مجلة حكمة
فلسفة المعرفة عند كانط

فلسفة المعرفة عند كانط: نظرّية المكان والزمان

كاتب الكتابعبد اللطيف فتح الدين
مراجعة الكتابسفيان البرّاق

فلسفة المعرفة عند كانط: تقديم

يتبوأ الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804) مكانةً بارزة في تاريخ الفلسفة نظراً للإسهامات التي أسهم بها والإضافات التي قدّمها، ليس في مجال الفلسفة فحسب، بل امتدت إلى مجال المعرفة والعلوم. وترجع كذلك هذه المكانة التي يسعدُ بها إلى كونه المؤسس الرّسمي للفلسفة النقدية التي نمت خلال عصر التنوير واكتمل نضجها على يده من خلال مقالته العمدة التي وسمها بعنوان: ما التنوير؟ ولا غرو إذا ادّعيتُ بأنّ كانط هو فيلسوف استثنائي بلا منازعة، ومردُّ ذلك إلى كونه حاول التوفيق بين اتجاهين متعارضين في الرؤى والمناهج. عنيتُ؛ الاتجاه التجريبي مع جون لوك ودافيد هيوم الذي جعل التجربة هي المنطلق لإنتاج المعرفة، ونقيضه الاتجاه العقلاني الذي مجّد العقل لكونه المرجع الأساسي للوصول إلى المعرفة.

نظراً لهذه المكانة التي يتمتع بها كانط؛ مفكر العقل والحرية باقتدار، في جسم الفلسفة، فقد خصّص له الأستاذ عبد اللطيف فتح الدين دراسة وسمها بعنوان: فلسفة المعرفة عند كانط: نظرية الزمان والمكان، التي صدرت عن دار سليكي أخوين في طبعتها الأولى سنة 2021م، وتقع في 116 صفحة من القطع المتوسط. هذا الكتاب تناول فلسفة المعرفة عند كانط بالتحليل والنقد، محاولاً إبراز عُدَّتها المفاهيمية، وتفكيك مقوماتها الأساسية التي ترتكز عليها، وتبيان الجدّة التي جاء بها كانط خلال سبره في نظرية المعرفة وتبيان شروط تحققها، وكشف حدود العقل التي تعقّبها كانط.

يبدأ الدكتور عبد اللطيف فتح الدين هذا الكِتاب بمقدمةٍ مركّزة رصد فيها الإرهاصات الأولى التي ارتأت تمجيد العقل، والتي جاءت عبر عدّة تحوُّلات نوعية شهدتها أوروبا تمثلت في الاكتشافات العلمية ابتداءً من القرن السادس عشر، وعلى رأسها التحول الكبير الذي قاده كوبرنيك (1473-1543) عندما فنّد طرح بطليموس القائل بمركزية الأرض، ليؤكد كوبرنيك على أنّ الشمس هي مركز الكون، ثم عصر التنوير؛ عصر النزعة النّقدية بامتياز خلال القرن الثّامن عشر الذي يعدُّ منعطفاً حاسماً في تاريخ الفكر الإنساني، إذ شهد هذا العصر اندلاع الثورة الفرنسية سنة 1789م التي تعد التواءً حقيقياً عرفته أوروبا، وقد ساهمت أفكار فلسفة التنوير، وروّادها الذين روّجوها، في اندلاعها، ونذكر من هذه الأفكار على سبيل التمثيل: “تحليل المعرفة الإنسانية، ونقد العقل وبيان حدوده وقيمته؛ ومن علائمها نقد الأساطير وازدراء الرؤية الدينية للعالم”([1]). كما اتّسم عصر التنوير بسمة أساسية تتجلى في تمجيد العقل ومنحه قيمة فوق كلّ شيء باعتباره المرجع الأساسي والحكم في تقييم كلّ شيء. وخير مثالٍ على هذا التمجيد المقالة التي ألّفها كانط ونشرها لأول مرّة سنة 1784م، وأكّد فيها على اقتران الحرية بالاستعمال العمومي للعقل، ونقرأ فيها: “الحرية هي الأكثر اتصافاً بالسلم من بين كل ما يمكنُ أن يحمل هذا الاسم، أي حرية استعمال الفرد استعمالاً عمومياً لعقله في جميع المجالات. (…) يجب أن يظلّ الاستخدام العمومي لعقلنا الخاص حرّاً فوحده بإمكانه جلب الأنوار بين النّاس”([2]). يُستشفُّ من هذا القول أنّ كانط يؤكد بصريح العبارة على تلازم الحرية والعقل؛ بوصفها (الحرية) أحد أهم مقوّمات ومرتكزات فلسفة التنوير، وهي أحد أهم الشعارات التي نادت بها حناجر من شاركوا في الثورة الفرنسية، ودعوته الكبيرة أيضاً إلى محاربة التضييق الذي يُمارسُ من طرف جهات مختلفة على الاستعمال العمومي للعقل سواء أكانت سياسية، دينية، اجتماعية. وكل من يفعل ذلك فهو يعرقل تقدم درب الفكر الإنساني. لقد كان كانط متحمساً للثورة الفرنسية ومنبهراً بالنتائج التي حققتها، ومعجباً بالمبادئ التي دفعت بها وحركت مشاعر من انخرطوا فيها كالحرية بشتى صنوفها: حرية التفكير، الاعتقاد، حرية النشر… إلخ، كما لم يخفِ كانط، كما ورد في الكتاب، انشداده الكبير لقيم المساواة والعدل والإخاء.

يحتل العقل في المتن الكانطي الصدارة، فهو قمّة بلا جدل في اعتقاده، ومردّ هذه المكانة التي يتبوّأها بوصفه الرّافعة الأساسية لتجاوز القصور والقطع مع التمثلات والأنماط التفكيرية الثيولوجية التي تحاصره، وإحداث تحولات نوعية وجدية تشملُ مختلف مناحي الحياة. لأنّه ببساطة “قوّة تنظيمية تستقيمُ بها أحوال المجتمع والدولة”([3]).

يؤكد صاحب الكِتاب أن فلسفة التنوير رغم المبادئ التي نادت بها والشّعارات الكبيرة التي رفعتها، وبالرغم من فشوّها، بيد أنّها لم تحقّق النتائج المرجوة والتطلعات التي تمنّاها من أشاعوا أفكارها في جميع الأقطار الأوروبية، وقد قدّم مثالاً بارزاً من خلال مقارنةٍ بالغة الأهمية بين فرنسا وألمانيا؛ ونقرأ له في هذا المضمار:

"في فرنسا كانت حركة التنوير أكثر التصاقاً وأكثر اقتراناً بالواقع الاجتماعي – السياسي بحيث كان للعقل دور أساسي في افتحاص الواقع وتشريح بُناه وتحليل ظواهره، وقد آل أمر التنوير في فرنسا إلى ثورة اجتماعية (...) أما في ألمانيا فإن صيرورة التنوير لم تتغلغل في الحياة الاجتماعية"([4]).

قسم الدكتور عبد اللطيف فتح الدين هذه الدراسة على النحو الآتي:

– مقدمة عامّة تمحورت حول الشروط التاريخية التي أسهمت في بروز فلسفة التنوير والتحولات التي أدّت إليها الثورة الفرنسية، وقدّم مقارنة في غاية الأهمية بين مدى تحقق التنوير في فرنسا وألمانيا مؤكداً على تفوق فرنسا على نظيرتها ألمانيا في هذا الجانب. وأكّد صاحب الكتاب في مقدّمته على أنّ كانط هو من المؤسسين الفعليين للفلسفة النقدية التي طار صيتها وتقوّت على يده.

 ومبحثين أساسيين:

  • – المبحث الأول: السياق النظري لميلاد الفلسفة النقدية
  • – المبحث الثاني: نظريّة الاستطيقا المُتعالية

وفي الأخير أورد خاتمة مطوّلة أبرز فيها حصيلة الإفادات والخلاصات التي توصّل إليها من خلال هذه الدراسة التي راز فيها نظرية المعرفة وأُسسها وجهازها المفاهيمي في المتن الكانطي.

1-المساق النظري لبروز الفلسفة النّقدية

قام بعض المؤرخين بالوصل بين ميلاد الفلسفة الكانطية والواقع الألماني المتأزم والمتأخر الذي كان على قيد أنملة من الأفول، معتقدين أنّ انحلال وتفكك الواقع الاجتماعي يزيد من الطلب على الفلسفة والفكر. وقد استشهد صاحب الكتاب بقولة هيغل، التي أجدها التعبير الأنسب لما ادعاه هؤلاء المؤرخين: “إنّ بومة منيرفا لا تبدأ في الطيران إلّا بعد أن يرخي الليل سدوله”([5]). يشيرُ هنا هيغل بهذه العبارة إلى أن بومة منيرفا ترمز إلى الفلسفة التي لا تبدأ مهمتها فعلياً إلا عندما يستقيم الواقع وينتظم.

