القدرة الإستهوائية للتحليل النفسي – جاك فان ريلار (فصل من كتاب “الكتاب الاسود للتحليل النفسي”) / ترجمة: يحيى فهدي

القدرة الإستهوائية للتحليل النفسي – جاك فان ريلار (فصل من كتاب “الكتاب الاسود للتحليل النفسي”) / ترجمة: يحيى فهدي


1– مزايا التحليل النفسي (القدرة الإستهوائية):

كنت محللً نفسانيً مخلصً، بعد ذلك صرت محلل نفساني مشكك وفي الأخير اصبحت محلل نفساني متمرد. سنة 1972، ناقشت أطروحتي في سلك الدكتورة في علم النفس ذات صبغة فرويدية. ثم في سنة 1980، و بعد انشقاقي، كتبت ‘ أوهام التحليل النفسي’ لتوضيح الأسباب التي دفعتني للتخلي عن التحليل النفسي[1]. ليقوموا بمهاجمتي بنبرة غاضبة[2]، تفسر القوة المطلقة والتكبر المميز للمحليلين النفسيين في بلدي (بلجيكا)، وبالخصوص في جامعتي (لوفان-لا-نوف).

في الماضي، كانت ردت فعلي كساكن يرى جيرانه يوجهون غرباءً للطريق الخاطئ. أردت أن اصيح قائلا: “لا تستمعوا اليهم، انهم خاطئون، اذهبوا من هذا الاتجاه الاخر(السيكولوجيا العلمية).” أحسست أن عدم بوحي بما توصلت اليه خلال مسيرتي هو كعدم تقديم العون لأشخاص معرضين للخطر.

تغيرت الازمنة. ففي جناح علم النفس الخاص بجامعتي، فقد المحللون النفسانيين المتبقين هبتهم. اليوم، اقوم بممارسة العلاج المعرفي السلوكي[3] بكل رضا وصفاء ذهن، و الذي اخذت تكوينً فيه سنة 1981.

تطرقت الفقرات السابقة لهذا النص التحليل النفسي من الجانب التاريخي. والفقرات الموالية تناولته من جانب اجتماعي او ابستيمولوجي لهذا اريد أن اتناول الموضوع هنا من جانب سيكولوجي علمي. ما اقترح في طريقة تقديمي هو ملاحظة وتحليل سلوكات الاشخاص الذين يخضعون للتحليل النفسي، من خلال التركيز بشكل خاص على الميزات التي يحصولون عليها او يطمعون في الحصول عليها. بمعنى آخر، ما هي المزايا التي يمكن استخلاصها من الخضوع للتحليل[4]؟ سأتطرق في البدء للمزايا الواقعية او المبتغاة من طرف المرضى. وفيما بعد، سأتطرق للمزايا التي يحصل عليها المحلل النفسي من التحليل النفسي .

المزايا العلاجية (الضئيلة):

قبل أن يصير التحليل النفسي طريقة تحليلية تفسر بها أي ظاهرة نفسية او ثقافية، فقد كان اولا وقبل كل شيء اسلوب علاجي. في بداية مساره، كان فرويد ايجابي بشكل كبير. اذ في سنة 1895، اعلن أن: “الهستيريا والعصاب القهري قابلين الان للعلاج بشكل قطعي وليس فقط من خلال اعراضهم، بل حتى من النزعة العصابية أيضا.[5] فيما بعد، اصبح اكثر واكثر تواضعً، وفي اخر مساره، اصبح ذو نظرة سلبية بشكل قوي. سنة 1911، اعلن أنه“لا يجب البحث عن النجاح العلاجي من خلال ازالة الاعراض، بل من خلال اعادة بناء القدرة على الفعل والعمل من اجل الحياة”[6]. في نهاية حياته، لم يعد يخفي ضعف نتائجه العلاجية. فنرى في أخر كتبه التقنية الكبرى، التحليل مع ودون نهاية (1937)، فسر أن “التحليل لا يعمل من خلال قدرات لا نهائية، بل بقدرات محددة” و اعلن على أن التحليل النفسي “عمل مستحيل”-كالتدريس او التسيير-، بمعنى “حيثما نكون على يقين مسبق بالنتائج الغير مرغوب فيها”[7].

أدرك فرويد أن التحليل النفسي يقدر على علاج “العصابات الصغيرة” فقط –[8]die kleine Neurose. أظهرت الدراسات المنهجية حول تأثيرات العلاجات النفسية أن طريقته لا تعطي نتائج جيدة مقارنة مع نظيراتها، وبالمقارنة مع مدة تطبيقها وكذا تكلفتها المادية فإن مزاياها ضئيلة المنفعة بشكل كبير (هذا الجانب تم الإشارة اليه في الجزء الثالث من الكتاب). ترجع المزايا العلاجية (القليلة) الى عوامل “غير محددة”، عوامل لا تقتصر على التحليل النفسي فقط. يتعلق الامر بالإحساس بأنه تم الاستماع لك و فهمك و شعورك بأمل ألتغير و بالقدرة على التحكم في مجريات الأمور وباكتساب سلوكيات جديدة.

الممارسون الفرويديين لا يستطيعون مجابهة الاضطرابات المعيقة كحالات الفوبيا الشديدة، اضطرابات الوسواس القهري او حالات الادمان المتجدرة، اذ أن اغلبهم يزدريها و بالنظر إليها على أساس ‘أعراض’. وعادة ما يشاركون هذه النظرة مع مرضاهم. بالاضافة لهذا، كتب Pierre Rey على أنه وعلى مدى 10 سنوات من حصص التحليل اليومية مع لاكن Lacan، لم يختفي –”الاعراض” التي دفعته للعلاج- الرهاب الاجتماعي:

“الاعتراف بها اليوم يضحكني: لا زلت مصابا بالفوبيا. لكن بين الفينة والاخرى أقوم بالتفاوض مع رهاباتي. او بالأحرى لا أضع نفسي موضع الاحساس بها، او اقوم باعتبارها نتائج للفراغ الذي امر منه، فأقوم باستحمالها والاستسلام للملل الذي يملأ الحياة.[9]

في حالة استمرارية تواجد “الاعراض”، اذ أن هذه هي الحالة الدائمة، فما الذي يدفع المرضى للإحساس بالرضا في هذه العلاجات غالية  الثمن والتي قد لا تنتهي في بعض الأحيان؟ هذه المزايا هي مزايا ذاتية بصفة كبيرة وتتغير من شخص لأخر. ومع ذلك يمكنني تقسيم المزايا الذاتية الاكثر تداولا الى خمس أجزاء، والتي سنقوم بتحليلها: أن يتم الانصات اليك، اعطاءك قيمة، فهمك, ازالت اللوم عليك وان تقوم بممارسة رغباتك, الرفع من تقدير الذات، واعطاء قيمة لذاتك, القدرة على تفسير كل شيء وشرحه, أن تجد معنى للحياة.

مريض، محَلٌل، تحليل او زبون؟

دائما ما قام فرويد بتسمية الأفراد الذين يتعامل معهم بمصطلحي « Kranke » (مصاب)، « Patient » (مريض) او « Neurotiker » (عصابي). اليوم، الاشخاص الذين يخضعون للتحليل عادة ما يتم تسميتهم ب(المحلَلِين) او (التحليليين). المصطلح الأخير يخص بالأساس اتجاه لاكن. في واقع الامر، أغلب الأشخاص الذي يشغلون أرائكهم ليسوا مصابين او على الاقل لا يعتبرون انفسهم على هذه الشاكلة. الكثير منهم يريدون فقط أن يخضعوا لتجربة “التنمية الذاتية”، او علاج “ضيق” او “انزعاج” او الحصول على تذكرة وجول لميدان العمل كمحلل نفسي. ومن جانب اخر، فانهم يرون أن الشخص هو الذي يقوم بالعمل بنفسه، وان المحلل ما هو الى صلة وصل بين الفرد وبين “لاوعيه”.

خلال سنوات 1950، قام كارل روجرز، وهو عالم نفس امريكي ب”اشتقاق” شكل اخر للعلاج النفسي بعيد كل البعد عن الفرويدية الأرثوذوكسية، واستعمل مفهوم “الزبون” ليسلط الضوء على الدور الفعال لكل فرد يخضع لعلاقة مساعدة سيكولوجية[10]. في بعض البلدان كهلندا، قام العديد من المعالجين النفسين الغير-اطباء، وكذا الاطباء العقليين بتبني هذا المصطلح، وهذا ليس تباعا للأسباب الذي ذكرها روجرز. حيث أن العلاج النفسي هو في واقع الامر علاقة تجارية: العميل او الزبون يقوم بالأداء على خدمة، والمختص يساعده على أن يعرف ذاته اكثر، وعلى أن يجد الحلول لمشاكله، وعلى أن يريحه من الامه. مصطلح “الزبون” يتم استعماله بالخصوص حينما يتعلق الامر بتحليل “ديدكتيكي”، بمعنى حينما يكون هدف الشخص الخاضع للتحليل هو اكتساب مهارة مهنية ليصبح هو الاخر محلل نفسي.

في حالة تعلق الامر بعلاج فرويدي متداول، فان الاسئلة المتعلقة بالنقود مهمة بدرجة كبيرة: لا يتم قبول الزبون إلا أن كان قادرا على الدفع، الاسعار تكون عالية، والدفع يكون نقدا. وبالمقابل، يتوقع الزبون أن يحصل على مزايا اكثر عمقا او اكثر ربحا بالمقارنة مع المناهج والطرق الأخرى.

أن يتم الانصات اليك، تقديرك، فهمك

احدى المزايا الرئيسية في أي شكل من اشكال العلاج النفسي هي القدرة على الحديث بحرية تامة، عن أي شيء، مع الشعور بأنه يتم الانصات اليك بانتباه، من قبل شخص متفرغ لك وحدك، خلال مدة زمنية خاصة بك. والشرط الاساسي للحصول على هذه الميزة هي دفع نقود الحصص بانتظام.

كذلك، فالزبون الذي يعيش الوحدة سيجد اذن صاغية له، حتى وان لم تكن ودودة. فحتى ذاك الذي يُقمع في كل مرة يفتح فيها فمه يستطيع اخيرا أن يعبر عن ذاته دون أن تتم مقاطعته، و دون أن يتم الحكم عليه. في هذه اللحظات، لا خوف من الكلام: بالكلمات، كل شيء مسموح به، كل شيء له معنى، كل شيء له أهميته، والكل يعتبر مهيكلا للفرد او سيصبح كذلك. فإذا أظهر المعالج بشكل منتظم علامات على انتباهه مع بعض التعليقات الخالية من النقد، فان الزبون سيحس بأنه تم فهمه، و الاعتراف به وإعطائه قيمة. والعديد من الاشخاص لا يتعدى مطلبهم هذا الامر.

التحليل النفسي ، كغيره من العلاجات الأخرى، يقدم هذه الميزة. اكثر من هذا فان المحللين يمرون بهذه التجربة منذ بدء العلاج من منطلق مفهوم ‘حرية التعبير[11]‘. ربما هذا الانصات هو افضل ما يمكن للمحلل النفسي تقديمه. اذ انها تجعل من الممكن-لكن ليس دائما بشكل فعال- اخذ مسافة اتجاه المشاكل مع منظور اخر للوقائع. وقد ينفع هذا الامر مع الاضطرابات في حالة كانت ضعيفة. وهذا وبدون شك من احد الميزات الأساسية لنجاح اغلب العلاجات النفسية بمن فيها، حتى التحليل النفسي .

ازالت اللوم عن الذات وتفعيل الرغبات

احد الميزات الرئيسية لعدد كبير من العلاجات النفسية هي ادراكها لنسبية المعايير المرضية. الفرويدية مثلا خفضت من التأنيب الذي يشعر به الفرد من خلال الربط مع الرغبة الجنسية. وهذا من احد الاسباب الرئيسية لشهرتها. بشكل عام، التحليل النفسي يزيل اللوم عن  عدد من السلوكات المرضية، الصبيانية، الانانية او المضرة. التفكيك الفرويدي يسمح لنا باعتبارها والنظر إليها على انها “اعراض” لسيرورات لا واعية او تعبير عن رغبات مكبوتة. مسؤولية الافعال الاشكالية عادة ما يتم ارجاعها للأباء او الى الارتباط مع الاباء، يعتبر هذا سبباً في الصراعات التي يعيشها الفرد الخاضع للتحليل مع محيطه وخاصة من قاموا بالاعتناء به. وبعض المحللين لا يتناهون عن التصريح للمحلَل بضرورة قتل الاب و الام بشكل رمزي.

ان كان Pierre Rey الذي تحدثنا عنه مسبقا، بقي متابعا للتحليل النفسي بعد عشر سنوات من الحصص اليومية التي لم تساعده على ازالت “اعراض” الفوبيا الخاصة به، فهذا حدث خاصة بفضل التحليل النفسي ، حيث “سمح” لنفسه بعرض مشاعره دون أن يضبط ذاته:

” انبثقت من دواخلي صرخات محبوسة خلف جمجمتي بتفاني عالي. منذ ذلك الحين، اصبح الكل يدري ما احس به اتجاهه. أن احببت الشي، فبحياتي وموتي احبه، وان كرهت الشيء فبحياتي وموتي اكرهه.[12]

مثال: اتصلت صديقة به عدة مرات لكي تستعيد كتابها الذي اعارته. لم يجده Rey، وحينما اجابها خلال اتصال اخر زف إليها ما يلي:

“استمعي الي، ايتها الخنزيرة العجوز. قمت برمي منشفة الكتاب المقرف الخاص بك للجراء. لهذا احذرك الان. أن اتصلت بي مرة اخرى، سأهشم رأسك. لا اريد سماع صوتك، بتاتا[13]

هكذا، اهله التحليل النفسي على تبني ردود فعل عدوانية وأنانية، دون أن يشعر بالذنب او الانزعاج. يستلخص Rey قائلا: “من الاخلاقي فقط اخضاع الرغبات للتنفيذ. الباقي ما هو الى ادبيات[14].”

من الجدير التذكير بأن تمجيد “الرغبة” و ” المتعة” هو بالأساس فكرة مهيمنة عند لاكان Lacan و كذا فرويد Freud. لم يدعوا أب التحليل النفسي الى المتعة و الانانية دون أي استفادة منها. حين تحقيق النظر في اخلاقه، سنجد انها ذات طبيعة محافظة غير متغيرة. يؤكد على أن “الحياة المبنية على مفهوم المتعة غير عملية[15]“. والهدف الذي يبني عليه العلاج هو “ترويض (Bandigun) الرغبات والنزوات التي تكون في صراع مع الأنا”و “ادماجها في الانا، كي لا تتبع مسارها في الاشباع”. التحليل النفسي ، يقول مضيفا، “يقوم بمراجعة المكبوتات  القديمة” و “يبني سدود جديدة (neuen Dammen)، اكثر صلابة من الاولى. يمكننا بالتالي وضع الثقة في هذه السدود على أن لا تستسلم بسهولة امام ارتفاع الشهوة[16]“. كان فرويد بعيدا عن الدعوة لتحرير الشهوات بشكل فوضوي، الامر العزيز عند بعض الايديولوجيين.

تقدير الذات، اعطاء قيمة للذات

يلخص فرنسوا غيرود Francois Giroud حصيلة علاجه مع لاكن من خلال  هذه الكلمات:

“التحليل صعب ويؤلم. لكن حينما ننهار تحت وطأة الكلمات المكبوتة، و السلوكات القسرية، للشكل المراد حفظه، وحينما تصبح التمثلات التي نبنيها عن انفسنا غير محتملة، فالعلاج موجود هنا. عدم الخجل من الذات يعتبر كتحقيق للحرية. وهذا ما ينصح به التحليل النفسي لكل من يطلب العون.[17]

من خلال دراسة التحقيقات حول التحليل النفسي[18]، نجد أن تجربتهم مشابهة لتجربة غيرود، وغالبا ما يتم اعتماد تصميم الفريد ادلر Alfred Adler على تصميم فرويد. نعلم أن خصم فرويد دائع الصيت يرى أن المحرك الرئيس ليس الرغبة الجنسية، بل ارادة السلطة، الرغبة في أن يُعرف الشخص و يؤكد ذاته.فقط القلة القليلة من المحلَلين من يؤكدون في تجاربهم شعورهم بما جاء في اقوال فرويد في ما يخص عامل الشفاء الخاص عند العصابيين: نقص الصراع بين الرغبات الجنسية و الانا الاعلى، العثور على الذكريات المكبوتة المتعلقة بتجارب جنسية، واقعية او متخيلة، منذ الطفولة. في كثير من الاحيان، يصبح الامر متعلقا بالانهيار تحت وطأة الواجهة المراد حفظها، بعدم الخجل من الذات، وبتقدير الذات اكثر و اكثر. ينبغي هنا التسجيل بان الامر يتعلق هنا بتعليمات يتم تفضيلها من قبل العديد من العلاجات النفسية. والعلاجات السلوكية والمعرفية اقاموا عليها تخصص[19].

عند من الفوا الاريكة، الاهتمام بالانا ينبع منه في العادة السعي ، بالخصوص من اجل السعادة، من خلال تقدير ذات جيد[20]. في خلاصة تحقيقه حول صورة التحليل النفسي في فرنسا، خلص Serge Moscovici الى أن المحاورين الذين يعرفون من خضعوا للتحليل النفسي، اشاروا الى ارتفاع في الانانية كنتيجة للعلاج. لخص الاجابات من خلال القول بأن الخاضع للتحليل النفسي ظهر كشخص “متكبر، منغلق، متعلق جدا بالاستبطان[21]“. تحقيق Dominique Frischer، شمل 60 من المحللين الساكنين في باريس، اعطى نفس الخلاصات. اضافة لجان بيير Jean-Pierre، “كان سابقا اناني، وبعد مروره من التحليل النفسي اصبح اناني بامتياز”. ماري-هيلين Marie-Hélène “اصبحت فردانية، انانية، ممتعة، واستبدادية[22]“. في الوقت الحاضر، العلاج الفرويدي –خاصة حينما يتم تطبيقه من قبل متبع للاكان lacanien- يؤدي في كثير من الاحيان الى تمجيد الانا.

تأويل الكل، وتفسير الكل

بعد الدخول في التنظيم الفرويدي، ستصبح بشكل سريع ترى الكل على انه دو معنى، ويتضح لك الكل، يصيح الكل قابل للتفسير: من ابسط زلت لسان، الى أي حلم كما كان، وأي سلوك قهري، بالاضافة للهذيان المصاحب للفصام… ستتوقف عن القول “لا ادري”. الكل ستفك شفرته بكل سهولة سحرية.

