القرآنُ كَمِرْآةِ المُحِبّ – وِلْيَم تشِتِك/ ترجمة: طارق بن هشام مقبل

القرآنُ كَمِرْآةِ المُحِبّ – وِلْيَم تشِتِك/ ترجمة: طارق بن هشام مقبل

إنهُ لَمِن المعروفِ أنّ التّصوّفَ يَعْقِدُ أَهَمِّيّةً كبرى على الحُبّ، إلا أنّهُ مِن النّادرِ أن يربطَ الدّارسون الغربِيّون بين الحُبّ وبين الإسلامِ نَفْسِه. وهذا بلا شَكٍّ يُساعِدُ على تَفْسير الاتّجاهِ الذي يَرى التَّصوفَ دخيلا، بِطَريقَةٍ ما، على الدّين التَّقْليديّ. سَأُجادِلُ، خلافا لذلك، بأنّ مركزيةَ حُبِّ اللهِ في التَّصورِ الإسلاميِّ تُساوي مَرْكزيةَ الحُبِّ في ديانةٍ كالمَسيحِيّة، إلا أنَّ التوكيد البلاغي ليس هو نفسهُ بأي حال. في السّياق الحالي؛ سَيَكْفي دَليلٌ واحدٌ: العَمَلُ في الإسلام مَبْنيٌ على متابعةِ سُنةِ مُحَمّدٍ [صلى الله عليه وسلم]—بمعنى: الاقتداءُ بسلوكه، وعاداتِه، وصفاتِه الشخصية. إنّ القرآنَ بِلا شَكٍّ مَرْكزيٌ بِشَكْلٍ مُطْلَق بالنسبة لمسالكِ النظرِ والعملِ الإسلامية، ولكن القرآن يُعْرَف ويُفَسّرُ، قبلَ كلّ شيءٍ، مِنْ خِلال السُّلوك الذي جَسَّدَهُ النبيُّ [صلى الله عليه وسلم] وَعَملَ بِهِ في الوّاقِع. متابعةُ النّبي [صلى الله عليه وسلم] تعطي ضوابطَ الفهمِ الإسلاميّ للقرآنِ، ولِكُلِّ شَيْءٍ [آخر]. ولكن ما هو، على وَجْهِ التَّحْدِيدِ، الأساس المنطقيُّ لمتابعةِ النبي [صلى الله عليه وسلم]؟ تُوجد عبارةٌ بليغة جدا في سورة آل عمران، الآية ٣١: “قل: إن كنتم تحبون الله؛ فاتبعوني؛ يحببكم الله“. إن لم تحبوا الله؛ فلا يوجد هناك سببٌ لمتابعة النبيّ [صلى الله عليه وسلم]. هذا أمرٌ فَهمَهُ المسلمون الممارسون لدينهم، إلا قليلا.

               إذا لم يَكُنْ بَدَهِيّا لِغَيْرِ المُسْلمينَ أنّ حُبَّ الله كان هو الدافع للمسلمين؛ فإن لهذا علاقةً بالاتجاهات الكثيرة التي أخذتها الحضارةُ الإسلامية—الأدب، القانون، الفن، الفلسفة، اللاهوت، والمؤسسات السياسية. كان اهتمامُ الدراساتِ الحديثةِ بهذه الجوانبِ المرئية للثقافة أكثرَ من اهتمامها بالدّوافع النفسية والروحية. بالرغم من ذلك؛ فأكثرُ الباحثين يُدركون أن الحضارةَ الإسلاميةَ كانت دائما مُهْتمةً بتحليل تعاليم القرآن وتَطْبيقِها على مختلف مجالات السَّعي الإنساني. بعبارة أخرى؛ مظاهرُ الحضارةِ والثقافةِ الإسلاميةِ تُبْرزُ طُرُقَ مُحاكاةِ الناسِ للنبيّ [صلى الله عليه وسلم] الذي جَسّدَ القرآنَ. والمسلمون، بِدَوْرِهِم، مدفوعونَ لاتّباع النبي [صلى الله عليه وسلم] بِحُب الله، وبالرغبة في أن يَتَنَزّلَ عليهم حبُ الله.

               وعلى الرغم من أنّ المسلمين اتبعوا محمدا [صلى الله عليه وسلم] لاستجلاب محبّةِ الله، إلا أنهم أدركوا أيضا أن اللهَ يُحِبّ البَشرَ على كلّ حالٍ؛ فَمِن عادةِ المؤلفين المتصوفة إبرازُ فكرةِ أن الدافعَ الإلهيَّ لخلق الكون هو الحُبّ. إن الذي يمنح البشر منزلةً خاصة، من بين كل مخلوقات الله، هو قُدرتُهُم على حُبّ الله بِحُرّيَة في مقابلِ حُبّه لهم. كلُ المخلوقاتِ الأخرى تعبد الله لأنها، ببساطة، خُلِقَتْ لِعِبَادَتِهِ من غير حُرِّية اختيار منها.[1] كما يقول [جلال الدينِ] الرومي:

               الاختيارُ ملحُ العبادةِ،

               تدور الأفلاكُ؛ ولكن رغما عنها،

               دَوَرانُهَا ليسَ مُسْتَحِقّا للثواب ولا العقاب،

               لأن الاختيارَ ميزةٌ وقتَ الحساب.[2]

               وعليه؛ فالقولُ بأنّ اللهَ خلَقَ الكونَ بِالحُبّ يعني أن الحبَ الإلهي يُوجِدُ القبيحَ إلى جانِبِ الجميل، والشرَّ بجانب الخير. ولا يُمْكن أن يكون لِحُرّيّة الاختيارِ أيُّ معنى إلا ضمنَ إطارِ مثلِ هذا العالم المُخْتَلِط ظاهريا. أولئك الذين يختارون عبادةَ اللهِ بِحُرِّيةٍ، هم فقط يستطيعون حُبَّهُ حُبًّا ذا قِيمَةٍ؛ [لأنه] إذا كان الحُبّ مفروضا؛ فلن يكون حبا. وهذا هو أحد الأسباب لِقَوْلِ القرآن: “لا إكراهَ في الدين” (البقرة، ٢٥٦). إن الدينّ—الطريق القويم الذي يرشد له القرآن والنبي [صلى الله عليه وسلم]—هو، على وجه التحديد، الارتقاءُ إلى متطلبات حبِ الله، وفِعْلُ ذلك من خِلال تطبيقِ السنةِ النبوية. إذا كان الدّينُ مَفْروضًا؛ فَلَنْ يكون حُبّا، ولن يكون هو الدين.

               باختصار؛ بالرغم من أن اللهَ يُحِبّ البشرَ، وأنّه خَلَقَهُم لِيُحِبّوهُ، إلا أنهم أحرارٌ في ألا يُحبوه. وبالتالي؛ فإن نوعا ثانيا من الحب الإلهي يَتعلقُ بِحُرية اختيارِ البشر لِحُب الله، [وهو] اختيارٌ يتطلبُ متابعةَ الإرشادِ الإلهيِّ كما هو مُتَجَسّد في الأنبياء. واللهُ يقول في الحديث القدسي الذي يُسْتَشْهَدُ به كثيرا: “فإذا أحبَبْتُه [أي: عبدي] كنتُ سمعَهُ الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، وقدمه التي يمشي بها.” المُحِب الإلهي—حين يبلغُ الحبُ ذروتَهُ—ليس سِوَى أولئك الذين يُحِبّهم، والبشرُ المُحِبُّون ليسوا [حينها] إلا ذاك المحبوب الإلهيّ. هذا هو أحدُ المعاني التي يراها المتَصَوِّفَةُ في الآية: “يُحِبهم ويحبونه” (المائدة، ٥٤).

* * *

اخترتُ أن أتَكَلّم عن القرآن “كَمِرْآة”؛ لأنني أردتُ أن أؤكدَ على دَوْرِ المُفَسِّرِ في فَهْمِ الكتابِ المُقَدَّسِ. حَقيقَةُ أنّ الناسَ ينظرونَ إلى القرآن من زوايا النظرِ الخاصةِ بهم، تَتّضِحُ بِشَكْلٍ خاصّ حينما يستقرئُ المرءُ العددَ الضخم من تفاسيرِ القرآنِ التي كُتِبَتْ على مَرّ العصور—ناهيك عن النقودات والدراسات التي كَتَبَهَا غَيْرُ المُسْلمينَ. [لقد] وَجَدَ الفقهاءُ في القرآنِ كتابا للفِقْهِ، يرى اللاهوتيون [فيه] كلَّ أنواعِ الإلهياتِ، يجد الفلاسفةُ إرشاداتِ الحكمة والفضيلة، يَكْشِفُ اللغويون [فيه] عن دقائقَ نحويةٍ مدهشة، [و]يجدُ علماء الأحياء [فيه] نظرياتِ الحياة. بالنسبة لِحَقْلِ الدراساتِ الغربيّةِ؛ لا شيءَ أكثر وضوحا [في هذا الصدد] من أن الدارسين يصلون إلى نتائجَ مُخْتَلِفَةٍ بناءً على مُقَدّماتٍ وتَحَيّزاتٍ مُتَنَوّعةٍ.

               لما اخترتُ، بادئَ الأمر، هذا الموضوعَ لكتابة الورقة؛ وضعتُ مباشرةً في الملف الخاص بها عبارةً من مقالات شمس التبريزي، رفيقُ [جلال الدينِ] الرُّوميِّ المعروف. نأخذ من ذلك الكتاب أنّ شمسًا كان يكسب قوتَ يومِهِ من تدريسِ القرآنِ. إنه يخبرنا أن الطريقَ إلى الله هو طريقُ مُتابَعَةِ النَّبيِّ [صلى الله عليه وسلم]، أَخْذًا بالاعتبار، بِلا شكّ، الآية القرآنية المذكورة سابقا: “إن كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ؛ فَاتَّبِعُوني“. [و]في أَحَدِ التَّفْسِيراتِ لِأَهَمّيّة القرآنِ المركزيةِ؛ يَقُولُ [شمسٌ]:

للسائرين والسالكين؛ كلُّ آيةٍ من القرآن هي كالخطابِ ورسالةِ الحبّ. إنهم يعرفون القرآنَ. وهو [أي: الله سبحانه] يُقَدّمُ ويُبَيّن لهم جمالَ القرآن.[3]

               يبدو لي أن الذين يقرؤون القرآنَ على أنهُ رسالةُ حُبّ ليسوا كثيرا في الوقت الحاضر. ولكنْ، هل هذا بِسَبَبِ محتوى القرآن؟ أم بسبب محتوى نُفُوسِ القُرّاء؟ يَعْتَقد شمسٌ أن الجواب واضح: “الخطأُ هو أن الناس لا ينظرون إلى الله بعين المحبة.”[4]

               بالطبع، القضيةُ ليست مُتَعَلّقَةً بِتَفْسِيرِ الكتابِ المقدس فحسب؛ لأن نفسَ الأمر ينطبقُ كذلك على آرائنا حولَ كلّ شَيء. إِنّ فَهْمَنا للعالَمِ ودَوْرِنَا الخاصِّ فيهِ، يَعْتَمِدُ على مُنْطَلَقِنا. ومن باب أولى؛ فإنّ كيفيةَ فهمِنا “لله” تعتمد على مَنْ نكون. يَجبُ أن يكون هذا واضحا—كلُ واحدٍ منا لهُ فهمٌ مُخْتَلفٌ لكلمة: “الله.” يُثْبتُ ابنُ عربي، “الشيخ الأكبر” في التعاليم الصوفية، هذه النقطةَ من خلال القول بأنه لا يُمكن لأحدٍ إطلاقا أن يعبد الله كما هو [على حقيقته]. كلُ الناس، بلا استثناءٍ، يعبدون الإلهَ المُعْتَقَدَ، أو الآلهة التي يعتقدونها. وبما أن مصطلح “إله” يمكن أن يشيرَ إلى مَرْجِعِية مواقفِ الشخصِ وأعماله؛ فإنه حتى أولئك الذين يزعمون أنهم لا يعبدون أيةَ آلهةٍ يخدعون أنفسهم. فَلِكُلّ منا مَرجِعِيّاتُه وتَوَجُهاتُه.

لا أريد أَنْ أزعمَ أن تفسيرَ الكتابِ المقدس ذاتيٌ [أي: لا موضوعي] بِشَكْل كُلّيٍ، ولكنهُ يبدو من الواضح أن الكتابَ المقدس له القدرةُ على السماحِ للناس بأن ينظروا في أنفسهم. حينما يقرأُ الناسُ الكتابَ المقدّس، فإنهم يجدون أنفسَهُم. إن لم يُعْجِبْهم ما يرونه، فإنه يجبُ عليهم—طبقا للطريقة التقليدية في النظر إلى الأشياءِ—أن يُحاولوا فكَّ العُقدِ الكامنة في أرواحِهم، العُقدِ التي تمنَعُهم من رؤية جمالِ الكلام الإلهي. غَنيٌ عن القولِ إن الاتجاهَ الحديثَ مختلفٌ [عن هذا] بشكلٍ ما.

* * *

لابد أن يتذكر المرءُ أن المسلمين لم يعتبروا القرآنَ، قطّ، كتابا من ضمن بقيةِ الكتب، مثلما أن الكتابَ المقدسَ لم يكن مُجَرّدَ كتابٍ كلاسيكي عند المسيحيين. كان القرآنُ كلمةَ الله؛ تعبيرَه [سبحانه] عن ذاته، بِقَصْدِ هدايةِ أولئك الذين يُحب. قرأ الناسُ القرآنَ ورَتّلُوه، لا من أجل أن يُمَتّعُوا أنفسَهم بالقصص القديمة، ولا لِيُنَوِّرُوا أنفسهم؛ وإنما لكي تكون أنفسُهم على اتّساقٍ مع الحقيقةِ الإلهيةِ المُبَيَّنَةِ في النّصّ. إن غرضَ الاشتغالِ بالقرآن هو تغييرُ الروحِ، [و]تلاوةُ النّص واتباعُ تعاليمِه كان طريقا لتعبيرِ المرءِ عن حُبّه لله، وطريقا لاستِحْقاقِ مَحَبَّةِ الله.

               تعودُ أصولُ فكرةِ أن تلاوةَ القرآن ومتابعةَ السنة النبوية تَحْويلِيّتان؛ إلى التعاليمِ الإسلامية المتعلقةِ بِمَعْنَى أن تَكُون إنْسانا، [وهي] تعاليم يمتلئُ بها القرآن—وذلك لمن يَبْحَثُ عنها. يمكن للناس أن يَتَغَيّروا؛ لأنه يمكن لهم أن يعرفوا اللهَ ويحبوه، وهذا [بدوره] ممكنٌ لأن البشرَ غيرُ ثابتين على حالتهم. قد يكون صحيحا أن الإلهَ الذي يعبده الناسُ هو دوما الإله المُعْتَقَد، وقد يكون صحيحا أيضا أن الله في نفسه هو دائما فوقَ قُدرةِ المخلوقاتِ على الفهمِ، ولكن هذا لا يعني أن إلهَ اعتقادي اليوم هو نفسُه إلهُ اعتقادي غدا؛ بل إن العكس هو الصحيحُ. فالفهمُ عن الله وعبادةُ الله يتغيران باستمرار، تَماشِيا مع تَقَدّم ونُمُوّ النفس الإنسانية.

               يشيرُ ابن عربي إلى أنّ خُصوصِيّةَ البشرِ تَعودُ إلى حقيقةِ أنه لا يُمْكن فَهْمُهُم بِدِقّةٍ. فَمِثْلما أنه لا يمكنُ تعريفُ الله؛ فالبشرُ الذين خَلَقَهُم على صُورَتِه لا يُمكن كذلك وَضْعُهم في صندوقٍ [واحدٍ]. بِتَعْبيرٍ آخر؛ “تعريف” معنى الإنسانية مُتَعَلّقٌ كلَّ التعلقِ بالغموض [أو: عدم القابلية للتحديد].

               تقول الملائكةُ في القرآن، “وما منا إلا له مقامٌ معلوم” (الصافات، ١٦٤). يشيرُ [قولهم] هذا إلى أن الملائكةَ كلهم مختلفون، وأنّ لكل منهم دورَه الخاص؛ فلا يُمكن لأيّ مَلَكٍ أن يقومَ بوظيفة ملك آخر. يُجادل ابن عربي بأن المبدأَ الذي عَبّرَتْ عنه هذه الآيةُ يَنْطَبِقُ على كل المخلوقات؛ كل شيء في هذا الكون هو، تماما، ما يَجِبُ أن يكون عليه، ويَقُومُ بما خُلِقَ له على وجهِ التحديد—مع الاستِثْناءِ الجزئيّ للبشر. فَفِي حالةِ البشرِ؛ تعتمد الحالة الإنسانية على عدَم وجودِ محطةٍ ثابتةٍ في هذهِ الحياة، لأن عدمَ الثبات هو فقط ما يُمكن أن يَسمحَ بالحُرية. يُمكن للناس أن يَنْموا ويَتَقَدّموا أثناءَ مُحاولَتِهم جعلَ أنفسِهم مُسْتَحِقّينَ مَحَبَّةَ اللهِ.

               باختصار، لا يمكنُ تَعْريفُ البشرِ إلا بشكلٍ عام. [و]لا يمكنُ لأحَدٍ أن يَعْرفَ ماهيتَه أو ماهيتها الحقيقيةَ؛ لأن كلَ واحد منا هو عملٌ-قيد-الإنجاز. ما نَفْعَلُه في أنْشِطَتِنا اليومية يجلب، باستمرار، تغَيراتٍ في تكويناتنا النفسية والروحية. إنَّنا نَظَلُ غيرَ قابلين للتّعريفِ حتى الموْت، [الذي يُشَكّل] النقطةَ التي ندخل عندها منازلَنَا الثابتةَ، كَحَالِ الملائكةِ والمخلوقات الأخرى.

               إذا طَبّقْنا قانونَ عدمِ الثبات وعدم القابِلِيّةِ للتعريف على اعتقاداتِنا وأعمالِنا—سواء كانت دينيةً أم غير دينيةٍ—؛ فسوف نرى أن أفهامَنا، وكلماتِنا، وأعمالَنا في طور التغيير دائما، للأفضل أو للأسوأ. بالإضافة لذلك؛ فإننا نَجْنِي ثمارَ هذه التَّغَيّرات—لا مناص [إذن] من قانون الكارما. الحقيقةُ نفسها تُحمّلنا مسؤوليةَ ما نُفَكِّر وما نَفعل، [و]الموت هو، بِبَساطة، النقطةُ التي يصبح عندها كلُ هذا واضحا.

               وبما أن الناسَ ينمون ويتغيّرون باستِمْرارٍ؛ فمن الواجبِ عليهم أن يحرصوا على التَّحقّقِ من أنهم يَنْمُون بشكل جَيّدٍ ومُلائم. حُبُّ الله يعطي التركيز الضروري. [و]لابد أن يتذكر المرءُ أن اتباعَ النبي [صلى الله عليه وسلم] لا يعني مجردَ القيام بأعمال معينة؛ إنه يعني، أكثر من أيّ شيء آخر، اتخاذَ سلوكياتٍ مُعينة تجاهَ اللهِ والعالم.

               يُقَدِّمُ الإسْلامُ التَّوْجيهاتِ الأساسيةَ للسُّلوكياتِ الصحيحةِ في الشهادة: “لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله.” لقد أشرتُ فيما سبق إلى شيءٍ مِن أَهَمّيةِ نَبِيّ الله [صلى الله عليه وسلم] في تَفْعيل المحبة. إن دورَ الجزءِ الأولِ من الشهادة أقلّ وضوحا، ولكنّ إعلانَ التوحيدِ، في حقيقةِ الأمرِ، أساسيٌ بشكل أكبر، من بعض النواحي.

               عادةً ما تُعْتَبَرُ الجملةُ: “لا إلهَ إلا الله” تعبيرا عن الاعْتِقاد، وبالنسبة للمسلمين؛ هي أشبهُ ما تكون بِتَصْريحٍ عنْ حَقيقةٍ، أو حقيقةٍ واضحةٍ في نفسها، بل أكثر من ذلك؛ إنها مَنْهَجٌ. بِشَكْلٍ محَدّدٍ؛ إنها تَسْتَجِيبُ لِلْقُصُورِ الإنسانيِّ المتعلقِ بِرُؤْيَةِ اللهِ والكتابِ المقدس، بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ، من خلال مقاييسنا نحن، كما أنها تَمْنَحُنَا الوسائلَ التي تجعلُ مقاييسَنا مُتّسقةً مَعَ مُرَادِ اللهِ. [و]بما أن مُعتقداتِنا وسلوكياتنا تَتَغَيّرُ وتَتَبَدّل يوما بعد يوم، وحتى لحظة بعد لحظة؛ فإننا نحتاجُ إلى طريقةٍ لتركيزها، وتدريبها، وهدايتها، والسماح لها بالنمو في جهة تقودُ إلى سعادةٍ طويلةِ المدى.

               تَمْنحُ الشهادةُ الأولى طريقا للتَّفْكِيرِ باللهِ. [إنّ] الذي تَقولُه [أي: الشهادة الأولى] بِشَكْلٍ أساسيّ، هُوَ أَنَّهُ ينبغي نَفْيُ كلِّ فِكْرَةٍ عَن اللهِ. أيّ إلهٍ نَتَصَوَّره ليس هو الله في نفسه، الذي هو مُتَفَرّدٌ في الحقيقةِ. [و]أيا ما كان تفسيرُنا للقرآنِ—الذي هو تَعْبيرُ الله عنْ ذاتِهِ—؛ فإنه لا يَرْقَى إلى حقيقةِ اللهِ. لا يُمْكِنُ أن تكون هناك أجوبةٌ قطعيةٌ ونهائيةٌ في عقولِنا وأرواحِنا؛ فَأَنْ تقولَ [إن شَيْئا ما] قَطْعيٌ ونهائيٌ هو أن تقولَ [إنه] “مطلق”، والله وحدَهُ مطلقٌ، اللهُ وَحْدَهُ قطعيٌ ونهائي. كما يُعبِّرُ شمس [عن هذه الفكرة]: “إن اللهَ هو الله. وكل ما هو مخلوقٌ فليس هو الله—سواء كان ذلك محمدا أم غير محمد.”[5]  إن الإلهَ القطعي والنهائيَ ليس هو الإله الذي نستطيعُ أن نَفْهَمَهُ؛ إِلهُ اعتقاداتِنا هو دائما مَبْدَئِيٌ [أي: غير نهائي].

               بِعِبارة أخرى؛ تُعْطِي الشهادةُ وسيلةً لمُساعَدَةِ الناسِ على تَجَنّبِ مُحاوَلَةِ تَكْوينِ رَأْيٍ عنِ اللهِ. يقولُ المحِبُّونَ العظماء في الحضارة الإسلامية، إن الناس إذا كانوا يريدون أن يفهموا اللهَ بمقاييسه هو؛ فإنه ينبغي لهم أن ينظروا إلى الله بِعَيْنِ الحُبّ، وأن يسعوا لِلْعَمَلِ وفق رغباته. بصفتها منهجا للمُحِبّين، تخبرهم الشهادةُ أنه لا شيءَ يستحق الحبَ سوى الله، لأنّ اللهَ وحدَهُ مناسبٌ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ الإنسانيةِ اللامُتناهي، والذي يَتَغَيّرُ باستِمْرارٍ، والله وحده يستطيعُ أن يَمْلَأَ الصورةَ الإلهيةَ التي هي النَّفْسُ الإنسانيةُ. بالنسبة لما هو دُونَ اللهِ؛ فَحُبُّه مشروعٌ ومرغوبٌ فقط بِقَدْرِ ما يكون المحبوبُ مَنْظورا إليهِ على أَنّهُ وجهُ الله الخَيِّر والجميل حالَ لمَعانِهِ في العَالَمِ المخلوقِ. إن مبدأَ التوحيدِ يَتَطَلّبُ أن تُرى جَميعُ الأشياءِ كعلاماتٍ وإشاراتٍ إلى خَيْريّةِ اللهِ.

* * *

هناك حديثٌ يُمْكِن أن يُساعدَنا على فَهْم دورِ الحُب في تَفْسير القرآنِ: “حُبّك للشيء يُعمي ويصمّ.” أحدُ الطّرق التّقليديةِ لقراءةِ هذا الحديثِ، هو القولُ بأنّ حبَّ غيرِ الله يُعمي الناسَ ويصمّهم عن هدايةِ القرآن والسنة. سيحمل هذا [الحب] عواقبَ سيئةً للروح؛ لأنّ الناسَ إنْ أَحَبوا شيئا سِوى الله، فَلَن يَتّبِعُوا محمدا، وعندها لن يُحبهم اللهُ ولن يُقَرّبَهُم إليهِ بَعْدَ الموتِ.

               ولكن من الممكن أن تُقرأَ هذه المقولةُ بِطُرُقٍ مختلفةٍ أيضا. يُمكن أن نأخذَها لا على أنها انتقادٌ للحُب غير القويم، وإنما على أنها تعبيرٌ عن حقيقةٍ متعلقة بكل أنواع الحب، القويم وغير القويم. [بمعنى أنّ] حُبّ البَشِع والسّيّء يُعْمي الناسَ ويصمُّهم عن الجَميل والفَاضل، وحبّ الجميل والحَسَن يصرفُهم عن البَشِعِ.

               إذا سَلَّمْنَا بِأنَّ الحُبّ يُعْمِينا؛ يُصْبِحُ جَلِيّا أنّ كلَّ تفسيرٍ للكتاب المقدس فيه قصورٌ. لماذا؟ لأن كلّ مُفَسّرٍ يُحِبُّ شيئا؛ إلها، مبدأ، هدفا. والحبُ الذي يقودنا—حُبّ أيّا ما كان ذاك الذي نَعْبُدُ—يعمينا ويصمّنا عن آلهةٍ أُخرى ومَحْبوباتٍ أُخرى. إذا كان إلهُنا هو التاريخ، أو علم النفس، أو الفيزياء، على سبيل المثال؛ فسوف يعمينا ويصمّنا عن الميتافيزيقيا، بالإضافةِ “للتّصوف”. هذا بديهي؛ إننا نُشاهده في كلَ جوانبِ الحياة، لاسيما الحياة في [البيئة] الأكاديمية. ليس فقط أن الناس لا يرون الأشياء بنفس الطريقة؛ [بل] إنهم لا يستطيعون رؤيةَ الأشياءِ بنفسِ الطريقة، لأنّ مَحْبوباتِهِم تُعْميهِم.

               وبناء على ذلك؛ فكلُ مُفَسّرٍ للكتابِ المقدسِ مُحِبٌّ—لشيء أو لآخر—وكلُ مُحِبٍ يرى الكتابَ المقدسَ على أنه المرآةُ الخاصةُ به. بالنّسْبَةِ لأولئك الذين يُحِبُّونَ إلهَ التوحيدِ، [أي:] الإلهَ الموصوف في الشهادة الأولى، فإن حُبهم يعميهم ويصمهم عن كُلّ صفةٍ سلبيةٍ يُمْكِن أن تُنْسبَ إلى اللهِ؛ لأنّهم لا يستطيعون أن يَرَوْا إلا أنه [سبحانه] مُتَزَيِّنٌ بِكُلّ صِفَةٍ إيجابِيّة. الحُبُّ يجعلهم يَنْسِبون كُلَ فَضْلٍ في حُصُولِ الخير إلى الله، وكلَ مسؤولية في حصولِ الشَّرّ إلى أَنْفُسِنا.

               إذا كان البشرُ ثابتين على حالاتِهِم مثل بَقِيَّةِ المخلوقاتِ، فَسَيَكُون من اللغو مجرّدُ ذكرِ حقيقة أنهم مَعْمِيُّونَ بِمَحْبوباتِهِم، ومَهْووسونَ بِمَواقِفِهم التَّفسيريةِ. إننا نحتاجُ لأن نَتَذَكّرَ محدوديّتَنا، تحديدا لأننا غيرُ مستقرين على حال، ولأننا نَتَغَيَّرُ باستمرارٍ. نستطيع دائما أن نسعى لِرَفْعِ أبصارِنا للأعلى والرؤيةِ من خلالِ عَدَساتٍ أفضل.

* * *

بالمناسبة؛ أنا لا أُجادِلُ بأن “حُبّ الله” شيءٌ جيدٌ بالضرورة. [بل] يعتمدُ ذلك كُلُّهُ على الإلَه المُعْتَقَد. إذا كان الإلهُ المعتقدُ غيرَ مُتَوافِقٍ مَعَ الله كما هو على الحقيقة؛ فإن ما يسميه الناسُ “حُبّا لله” يُمْكِن بسهولة أن يكون كراهيةً للجميلِ، للخيرِ، وللحقِ. هذا سببٌ واحدٌ لِعَدَمِ فَصْلِ النُّصوصِ الإسلاميةِ أبدا بَيْنَ حُبّ الله وبَيْنَ العلمِ بالله. إنَّ الإيمانَ الحَقِيقِيّ لا يُمكنُ أن يكونَ قَفْزَةً إلى المجهولِ؛ لأنه من المستحيل أن تُحبّ شيئا لا تَعْرفُه، وهذا هو الإشكالُ بالتحديد: لا يُمكننا أن نعرفَ الله في ذاته؛ وعليه، نستطيعُ أن نُحِبّهُ فقط بِقَدْرِ مَعْرِفَتِنا بِهِ. [إذن،] يُصْبحُ من المهم جِدا أن نُوسّعَ مقاييسَنَا في العِلْم والفهم كي نستطيعَ تحقيق أكبر مقاربةٍ ممكنةٍ مَع المقاييس الإلهية.

                عادةً ما يَأتي التّعبيرانِ “مُحِبٌ” و “عارفٌ” مُتَرادِفَيْنِ في النصوص التي تُناقشُ مَحَبَّةَ اللهِ. أو، إذا اعتُبِر الحُبُّ أعلى [درجةً من العلم]—كما يُفْعَلُ عادةً في الشِّعْرِ الصُّوفي—؛ فَالْعِلْمُ يصبحُ الوسيلةَ لِتَحْقيقِ الحُب الحقيقيّ. كثيرا ما يربطُ الغزاليُ بين الحُبّ وبَيْنَ العلمِ في [كتابه] الإِحْيَاء؛ يَفعلُ ذلك، على سبيل المثال، في قِطْعَةٍ تُوجَدُ في مُقَدِّمَة فَصْلٍ عن أَمْراضِ القلوبِ المذكورةِ في القرآن:

اعلمْ أنَّ كلَّ عضوٍ من أعضاءِ البدنِ خُلِقَ لِفِعلٍ خاصّ به، وإنما مرضُه أن يَتَعَذّرَ عليه فعلُه الذي خُلِقَ له حتى لا يصدرَ منهُ أصلاً، أو يصدرَ منه مع نوعٍ من الاضطرابِ؛ فَمَرَضُ اليد أن يتعذر عليها البطشُ، وَمَرض العين أن يَتَعَذّرَ عليها الإبصارُ.

وكذلك مرضُ القلبِ أن يتعذّرَ عليه فعلُه الخاصُّ بِهِ الذي خُلِق لأجله؛ وهو العلمُ والحكمة والمعرفةُ وحبُ الله تعالى وعبادته والتلذذ بذكره وإيثاره ذلكَ على كل شهوةٍ سواهُ، والاستعانة بجميع الشهوات والأعضاء عليه [..].

 فَفِي كلّ عُضْوٍ فائدةٌ، وفائدةُ القلبِ الحكمةُ والمعرفةُ وخاصِيّةُ النّفس التي للآدمي ما يتَمَيّز بها عن البهائم، فإنه لم يَتَمَيّزْ عنها بالقوة على الأكل والوقاعِ والإبصارِ أو غيرِها، بل بِمَعْرفة الأشياءِ على ما هِيَ عَلَيْهِ. وأصلُ الأشياء وموجدُها ومخترعُها هو الله عز وجل الذي جعلها أشياءَ؛ فلو عَرَفَ كلَّ شيءٍ ولم يعرف اللهَ عز وجل فكأنه لم يعرفْ شيئاً.

 وعلامةُ المعرفةِ المحبةُ؛ فمن عرَفَ الله تعالى أَحَبَّه، وعلامة المحبة ألا يُؤْثِر عليه الدنيا ولا غيرَها من المحبوبات [..] فَمَنْ عِنْدَهُ شيءٌ أحبّ إليه من الله؛ فَقَلْبُه مريضٌ، كما أنّ كلّ معدةٍ صارَ الطينُ أحبَ إليها من الخبز والماءِ، أو سَقَطَتْ شهوتُها عن الخبزِ والماءِ؛ فهي مريضةٌ، فهذه علامات المرض.

 وبهذا يُعْرَفُ أنّ القلوبَ كلها مريضةٌ إلا ما شاء الله.[6]

* * *

أستطيعُ أن أُلَخِّصَ [ما سَبَقَ] بالكلمات التالية: حُبُّ الله يَدْفَعُ المُحِبَّ لاتّباع النبي [صلى الله عليه وسلم] الذي يُجَسّدُ رسالةَ القرآن. ولكن لا يُمْكن للمرء أن يُحِبَ اللهَ بشكل صحيح من غير معرفة الله، ولِكَيْ يَعْرِفَ المرءُ اللهَ؛ لا بُدّ أن يَتَحَصّلَ على مَعرفةٍ جَيّدة عن تَعْبيرِ اللهِ عن ذاتِه، الذي هو القرآنُ تحديدا، وتَجَسُّدُه في [النبي] محمد [صلى الله عليه وسلم]. [و]لِكَيْ يعرفَ المرءُ القرآنَ ويَفْهَمَهُ بِشَكْلٍ صَحِيح؛ لابُد أن يَقْرَأَهُ بِعَيْن المَحَبَّة. كَمَنْهَجٍ تَفْسِيرِيّ؛ يَتَطلّبُ الحُبُ أن يَنْظُرَ القارئُ إلى الله من خلال الشهادةِ التي تَنْفي كلَّ صِفَةٍ سلبيّة عن الله، وتَنْسِبُ لَهُ كلَّ صِفَةٍ تَسْتَحِقُ المدحَ. هذا يَتَطَلّبُ أن يَفْهمَ المُفَسّرون كلَّ آيةٍ على أفضلِ وجهٍ مُمْكِنٍ—من خلال حقيقةِ حكمةِ الله، رَأْفَتِهِ، رَحْمَتهِ، وَهِدَايَتِهِ.*


[1] لاهوتيا؛ عادةً ما يُعَبّر عن هذا التفريقِ من خلال الأمرين الإلهيين: يُصدر [سبحانه] الأمرَ: “كُن!” لكل الأشياء، فلا تملكُ إلا أن تُطيعَ؛ هذا هو “الأمر التكويني.” بالإضافة لذلك؛ يصدر [سبحانه] هذا الأمر للبشر (ولِلْجنّ): “افعلْ هذا، ولا تفعل ذاك”؛ فيقبلون أو يرفضون بناءً على اختيارهم الحر؛ هذا هو “الأمر التكليفي.”

[2] المثنوي (نسخة نِكُلْسن)، الجزء ٣، الأبيات ٣٢٨٧-٣٢٨٨.

[3] Chittick, Me and Rumi: The Autobiography of Shams-i Tabrizi (Louisville: Fons Vitae, 2004), p. 156.

[4] Ibid., p. 228.

[5] Ibid., p. 71.

[6] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين. نقل المصنف من طبعة دار الهادي، بيروت، ١٩٩٢، المجلد ٣، الصفحات ٩٦-٩٧. ولكنني نقلتُ النص من المكتبة الشاملة، التي اعتمدت بدورها على طبعة دار المعرفة، بيروت، المجلد ٣، الصفحات ٦٢-٦٣، كما راجَعْتُها على طَبْعَةِ دارِ المنهاجِ للنّشْرِ والتَّوزيعِ (جدة، ٢٠١١). والقطعة في: ربع المهلكات، كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب، بيان علامات أمراض القلوب وعلامات عودها إلى الصحة.

*  الورقة الأصلية لا تنتهي هنا، وإنما يدخل المصنف بعد ذلك في قسم جديد، يتكلم فيه عن تفسيره المُفَضَّل؛ تفسير رشيد الدين الميبودي.

المصدر:

William Chittick, “The Koran as the Lover’s Mirror”, in Patrick Laude (ed.), Universal Dimensions of Islam: Studies in Comparative Religion (Bloomington: World Wisdom, Inc., 2011), pp. 66-77.