لقد قدّم كانط الملامح الأولى لفلسفته النقديّة وعمل على تشييد صرحها في كتابيه: نقد العقل الخالص (1781م)، نقد العقل العملي (1788م)، ولم يبقَ حبيس الفلسفة، بل أدخلها إلى نظريته في المعرفة، وقد تغيا من وراء ذلك القيام بثورةٍ تشبه الثورة التي قادها كوبرنيك باكتشافاته العلمية في مجال الفلك. هذه الثورة التي ارتأى كانط القيام بها كانت فكرتها هي “أن لا تقود التجربة العقل”([6]). لقد شدّد كانط على أنّ العقل هو المنطلق في عملية إنتاج المعرفة. ولأن سؤال المعرفة كان رحى كتاب كانط الذي كنّاهُ بـ “نقد العقل الخالص” فإنه قد سعى إلى الإجابة عن سؤال محوري هو: ما هي شروط إمكان المعرفة؟ أو بصيغة أخرى: “ماذا يُمكنني أن أعرف؟”. يتأسس هذا السؤال على ثلاثة استفهامات كُبرى؛ الاستفهام الأول تمحور حول شروط قيام العلم الرّياضي، والاستفهام الثاني تشكّل حول شرط إمكان العلم الطبيعي، والاستفهام الثالث والأخير فكان مدارهُ “شرائط إمكان قيام الميتافيزيقا علماً مستقلاًّ”([7]). معلوم أن تاريخ البشرية هو تاريخ امتداد وكل تجربة فلسفية أو علمية لا يمكن أن تنشأ دون أن تنهل من مشارب واتجاهات معينة، نفس الشيء نجده عند كانط الذي نجد أن فلسفته هذه انبثقت على حواف تيارين كبيرين خلّفا الإرث الرفيع في تاريخ الفلسفة والعلوم: الأول هو التيار التجريبي ويطلق عليه أيضا اسم الاختباري وكان دافيد هيوم (1711-1776) وجون لوك (1632-1704) زعيميه المبرزين، والثاني هو التيار العقلاني الذي كان ديكارت عميده ثم تبعه من تقفوا أثره كوكبة من الفلاسفة ذائعي الصيت: غوتفريد لايبنتس (1646-1716)، باروخ اسبينوزا (1632-1677)، ومالبرانش (1636-1715). لقد دعا الاتجاه التجريبي إلى التجربة كمورد للمعرفة، وناصروا الخبرة الحسية، معتقدين أن جميع المعارف التي نتلقاها مستمدة أساساً من التجربة والحس “وأنه ليس ثمة في العقل إلّا ما تمدُّهُ به المُعطيات الحسية، لذلك فكل أفكارنا يمكن أن تنحل إلى مدركات بسيطة مستمدّة من التجربة”([8]). بيد أنّ رواد الاتجاه العقلاني فإنهم قد تبنوا أطروحة مركزها هو العقل بوصفه المورد الوحيد لمختلف المعارف التي يتلقاها الإنسان وهو الوحيد الذي يمكّن الإنسان من اكتساب المعرفة من العالم الخارجي، ونقرأ في هذا المضمار: “العقل في عرفهم لا يُضوي في أعطافه مبادئ المعرفة بل يضوي معارف جاهزة؛ ومثالها الأفكار الفطرية التي زعم ديكارت أنها راسخة في عقل كل إنسان”([9]). وجملة الكلام أن فلسفة المعرفة لدى كانط انبجست على حواف هذين الاتجاهين: الاتجاه العقلي والاتجاه التجريبي. وقد حسم كانط في الخلاف الذي حصل بين هذين التيارين إلى حد المغالاة، بتأكيده على صواب كل منهما حين قاما بتوجيه النظر “إلى بُعدٍ مقوّم للسيرورة المعرفية”([10])، وأخطآ، في نظره، كما أكّد على ذلك الدكتور عبد اللطيف فتح الدين، حين طغت عليهما نظرة إقصائية للآخر المختلف عنه، فأهل العقل غالوا في تقدير العقل والإعلاء به، والآخر قزّم العقل ووسع صلاحيات التجربة. لذلك فقد اعتقد كانط، اعتقاداً راسخاً، أن المعرفة التي نستمدها ونتلقاها هي نتاج للتفاعل الحاصل بين العقل والتجربة، وبالتالي لا ينبغي أن نقصي لا التجربة ولا العقل. وحاصل الكلام أنّ كانط سعى إلى التوفيق بين أهل العقل وأهل التجربة، حيث شيّد نظريته في المعرفة على مصدرين هما: العقل والتجربة، أي الجمع بين اتّجاهين يختلفان اختلافاً كلّياً في المناهج والرؤى. وهنا تكمنُ قوّة كانط الفلسفية وبراعته النّقدية، لينفرد بنظرية فريدة زاوجت بين رؤيتين مختلفتين كانا لهما الأثر الأكبر في تاريخ الفلسفة والعلوم.

قدّم الأستاذ فتح الدين في هذا الكتاب حزمة من المفاهيم التي تؤثث المتن الكانطي، ونذكر منها على سبيل التمثيل: مفهوم القبلي الذي نجد مقابله في الفرنسية l’ a priori . ويتأسس هذا المفهوم على الكلية والضرورة. يقصدُ بالقبلي حسب كانط، كما جاء في الكِتاب: “ليس هو الأمر الفطري، فالأمر الفطري يقدم نفسه كمعرفة ناجزة وجاهزة تتوطن العقل ويصار إلى اكتشافها عن طريق التأمّل والتفكر، أما الأمر القبلي فإنه عنصر غير مُستمد من التجربة لكنه لا يستمدُّ قيمته ونجاعته إلا بالانطباق على التجربة”([11]). ونجد نقيض القبلي؛ عنيت: مفهوم البعدي l’ a posteriori الذي يرمز إلى كل ما هو مستمد من فعل التجربة. ثم مفهوم المتعالي le transcendantale الذي أطلقه كانط “على كلّ معرفةٍ لا تهتمُّ بالموضوعات بقدر ما تهتمُّ بطريقة معرفتنا للموضوعات”([12]).

بيّن صاحب الدراسة أنّ مصادر المعرفة، من وجهة نظر كانط، هي ثلاث مصادر أساسية: المصدر الأول يتمثلُ في الحساسية بوصفها المنشأ الأول “للخبرة الحسية (…) ومن خلالها نتلقى الانطباعات الحسية داخل صورتين قبليتين هما الزمان والمكان”([13]). والمصدر الثاني هو الملكة الفاهمة وهي القوة العقلية العارفة وتحتل مكانة وسطى متصلة بالحساسية والعقل، والمصدر الثالث هو العقل باعتباره القوة التي تنفصلُ عن عالم التجربة والحس. وصفوة القول: إنّ مصادر المعرفة عند كانط هما الحساسية والفهم؛ “فالملكة الحاسّة تزوّدنا بالحدوس الحسيّة. غير أنّ هذه المُعطيات الحسيّة لا تكفي ولا تغني في بناء معرفة صحيحة موسومة بالكليّة والضرورة (…) إنّها تحتاجُ إلى تنظيم وتأليف وربط ووصل وهو ما يقتضي تدخل العقل العارف أي ملكة المفاهيم والمقولات أي الفهم”([14]).

2-نظرية الاستطيقا المُتعالية

قام الأستاذ عبد اللطيف فتح الدين هذا الجزء من كتابه بإماطة اللثام عن مفهوم الاستطيقا باعتبارها تبدو للقارئ، منذ الوهلة الأولى، وكأنها تندرجُ ضمن مبحث الجماليات، بيد أنّه أبرز معناها بوضوح مؤكداً أنّها تدلُّ على “المبحث الذي يُعنى بالقُدرة الحسيّة بحسبانها منهلاً رئيساً من مناهل المعرفة البشرية”([15]). هذه النظرية تثير إشكالين كبيرين يتمثلان في: الإشكال الأول يكمن في أنّها تعتني عنايةً فائقة بالعلم الرياضي والانهمام في الزمان والمكان، والثاني يتجلى أساساً في العلاقة بين الكلام بحسبانها إدراكاً حسياً والكلام في الزمان والمكان. أكّد صاحب الكتاب على أنّ السؤال المحوري الذي حكم هذه النظرية، التي قعَّد لها كانط في كتابه “نقد العقل الخالص”، هو: كيف تكون الرياضيات الخالصة علماً ممكناً؟

ميّز كانط في فلسفته النّقديّة بين الحدس الحسيّ والحدس القَبلي. الأول يعتبره كانط هو “السيرورة الإدراكية التي تحصلُ وتنشأ عقِبَ الاتّصال بين حواسنا (…) وموضوعات العالم الخارجي”([16]). إنّ مصدر هذا الحدس هو الحساسيّة، التي اعتبرها صاحب الكتاب هي نظرية الزمان والمكان عينها، لأنّ كانط يؤكّد على دور التجربة الحسيّة في إنتاج المعرفة، وبذلك فهو ينخرطُ بشكلٍ غير مباشر ضمن الفريق المُشكِّل للاتجاه التجريبي؛ الذي أقرّ ضرورة التجربة كرافد أساسي لإنتاج المعرفة. والثاني؛ عنيت: الحدس القبلي: “هو من صميم قوّتنا الحاسة؛ أو قُل إنّه الصّورة الأوّليّة الرّاسخة في الحساسيّة”([17]).

ارتأى صاحب الكِتاب في القسم الثاني، وبالضبط في الجزء المخصّص لنظرية المكان والزمان أن يغوص في تصور كل من إسحاق نيوتن، أحد مؤسسي الميكانيكا الكلاسيكية، والفيلسوف الألماني لايبنتز قبل السبر في موقف كانط باعتباره رحى هذه الدراسة. تتأسسُ نظرية نيوتن حول المكان والزمان على التمييز بين مستويين اثنين: أولاً المُستوى النّسبي الذي يرمزُ إلى المكان النّسبي، والمُستوى الثّاني هو المستوى المطلق ويُطلق عليه أيضاً “المكان المطلق”. وميز نيوتن كذلك، في إطار هذه النّظريّة، بين زمانٍ نسبيٍّ جزئي وبين زمان كلّي (مطلق). لقد كان مدار نظرية نيوتن هي “مطلقية ولانهائية الزمان والمكان”([18]). سيحاول لايبنتز، كما أكّد على ذلك الدكتور عبد اللطيف فتح الدين، السير في اتجاه مُغاير لما طرحه نيوتن، وسيعمل على تفنيد هذا الطرح مدعياً أنّه من المستحيل أن يكون هناك مكان مُطلق أو زمان أبدي بلا نهاية، ليؤكد في هذا المضمار على أنّ المكان والزمان “عنصران نسبيان وإضافيان؛ بمعنى أنهما محض علائق ومجرّد علامات تقومُ على التجاور والتجانب والتباعد من جهة المكان، وعلى التتالي والتآني من جهة الزمان”([19]).

أكّد الدكتور عبد اللطيف فتح الدين في هذا المضمار بأنّ كانط قد تأثر في البداية بموقف لايبنتز الذي يعتقدُ فيه أنّ الزمان والمكان تحكمهما النّسبية، وتشبع به، قبل أن يميل إلى ما أقرّ به نيوتن ويتبنّى هذا الطرح تبنّياً كلياً. لكن كانط خلُص في نهاية المطاف، في كتابه الذي أسلفنا ذكره هنا، إلى أنّ “الزمان والمكان صورتان قبليتان تتقوَّم بهما ملكة الإدراك الحسي؛ أي الحساسية؛ ذلك أنهما عنصران ذاتيان يدخلان في تركيب القوّة الحاس عند كل إنسان فهما كونيان وعامّان ولا غناء عنهما في أيّ إدراكٍ حسيّ (…) المكان والزمان ليس صنيعتين من صنائع مخيلتنا ولا هما من إبداع القوة الواهمة في الإنسان، بل هما مقوّمان أساسيان وإطاران ضروريان تنتظمُ ضمنهما الأشياء الخارجيّة والحوادث الداخلية”([20]).

عزّز إيمانويل كانط هذا الطرح القائل بالطبيعة القَبليّة للمكان والزمان وأنهما يرتبطان بالحساسية ولا يُمتحانِ من التجربة، بأربع براهين: البُرهان الأوّل يتعلّقُ بالطبيعة القبلية للمكان، الذي يتمتّعُ بثلاث صفات: الضرورة والقبلية والشموليّة، والبُرهان الثاني نقرأ بخصوصه: “لا يُمكننا أن نُدرك الأشياء إلّا في علاقاتها المكانيّة وأنّ الموضوع اللامكاني لن يكون موضوع إدراكنا الحسي على الإطلاق (…) نفس الشيء بخصوص الزمان باعتبارها هو الآخر شرطاً ضرورياً وأولياً بدونه لا تُدرك الحوادث الباطنية”([21]). ما يُستنتج من هذين البرهانين الأولين أنّ كانط ركّز على المكان بوصفه صورةً للحدس الخارجي، أمّا في البُرهانين الثالث والرابع فقد خصصهما للمكان بوصفه حدساً محضاً وليس مفهوماً. وحاصل الكلام إنّ مفهومي المكان والزمان في فلسفة كانط، كما جاء في الكِتاب، “ليسا مُستقلين عن الذات الإنسانية، وإنّما يصدران عنها، ومن تمّة فهما ذاتيان لا موضوعيان”([22]). إنّ المكان والزمان يتّصفان بسمتين؛ الأولى هي الشّمول لأنهما “صورتان كليّتان شاملتان يجتازهما كلّ إنسان وتنتظمُ داخلهما كل إدراكاتنا الحسية. أما السمة الثانية فهي سمة الضرورة والوجوب. فوجود الزمان والمكان يعتبرُ شرطاً ضرورياً ووجوبياً لوجود الأشياء ولإدراك الظواهر”([23]).

فلسفة المعرفة عند كانط: خاتمة

في خاتمة هذا الكتاب أبرز الأستاذ عبد اللطيف فتح الدين جملةً من خلاصات توصّل إليها من خلال هذه الدراسة التي اعتنت بنظرية المعرفة عند كانط عناية فائقة؛ وذلك ما يظهر للقارئ بجلاء عندما يتمعّن في الجهد المضني الذي بذله صاحب الكتاب في الإحاطة بها، والتشابك مع المصادر الأصيلة التي تناولت هذه النّظرية بالتفصيل. وسأحاول عرض هذه الخلاصات التي خصص لها صاحب الكتاب خاتمة مطولة وفي غاية الدقّة. قام كانط بالرفع من دور الخبرة لتكوين المعرفة، ولم يرمِ المعرفة الحسية بعبارات قدحية أو روج صورة حالكة عنها كما دأب على ذلك أنصار العقل، أو حذى حذو من مجدوها بوصفها المصدر الوحيد للمعرفة. وأكد على ضرورة حضور ملكتي الحساسية والفهم لتصبح المعرفة ممكنة، لأنّ عالم المعرفة، في اعتقاد كانط، هو عالم الزمان والمكان. وقد قرَّرَ كانط في هذا السياق على أن كل معرفة تستند على عنصرين: أحدهما قبلي سابق على التجربة، والثاني مستقى من التجربة. ما يستفاد من كل هذا أن كانط رام من خلال هذه النظرية، وصاحب الكتاب يقرّ بنفس الرأي، تقديم إجابة شافية لهذا السؤال الأكثر تأريقاً: لماذا نجح العلم ولماذا أخفقت الميتافيزيقا؟ والجواب عن هذا السؤال يمكن تقديمه كالآتي: “إنّ الميتافيزيقا كعلم لم تعُد مُمكنة لذا استقرّ رأيه (كانط) أن ينقل الحقائق التي تعانت بها إلى مملكة أخرى، هي مملكة العقل العملي الأخلاقي”([24]).


  •  عبد اللطيف فتح الدين، فلسفة المعرفة عند كانط: نظرية المكان والزمان، دار سليكي أخوين، طنجة، الطبعة الأولى، 2021، ص 8.[1]
  •  إيمانويل كانط، ما الأنوار؟، ترجمة: محمد الهلالي، (مجلة: الحرية، المغرب، 2020)، ص 5.[2]
  •  عبد اللطيف فتح الدين، فلسفة المعرفة عند كانط: نظرية المكان والزمان، المرجع نفسه، ص 13. [3]
  •  المرجع نفسه، ص 9. [4]
  •  فريدريش هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، ط 3، ص 91.[5]
  •  عبد اللطيف فتح الدين، فلسفة المعرفة عند كانط: نظرية المكان والزمان، المرجع نفسه، ص 23. [6]
  •  أنظر: المرجع نفسه، ص 39.[7]
  •  المرجع نفسه، ص 46.[8]
  •  المرجع نفسه، ص 44.[9]
  •  المرجع نفسه، ص 50.[10]
  •  المرجع نفسه، ص 34.[11]
  •  المرجع نفسه، ص 35-36.[12]
  •  المرجع نفسه، ص 52.[13]
  •  المرجع نفسه، ص 54.[14]
  •  المرجع نفسه، ص 60.[15]
  •  المرجع نفسه، ص 66.[16]
  •  المرجع نفسه، ص 66.[17]
  •  المرجع نفسه، ص 74.[18]
  •  المرجع نفسه، ص 75.[19]
  •  المرجع نفسه، ص 76-77.[20]
  •  المرجع نفسه، ص 83 (مع بعض التصرف).[21]
  •  المرجع نفسه، ص 96.[22]
  •  المرجع نفسه، ص 97.[23]
  •  المرجع نفسه، ص 112 (مع بعض التصرّف).[24]