الفلسفة والأمل- ألكساندر دوجلاس/ ترجمة: موسى غزواني

الفلسفة والأمل- ألكساندر دوجلاس/ ترجمة: موسى غزواني

‘فائدة الفلسفة -كتب ج.م.إ ماك تاغارت- (1866-1925) لاتتمثل في إعتبارها أصدق من العلوم الطبيعية، بل في كونها أصدق من علم اللاهوت – حيث أنها لاتستند على أفعال بل على الدين. لا التعاليم تمدنا بل الأمل.’

 

من الصعب أن تجد لهذا الرأي قبولاً عند الفلاسفة التقليديين.

 وحديثاً تصريح الفيلسوف د.ف.أ كواين (1908-2000)

‘أن الطالب الذي يلجأ لقسم الفلسفة طمعاً في أمان روحي هو مُضلل وقد لايكون ذا نفع، من أجل أن شغف المعرفة لايحركه.” في إعتقادي أن معظم زملائيي يتقفقون معي في هذا، لكن يكفي أن تعلم أن ماك تاغارت كتب الكلام السابق قبل مائة عام بالتحديد مما يظهر لنا الذي طرأ من تغيرات رهيبة في مسالة ‘الفائدة من الفلسفة’.

 

بالنسبة لأغلب الفلاسفة المعاصرين فائدة الفلسفة تتمثل في الفهم الصحيح لحقيقة الأمر الواقع.

مهمة الفلسفة إذاً هي إشباع النهم المعرفي.

 لكن ألم تتولى العلوم الإجتماعية والطبيعية تلك المهمة خير التولي؟

يكافح الفلاسفة في العصر الحديث في سبيل إيجاد ركن شديد لأنفسهم. من أجل ذلك ذهب بعضهم إلى أن مهمة الفيلسوف هي فهم الكليات خلاف للعلماء.

وذهب ماك تاغارت لمنحى مختلف: وهو مايسميه بفهم الطبيعة المطلقة للواقع، الفيلسوف كمهتم بالكليات يأمل أن يضيف على الصرح المشيد بواسطة العلوم زينته وربما ساعد في تدعيمه -إلا أن العلماء لايطلبون منهم مد يد العون- فعند تاغارت تعني الطبيعة المطلقة للواقع شي مختلف تماماً عن ما يحاول العلم تشييده.

 

في الطبيعة المطلقة للواقع الخاص بتاغارت لاوجود للزمن ولاوجود للكون المادي، فقط مجموعة أرواح لامادية تترابط فيما بينها بين وتتبادل الحب الأبدي. ولايسعني هنا سوى الإقتباس من إليزابيث أنسكومب ما فيه إختصار يوضح فلسفته:

‘ أجل قد أنكر زينون وجود الحركة لكنه ألهم بذلك الكثير من الفلاسفة لرد على حججه، إلا أنه ثم شيء لا يمكن إغفاله يشبه التوافق الضمني بين المنكرين عليه أنه محلد كما يتضح في نظرته الكلية للأمور – فالبشر- عنده يحظون بنعمة الخلود والحب الأبدي والمعرفة المشتركة وإن لم يدركوا ذلك. بالمختصر لقد إعتقد بأننا جمعياً آلهة وإن لم يقلها صراحة وإستعاض عن ذلك بالنثر.’

 

إن يكن في فلسفة ماك تاغارت شيء من الصحة، ففي كونها تتضمن مالا يمكن للعلوم الطبيعية البحث فيه. وبما أنه يقر أننا نعيش واقعنا الطبيعي خارج واقعه المطلق فمسألة المعرفة إذاً مرهونة بالأمل لا التعاليم.

 

يزعم ماك تاغارت أنه وصل إلى نتائجه بطريق مغاير عن العلم الطبيعي، من خلال تأملاته الداخلية حول الوجود والواقع والمادة والقيمة وهلم جراً. ومن خلال وضع نفسه تحت بعض التجارب ذات الجوانب التأملية على سبيل المثال،  أنكر وجود الأشياء مع ذلك لم يسعه إلا أن يدرك وجود شيء ما.

 

فيذهب في فلسفه على نحو مشابه لتقليد الفلسفة العقلانية العريقة في بداية الحداثة.(وعلى خلاف المؤرخين فأنا أعتد بهذا المصطلح) وأدرس الفلاسفة حسب المنهجية التقليدية لأنها تصبح بذلك أكثر إمتاعاً للقارئ والمتأمل للدقائها و أتأسف بشأن السمعة التي لهم عند الفلاسفة المعاصرين. كديفد ستوف الذي أطلق ألقاباً على مذاهب البريطانيين العقلية – التي إمتدت بشكل تراكمي إلى فترة ماك تاغارت- يشبها (بقصة رعب فيكتورية) ولكن على الأقل كان صريحاً في ذكر سبب عدائه لها وهو تداخلها بالدين الذي لدى ستوف موقف قطيعي تجاه كل مايمت له بصلة كما صرح عنه قائلا: ‘لايمكن الوثوق في المعتقدات الدينية… كونها لاتمت للعقل بصلة والأصل الذي تنطلق منه فاسد’

 

وتلك الحساسية تتلمسها عند كثير من الفلاسفة المعاصرين وإن كانت بدرجة أقل حدة لكني أعتقد بوجودها. فياله من عمل مظني فعلاً أن تحاول الشرح والتبرير لفلاسفة الذهن المعاصرين ممن يعد التجربة النفسية مجرد تفاعلات كيميائية في الدماغ.

أولئك الفلاسفة يخشون الفشل الذي يرافق تفصيل مسألة تتسم ملامحها بفتح الباب الخلفي للعلم الطبيعي مما يستدعي ذكريات صدمة حصة يوم الأحد: (( وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى)) سفر العبرانيين 11.1 (الإقباس لديفيد بنتلي هارت من ترجمة حديثة رائعة)

 

أن نستعمل العقل المحض أو كما قال سبينوزا ‘ أن نفتح عيون العقل’. يجازف الفيلسوف لتفقه أمور خارج الحدود التي يحيط بها العلم الصارم. ولعل من الصرامة العلمية عند الفلسفة التي تدرس الذهن إبتعادها عن ماقد يصنف ضمن باب -التحيز لمعتقد ديني- خشية الحنين للترسبات قد ضحت بها في سبيل الدقة المعرفية بالتالي تتجاهل أمور توحى إليها مظنه الحياد، فلتغلق عيون العقل بالكيلة إذاً. إلا أن الفلاسفة لم يعللوا  لنا بشكل واضحة السبب. طرحت روث ليديا سو السؤال التالي ‘هل نقول عن واقع تفتحت عليه أعيننا معرفة بينما لا نقول ذلك عن آخر نفكر فيه’. المثير للدهشة دفاع لورانس بونجور عن مسألة نفاذ بصيرة العقل في كتابه (الدفاع عن العقل المحض) قال بكل وثوقية أن إعمال العقل لايسوغ لأشياء وفق الرؤى الماك تاغارتية.

 

في الواقع لست مؤرخاً فلسفياً، ولا أدعي بأني مؤهل للمفاضلة بين المناهج الفلسفية وتقديم منهج على آخر ولكن أسشهد ب أ.ن. وايتهيد لمكانته المعروفة حيث ذكر بأن الغالب في النظم الفكرية هو التحول لا الدحض بالكلية ومسألة التحول هذي ترجع لمنظور مؤرخ الفلسفة.

ولكني ماضي في إيماني بأن التحول من العقلانية لم يكن لينتشر لولا مواقف البعض منها مثل موقف ستوف الذي يتسم بإعتداد كبير بالتفوق الفكري وبالحصانة ضد ما يدعوه ‘ الحاجة الروحية إلى لكون يستجيب ويتعاطف’.

 

فالحقيقة لست متأكد لماذا يميل الفلاسفة المعاصرين للظهور بدور المتجهم ولعل السبب في ذلك يعود لخوفهم من سخرية العلماء.

ولذلك مبرراته فعندما سُئل بيل ناي رجل العلم (وهو مهندس بالمناسبة) من معجب يفكر في الحصول على شهادة في الفلسفة كان رد بيل تهكمياً عندما إقترح أن يسقط ذلك السائل عن الفلسفة مطرقة على قدمه فيتأمل فيما إن كان سقوط المطرقة حقيقياً.

