتنبر 1997.
ـ الأدب والغرابة، ع.الفتاح كيليطو، دار الطليعة بيروت، ط1، 1982.

error: