الشاعرية الأناركية- السريالية- رون ساكولسكي/ ترجمة: محسن البلاسي

الشاعرية الأناركية- السريالية- رون ساكولسكي/ ترجمة: محسن البلاسي

ما هي المقاربات الشعرية بين السريالية والأناركية؟

يكمن الخيال في قلب المسألة لكل من السرياليين والأناريكيين. باختصار، يسعى السرياليون إلى تحقيق الشعر في الحياة اليومية. إذ كما يوضح فرانكلين روزمونت “تتجاوز مهام الشعر في عصرنا بشكل جلي القيود الرسمية للقصيدة وتتطلب استمرار الشعر بوسائل أخرى” (2002، ص 441).

يمضي مثل هذا التحول المرغوب فيه للحياة جنبا إلى جنب مع الأناركية إذ كلاهما يتصور عالما خياليا. يرفض ويعارض الأناركيون بقلبهم الواقع رأسا على عقب أي شكل من أشكال التسلسل الهرمي ويحتضنون بدلا عن ذلك فكرة الحرية الفردية وممارسة التشارك الجماعي. أما بالنسبة للسرياليين فإن القدرة على صياغة إعادة تصور لعالم كاسح كهذا يُعزا للقوة التمردية للخيال.

 

تسعى السيريالية بهذا الاعتبار إلى محو الانقسام المصطنع بين الحلم والواقع. وبفعلها هذا تتحدى ردة الفعل التلقائية لما هو متفق عليه جمعا بأنه الواقع والذي يبقينا سجناء فيما أشار إليه ويليام بليك بشاعرية ذات مرة وكأنه يتنبأ بكل من الأناركية والسيريالية، ” الأغلال المُصاغة ذهنيا”.

 

في المقابل، يمكن للمرء أن يتحرك في اتجاه ثوري عبر تخيل عالم يفوق ما يعتبر حاليا “ممكنا”. يحتفي الأناركيون والسرياليون على السواء برغبة باكونينية بتدمير ما يحد خيالنا وتخريب ما يبقينا مستعبدين وبخلق تغير ثوري. كلاهما يطلب المستحيل! يذكرنا فرانكلين روزمونت كسريالي حالم بشاعرية: “يبدو بأن المستحيل هو أقل ما يمكن أن نطلبه من بعضنا البعض في هذه المرحلة من التاريخ” (أرقام خاطئة، ص 163).

 

شرح الشاعر الأناركي هربرت ريد (الذي كان منجذبا فلسفيا إلى السريالية) في مقالته المحورية عام 1938 المقاربات بين الشعر والأناركية كما فهمها:

 

لدى الشاعر واجبان رئيسيان هما عكس العالم كما هو وتخيل العالم كما قد يكون… ولأجل خلقه لابد من هدمه. ومعول الهدم في المجتمع الشاعر. اعتقد أن الشاعر أناركي بالضرورة وعليه أن يعارض جميع المفاهيم المنظمة للدولة، ليس تلك التي نرثها من الماضي فحسب وإنما بالمثل تلك المفروضة على الشعب باسم المستقبل. وبهذا لا أفرق بين الفاشية والماركسة. (ص 58 و74).

 

ولمزيد من التوضيح حول هذا المفهوم عن الشاعر كمخرب لنظام متحقق، يمكننا أن نشير إلى الشاعر السريالي الفرنسي
بنجامان بيريت الذي قاتل بجانب الأناركيين في الثورة الإسبانية كما وضعها ذات مرة في مقال عام 1945 بعنوان “خزي الشعر”: “الأمر متروك للشاعر لإعطاء صوت للكلمات المدنسة والتجديف الدائم. تبعث كل قصيدة أصيلة نفسا من الحرية المطلقة والفعالة” (ص 201 و206).

 

يمكن للطبيعة الثورية الحادة للشعراء السرياليين الأناركيين أن تقابل ما ينتقده السيريالون باسم “المأساوية”. والمأساوية نظام ينتج البؤس ثم يعقلنه ويسرمد الفكرة بأن بؤسا كهذا يشكل الواقع الوحيد الممكن. ولأمثلة عن المأساوية، ما عليك سوى التقاط أي صحيفة أو تشغيل الراديو أو النقر على زر التلفاز. اقترح أندريه بريتون تمجيد الخاصية الواقعية للمأساوية بدلا من استنقاصها. تسعى السريالية عبر التبرؤ من المأساوية إلى القبض على واحتضان ما تسميه الحرية الباهرة. إن مصادرة السيريالي للواقع والتوسع فيه ليس تهربية ببساطة، بل هو مرادف للسعي الحثيث خلف حلم المجتمع الأناركي الذي يتصوره ويسير نحوه الخيال المتمرد.

 

تضرب الشاعرية- الأناركية الشاعر ضد عقلية المأساوي الراهنة “لا تزيد الطين بلة” لأن ” هذا أفضل ما في العالمين”. كما يضعها الشاعر السريالي فيليب لامانتيا في رسالة إلى أندريه بريتون:

 

لا يسع الشاعر الثوري الحقيقي إلا أن يتحدى كل أداة اجتماعية وسياسية مروعة كانت سببا في الموت والاستغلال في المجتمعات الرأسمالية على الأرض.. التمرد! هذا هو الهدف المباشر للشعراء! الشاعرية الباهرة و”اللاوعي” هما الإلهام الحقيقي للمتمردين والشعراء. (في روسمنت وفي غيوغليلمو وساليرنو، ص 128).

 

بالنسبة لمنظّر الأناركية والشاعر ولفي لاندستريشر، فإن طريق الشاعر يشبه طريق المغامرة الذي يتميز بالرفض المتحمس لقيم المجتمع المهيمنة. كما يشرحها،

 

 أتفق مع الفكرة السريالية بأن الشعر تعبير عن الباهر. ولكي يكتب المرء شاعريا عليه أن يعيش بشاعرية. حين أتحدث عن الشعر فأنا لا أتحدث عن نظم الأبيات أو صياغة الكلمات، أتحدث عن خلق حيوات من العاطفة والحدة والعجب. (ص 1 و45).

 

أما بالنسبة لي، تجلت الرغبة بالعيش شاعريا في لحظات محورية برؤى راقصة من السريالية والأناركية. قفزت كل واحدة منهما على طاقة الثانية المشعة وبديناميكيات حادة من الارتجال الموسيقي العفوي، متجاوزة بي بعيدا عن وتر المتغيرات الواهنة للواقع المستقر إلى طريق الإبداع الراديكالي الهدام.

 

تحثنا الفنانة البصرية والشاعرة السريالية بينلوب روزمونت، بمزاجها الأناركي المميز، على إطلاق العنان للقابلية الثورية للصدفة عبر…اقتناص الصدف!  تصرح بجرأة وبتصميم لا يميد: “أرمي سدود الفيضانات عبر النوافذ المفتوحة” (ساكولسكي ص664). ماذا سيحصل بعدها؟ من يدري؟ لكن تصور، إن استطعت، شعرا دون سدود، يقذف بنا الفيضان المقبل بقوته الشعرية إلى مياه مجهولة. ولأننا منجرفين، سنسبح ونركب الموج ونسقط وننجرف نحو الشواطئ السماوية للشاعر السريالي فيليب لامانتيا في ” عموم الأناركيين” (ميودولارك ويست ص 49). هذا الفضاء العمومي هو مكان حيث:

 

تتحرر الكلمات من سجون الواقع الاجتماعي المبتذل، وتتحول الصور عبر الرغبة، ويتحرر الشعر من “قوانين” الطبيعة، منتبها لولادة سجع مجهول، ونقاء الكلمات عبر أشعة الرغبة الهاذية، وانعتاق اللغة من معتقل الحديث، مخبرة عنها الأذن الداخلية وتزدري “الموسيقى” بخلاف الإيقاعات المحدقة في التفكير التخيلي (لامانتيا في ساكولسكي ص 287).

 

متى ما وصلنا الشاطئ ستستقبلنا لافتة مبهرة من الخيال المحرر من الأغلال، ساطعة كأي منارة ومتحدية بشاعرية كأي علم قراصنة وتغني أغنية صفارة الإنذار المرتعشة في الريح، محلقة عاليا فوق الموج.

 

المصدر: Ron Sakolsky, Creating Anarchy, p:128-131

error: