مجلة حكمة
بيير بورديو حوار

بيير بورديو: حوار حول وسائل الإعلام، والصحفيون، وعلم الاجتماع

ترجمةمحمد العربي العياري

هل أن وجودنا يعتمد على الراديو والتلفاز؟

بيير بورديو: لا يوجد انسان في الوقت الحاضر، قادر على القيام بنشاط ما دون الظهور في وسائل الإعلام. هكذا هو الوضع بكلّ بساطة. لقد هيمنت الصحافة على كل الحياة السياسية والعلمية والفكرية. لابدّ من خلق مؤسّسات للعمل الجماعي، أين يتبادل الباحثون والصحفيون النقد. غير أن الصحفيون هم من أكثر الأصناف حساسية: يمكننا أن نتكلّم عن الأساقفة وعن الأعراف، بل حتّى عن الأساتذة، ولكن يستحيل أن نتكلّم عن الصحفيين بموضوعية.

هل تعتقد بأنه الوقت مناسب لقول ذلك؟

بيير بورديو: نحن أمام مفارقة: الصحافة مهنة جدّ قوّية يشتغل بها أفراد يُعانون من الهشاشة. يُضاف إلى ذلك، التعارض الكبير بين السلطة الجماعيّة والضخمة، وهشاشة منزلة الصحفيين، الذين هم في منزلة أدنى بالنسبة إلى المفكّرين والسياسيين. يمكن أن يقع تدمير الصحفيين على نحو جماعي. لذلك هم يُوجدون دائما في خطر. إنّها مهنة قاسية- ولأسباب سوسيولوجية- (ليس من قبيل الصدفة أن يتعاطى الكثير منهم الكحول) والرؤساء الصغار مرعبون. فهم لا يدمّرون فحسب المسارات المهنية لبعض الصحفيين، بل أيضا يُدمّرون الضمائر (ونفس الأمر في مواضع أخرى مع الأسف). يتألمّ الصحفيون كثيرا. وفي نفس الوقت يصبحون خطرين: حينما يتألّم قطاع ما، ينتهي دوما إلى نقل معاناته إلى الخارج، في شكل عنف وكراهية.

هل هو مجال قابل للإصلاح؟

بيير بورديو: الظروف الآن غير ملائمة. إنّ حقل الصحافة هو حيّز لمنافسة قسريّة، تمارس فيها التلفزة هيمنة شديدة. إنّ التلفزة هي التي ترسم قواعد اللعبة: المواضيع التي يجب الحديث عنها والأشخاص المهمّين. بيد إن ّ التلفزة المستلِبة لما تبقّى من الصحافة، تعيش هي الأخرى استلابا، حيث تجد نفسها خاضعة- بوصفها فضاء للإنتاج- للإكراه المباشر للسوق. نحن نتسلّى بذلك. (وإذا ما كتب علم الاجتماع، على وجه العموم، عُشْر ما يسمعه حينما يتحدّث إلى الصحفيين- عن “الترتيبات” مثلا، أو عن فبركة الحصص، فسوف يقع اتهامه من الصحفيين أنفسهم بالتحامل وغياب الموضوعية حتّى لا نقول لوقاحته غير المحتملة…) من يفقد نقطتين في نسبة الاستماع والمشاهدة، فعليه أن يرحل. يقع نقل هذا العنف المسلط على التلفزة إلى حقل وسائل الإعلام. وتنتقل عدواها حتّى إلى أوساط المثقفين والعلماء والفنانين الذين نشأوا على احتقار المال وعلى لامبالاة نسبية تُجاه التكريس الجماعي- هل بإمكانكم أن تتخيّلوا مالا مطروحا على الأرض، ينتظر اعترافا من المارّة وتصفيقا في الاجتماعات؟ غير أن هذه العوالم الصغيرة حيث يمكن أن نعيش مجهولين وفقراء ما دمنا نحتفظ بتقدير البعض وان نفعل أشياء جديرة بأن تفعل، هي عوالم مهدّدة حاليّا.

هل يُمكن أن يقع الاستماع لنقدكم، في ظروف المنافسة الحالية لوسائل الإعلام؟

بيير بورديو: أعلم أنّني أبدو كأستاذ نيمبوس Nimbus الذي يُقدّم وعظا أخلاقيا في الوقت الذي يجب فيه أن نُنقذ الأثاث، وحيث يجب على صاحب جريدة “ليبيراسيون” أن يتساءل كل صباح عمّا إذا كان هنالك عدد كاف من الإعلانات لكي يقدر على نشر العدد المقبل من الجريدة. لكن هذه الأزمة تحديدا والعنف الذي تُفرزه، هو ما يجعل بعض الصحفيين يعتبرون بأنّ علماء الاجتماع ليسوا مجانين كما يبدو. يكون الشبان والنساء هم الأكثر تأثّرا بالنسبة إلى الصحفيين: أود لو يفهموا بشكل أفضل -ولو قليلا- لماذا يحدث لهم هذا، وأنّه ليس بالضرورة خطأ الرئيس الصغير، وأنّ البناء هو الذي يضطهدهم. ربما يساعدهم هذا الوعي على تحمّل العنف والتنظّم. وقد يساعد على تجنّب التهويل وتتوفّر الأدوات للفهم جماعيا.

وصفت “حقل” الفنّ والعلم بكونها عوالم تجد شيئا فشيئا قواعدها. لماذا لم يتمكّن “حقل” الصحافة من العثور على قواعده الخاصّة؟

بيير بورديو: يوجد في الميدان العلمي ميكانيزمات اجتماعية تُرغم العلماء على التصرّف أخلاقيا، أن يكونوا “متخلقين” في المقام الأوّل. فالبيولوجي الذي يتقاضى أجرا من المخبر لكتابة نشرية تافهة سيخسر كل شيء. من يخترق بعض المحظورات يحترق ويُقصي نفسه ويفقد مصداقيته. لكن، أين يُمكن أن نجد نظام عقوبات ومكافئات في ميدان الصحافة؟ كيف يمكن أن يتجلّى التقدير لصحفي قام بدوره على أحسن وجه؟ ربّما من خلال مرصد لنقد الصحافة، وأناس قادرين على تحويل التحليل إلى سلاح رمزي، إلى رسم، وإلى شيء ما مضحك قليلا: لابدّ أن تُعرض بعض الأخطاء المهنية على القضاء لتُسلط عليها عقوبة خاصّة.

سيُقال عنك بأنّك تريد نظاما للمراقبة، ولجنة مركزية للإعلام؟

بيير بورديو: أعلم ذلك، ولكن الأمر مختلف. إن الاستقلالية التي أدعو إليها هي التي تنمّي الاختلاف. والتبعية هي التي تخلق النمطيّة. إذا كانت المجلات الفرنسية الثلاثة (“الاكسبراسL’express” و” لوبوانLe point” و” النوفال ابسارفاتورLe nouvel observateur”) تميل إلى أن تكون قابلة للتبادل، فلأنّها خاضعة تقريبا لنفس الإكراهات ولنفس سبر الآراء ولنفس أصحاب الإعلانات، ولأنّ الصحفيين ينتقلون من واحدة إلى أخرى، يختلسون لأنفسهم مواضيع أو غلاف مجلّة. بينما لو ربحوا استقلالية أكثر تجاه أصحاب الإعلانات وتُجاه نسبة المشاهدة -الذي هو رقم المبيعات-، وتجاه التلفزة التي تفرض مواضيع هامّة بين “بالادير” و” شيراك”، فسرعان ما سيتميّزون. لقد اقترحت لوضع حدّ للآثار السلبية جدّا للتنافس، أن تخلق الجرائد هيئات مشتركة مُماثلة لتلك التي تنشأ في الحالات القصوى. ففي هذه الحالات القصوى تتخلّى وسائل الإعلام على مصالحها التنافسية للحفاظ على ضرب من الإيتيقا المشتركة. أما بالنسبة إلى موضوعات أخرى لا نتناولها إلاّ لأنّ الآخرين قد تناولوها، مثل” مسألة الحجاب”، فيمكن أن نتخيّل ضربا من الموراتيريوم moratoire في علاقة بالكتب، فالتبعية مُلفتة للانتباه. إذ يجد كثير من الصحفيين أنفسهم مضطرين للحديث على كتب يكرهونها، فقط لأنّ الآخرين قد تحدّثوا عنها. وهو ما يساهم كثيرا في النجاح اللافت لهذه الكتب مثل آخر منجّم أو تفاهات أخرى من نفس النوع.

بوصفكم عالم اجتماع ،  هل أنتم منزعجون من كون الجمهور يعتبركم “أقل علميّة “من الفيزيائيين أو البيولوجيين؟

بيير بورديو: يجب أن نقارن بين أشياء قابلة للمقارنة . فبالنسبة إلى الفيزياء الذرية لن تكون المقارنة في صالح علم الاجتماع. لأنّها لم تنشأ في نفس الدرجة، وكونها أقلّ صورية الخ. ولكن لو قارنا علم الاجتماع بالتاريخ، فسنكون أمام علم أقلّ تقدّما من علم الاجتماع، ويطرح أشياء أقلّ حسما من منظور تدبير الوجود، سواء أكان فرديا أو جماعيا. ما من أحد يطالب المؤرخ بشيء، وما من أحد يطرح عليه مسألة عمليته.

 بالنسبة لعلماء الاجتماع، نحن لا نتناول رهانات حارقة فحسب، بل أيضا نحن في تنافس مع أناس يزعمون، قول أشياء نهائيّة وفي نفس الموضوع الذي نشتغل عليه، باسم مبادئ أخرى للصّلاحية. يُقابل مبدأ الصلاحية لديّ والذي هو نفسه بالنسبة إلى الفيزيائي، مبدأ آخر للصلاحية، مبدأ رجل السياسة: حجّة السلطة أو الاستفتاء العددي، كأنّما نحكم على صلاحية نظرية ما من خلال الاقتراع العام.

نشرت العام الماضي كتاب ” بؤس العالم” بيعت منه ثمانون ألف نسخة. اقتبست منه مسرحيات وقريبا حصّة تلفزية. ثمّ يُطلب منك إجراء مقابلات جديدة. كيف تفسّر هذا النجاح؟ لماذا لا يستطيع الصحفيون، وهو ما يفترض عادة أنّه من صميم عملهم، أن يشعروا، و بنفس القدر من الوجاهة التي لعلماء الاجتماع بآلام الجسم الاجتماعي؟

بيير بورديو: يوجد قليل من الصحفيين الذين يقومون بإصدار كتب محاورات مثل هاريس وسيدوي. ولكن هي مع ذلك مهنة.

هي مهنة بالنسبة إليكم لا بالنسبة إليهم ؟

بيير بورديو: لا يمكن أن يكون نفس الشيء . فحوارت” بؤس العالم” هي أكثر قربا من التحليل النفسي منه إلى صحافة الاستقصاء. ويتعلّق الأمر بخلق وضعية تكون فيها الشخصية المستجوبة قادرة على أن تقول وتقول لنفسها، أشياء تكبتها وتجد نفسها بعد ذلك سعيدة جدّا بقولها.

المصدر