قمت بنسيان مظلتك عند صديقك؟ هذا يعني انك تطمع في أن ترجع اليه. يخبرك صديقك أن لا تأخذه على محمل الجد (Au mot)؟ هذا يمكنك من “الانصات” الى مثليته (Homo-sexualité) المكبوتة. قام بردة فعل سيئة؟ هذا يعني انه “يدافع عن ذاته”، يقاوم “الهو” الخاص به، الذي يتكلم “دون علم الانا”.هل ينتقد فرويد ولاكان؟ اذا فهو يثور على الأب. حلمت بموته في نومك؟ هذا يعني انك تتمنى اختفائه. تخاف من الموت؟ يعني انك تعاني من هلع الاخصاء. ولدك الصغير يخاف من الاحصنة؟ هذا بسبب انه يخشى على نفسه من أن يقوم ابوه باخصائه لأنه يشتهي والدته. تحس بأنك تعاني اكثر و اكثر في حصص التحليل التي تخضع لها؟ هذا بسبب دخولك في طبقات اكثر عمقا من اللاوعي الخاص بك. يبدو لك مبلغ حصص التحليل مبالغ فيه؟ في هذه الحالة فانك تقوم بإحالة سلبية (transfert négatif) او انتكاسة للمرحلة السادية-الشرجية (régression au stade sadique-anal). لا زلت تعاني من “الاعراض” رغم مرور خمس سنين من التحليل؟ هذا يعني انك لا زلت من تنغمس بعد بشكل كبير في المشكل، وانك تريد هذه المعانات لأن أناك الاعلى لا زال قوي. كل سلوك يقوم به محاوروك هو قابل للتحليل ولن يبقى مبهم لك. ستستطيع فهم كما لم يستطيعوا هم فهم انفسهم، على الاقل أن لم يكونوا هم كذلك اعضاء في النخبة الفرويدية: اؤلائك الذين يعلمون ويمكنهم تحمله. انه شيء يطمئن. يعطي هذا الامر للشخص الاحساس بالقوة و ‘السعادة’.

كارل بوبر Karl Popper، احد اكبر الاسماء في مجال الابستمولوجيا، وصف بشكل جيد اندهاشه اتجاه هذا التحليل التشفير العالمي، قبل استيعابه أن التأكيد المتكرر للنظرية يعتبر من مواصفات الاديان و الانظمة الغير-علمية الأخرى. خلال استذكاره لملاقته في شبابه مع الماركسية والتحليل النفسي الفرويدي والاخر الخاص بألفريد أدلر Alfred Adler، كتب:

أن دراسة احدى هذه النظريات يبدو أن لها تأثير تحول فكري او وحي، اذ كأنك تتمكن من اكتشاف حقيقة جديدة، مخبأة تحت اعين الجميع  خاصة اولائك اللذين لم يستنيروا بعد. وفور أن يتم فتح عينيك ستكون قادرا على رؤية التأكيدات على افكارك في أي مكان: كأن العالم كله مليء بالتأكيدات على النظرية. أي شيء يمكن أن يحدث يؤكدها دائما. بهذا تكون حقيقتها واضحة. وكل من يرفض النظرية يكون بالتالي غير راغب في رؤية الحقيقة البديهية امام ناظريه : يرفضها اذا اما بسبب مصلحته الطبقية المشكوك فيها او بسبب الكبح الغير محلل بعد والذي يحتاج بشكل صارخ للعلاج.[23]

فيلسوف وابستيمولوجي اخر من القرن العشرين، لودوفيج فيتجينشتاين Ludwig Wittgenstein، شهد نفس الاندهاش، متبعً بنفس التحرر من الوهم. بعد أن قدم نفسه على انه من “اتباع فرويد”، لم يدخر أي انتقاد لنظام انتهى به المطاف لأن يقارنه مع ميثولوجيا سهلة التطبيق. رثى استاذ كامبريدج الشهير قائلا:

“قدم فرويد أسوأ شيء مع تفسيراته الزائفة الخيالية (تحديدا لكونها مبتكرة). أي حمار الان يمتلك هذه التصورات من اجل أن يفسر بها الظواهر المرضية.[24]

اعطاء معنى للحياة

كنتيجة لعدم علاجهم من “اعراضهم”، يستمتع عدد كبير من المحللين باعتبار ما يقومون به هو تجربة “وجودية”. العلاج –الذي تضاف اليه قراءة ادبيات فرويد- يعطي معنى لحياتهم.

هذا الجانب من التحليل النفسي يهم بشكل خاص الأفراد الذين لا يعانون من اضطرابات عقلية، بل من يعيشون وجودا يرونه غير مثير او غير كاف. وبما أن اللاوعي الفرويدي هو “مجال” لا منتهي، فالتحليل يعطيه ما يشغله بشكل لا نهائي. لأولائك الذين خابت امالهم اتجاه الدين والماركسية، يعطي التحليل النفسي شكل اخر للخلاص. لم يعد الامر متعلقا بالاله، الخطيئة، اعادة الخلق، او بيوم الخلاص المبجل، بل ب”الحقيقة”، “الاصالة”، “البعث” و ب”الهوية الجديدة”.هؤلاء الزبائن يسعون دائما الى نشر الاخبار الجيدة. يقومون بالتبشير الذي يعفي المحللين م القيام به بأنفسهم والتشهير به.

لاحظ فريشر Frischer أن اغلب المحللين الذين خضعوا للتحليل اكثر من خمس سنين أصبحوا هم أيضا محللين[25].ولم لا؟ اذ في البدء أول مريضة للفرويد، ايما اكستاين Emma Eckstein، اصبحت هي الأخرى محللة نفسية، دون أي تكوين اخر سوى اريكة فرويد[26].

أن يصبح الفرد هو الاخر محلل نفسي هو لا شك فيه الميزة الخاصة بالعلاج، سواء كان ذلك من خلال التعامل مع الملل او علاج “شيء مزعج”، عن طريق الاحتيال او من اجل ممارسة مهنة. منذ أن اعلن لاكان عن التفرقة بين التحليل “الديداكتيكي” و “العلاجي”، انظم العديد من المرضى الى جماعة المحللين اللاكانيين[27].

 

الفوائد الحقيقية للمحللين النفسيين

بامكاننا ربح مال وفير باعتبارنا محللين نفسيين أكثر من أساتذ ثانوية او مساعد اجتماعي في مشفى. منذ ذلك الحين، انطلاقا من سنوات 1960، قام العديد من خريجي الفلسفة ورجال الدين، والفنانين بجعل التحليل النفسي مصدر جني رزقهم، فهذه المهنة توفر لهم على الفور مصدر رزق مريح مع هيبة تتماشى مع هيبة الكهنة في القرون الماضية. بالنظر  للأثمنة، و عدد الحصص في الاسبوع و مدة العلاجات، فان عدد قليلا من الزبائن يفي بالامر. المحلل الذي يتبنى التقنية اللاكانية للحصة المختصرة والسريعة يمكنه أن يصبح غنيً بسرعة.

لنتحدث اكثر حول حقيقة أن التحليل النفسي هو نشاط سهل، مع ذلك ممارسوه قليلا ما يفهمونها. إضافة الى أن فرويد هو الاخر قالها وكررها:

تقنية التحليل النفسي سهلة التطبيق اكثر مما نتصور حين تعريفها[28].” شرط الانتباه العائم، الذي يسير الطريقة التي يستمع بها المحلل النفسي، “تمكن من توفير جهد كبير في الانتباه الذي لن نقدر على الحفاظ عليه كل يوم لساعات[29]“. “الكل يمتلك في لاوعيه الخاص اداة بها يمكنه تحليل تعابير اللاوعي عند الاخرين”[30]. “العمل التحليلي هو فن التأويل، حيث يتلطب فيه التعامل الناجع بعض اللمسات والتدريب، لكن هذا الامر ليس بالعسير في التعلم.[31]

من جهته، يصرح لاكان:

ما هو التحليل النفسي الاكلينيكي؟ ليس معقدا. له أساس – هو ما نقول في التحليل النفسي. بشكل عام، ما نقترح هو أن نقول أي شيء، لكن ليس في أي مكان- والذي سألقبه في هذه الليلة بالحديث-الريحي التحليلي (Le dire-vent analytique)… يمكننا كذلك التباهي، التباهي بحرية الارتباط، المسمى بذلك… بلا شك، فاني لست متحمسا للقول بأننا حين قيامنا بالتحليل النفسي فاننا ندري أين نتجه. التحليل النفسي، كما هو الشأن مع أي نشاط انساني اخر، فهو بلا شك يساهم في الاعتداء. نتصنع اننا نعرف شيء ما[32].”

في العلاج، المحلل الفرويدي يستعمل بشكل اساسي ثلاث انواع من الانشطة: (أ) يستمع من خلال الانتباه العائم، الذي يعني دون أن يقوم بمجهود في الانتباه، (ب) توظيف بشكل دوري بعض الهمهمات، بهدف اظهار استماعه للزبون وأنه مهتم بالاستمرار في الربط “بحرية”… على ضوء ثيمات فرويدية، (ج) اعطاء بين الفينة والاخرى تأويلات، تكون مفهومة مرة، ومرة اخرى مرمزة.

التفكيك الشفيري للتحليل النفسي بسيط للغاية: اذ يتضمن بشكل كبير تقطيع الكلمات – تسمى “الدال”- و القياسات الاستدلالية او المعاني الرمزية[33]. وهذا الامر في متناول أي شخص انهى مستوى الثانوية وقرأ بعض الكتب في التحليل النفسي. اذا ما قام الزبون بطرح أسئلة محرجة، يكفي أن نرجع القول له بسؤاله: “لماذا طرحت هذا السؤال؟”، “ما يعنيه لك هذا الامر؟”، الخ. انتقاداته وملاحظاته تأول على انها “انكارات”، او أشكال “لإحالة معادِ”. والتي لن ترجع المحلل في موضع تساؤل من طرف الزبون.

أي كان يمكنه أن يلقب نفسه “محلل نفسي” ويمتهن هذه المهنة التي ليس لها أي اطار قانوني. اذ فور أن لقي التحليل النفسي رواجً، مارسه العديد من الاشخاص دون أن يدرسوا علم النفس او الطب العقلي. سنة 1922، رد فرويد على المحللين الغير نظاميين من قبله وذلك من خلال وضع شرط الخضوع “لتحليل شخصي” (Selbstanalyse) كشرط للاعتراف بأي محلل من طرف جمعيته، تحت اشرافه او اشراف تابع مخلص له. هذا الشرط اعطى للمحلل النفسي انطلاقا من فرويد اكبر ميزة يمكن أن يجلبها التحليل النفسي وهي : أن يكون مكونً ديدكتيكي.

وظيفة من ذهب: تكوينية

لم يخضع فرويد تماما للتحليل النفسي. كان بامكانه أن يطلب هذا الامر من احد رفاقه. وعلى حد علمي، لم يفكر في الامر بتاتا. ففي الواقع، فمنفعة وفائدة التكوين الديدكتيكي في ممارسة التحليل النفسي ليس امرا مفروغا منه. اذ أن هذه الفكرة تم الاعلان عنها أول مرة سنة 1912 من طرف يونج Jung، بعد ملاحظته للسلوكيات العصابية… لفرويد[34]. اخذ فرويد هذا المفهوم بعين الاعتبار[35]. بعد مرور بعض الاعوام، اصبحت التكوينات الديداكتيكية هي شغله الشاغل[36].

يمكننا العثور على العديد من الحجج للقيام او الزام القيام بالتحليل التكويني. فانطلاقا من أب التحليل ألنفسي فالأهداف الأساسية يمكن تقسيمها لجهتين: الاولى هي تمكين التلميذ من أن يقنع نفسه بنفسه بوجود اللاوعي، ومن الجهة الثانية تمكين المحلل المعلم بتحكيم قدرات التلميذ[37].

حجة اخرى يقدمها هانس ساشس Hanns Sachs، تابع وفي لفرويد، احد الاوائل اللذين اهتموا بالقيام بالتكوينات الديدكتيكية:

“الديانات دائما ما تلزم بمدة معينة للتجريب، في دار الرهبنةـ لمن يرغب في تكريس حياته في خدمة قوى ما وراء الارض وما وراء الطبيعة… نفس الامر بالنسبة للمحلل الذي يحتاج لما يعادل دار الرهبنة في الكنيسة[38].”

بغض النظر على هذه الاسباب الانظرية، من الواجب معرفة أن هذه التكوينات، بالنسبة للذين يسيرونها، هي العلاجات الاكثر مردودية ودائما ما تكون المناسبة والمريحة لهم: التلاميذ-التحليليين ليس لهم بشكل عام أي مشاكل، يحظرون دائما في الساعة، يدفعون ثمن الحصص،لا يفكرون ولا يجرؤون على توقيف العلاج و لا على نقذ سلوك المكون، يصبحون اتباع ودودين و متحمسين ويجلبون زبائن جدد.

كمثال لأوائل التكوينات لفرويد، تلك الخاصة بفرنزي Ferenczi، لم تستمر الى لبضع ساعات. منذ أعوام 1920، أصبحوا أطول و أطول في مددهم الزمنية: 12 عام لدرثي Dorthy Burlingham (والتي سيسمم ولدها الاكبر نفسه على سرير أنا فرويد Anna Freud، التي كان يخضع للتحليلي على يديها)؛ 6 أعوام لرُث Ruth Mack-Brunswick (الذي توفي قبل الأوان عن طريق استعمال مخدرات عدة[39]).

فور أن يُرخص لمحلل ما من طرف جمعيته بالقيام بتكوينات، يجعل منها هذا الأخير بشكل عام مهنته ونشاطه المهني الأساسي –دون أن يهملوا مناصبهم التي يقدموا انفسهم بها، صحفيين، سياسيين، ممثلين او مشاهير اخرين. نفهم كذلك أن من المحللين النفسيين من يصرخ بأعلى صوته أن الشرط الأساسي للاعتراف بمنصب المحلل النفسي من طرف جمعيتهم هو التحليل الديدكتيكي وليس بتاتا الحصول على دبلوم جامعي كما هو الحال في الطب النفسي وعلم النفس[40]. أستاذ فلسفة يبحث عن النجاح، مساعد اجتماعي يبحث عن ترقية، محامي، الكل مرحب به عند المكونين اللذين وبعد ساعات على الاريكة، سيقدمون منصب المحلل لهم. وبعد بضعة اعوام، المنصبون الجدد سيصبحون “مكونين”. كما قال لاكن، “التحليل النفسي حاليا لا يمكنه القيام بشيء اخر سوى اخراج محللين نفسيين[41]“.

مما لا شك فيه أن بإمكاننا معرفة الاهمية عن المعالج النفسي في ما يخص المامه بطرق تغيير سلوكاته الخاصة، خاصة تلك التي تتلاقى مع طريقة عمله[42]. مع ذلك، فالمكونين الفرويديين أصبحوا لمن يملكون السلطة في الجمعيات، أفضل ميزات التحليل النفسي. التطبيقات الحالية تساهم بلا شك في الخرق والتعدي. الطريقة التي يطبق بها لاكن تكويناته تظهر الى أي حد يمكن أن تصل سلطة من لهم منصب المحلل النفسي من طرف جمعيتهم. خلال الحصص، رئيس مدرسة فرويد الباريسية يسمح لنفسه بأخذ قيلولة او بقراءة الجرائد دون أن يقول أي كلمة. اليك شهادة جان Jean-Guy Godin، محلل نفسي “مرخص” بفضل مروره على أريكة لأكن :

كان لأكن في مكتبه، اما يكتب أو يقرأ، يدير صفحات فيغارو Figaro، مذكرته، في تجمع كثيف لأوراقه. خلال ممارسته للإنصات العائم، في شكل من الغياب وسط خلفية صاخبة، قام بتدخين سيجارته. تشبه هذه القراءة المتأنية، أثرَ عادة قديمة لم يستطع تركها. في بعض الأحيان قراءته تكون سريعة، وذلك من خلال الحكم على سرعة تقليب الاوراق، ويشرع في ترديد انتقادات “انه جنون… انه جنون”، مما يجعلني اتساءل أن كان الكلام موجها لي ام لا. لكن وعلى غرار قراءته L’écho des savanes الذي يمتصه أكثر، هذه القراءة العائمة لا تظهر لي على أنها منافسة جدية.[43]

نعلم أن لاكن، حينما رأى شهرته تكثر، قام بجعل الحصص اقصر واقصر. في الاعوام الاخيرة من حياته، اصبحت الحصص كلقاء بسيط سريع بين طرفين. فرنسوا Francois Perrier، الذي قام بالتكوين على يدي لاكن واصبح احد تلاميذه الاكثر شهرة، كتب بعد وفاة لاكان:

حين نهاية حصة التحليل، يقوم لاكن بتحويل ما لم يستمع له وما لم ينصت له، عبر لعبة كلمات او مصافحة يد. في بعض الاحيان، يكتفي بقول الوداع فقط. انه حقا يعرف كيف يتلاعب بعالمه. كل فرد كان مندهشا من شخصيته الى درجة اصبحوا مطموسين كأنه ختم[44]

قال غودن Godin:

في الايام التي يكون مزدحما فيها اكثر من المعتاد، يبقى لاكن واقفا في محيط بابه، يستمع الى ما يقوله الزبون على الاريكة، في حين تركز أعينه على الباب الذي يفتح تارة ويغلق تارة مع كل زبون جديد. أظهرته هذه الوضعية على انه يبحث عن استغلال ملائم للوقت والمجال. فور الدخول تخبرك اعينه انه كان هناك… يستمع. ليس كاملا في نظرته، وليس كاملا في انصاته.[45]

كان فرويد اقل استهزاءً من لاكن، لكن هو الاخر لا يقبل أن يلقب أي كان بالمحلل النفسي الى أن كان يتبع نظامه و اسلوبه. وكمثال كاريكاتوري، اليكم شهادة كاردينر Kardiner، احد الاطباء العقليين الامريكيين الذي نشر مذكراته خلال تكوينه في التحليل:

“كنت خائفً من فرويد: كنت اخشى أن يكشف عدوانيتي المكبوتة. لذا قمت بالسير في طريق انشاء تحالف صامت مع فرويد : “استمريت في كوني ودودا من اجل الفوز بحمايتك.” وان طردني، سأفقد بشكل نهائي أي حظ في الدخول الى الدائرة السحرية للمهنة.[46]

وسيلة رائعة للمدرسين

للتحليل النفسي الميزة الكبرى في الظهور على شاكلة علم امبيريقي – الذي يمكن “تأكيده” من خلال ظواهر-، انتروبولوجي – وفيها نجد المفاهيم بنفس “عمق” المفاهيم المؤسسة للفلسفة- و تقنية تحرر من المعانات المرتبطة بالطابع الانساني، هذا أن لم تعطي للفرد ولادة جديدة، و هوية انسانية جديدة مليئة بالفرح الدائم. وتمنح لولائك اللذين يدرسون علم النفس او الفلسفة وسيلة لجذب انتباه الطلبة[47]. انه لأمر مثير التحدث عن فرويد، دولتو Dolto و ماري كاردينال Marie [48]Cardinal بالمقارنة مع بلاتون Platon، كانط Kant و بوبر Popper.

في عالم المدرسين، اللذين استفادوا بشكل كبير من الموجة الفرويدية هم الاساتذة الجامعين في الطب العقلي و علم النفس. اذ القيام بالبحث الامبيريقي ذو جودة في مجال العلوم الانسانية يعتبر عمل معقد وصارم. فأصبح من السهل الولوج لمنصب الدكتور او التدريس العالي عن طريق كتابة نص انطلاقا من نصوص التحليل النفسي . و قراءة فرويد، ملاني كلاين Melanie Klein او لاكان اصبحت بديل لحصيلة ملاحظات حقائق المريض. الاستشهاد بهؤلاء الكتاب عوض البحوث المنهجية و الاستدلال المنطقي. أن التقى مقدم الاطروحة بحكام لاكانيين يمكنه الهرطقة بالمصطلاحات كما لذ له و طاب دون أن يهتم بصحة او معنى تلك الكلمات[49]. وبعد أن يتم تعيينه، يكمل الملقن الحديث والتأليف دون ادنى قلق اتجاه العلاقة بين الواقع الامبيريقي و الفعالية التطبيقية – على أن يتم  اعتبار هذا القلق الأخير ك “تكنوقراطي”، “ليبيرالي جديد”، “صحة تجديدية”.

نلاحظ هذا التراخي في منح الالقاب والمناصب لهيئة الاساتذة الجامعيين بشكل كبير في الجامعات ذات الطابع الانجليزي، و في الشمال الاوروبي، وكذا في اقسام علم النفس والطب النفسي. (في بعض اقسام الفلسفة و الاداب، لا زال يعتد بتكهنات التحليل النفسي خلال العمل على الاطروحة.) في البلدان اللاتينية (من ضمنها الشق الفرونكفوني من بلجيكا)،لا زال التحليل النفسي يقوم بالخلطات، بما يحمله التعبير من معنى: اقل لسعادة المرضى على سعادة المحللين، المدرسين، الناشرين والصحفيين. في هذا الاطار سيحتاج هؤلاء المستفيدين من التحليل النفسي وقت طويل قبل أن يقبلوا مصادر اخرى لجني المال وللحصول على السلطة.

*جاك فان ريلار، أستاذ علم النفس في جامعة Louvain-La-Neuve ببلجيكا، عرف جاك التحليل النفسي من الداخل كونه كان عضو في المدرسة البلجيكية للاتحليل النفسي لعشر سنين. كما أنه امتهن المنهج الفرويدي قبل أن مرحلة انشقاقه وتحوله عن هذا المنهج والتي حكى عنها في كتابه(1980) Les illusions de la psychanalyse او أوهام التحليل النفسي، فيه قام بتفكيك النظام الفرويدي.


الهوامش:

[1] Belgique, éd. Mardaga (diffusé en France par SOFEDIS), 1981, 4e éd. 1996, 415 p.

[2] Cf. C. Koupernic, « A propos de ‘Les Illusions de la psychanalyse’ de J. Van Rillaer’, L’évolution psychiatrique, 1982, 47 (2), p. 559-564.

[3] لمعرفة المزيد عن هذه العلاجات، المرجوا الاطلاع على موقع الجمعية الفرنسية: www.aftcc.org والفقرة المخصصة لها في infra.

[4]  بمصطلاحات اكثر تقنية، سنشرع في القيام ب”تحليل وظيفي”، فحص “المحفزات” (بمعنى التأثيرات السلوكية، والتي نتوقع منها أن تكون السبب والمعزز لتكرير هذه السلوكيات). “التحليل السلوكي” يهتم بستة متغيرات: (أ) محيط السلوك و المثيرات السابقة، (ب) السيرورات المعرفية المستعملة، (ت) المشاعر، (ج) الأفعال، (ذ) حالة النظام، (ر) النتائج المتوقعة من السلوك. في عملنا سنقوم بالتركيز اكثر على المتغير السادس من خلال الاجابة على سؤال : ما هي مميزات التطبيق الفرويدي

[5] S. Freud, Aus des Anfangen der Psychoanalyse, Londres, Imago, 1950, p. 138. Trad., Naissance de la psychanalyse, Paris, P.U.F., 1969, p. 113.

[6] Cité par A. Durieux, Sigmund Freud. Index thématique, Paris, Anthropos, 2e éd., 2001, p. 208.

[7] « Die endliche und die unendliche Analyse », Gesammelte Werke, XVI, 1937, p. 74, 94. يستعمل فرويد النعت « ungenugend », غير كافي، متوسط

[8] A. Kardiner, Mon analyse avec Freud, trad., Paris, Belfond, 1978, p. 173.

[9] P. Rey, Une saison chez Lacan, Paris, Robert Laffont, 1989, p. 77

[10] C. Rogers, Client-Centered Therapy, Boston, Houghton Mifflin, 1951.

[11] N. Stern, La Fiction psychanalytique, Belgique, Mardaga, 1999, p. 37.

[12] P. Rey, op. cit.,ص. 156.

[13] نفس المرجع ص. 170

[14] نفس المرجع ص. 209

[15] S. Freud, « Wege der psychoanalytischen Therapie » (1919), trad., « Les voies de la thérapeutique psychanalytique », Œuvres complètes , Paris , P.U.F., XV, ص. 99

[16] S. Freud, « Die endliche und die unendliche Analyse » (1937), Gesammelte Werke, XVI, p. 69, 71.

[17] F. Giroud, Le Nouvel Observateur, n 1610, 14-20 septembre 1995.

[18] انظر D. Fischer, Les analyses parlent, Paris, Stock, 1977, 402p. ; M. Maschino, Votre désire m’intéresse. Enquete sur la pratqiue psychanalytique, Paris, Hachette, 1982, 254 p. ; N. Stern, op. cit.

[19] انظر الجزء الخامس. اقرأ مثلا المرجع الكلاسيكي ل J. M. Boisvert  و  M. Baudry, بعنوان S’affirmer et communiquer, Montréal, Editions de l’Homme, 1979, 328 p. ; انظر أيضا F. Fanget, Affirmez-vous !, Paris, Odile Jacob, 2000, 222 p. ; Osez : Thérapie de la confiance en soi, Paris, Odile Jacob, 2003, 288 p.

[20]  أظهرت عدة دراسات أن درجة تقدير الذات هي المتغير الأكثر ارتباطا مع درجة الرفاهة والسعادة الذاتية، بالاخص في المجتمعات “الفردية” كالمجتمعات الغربية. نجاح كتاب C. André  و F. Lelord المعنون ب L’estime de soi, Paris, Odile Jacob, 1999, 290 p. يمكن تفسيره بمزاياه، وكذا بأهمية هذا الحافز الرئيسي.

[21] S. Moscovici, La Psychanalyse, son image et son public, Paris, P.U.F., 2ème éd., 1976, p. 143.

[22] D. Frischer, op. cit., p. 312 et 314.

[23] K. Popper, Conjectures and Refutations, Londres, Routledge and Kegan Paul, 3e éd., 1969, p. 35. Trad. : Conjectures et Réfutations, Paris, Payot, 1985, p. 61.

[24] L. Wittfenstein, Culture and Value (« Vermischte Bemerkungen »), Oxford, Blackwell, 1978, p. 55. J. Bouveresse, Philosphie, mythologie , pseudo-science. Wittgenstein lecteur de Freud, Paris, Editins de l’éclat, 1991, p. 13.

[25] Les analyseés parlent, op. cit, N. Stern (1999), op. cit., p. 161.

[26] J. Masson, Le Réel escamoté, trad., Paris, Aubier, 1984, p. 17.

[27]  ملاحظة، لمن لا يغرف تاريخ التحليل النفسي في فرنسا، في سنة 1963 قامت الجمعية العالمية للتحليل النفسي بإزالة الإغتماد للقيام بالتكوين من عند لأكن بسبب تطبيقه لهذه الحصص الاختزالية (على سبيل المثال يكون زمن الحصة 5 دقائق بدل 50 دقيقة). وكردة فعل، قام لاكن بتأسيس مدرسته الخاصة سنة 1964 وقام بتسليم منصب المحلل النفسي بشكل سخي لكل من اراد الحصول عليه. وكما ذكر Marc Reisinger في كتابه Lacan L’insondable, Paris, Les Empécheurs de penser en rond, 1991, p. 185,  شكل تضخم أعضاء الجماعة اللاكانية “شكل من الانتقام ضد معارضي لاكن والتابعين للجمعية الدولية للتحليل النفسي”. هؤلاء الاخيرين عُمروا تحت العدد الهائل للاكانيين. اليوم اللاكانيين، برئاسة حفيد لاكن، يسيطرون على فرنسا.

[28] « Die Freudsche Psychoanalytische Methode » (1904), Gesammelte Werke, Fischer, V, p. 7.

[29] « Ratsschlage fur den Arzt bei der psychoanalytischen Behandlung » (1912), Gesammelte Werke, Fischer, VIII, p.377.

[30] « Die Disposition zur Zwangneurose » (1910), Gesammelte Werke, Fischer, VIII, p. 445.

[31] Selbstdarstellung (1925), Gesammelte Werk, Fischer, XIV, p. 66.

[32] J. Lacan, « Ouverture de la section clinique », Ornicar ? Bulltein périodique du champ freudien, 9, 1977, p. 7

[33]  هذه النقطة مفصلة في فصل « La mythologie de la profondeur »

[34] انظر  P. Roazen, La Saga freudienne, trad., Paris, P.U.F., 1986, p. 207

[35] أكد أهمية التكوين لأول مرة سنة 1912 و ذكر أن الفكرة أتت من مدرسة زيورخ. في كتابه  Gesammelte Werke, Fischer, VIII, p. 382.

[36]  في كتاب « Die enliche une die unendliche Analyse » (1937),  كتب أنه عالج مرضى “في الازمنة الاولى” و فيما بعد أصبحت التكوينات هي شغله الشاغل في : Gesammelte Werke, Fischer, XVI, p. 68.

[37]  نفس المرجعة، ص. 94

[38]  ذكره P. Roazen ص. 257

[39] P. Roazen, Freus and his followers, New York, Da Capo Press, 2e ed., 1990, p. 420, 435.

[40]  كتب E. Roudinesco  أن “جميع المحللين النفسيين اتبعوا نفس المسار الدراسي في علم النفس”، في Pourquoi la psychanalyse ?, Paris, Fayard, 1999, p. 193. . وهذا خطأ. فحتى المحللين النفسيين المعترف بهم كأعضاء مهمين من طرف الجامعة – كي لا نتحدث عن من يمارسون التحليل النفسي بشكل “همجي غير مقنن”، بمعنى دون أي تكوين- لم يحصلوا بالضرورة على شهادة اخصائي في علم النفس او طبيب عقلي. القياد الرئيسيين في التحليل النفسي في وسائل الاعلام الفرنسية هم علماء تاريخ، E. Roudinesco بشكل خاص، و مفكرين، كالاخوة ميلر Miller، كاثرين Cathreine Clément، برنارد هنري Bernard-Henry Lévy و فيليب Philippe Sollers.

[41] Préambule à la fondation de l’école freudienne (1964) ذكره  F. Roustang, Lacan : de l’équivoque à l’impasse, Paris, Minuit, 1986, p. 20.

[42] Cf. J. Van Rillaer, « Pour des analyses personnelles chez les comportementalistes » Journal de thérapie comportementale et cognitiven Paris, Masson, 10(1), 2000, p. 1-3.

[43] J. G. Godin, Jacques Lacan, 5 rue de Lille Paris Seuil, 1991, p. 82

[44] F. Perrier, Voyages extraordinaires en translacanie, Paris, Lieu Commun, 1985, p. 97.

[45] J. Fodin, op. cit., p. 113.

[46] A. Kardiner, op. cit., p. 90.

[47]  في بلجيكا، لا يوجد أي محتوى دراسي فلسفي في التعليم الثانوي. فقط اساتذة اللغة الفرنسية، الاخلاق او الدين الكاثوليكي من ينشرون الاتجاه الفكري الفرويدي.

[48]  نذكر هنا أن الكتاب المعروف لماري كاردينال Marie Cardinal المعنون ب Les mots pour le dire ليس حكاية عن علاجها، بل عمل روائي. كلمة “رواية” تظهر على غلاف الطبعة الاولى (Grasset, 1975)، لكنها اختفت خلال اعادة نشرها في الصيغة الجيبية للكتاب. خلال حوار تلفزيوني، أجابتني ماري على احدى الأسئلة حول العلاج المذكور في كتابها، قائلة انه عمل روائي و انها لا تريد الحديث على التحليل النفسي الحقيقي الذي خضعت له.

[49] A. Sokal & J. Bricmont, Les impostures intellectuelles, 1997, Paris, Odile Jacob. Réed., Le Livre de poche, 1999. 412 p.