إذاً ليس من الغريب أن تبدو الفلسفة المعاصرة متجهمة لتراث العقلانيين لأن العقلانييين كانوا يمثلون ذلك النوع من الفلاسفة الذين ينكرون حقيقة وجود المطارق. وما يعنينا؟

لقد كانوا عباقرة وخلفوا إرثاً فلسفياً ضخماً لا أتوقع أن بيل ناي قادراً على فهم فحواه، ولاحتى ريتشارد فاينمان أو ستيفين هوكينغ،

كما أنني بالمقابل لا أستطيع فهم معادلاتهم، والعالم يتسع لنا جمعياً.

 

وعلى كلن فأنني لا أعتقد بأن ستوف أخطئ تماماً في عندما جعل من التدين دافعاً وراء المثالية البريطانية فقد رأينا ماك تاغارت بالرغم من إلحاده يصرح بأن كان للمثالية البريطانية فالعموم دوافع دينية.

كما أن سبينوزا أمل أن يكون الخير المطلق هو المقصود من أول أعماله في سبيل الفوز بالسعادة الأبدية، أما ديكارت فعلى العكس كان مقصده من تأليف كتابه ‘التأملات’ الرسوخ في ميدان العلم إلا أن المطاف أستقر به في النهاية أن يعلن لعمادة السوربون للاهوت دافعا آخر. لم يبين لنا ستيف ما الضير في أن تكون الدوافع كذلك. وعلى العموم ليست الحقيقة أن كل فيلسوف عقلي ينتهي به المطاف في البحث عن الأمان الروحي. لدى الفلاسفة حسب ما كتبت ماري سنكلير ‘ إبداعات عجيبة حول المطلق فقد شاهدوا الله في شماس الكنيسة الأبرشية وكحاكم مجتمع أخلاقي وكرياضي مهندس للأبدية إضافة لما يندرج تحت خرافة مكلة الثلج’.

لطالما بدى لي الواقع المطلق الخاص ب ف ه برادلي بشعاً وكئيباً، وعلى نفس المنوال قد تقاس حجج ماك تاغارت لكنها تبدو لي حسنة.

 

لنتفرض أن وراء إلى السعي الحضيص للمتفلسف إضافة الظفور بلمحة من الواقع المطلق خلف الظواهر شيء آخر، ناهيك عما يندرج ضمن -الإستعانة بالمعدات للإحاطة بالظواهر من منظور أقرب-بمعنى أن وراء ذلك السعي أمل في إيجاد رؤية يركن إليها، لا أرى أن في هذا ضير فقد عاش ماك تاغارت حياة سعيدة ومات في سبيل أن يلتقي وجهاً لوجه مع ذلك المحيط من الحب الذي لم يتأتى له رؤيته بصورة جلية في حياته. ويعد مثل هذا الأمل عند ستوف وغيره من الركون للدين.

ربما لأنهم عانوا بسبب الأديان المنظمة؛ ألسنا جمعياً ذقنا ذلك؟

ولكن الأديان المنظمة شيء آخر تحدد بصفتها- قوة تراتبية تشتمل على ممارسات وطقوس خاصة بينها وبين الدولة الحديثة و الرأسمالية من الجوامع المشتركة أكثر مما بين رؤى الفلاسفة العقلانيين النبيلة وعظم دقة منطقهم.

 

إن من الآفات المتفشي فسادها في واقعنا الذي نعشيه اليوم ما يدعو لأمل ينبذ التجهم والرؤى المنغلقة لما هو أهم، فما الحاجة التي تجنيها الفلسفة من الإنضمام لنادي المتجهمين، وإني لأختار تمضية وقتي مع من يأمل.

 

إلكساندر دوجلاس مدرس الفلسفة بجامعة القديس أندرو. كتب حول سبينوزا وله أيضاً “مفهوم الدَين” وكتب “لماذا يعد جوردان بيترسون مضطرباً”. 

 

من مجلة الفيلسوف، الجزء (107)- القسم الأول (التفلسف).

error: