الدين والعلم – موسوعة ستانفورد للفلسفة / المترجم: شادي عبدالحافظ

الدين والعلم – موسوعة ستانفورد للفلسفة / المترجم: شادي عبدالحافظ


حول العلاقة بين الدين والعلم ، نص من ترجمة: شادي عبد الحافظ، منشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


العلاقة بين الدين والعلم هي موضع جدل ضمن نطاقي الفلسفة والدين، حيث مثلًا: إلى أي مدى يمكن القول أن هناك توافق بين الدين والعلم؟ وهل تؤدي المعتقدات الدينية في بعض الأحيان إلى العلم، أم أنها تشكل حتمًا عقبات أمام البحث العلمي؟ يهدف الحقل الذي ببحث تلك العلاقة بين العلم والدين، وهو حقل عابر للتخصصات، ويطلق عليه أيضًا “اللاهوت والعلم”، إلى الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها. ويدرس التفاعلات التاريخية والمعاصرة بين هذه المجالات، ويقدم تحليلات فلسفية لكيفية ارتباطها.

ويقدم هذا المدخل نظرة عامة على الموضوعات والمناقشات الدائرة في هذا المجال، ويوضح القسم الأول نطاق عمل كلا الحقلين وكيفية ارتباطهما. أما القسم الثاني فيتناول العلاقة بين العلم والدين في ثلاثة ديانات: المسيحية والإسلام والهندوسية. ويناقش القسم الثالث موضوعات البحث العلمي المعاصرة التي يتقاطع فيها كل من العلم والدين، مع التركيز على قضايا الخلق، والفعلالإلهي، وأصل البشر. ثم في النهاية يختتم القسم الرابع هذا المدخل بالنظر في بعض التوجهات المستقبلية التي تهدف لدراسة  العلاقة بين العلم والدين.

1. هو العلم؟ وما هو الدين؟ وكيف يرتبطان؟

       1.1 تاريخ موجز لحقل “العلم والدين”

       1.2 ما هو العلم؟ وما هوالدين؟

       1.3 نماذج التفاعل بين العلم والدين

       1.4 إخضاع الدين للدراسة العلمية

       1.5 المعتقدات الدينية في الأوساط الأكاديمية

  1. العلم والدين في المسيحية والإسلام والهندوسية

        2.1 العلم والدين في المسيحية

        2.2 العلم والدين في الإسلام

        2.3 العلم والدين في الهندوسية

  1. العلاقات المعاصرة بين العلم والدين

       3.1 الفعل الإلهي والخلق

       3.2 أصول الإنسان

  1. التوجهات المستقبلية لنطاق “العلم والدين”

       4.1 الخلافات التطورية

       4.2 أثر العلوم المعرفية للدين على عقلانية المعتقدات الدينية

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة


1- ما هو العلم؟ وما هو الدين؟ وكيف يرتبطان؟

1.1 تاريخ موجز لحقل “العلم والدين”

منذ الستينيات درس العلماء، من نطاقات اللاهوت والفلسفة والتاريخ والعلوم، العلاقة بين العلم والدين. وهذا النطاق هو مجال دراسي معترف به وله دوريات مخصصة (على سبيل المثال، Zygonزايجون: مجلة العلم والدين)، وكراسي الأكاديمية (على سبيل المثال: كرسي الأستاذ ندرياس إدريوس للعلم والدين في جامعة أكسفورد)، وجمعيات علمية (على سبيل المثال: منتدى العلم والدين)، ومؤتمرات متكررة (على سبيل المثال، تعقد الجمعية الأوروبية لدراسة العلوم واللاهوت اجتماعاتها كل عامين). ومعظم مؤلفي هذا النطاق إما علماء دين (على سبيل المثال، جون هت John Haught، سارة كوكلي Sarah Coakley)، أو فلاسفة مهتمين بالعلوم (على سبيل المثال، نانسي مورفي Nancey Murphy) ، أو علماء (سابقين) لهم اهتمامات طويلة الأمد بالدين، وبعضهم أيضًا من رجال الدين (على سبيل المثال، الفيزيائي جون بولكينجهورن John Polkinghorne، ومتخصص الكيمياء الحيوية آرثر بيكوك Arthur Peacocke، ومتخصص الفيزياء الحيوية الجزيئية أليستر ماكغراث Alister McGrath).

وكانت الدراسة المنهجية لحقل “العلم والدين” قد بدأت في ستينيات القرن الفائت مع مؤلفين، مثل إيان باربور Ian Barbour(1966) وتوماس تورانس Thomas F. Torrance(1969)، تحدوا الرأي السائد بأن العلم والدين إما في حالة حرب أو غير مبالين ببعضهما البعض. وحددت القضايا التي ناقشها باربور في حقل العلوم والدين ضمن كتابه “قضايا في حقل العلم والدين Issues in Science and Religion(1966)” عدة مواضيع أساسية مستمرة إلى الآن في هذا المجال، مثل المقارنة بين المنهج والنظرية في كلا المجالين. أما زايجون، أول مجلة متخصصة في حقل “العلم والدين”، فقد تأسست في عام 1966. وفي حين ركزت الدراسة المبكرة لنطاق “العلم والدين” على القضايا المنهجية فقط، وضع المؤلفون من أواخر الثمانينيات إلى الألفينيات مقاربات سياقية، بما في ذلك الفحوص التاريخية المفصلة للعلاقة بين العلم والدين (على سبيل المثال، Brooke1991). وتحدى بيتر هاريسون Peter Harrison(1998) نموذج الحرب بين النطاقين بحجة أن المفاهيم اللاهوتية البروتستانتية عن الطبيعة والبشرية ساعدت على ظهور العلم في القرن السابع عشر. ولفت بيتر باولر Peter Bowler(2001 ، 2009) الانتباه إلى حركة واسعة من المسيحيين الليبراليين والتطوريين في القرنين التاسع عشر والعشرين الذين كانوا يهدفون إلى التوفيق بين نظرية التطور والمعتقد الديني.

أما في التسعينات، فقد رعى مرصد الفاتيكان (كاستل غاندولفو ، إيطاليا) ومركز اللاهوت والعلوم الطبيعية (باركلي، كاليفورنيا) سلسلة من خمسة مؤتمرات حول الفعل الإلهي، مع مساهمين من نطاقات الفلسفة واللاهوت (على سبيل المثال، نانسي مورفي) والعلوم (على سبيل المثال، فرانسيسكو أيالا). كان الهدف من هذه المؤتمرات هو فهم الفعل الإلهي في ضوء العلوم المعاصرة. وقد تم تخصيص تلك المؤتمرات، وكل مجلد تم تحريره خلالها، للبحث في مجال العلوم الطبيعية وتفاعلها مع الدين، بما في ذلك علم الكونيات الكوانتي (1992، Russell et al، 1993)، الفوضى والتعقّد (1994، Russell et al). (1995)، البيولوجيا التطورية والجزيئية (1996، Russell et al1998)، علم الأعصاب والإنسان (1998، Russell et al، 2000)، وميكانيكا الكم (2000، Russell et al، 2001). (راجع أيضًا Russell et al2008 للاطلاع على ملخص للنتائج التي توصل إليها هذا المشروع).

أما في المجال العام المعاصر، فإن التفاعل الأبرز بين العلم والدين يتعلق بالنظرية التطورية والخلقية (التصميم الذكي). وتشير المعارك القانونية (مثل محاكمة كيتسميلر مقابل دوفر في عام 2005) والضغط الذي يحيط بتدريس نظرية التطور والخلق في المدارس الأمريكية، إلى أن الدين والعلم يتعارضان. لكن على الرغم من ذلك، وحتى لو كان التركيز الحالي على كيفية تناول نظرية التطور ضمن هذا النطاق، فإن العلاقة بين الدين والعلم أكثر تعقيدًا من ذلك. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة، سعى العلماء ورجال الدين والكتّاب الشعبيون إلى التوفيق بين العلم والدين خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكن من جهة أخرى شهدت الولايات المتحدة ظهور معارضة أصولية للفكر التطوري، جسدتها محاكمة سكوبس في عام 1925 (bowler2001 ، 2009).

وفي العقود الأخيرة، أصدر قادة الكنيسة بيانات عامة تصالحية حول النظرية التطورية. فأكد البابا يوحنا بولس الثاني (1996) نظرية التطور في رسالته إلى الأكاديمية البابوية للعلوم، لكنه رفضها في حالة النفس البشرية، التي رآها نتيجة لخلق خاص منفصل. وأيدت كنيسة إنجلترا علانية نظرية التطور (على سبيل المثال، M. Brown 2008)، بل وتضمن ذلك اعتذارًا لتشارلز داروين عن الرفض الأوّلي السابق لنظريته.

وعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، كان العلم والدين، المقصودان في هذا النطاق البحثي، هما في الواقع العلم الغربي والديانة المسيحية، أي أن التساؤل كان عن: إلى أي مدى يمكن أن تتماشى المعتقدات المسيحية مع نتائج العلوم الغربية؟ لكن تحول مجال العلم والدين في الآونة الأخيرة إلى دراسة التقاليد غير المسيحية، مثل اليهودية والهندوسية والبوذية والإسلام، مما وفّر صورة أكثر ثراءً للتفاعل بين العلم والدين.

1.2 ما هو العلم؟ وما هو الدين؟

من أجل فهم نطاق العلم والدين وماهية التفاعلات الموجودة بينهما، يجب أن نحصل – على الأقل – على معنى تقريبي لماهية كل من العلم والدين. في النهاية، فإن “العلم” و “الدين” ليسا نطاقين ثابتين إلى الأبد، ولا واضحين مع معان لا لبس فيها. في الواقع، كل منهما هو عبارة عن مجموعة من المصطلحات التي تمت صياغتها مؤخرًا، والتي تختلف معانيها عبر الأزمنة والثقافات. على سبيل المثال، قبل القرن التاسع عشر، نادرا ما كان يستخدم مصطلح “الدين”. أما بالنسبة للكتّاب في العصور الوسطى، مثل توماس الأكويني، فإن المصطلح “ديني Relegio”يعني التقوى أو العبادة، بينما تم إنكار هذا المصطلح من الأنظمة “الدينية” خارج ما يعتبره الأكويني أرثوذوكسيًا (Harrison 2015). أما مصطلح “الدين” بالمعنى الحالي فقد حصل على معناه الأوسع – إلى حد كبير – من خلال أعمال علماء الأنثروبولوجيا في وقت مبكر، مثل تايلور ( E.B. Tylor1871)، الذي استخدم مصطلح الأديان، بشكل منهجي، في جميع أنحاء العالم.

كما أصبح مصطلح “العلم”، بالشكل والمعنى المستخدم حاليًا، شائعًا فقط في القرن التاسع عشر. قبل ذلك، كان يُطلق على ما نسميه “العلم” إسم “الفلسفة الطبيعية” أو “الفلسفة التجريبية”، وقام ويليام ويويل William Whewell(1834) بتوحيد مصطلح “عالِم” للإشارة إلى ممارسي الفلسفات الطبيعية المتنوعة. ولقد حاول فلاسفة العلم ترسيم الحدود بين العلم ومساعي البحث الأخرى، لا سيما الدين. على سبيل المثال، ادعى كارل بوبر Karl Popper(1959) أن الافتراضات العلمية (على خلاف المبادئ الدينية) يجب – من حيث المبدأ – أن تكون قابلة للتكذيب. ويؤكد الكثيرون (مثل Taylor 1996) على وجود اختلاف بين العلم والدين، حتى لو كانت معاني كلا المصطلحين مقرونة بالسياق التاريخي، ويختلفون حول كيفية ترسيم الحدود النطاقين (عبر الأزمنة والثقافات المختلفة).

إحدى الطرق للتمييز بين العلم والدين هي القول بأن العلم يتعلق بالعالم الطبيعي في حين أن الدين يتعلق بكل من الطبيعة وما هو خارق للطبيعية. التفسيرات العلمية للكيانات الخارقة للطبيعة مثل الآلهة أو الملائكة (الساقطة إلى الأرض أو الباقية في السماء)، أو للقوى غير الطبيعية (مثل المعجزات، الكارما، أو كي) ليست مقبولة. على سبيل المثال، يشرح علماء الأعصاب عادة أفكارنا من خلال حالات الدماغ العصبية، وليس بالإشارة إلى نفس أو روح غير مادية.

من جهة أخرى يميز الطبيعانيين بين الطبيعانية المنهجية، وهو مبدأ معرفي (أبستمولوجي) يحدد نطاق عمل الاستقصاء العلمي للكيانات والقوانين الطبيعية فقط، والطبيعانية الوجودية (الأنطولوجية) أو الفلسفية، وهو مبدأ ميتافيزيقي يرفض الخوارق (Forrest 2000). وبما أن الطبيعانية المنهجية تهتم بممارسة العلوم (على وجه الخصوص، بأنواع الكيانات والعمليات المتعلقة بتلك الممارسة)، فإنها لا تقدم أي بيانات حول وجود أو عدم وجود كيانات خارقة للطبيعة. بمعنى أن تلك الكيانات الخارقة قد تكون موجودة، ولكنها تقع خارج نطاق البحث العلمي. لكن يرى بعض المؤلفين (على سبيل المثال، Rosenberg 2014) أن أخذ نتائج العلوم بجدية يعني اعطاء إجابات سلبية الأثر عن الأسئلة الدائمة عن الإرادة الحرة أو المعرفة الأخلاقية. لكن على الرغم من ذلك، فإن هذه الاستنتاجات الأكثر قوة لا تزال مثيرة للجدل.

والأكثر قبولًا، هو الرأي القائل بأنه يمكن بالفعل ترسيم الحدود بين العلم (بطبيعته المنهجية) والدين. على سبيل المثال، في محاكمة كيتسميلر مقابل دوفر، تم استدعاء فيلسوف العلم روبرت بينوك Robert Pennockمن قبل المدعين للإدلاء بشهادته حول ما إذا كان التصميم الذكي شكلاً من أشكال مذهب الخلقية، وبالتالي فهو توجه ديني بالأساس، وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا يعني أن سياسة مجلس المدارس في دوفر تنتهك الشرط التأسيسي في التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة (شرط التأسيس هو ما يحظر إنشاء دين للدولة عبر الكونغرس أو تفضيل دين على آخر أو تفضيل الدين على اللادين – توضيح المترجم). هنا جادل بينوك – بناء على أعمال سابقة (على سبيل المثال، Pennock 1998) – بأن التصميم الذكي، في قبوله لآليات خارقة للطبيعة، لم يكن طبيعانيًا من الناحية المنهجية، وأن الطبيعانية المنهجية هي عنصر أساسي في العلم – على الرغم من أنه ليس متطلَبًا عقائديًا، إلا أنه يظهر كنتيجة طبيعية للمتطلبات المعقولة للعلم، مثل القدرة على اختبار النظريات تجريبيا.

وكان الفلاسفة الطبيعيون، مثل إسحاق نيوتن، ويوهانس كيبلر، وروبرت هوك، وروبرت بويل، يتقبلون في بعض الأحيان العوامل الخارقة للطبيعة في فلسفتهم الطبيعية (التي نسميها الآن “العلم”). لكن على الرغم من ذلك، وبشكل عام، كان هناك اتجاه لتفضيل التفسيرات الطبيعانية في الفلسفة الطبيعية. وربما كانت النجاحات السابقة للتفسيرات الطبيعانية هي ما شجع هذا التفضيل، بل ودفع المؤلفون البارزون مثل بول درابر Paul Draper(2005) بأن نجاح الطبيعانية المنهجية يمكن أن يكون دليلاً على صحة الطبيعانية الوجودية.

نشأت الطبيعانية المنهجية الواضحة في القرن التاسع عشر مع “النادي-س X-club”، وهي مجموعة ضغط تدخلت من أجل إضفاء الطابع الاحترافي على العلوم التي أسسها توماس هكسلي Thomas Huxleyوأصدقاؤه في عام 1864، حيث هدفت إلى تعزيز اتجاه يقول بالعلم الخالي من العقائد الدينية. وقد يكون الدافع الضمني وراء النادي “س” هو الرغبة في إزالة المنافسة من قبل هواة العلوم من رجال الدين والذين تدخلوا في مجال العلوم، وبالتالي فتح المجال للمهنيين المحترفين (Garwood 2008).

ولأن تعريف “العلم” و “الدين” هو بطبعه تحدٍ صعب، فإن مناقشة العلاقة بين العلم (بشكل عام) والدين (بشكل عام) قد تكون بلا معنى. على سبيل المثال، يجادل كيلي كلارك Kelly Clark(2014) بأننا لا نستطيع بشكل معقول إلا أن نتحرّى العلاقة بين إدعاءات العلم المقبولة على نطاق واسع (مثل ميكانيكا الكم أو نتائج علم الأعصاب) ومطالب محددة لدين معين (مثل الفهم الإسلامي للعناية الإلهية أو وجهات النظر البوذية عن إنكار الذات).

1.3 نماذج التفاعل بين العلم والدين

توجد عدة أنماط لتوصيف التفاعل بين العلم والدين. على سبيل المثال، يميز ميكائيل ستينمارك Mikael Stenmark(2004) بين ثلاث وجهات نظر: وجهة نظر الاستقلالية (عدم وجود تداخل بين العلم والدين)، وجهة نظر الإتصالية (يوجد بعض التداخل بين الحقول)، ووجهة نظر تقول بوجود اتحاد بين مجالات العلم والدين. وفي إطار هذه الآراء، يعترف ستينمارك بالتقسيمات الفرعية الأخرى، على سبيل المثال، يمكن أن يكون الاتصال في شكل نزاع أو تناغم.

أما النموذج الأكثر تأثيرا في شرح أشكال التفاعل بين العلم والدين، فلا يزال الخاص بإيان باربور (2000): النزاع، الاستقلال، الحوار، أو التكامل. وقام المؤلفون اللاحقون، وكذلك باربور نفسه، بتحسين وتعديل هذا التصنيف. ومع ذلك، جادل آخرون (مثل Cantor and Kenny 2001) بأنه ليس من المفيد فهم التفاعلات الماضية بين المجالين، لسبب واحد، وهو أنها تركز على المحتوى المعرفي للأديان على حساب جوانب أخرى، مثل الطقوس والهياكل الاجتماعية لها. علاوة على ذلك، فإنه لا يوجد تعريف واضح لما يعني هذا الصراع (هل هو قائم على البراهين أم المنطق؟). كما أن هذا النموذج ليس متطورا فلسفيا مثل بعض خلفائه، كنموذج ستنمارك (2004). لكن مع ذلك، وبسبب تأثيره المستمر، فلا يزال من المفيد مناقشة هذا التصنيف بالتفصيل.

يعتمد نموذج النزاع، الذي يرى أن العلم والدين في صراع دائم وأساسي، على روايتين تاريخيتين: محاكمة غاليليو (انظر Dawes 2016لإعادة الفحص المعاصر لتلك القضية) واستقبال الداروينية (انظر Bowler 2001). وتم طوير نموذج النزاع والدفاع عنه في القرن التاسع عشر من خلال الكتابين التاليين: كتاب جون درابر John Draper(1874) “تاريخ الصراع بين الدين والعلم History of the Conflict between Religion and Science” وكتاب وايت White’s(1896)، في مجلدين، “تاريخ الحرب بين العلم واللاهوت في العالم المسيحي A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom”. جادل المؤلفان بأن العلم والدين يتعارضان لا محالة، حيث إنهما يناقشان نفس المجال. لكن الغالبية العظمى من المؤلفين في مجال “العلم والدين” ينتقدون نموذج النزاع ويعتقدون أنه يستند إلى قراءة ضحلة ومتحيزة للسجل التاريخي. ومن عجيب المفارقات أن كل من المادية العلمية والحَرفيّة التوراتيّة المتطرفة، رغم أنهما لا يمتلكان إلا القليل من القواسم المشتركة، إلا أن كلاهما يفترض نموذجًا واحدًا للنزاع يقول أنه إذا كان العلم على حق، فالدين خاطئ، أو العكس.

لكن في حين أن نموذج الصراع هو، في الوقت الراهن، موقف أقلية، استخدم البعض الجدال الفلسفي (على سبيل المثال، Philipse 2012) أو قاموا بإعادة فحص الأدلة التاريخية، مثل محاكمة جاليليو، بعناية (على سبيل المثال، Dawes 2016) للدفاع عن هذا النموذج. وجادل ألفين بلانتينجا Alvin Plantinga((2011) أن الصراع ليس بين العلم والدين، ولكن بين العلم والطبيعانية.

أما نموذج الاستقلال فيفترض أن كل من العلم والدين يستكشفان نطاقات منفصلة تطرح أسئلة مميزة لكل منهما. وكان ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould قد طور نموذج استقلال مؤثر بابتكار “مبدأ عدم تداخل النطاقات” الخاص به:

“ينشأ عدم وجود تضارب بين العلم والدين من عدم وجود تداخل بين مجالات خبراتيهما المهنية. (2001: 739)”

ويحدد جولد مجالات الخبرة الخاصة بالعلم على أنها أسئلة تجريبية عن تركيب الكون، ومجالات خبرة الدين على أنها القيم الأخلاقية والمعاني الروحية. وبذلك يكون “مبدأ عدم تداخل النطاقات” هو آلية وصفية ومعيارية على حد سواء: حيث – من هذا المنطلق – يجب على الزعماء الدينيين أن يمتنعوا عن تقديم ادعاءات وقائعية حول، على سبيل المثال، نظرية التطور، مثلما لا ينبغي للعلماء أن يدّعوا البصيرة في الأمور الأخلاقية. ويعتقد جولد أنه قد تكون هناك تفاعلات بين النطاقين ضمن حدود سلطة كل منهما المهنية، في موضوعات كمسؤوليتنا تجاه المخلوقات الأخرى.

تتمثل إحدى المشاكل الواضحة في نموذج الاستقلال أنه إذا تم منع الدين من إصدار أي بيانات وقائعية تتحدث عن حقائق فسيكون من الصعب تبرير الادعاءات القيمية والأخلاقية، على سبيل المثال، هنا لا يمكن لنا أن نجادل بأن المرء يجب أن يحب جاره لأنه انسان تقي (Worrall 2004). علاوة على ذلك، فإنه يبدو أن  الأديان تقدم بعض الادعاءات التجريبية، على سبيل المثال، أن يسوع ظهر بعد وفاته أو أن العبرانيين الأوائل مروا عبر مياه البحر الأحمر.

أما نموذج الحوار فيقترح علاقة متبادلة بين الدين والعلم. حيث، على خلاف نموذج الاستقلال، يفترض الحوار وجود أرضية مشتركة بين المجالين، ربما في افتراضاتهما المسبقة وأساليبهما ومفاهيمهما. على سبيل المثال، ربما شجعت العقيدة المسيحية الخلقية العلم، بافتراض أن الخلق (كونه نتاج مُصمم) هو أمر معقول ومُنظم على حد سواء، لذلك يمكن للمرء أن يتوقع وجود قوانين يمكن اكتشافها من جرّاء هذه الفكرة.

كما أن الخلق، باعتباره نتاجًا لإرادة الله الحرة، هو بطبعه محدود القدرة، لذلك لا يمكن تعلم قوانين الطبيعة فقط من خلال التفكير المسبق، مما يحث على ضرورة إجراء تحقيق تجريبي. ووفقا لباربورBarbour) (2000، فإن كل من البحث العلمي واللاهوتي يعتمد على وجود نظرية (أو على الأقل يعتمد على وجود نموذج. على سبيل المثال، عقيدة التثليث هي ما يحدد كيف يفسر اللاهوتيون المسيحيون الفصول الأولى من سفر التكوين)، كما أن كلاهما يعتمد على الاستعارات والنماذج، ويهتم بالترابط والشمولية والإنتاجية. في نموذج الحوار، تبقى الحقول منفصلة ولكنها تتحدث مع بعضها البعض، باستخدام الأساليب والمفاهيم والافتراضات المسبقة الشائعة. وقد ناقش فينتزل فان هويستين Wentzel van Huyssteen((1998موقفًا للحوار يقترح فيه أن العلم والدين يمكن أن يكونا ثنائيًا رشيقًا، بناءً على تداخلاتهما المعرفية.

أما نموذج التكامل فهو أكثر امتدادًا في اتجاه توحيد العلم واللاهوت. ويحدد باربور Barbour 2000))  ثلاثة أشكال للتكامل. الأول هو اللاهوت الطبيعي، الذي يصوغ الحجج لوجود الله وخصائصه من خلال استخدام نتائج العلوم الطبيعية كمقدمات لتلك الحجج. على سبيل المثال، استخدام الافتراض بأن الزمن الكوني له أصل، في النظريات الكونية المعاصرة، لإثبات وجود الله، وحقيقة أن هذه الثوابت الكونية وهذه القوانين الطبيعية المؤسسة لهذا الكون هي فقط التي تسمح بوجود الحياة (في حين أن وجود مجموعات أخرى من الثوابت والقوانين لا تسمح بوجودها) يستخدم في حجج الضبط الدقيق للكون. أما الشكل الثاني، فهو لاهوتية الطبيعة، وهو لا يبدأ من العلم بل من إطار ديني، ويفحص كيف يمكن لهذا الإطار الديني أن يثري أو حتى يُراجع نتائج العلوم. على سبيل المثال، طوّر ماكغراث (McGrath 2016) لاهوتًا مسيحيًا للطبيعة، ففحص كيف يمكن النظر إلى الطبيعة والنتائج العلمية من خلال عدسة مسيحية. ثم ثالثًا، يعتقد بربور أن فلسفة الصيرورة الخاصة بألفريد نورث وايتهيد كانت طريقة واعدة لدمج العلم والدين.

وعلى الرغم من أن نموذج التكامل يبدو جذابًا (خاصة بالنسبة إلى اللاهوتيين)، إلا أنه من الصعب أن ينصف كل من الجوانب الدينية والعلمية ضمن مجال معين، خاصة بالنظر إلى تعقيداتهما. على سبيل المثال، انتهى بيير تيلار دو شاردان Pierre Teilhard de Chardin(1971)، الذي كان على دراية بكل من علم مستحاثات البشر وعلم اللاهوت، إلى رؤية غير تقليدية للتطور كعملية غائية (مما جعله يواجه مشكلة مع المؤسسة العلمية)، وإلى لاهوت غير تقليدي (تفسيره غير التقليدي للخطيئة الأصلية أوقعه في مشكلة مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية). ولا يشكل هذا الإبتداع اللاهوتي في حد ذاته سبباً للشك في نموذج ما، لكنه يشير إلى الصعوبات التي يواجهها نموذج التكامل في الوصول إلى عدد أكبر من اللاهوتيين والفلاسفة. علاوة على ذلك، يبدو أن نموذج التكامل هو انحراف نحو الإيمان بالله، كما يوصف باربور، فهو ينجح في مناقشة الحجج المستندة إلى النتائج العلمية التي تدعم (لكن لا تُثبت) الإيمان بالله، لكنه يفشل في مناقشة الحجج المستندة إلى النتائج العلمية التي تدعم (ولكن لا تثبت) إنكار الإيمان بالله.

1.4 اخضاع الدين للدراسة العلمية

يرتبط نطاق “العلم والدين” ارتباطاً وثيقاً بالدراسة العلمية للدين، والتي يمكن إرجاعها إلى التاريخ الطبيعي للدين في القرن السابع عشر. حينما حاول المؤرخون الطبيعيون تقديم تفسيرات طبيعانية للسلوك البشري والثقافة، في مجالات مثل الدين والعواطف والأخلاق. على سبيل المثال، قدم كتاب برنارد دي فونتينيل (من أصل الخرافات De l’Origine des Fables(1724عرضًا فكريًا للإيمان بالخوارق الطبيعية. فقال أنه غالباً ما يعتنق الناس تفسيرات خارقة للطبيعة عندما يفتقرون إلى فهم الأسباب الطبيعية الكامنة وراء الأحداث الاستثنائية: “بقدر ما يكون المرء أكثر جهلًا، أو أقل خبرة، فإنه يرى المزيد من المعجزات” (1724/1824: 295، ترجمة عن النسخة الانجليزية). تستشرف هذه الفكرة وجهة نظر أوغست كونت Auguste Comte(1841) القائلة بأن الأساطير ستفسح المجال للحسابات العلمية تدريجياً. أما كتاب التاريخ الطبيعي للدينNatural History of Religion(1757/2007) لديفيد هيوم فهو المثال الفلسفي الأكثر شهرة للتفسير التاريخي الطبيعي للمعتقد الديني. حيث يتتبع أصل الشرك – الذي اعتقد هيوم أنه أقرب شكل من أشكال المعتقد الديني – فيرجعه إلى الجهل بالأسباب الطبيعية مع الخوف والتوجّس من البيئة. حيث من خلال تأليه بعض جوانب البيئة، حاول البشر الأوائل إقناع الآلهة أو رشوتهم، وبالتالي اكتساب شعور بالسيطرة.

وفي القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، قام مؤلفون من التخصصات العلمية الناشئة حديثًا، مثل الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، بفحص الجذور الطبيعية المزعومة للمعتقد الديني. وبحثوا عن الخطوط العريضة، في محاولة لشرح ما يوحد المعتقدات الدينية المتنوعة عبر الثقافات، بدلاً من تفسير الاختلافات الثقافية. في الأنثروبولوجيا، كانت فكرة أن جميع الثقافات تتطور وتتقدم بنفس الطريقة (نظرية التطور الثقافي الاجتماعي) منتشرة على نطاق واسع. وتم تفسير الثقافات ذات وجهات النظر الدينية المختلفة بأنها في مرحلة تطورية مبكرة. على سبيل المثال، اعتبر تايلور (1871Tylor  ) أن الإحيائية (الأمينيزم)، وهي الاعتقاد بأن الأرواح هي ما ينفخ الحياة العالم، كأبكر أشكال المعتقد الديني. واقترح كومت (1841 Comte) أن جميع المجتمعات، في محاولاتها لفهم العالم، تمر بمراحل التطور نفسها: المرحلة اللاهوتية (الدينية) هي المرحلة الأولى، حيث تسود التفسيرات الدينية، تليها المرحلة الميتافيزيقية (إله غير متدخل في الكون) ، وتبلغ ذروتها في المرحلة الوضعية أو العلمية، والتي تتميز بوجود التفسيرات العلمية والملاحظات التجريبية.

اعتبر عالم الاجتماع إميل دوركهايم Émile Durkheim(1915) المعتقدات الدينية بمثابة غراء اجتماعي ساعد في الحفاظ على المجتمع متلاحمًا. ورأى عالم النفس سيغموند فرويد Sigmund Freud(1927) الاعتقاد الديني كوهم، توق طفولي لشخصية أبوية. إن القصة الكاملة التي يقدمها فرويد غريبة جداً في الحقيقة: في الماضي، قُتل أبٌ احتكر جميع النساء في القبيلة وأكله أبناؤه، ثم شعر الأبناء بالذنب وبدأوا يؤلهون أبائهم المقتولين. هذا، جنبا إلى جنب مع ظهور المحرمات، كأكل لحوم البشر وسفاح المحارم، هو ما تسبب في ولادة الدين الأول. كما اعتبر فرويد “الشعور الأقيانوسي” (شعور باللامحدودية والارتباط بالعالم) كواحد من أصول المعتقد الديني. واعتقد أن هذا الشعور كان بقايا لتجربة الرضيع مع الذات، في المرحلة التي تقع قبل أن يفطم عن الثدي. اقترح مؤلفون مثل دوركهايم وفرويد، مع منظرين اجتماعيين مثل كارل ماركس وماكس فيبر، عدة إصدارات لأطروحة العلمنة، وجهة النظر القائلة بأن شأن الدين سينخفض ​​في مواجهة التكنولوجيا الحديثة والعلوم والثقافة. وكان الفيلسوف والطبيب النفسي ويليام جيمس William James(1902) مهتما بالجذور النفسية والظاهراتية المتعلقة بالتجارب الدينية، تلك الجذور التي اعتقد أنها المصدر النهائي للأديان المنظمة (المؤسساتية).

وبداية من عشرينيات القرن العشرين، فصاعدا، أصبحت الدراسة العلمية للدين أقل اهتمامًا بالروايات التوحيدية الكبرى، وركزت بشكل أكبر على التقاليد والمعتقدات الدينية الخاصة. لم يعد علماء الأنثروبولوجيا، مثل إدوارد إيفانز-بريتشارد Edward Evans-Pritchard(1937/1965) وبرونيسلاف مالينوفسكي Bronislaw Malinowski(1925/1992) يعتمدون حصريًا على التقارير المستخدمة سابقًا (عادة ما تكون ذات نوعية رديئة ومن مصادر مشوهة)، لكنهم انخرطوا في عمل ميداني جاد. أشارت الإنثوجرافيا الوصفية الخاصة بهم إلى أن نظرية التطور الثقافي الإجتماعي كانت خاطئة، وأن المعتقدات الدينية كانت أكثر تنوعًا مما كان يُفترض في السابق. حيث جادلوا بأن المعتقدات الدينية لم تكن نتيجة جهل الآليات الطبيعية. على سبيل المثال، أشار إيفانز-بريتشارد إلى أن أهل القبائل القومية الأزاندية كانوا على دراية تامة بأن المنازل يمكن أن تنهار لأن النمل الأبيض أكل أساسها، لكنهم ما زالوا يناشدون السحر ليشرحوا لماذا انهار منزل معين. في الآونة الأخيرة، وجدت كريستين ليجاري (Cristine Legare et al2012) أن الناس في مختلف الثقافات يجمعون بين التفسيرات الخارقة للطبيعة والتفسيرات الطبيعية، على سبيل المثال، يدرك سكان جنوب أفريقيا أن مرض الإيدز ناجم عن فيروس ما، لكن البعض يعتقد أيضًا أن العدوى الفيروسية تسببها – في نهاية المطاف – ساحرة ما.

كما بدأ علماء النفس وعلماء الاجتماع الدينيين بالشك في أن المعتقدات الدينية متجذرة في اللاعقلانية، أو المرض النفسي والحالات النفسية الأخرى الشاذة، كما افترض جيمس (1902 James) وغيره من علماء النفس الأوائل. في الولايات المتحدة، أواخر الثلاثينات من القرن العشرين حتى الستينات، طور علماء النفس اهتمامًا متجددًا بالدين، مدفوعًا بالملاحظة التي تقول أن الدين رفض التراجع كما اعتقدت أطروحة العلمنة – مما يلقي بظلال الشك على الأخيرة – بل ويبدو أنه يخضع لعملية إحياء كبير (انظر Stark 1999للحصول على نظرة عامة). وقام علماء النفس المختصين بدراسة الدين بتمييز الفروق الدقيقة بين الأنواع المختلفة للتدين، بما في ذلك التدين السطحي (كونه تديناً كوسيلة للوصول إلى هدف، على سبيل المثال، الحصول على فوائد الوجود في مجموعة اجتماعية ما)، والتدين الجوهري (الأشخاص الذين يلتزمون بالدين من أجل تعاليمهم) (Allport and Ross 1967). وحاليًا، عادة ما يدرس علماء النفس وعلماء الاجتماع التدين كمتغير مستقل، مع تأثيراته على، مثلًا، الصحة، الإِجرام، النشاط الجنسي، والشبكات الاجتماعية.

ويعد أحد التطورات الحديثة في الدراسة العلمية للدين هو نطاق العلوم الإدراكية الخاصة بالدين. وهو مجال متعدد التخصصات، به مؤلفين من نطاقات متنوعة، كعلم النفس التطوري، الأنثروبولوجيا، والفلسفة، وعلم النفس الإدراكي. وهو يختلف عن المقاربات العلمية الأخرى للدين من خلال افتراضه المسبق بأن الدين ليس ظاهرة ثقافية بحتة، بل هو نتيجة للعمليات الإدراكية العادية والتي تطورت في وقت مبكر من تاريخنا،  والتي تشمل كل الجنس البشري (مثل Barrett 2004, Boyer 2002). ويعتبر بعض المؤلفين الدين كمنتج ثانوي لبعض العمليات الإدراكية التي ليست لها بالأساس وظيفة تطورت لتختص بالدين. على سبيل المثال، وفقا لبول بلومPaul Bloom 2007) )، يظهر الدين كمنتج ثانوي لتمييزنا البديهي بين العقل والجسد: بمعنى أنه يمكننا التفكير في العقل على أنه أمر مستمر ودائم، حتى بعد موت الجسد، مما يجعل الإيمان بالحياة الآخرة والأرواح غير المتجسدة أمرًا طبيعيًا وممكنًا.

مجموعة أخرى من الفرضيات تعتبر أن الدين هو استجابة بيولوجية أو ثقافية تكيفية تساعد البشر على حل المشاكل التعاونية (على سبيل المثال،Bering 2011). حيث من خلال إيمانهم بالآلهة القوية التي يمكن أن تُعاقب المُسيء، يتصرف البشر بشكل أكثر تعاوناً، مما يسمح لأحجام المجموعات البشرية بالتوسع إلى ما هو أكبر من المجتمعات الصغيرة التي تجمع بين الصيد والجمع والإلتقاط. وبالتالي، فإن المجموعات التي كان لديها إيمان كبير بالآلهة القوية تفوقت – في مواردها – على المجموعات التي لا تمتلك مثل هذه المعتقدات خلال العصر الحجري الحديث، وهي – بالتالي – التي نجحت في البقاء، وهو ما يفسر النجاح الحالي لظاهرة الإيمان بالآلهة (Norenzayan 2013).

1.5 المعتقدات الدينية في الأوساط الأكاديمية

كان من الشائع، حتى القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين، أن يكون لدى العلماء معتقدات دينية توجه عملهم. وفي القرن السابع عشر كنت حجة التصميم الذكي قد بلغت ذروة شعبيتها، وكان الفلاسفة الطبيعيون مقتنعين بأن العلم يقدم دليلاً على الخلق الإلهي، ما دعى الفيلسوف الطبيعي إسحاق نيوتن للقول بوجود اعتقدات دينية قوية، وإن كانت غير تقليدية، داخل العلم (Pfizenmaier 1997). لكن على النقيض من ذلك، فإنه لدى العلماء المعاصرين درجات تدين أقل بالمقارنة مع عموم الناس. هناك بالطبع استثناءات صارخة مثل عالم الوراثة فرانسيس كولينز Francis Collins، الذي كان قائد مشروع الجينوم البشري، سواء في في كتابه “لغة الإله The Language of God(“(2006أو ومعهد بيولوجوس الذي أسسه لتأييد التوافق بين العلم والمسيحية.

وبحثت بعض الدراسات الاجتماعية (مثل Ecklundt 2010) في المعتقدات الدينية للعلماء، لا سيما في الولايات المتحدة، وأشارت إلى وجود اختلاف كبير في نسب التدين بين العلماء مقارنة مع العامة. وقد وجدت استطلاعات مثل تلك التي أجراها منتدى بِيو (Masci and Smith 2016) أن ما يقترب من تسعة من كل عشرة أشخاص بالغين في الولايات المتحدة يقولون إنهم يؤمنون بالله أو بروح كونية، وهو عدد لم يتراجع إلا قليلاً في العقود الأخيرة. أما بين البالغين الأصغر سنا، فإن نسبة المؤمنين تبلغ حوالي 80 ٪. من جهة أخرى ينتشر الإلحاد واللاأدرية بين الأكاديميين، وخاصة بين العاملين في المؤسسات النخبوية. حيث وجد استطلاع رأي بين أعضاء الأكاديمية الوطنية للعلوم (جميع الأكاديميين الكبار، بأغلبية ساحقة من كليات الصفوة) أن الأغلبية لم يصدقوا في وجود الله ( ملحدين 72.2 ٪)، مع 20.8 ٪ لاأدريين ، و7 ٪ فقط من المؤمنين (Larson and Witham 1998).

حللت كل من أوكلاند وسكايتل (Ecklund and Scheitle (2007إجابات العلماء (الذين يعملون في العلوم الاجتماعية والطبيعية) عبر 21 من صفوة الجامعات في الولايات المتحدة. فجائت النتائج لتقول أن حوالي 31.2 ٪ من المشاركين قد عرّفوا أنفسهم كملحدين و31 ٪ كلاأدريين. أما العدد المتبقي فقد انقسم بين من يعتقد أن هناك قوة عليا ما (7٪) ومن يؤمن أحيانًا بالله (5.4٪)، وبعض منهم يؤمن بالله مع بعض الشكوك (15.5٪)، والجزء الأخير يؤمن بالله دون أي شك (9.7٪). وعلى النقيض من عامة الناس، فإن العلماء الأكبر سنًا في هذه العينة لم يظهروا درجة أعلى من التدين – في الواقع، كانوا أكثر احتمالاً للقول أنهم لا يؤمنون بالله.

من ناحية أخرى، قام جروس وسيمونز Gross and Simmons 2009)) بفحص عينة غير متجانسة من العلماء من الكليات الأمريكية، بما في ذلك الكليات المجتمعية، ومؤسسات مِنح الدكتوراه الراقية، وخريجي مدارس الدولة العادية عبر أربع سنواتدراسة، وكليات الفنون الحرة الصغيرة. ووجدوا أن غالبية أساتذة الجامعات (أعضاء هيئة التدريس المتفرغين أو الحاصلين على الدوام الكامل) لديهم بعض المعتقدات الإيمانية، فإما مؤمنين بالله (34.9٪)، أو مؤمنين بالله مع بعض الشكوك (16.6٪)، أو مؤمنين بالله في بعض الأوقات ( 4.3 ٪)، أو فقط مؤمنين بوجود قوة أعلى (19.2 ٪). يتأثر الإيمان بالله إذن بنوع المؤسسة (أقل إيمانًا في المدارس المرموقة) ونطاق الدراسة (ينخفض الإيمان التوحيدي في العلوم الفيزيائية والبيولوجية مقارنةً بالعلوم الاجتماعية والإنسانية).

وتشير هذه النتائج الأخيرة إلى أن الأكاديميين أكثر تنوعًا من الناحية الدينية مما يفترضه العامة، كما أن الأغلبية منهم لا تعارض الدين. ومع ذلك، في الولايات المتحدة، فإن نسبة الملحدين واللاأدريين في الأوساط الأكاديمية أعلى مما هي عليه في عموم الناس، وهو تناقض يتطلب تفسيراً. قد يكون أحد الأسباب هو الانحياز ضد المؤمنين في الأوساط الأكاديمية. على سبيل المثال، عندما تم استقصاء علماء الاجتماع ما إذا كانوا سيوظفون شخصًا حينما يعرفون أنه مسيحي إنجيلي، قال 39.1٪ أنهم سيكونون أقل احتمالًا لتعيين هذا المرشح – وكانت هناك نتائج مماثلة مع مجموعات دينية أخرى، مثل المورمون أو المسلمين (Yancey 2012).

وقد يكون هناك سبب آخر لذلك، وهو أن هؤلاء المؤمنين قد يقعون تحدت تهديد الصورة النمطية الاجتماعية السلبية السائدة عنهم، ما يؤدي إلى ضعف أدائهم في المهام العلمية وفقدان الاهتمام بالسعي وراء مهنة علمية بالأساس. وقد وجد كيمبرلي ريوس وآخرون (2015(Kimberly Rios et al  في تجربة أن المشاركين غير المتدينين يعتقدون أن المتدينين، وخاصة المسيحيين منهم، أقل كفاءة وموثوقية في نطاق العلوم. وفي التجارب، عندما تم اعلان هذه الصورة النمطية عن المتدينين بوضوح، كان أداء المشاركين المسيحيين أسوأ في مهام التفكير المنطقي (والتي تم تقديمها بشكل مضلل على أنها “اختبارات التفكير العلمي”) مما كانت عليه عندما لم يتم ذكر تلك الصورة النمطية عنهم.

ومن غير الواضح ما إذا كان كل من التفكير الديني والعلمي غير متوافقان بشكل إدراكي. تشير بعض الدراسات إلى أن الدين يعتمد أكثر على نمط التفكير البديهي، والمتميز عن أسلوب التفكير التحليلي الذي يميز العلم (Gervais and Norenzayan 2012). من ناحية أخرى، يعتمد قبول الآراء اللاهوتية والعلمية على الثقة في الشهادة، وقد وجد العلماء الإدراكيون أوجه تشابه بين الطريقة التي يفهم بها الأطفال والبالغين شهادة على وجود كيانات غير مرئية في المجالات الدينية والعلمية (Harris et al. 2006). علاوة على ذلك، كان اللاهوتيون مثل آباء الكنيسة والسكولائيين تحليليين بعمق في كتاباتهم ، ويشير ذلك إلى أن الارتباط بين التفكير الحدسي والفكر الديني قد يكون تحيزًا غربيًا حديثًا. هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفحص ما إذا كانت أساليب التفكير الديني والعلمي متناقضة تمامًا.

  1. العلم والدين في المسيحية والإسلام والهندوسية

كما أشرنا قبل قليل، فقد ركزت معظم الدراسات المتعلقة بنطاق “العلم والدين” على العلوم الغربية والديانة المسيحية، مع عدد قليل من المنشورات المخصصة للأديان الأخرى (على سبيل المثال، Brooke and Numbers 2011). تولي عدد قليل نسبيا من الدراسات اهتماما للعلاقة بين العلم والدين في الأوساط غير المسيحية (على سبيل المثال، اليهودية والإسلام في Clark 2014). وبما أن العلم الغربي يقدم ادعاءات عالمية، فمن السهل أن نفترض أن مواجهته مع تقاليد دينية أخرى ستكون مشابهة للتفاعلات المُلاحظة مع المسيحية. لكن مع ذلك، فبالنظر إلى المعتقدات المختلفة (على سبيل المثال، في التقاليد الهندوسية، لا يكون الله عادةً بشكل مختلف تمامًا عن الخلق، على عكس المسيحية واليهودية)، ولأن العلم كانت له مسارات تاريخية مختلفة من ثقافة لأخرى، يمكن للمرء أن يتوقع وجود عدم تشابه في شكل العلاقة بين العلم الدين ضمن مختلف التقاليد الدينية. لإعطاء فكرة عن هذا التنوع ، يقدم هذا القسم لمحة عامة عن العلم والدين في المسيحية والإسلام والهندوسية.

2.1 العلم والدين في المسيحية

الديانة المسيحية هي ديانة توحيدية أبراهيمية، وهي أكبر دين في العالم. تطورت من اليهودية في القرن الأول ميلادي عبر مجموعة من أتباع يسوع. يتقيد المسيحيون بالوحي الموجود في سلسلة من النصوص الكنسية، والتي تتضمن العهد القديم، النصوص الموروثة من اليهودية، والعهد الجديد، الذي يحتوي على أناجيل متى ومرقس ولوقا وجون (روايات عن الحياة وتعاليم يسوع)، فضلا عن أحداث وتعاليم أخرى من الكنائس المسيحية المبكرة (على سبيل المثال، أعمال الرسل، رسائل بولس)، وكتاب الوحي (يسمى أيضًا كتاب نهاية العالم).

وبالنظر إلى وضوح النصوص المتعلقة بهذا الموضوع في الديانة المسيحية، فإن هناك نقطة بداية مفيدة لفحص العلاقة بينها وبين العلوم، وهي مجاز الكتابين (انظر Tanzella-Nitti 2005للاطلاع على نظرة عامة). وتبعا لهذا المجاز، كشف الله عن نفسه من خلال “كتاب الطبيعة”، بقوانينه المنظمة، و”الكتاب المقدس”، في سرده التاريخي واعتباره للمعجزات. قال أوغسطين (Augustine354- 430) أن كتاب الطبيعة كان أكثر سهولة، لأن الكتاب المقدس يتطلب محو الأمية بينما كل يمكن لكل من الأميين والمتعلمين على حد سواء أن يقرأ كتاب الطبيعة. أما ماكسيموس كونفيستور Maximus Confessor(c. 580-662)، في كتابه “أمبيجوا Ambigua” (انظر Louth 1996لمجموعة من المقالات مع التقديم الناقد لهذه النصوص) فقد قارن بين الكتاب المقدس والقانون الطبيعي كقطعتي ثياب يغلفان نوعين من التجسد: إنسانية يسوع التي كشفت عنها الطبيعة، وألوهيته الظاهرة خلال الكتب المقدسة.

وخلال العصور الوسطى بدأ مؤلفون مثل هيو أوف سانت فيكتور Hugh of St. Victor(حوالي 1096-1111) وبونافنتورا Bonaventure(1221-1274) يدركون أن كتاب الطبيعة لم يكن أبداً واضحاً للقراءة. حيث، بالنظر إلى أن الخطيئة الأصلية قد شابت عقلنا وإدراكنا، ما هي إذن الاستنتاجات التي يمكن أن يستمدها البشر بشكل مشروع من الواقع المطلق؟ استخدم بونافنتورا استعارة الكتابين إلى حد أن اصطلاح “liber naturae” كان مرادفًا لخلق العالم الطبيعي. وجادل بأن الخطيئة الأصلية قد سحقت العقل البشري لدرجة أن كتاب الطبيعة أصبح غير قابل للقراءة، وأن الكتاب المقدس – بالتالي – مطلوب لأنه يحتوي على تعاليم حول طبيعة العالم الحقيقية.

واستمر المؤلفون المسيحيون ضمن مجال “العلم والدين” في مناقشة كيفية ترابط هذين الكتابين. على سبيل المثال، التوفيقية/التوافقية (النظریة القائلة بما أن الإیمان والعلم إلھیان كل على منواله، فلا یمكنھما أن یكونا متنافرین – المترجم) هي محاولة لتفسير الكتاب المقدس في ضوء العلم الحديث. وهي بذلك نهج تأويلي تفسيري يقول أن الكتاب المقدس يتنبأ بالنظريات العلمية مثل نظرية الانفجار الكبير أو نظرية التطور.

مع ذلك، وكما يجادل دينيس لامورو (Denis Lamoureux 2008: chapter 5)، فإن العديد من العبارات التي تبدو علمية في الكتاب المقدس غير صحيحة: فمثلًا بذور الخردل ليست أصغر البذور، ولا يحتوي السائل المنوي على أشخاص مُصغّرين، ولا توجد أية قبة زرقاء في السماء، والأرض ليست مسطحة ولا ثابتة غير متحركة. وبالتالي، فإن أي شكل معقول من الدمج بين كتاب الطبيعة والكتاب المقدس يتطلب مزيدًا من الدقة والتعقد. واقترح علماء اللاهوت مثل جون ويسلي John Wesley(1703-1791) إضافة مصادر أخرى للمعرفة إلى الكتاب المقدس والعلوم: إنه “الرباعي الويسلياني” (وهو مصطلح لم يصاغه ويسلي نفسه) وهو التفاعل الديناميكي للكتاب المقدس مع الخبرة (بما في ذلك النتائج التجريبية العلوم)، ومع التقاليد ، ومع العقل (Outler 1985).

وحاول العديد من المؤلفين المسيحيين دمج العلم مع الدين (على سبيل المثال، Haught 1995، Lamoureux 2008،Murphy 1995). حيث مالوا إلى تفسير النتائج العلمية، مثل النظرية التطورية أو نظرية الفوضى، في ضوء الفكرة اللاهوتية، وباستخدام النماذج اللاهوتية، على سبيل المثال: الإيمان الكلاسيكي، الإخلاء، أو عقيدة الخلق. ويجادل جون هت John Haught)1995) بأن النظرة اللاهوتية للإخلاء (عقيدة التفريغ الذاتي، أي إخلاء المسيح نفسه في تجسده، كجزء من هذا الإخلاء عمل المسيح أحياناً في إطار المحدودية البشرية – المترجم) تتنبأ بنتائج علمية مثل النظرية التطورية: الإله الذي يفرغ ذاته في العالم (ما يحد من ألوهيته) فيخلق عالماً مميزاً ومستقلاً، ويجعله متماسكًا بشكل داخلي، ذاتي التنظيم، نتيجة لذلك.

وكانت النظرة المعرفية المهيمنة في نطاق “العلم والدين” المسيحي هي الواقعية النقدية، وهو موقف ينطبق على اللاهوت (الواقعية اللاهوتية) وعلى العلم (الواقعية العلمية). قدم باربور (Barbour1966) هذا الرأي في أدبيات العلم والدين. وقد تم تطويره من قبل علماء دين مثل آرثر بيكوك Arthur Peacocke) (1984وفان هويستين (Wentzel van Huyssteen 1999). وتهدف الواقعية النقدية إلى تقديم وسيلة وسطى بين الواقعية الساذجة (العالم كما نراه) والآداتية (التي تقول أن تصوراتنا ومفاهيمنا هي أدوات محضة)، وتشجع تلك النظرة على عكس التفكير النقدي في إدراكنا والعالم من حولنا.

وللواقعية النقدية نكهات مميزة في أعمال مؤلفين مختلفين، على سبيل المثال، يطور فان هويسستين van Huyssteen1998 ، 1999) شكلاً ضعيفًا من الواقعية النقدية في إطار قبل تأسيسي للعقلانية يقول بتشكل وجهات النظر اللاهوتية عن طريق عوامل اجتماعية وثقافية وبيولوجية تطورية. وتوضح مورفي (Murphy1995: 329-330) المتطلبات المنهجية والعلمية للمقاربات في نطاق “العلم والدين” فتقول: “من الناحية المثالية، ينبغي أن تكون المقاربات المتكاملة متسقة بشكل عام مع العقيدة المسيحية، لا سيما المبادئ الأساسية مثل عقيدة الخلق، وفي نفس الوقت يجب أن تتماشى مع الملاحظات التجريبية دون التقليل من شأن الممارسات العلمية”

وقد جادل العديد من المؤرخين (على سبيل المثال ، Hooykaas 1972) أن المسيحية كانت مفيدة في تطوير العلوم الغربية. يعتقد بيتر هاريسون Peter Harrison(2009) أن عقيدة الخطيئة الأصلية لعبت دوراً حاسماً في ذلك، بحجة أنه كان هناك اعتقاد شائع في الفترة الحديثة المبكرة أن آدم، قبل السقوط، كان لديه حواس فائقة، وفكر، وفهم. وكنتيجة لهذا السقوط ، أصبحت الحواس البشرية أقل شأنا، وقد تضاءلت قدرتنا على الوصول إلى الاستنتاجات الصحيحة، وأصبحت الطبيعة نفسها أقل وضوحا. بالتالي، لم يعد بمقدور البشر بعد السقوط الاعتماد بشكل حصري على أسبابهم المسبقة (منطقهم القبلي) لفهم الطبيعة، لذلك وجب أن تكمّل المراقبة – من خلال الأدوات المتخصصة مثل المجاهر والتلسكوبات – المنطق والحواس، كما كتب روبرت هوك في مقدمة كتابه “الفحص المجهري Micrographia”:

“كل إنسان هو عرضة للانزلاق في كل أنواع الأخطاء، سواء كان السبب فطري ومولود معه، أو من خلال تفاعله مع الناس،… وهذا هو الخطر في عمليات العقل البشري، ولعلاج ذلك يمكن للجميع فقط أن ينطلق من الفلسفة الحقيقية، الفلسفة الميكانيكية والتجريبية” [العلوم القائمة على التجربة]. (1665، ذكر في هاريسون Harrison2009: 5)

من جهة أخرى، كان تطور ديني آخر، وهو إدانة باريس (1277)، هو ربما ما يسر الطريق لصعود العلم، حيث حرّمت تلك الإدانة تدريس وقراءة آراء الفلسفة الطبيعية – مثل أطروحات أرسطو البدنية  – التي اعتبرت هرطقة. نتيجة لذلك، فتحت تلك الإدانة مساحة فكرية للتفكير المتجاوز للفلسفة الطبيعية اليونانية القديمة. على سبيل المثال، قام فلاسفة العصور الوسطى مثل جون بوريدان John Buridan (fl. 14th c) بتأييد اعتقاد أرسطو أنه لا يمكن أن يكون هناك فراغ في الطبيعة، ولكن بمجرد أن أصبحت فكرة الفراغ مقبولة، بسبب تلك الإدانة، فإن الفلاسفة الطبيعيين مثل إيفانجيلستا تورشيللي Evangelista Torricelli (1608–1647)وبليز باسكال Blaise Pascal(1623-1662) تمكنوا من اختبار فكرة ضغط الهواء والفراغ (انظر Grant 1996، للمناقشة).

وكدليل إضافي للدور الجوهري الذي لعبته المسيحية في تطور العلم، يشير بعض المؤلفين إلى المعتقدات المسيحية للفلاسفة الطبيعيين البارزين في القرن السابع عشر. على سبيل المثال، يكتب كلارك Clark:

“استبعد الله من تعريف العلم، وبضربة واحدة سوف تستبعد أعظم الفلاسفة الطبيعيين في الثورة العلمية مثل كبلر، كوبرنيكوس، جاليليو، بويل، ونيوتن (وهذا فقط عدد قليل من الأسماء)” (2014: 42)

حتى أن مؤلفين آخرين ذهبوا إلى حد الادعاء بأن المسيحية كانت مفيدة، بشكل فريد، في تحفيز الثورة العلمية، حيث – وفقا لرودني ستارك Rodney Stark)2004) – كانت الثورة العلمية في الواقع تطورا بطيئا وتدريجيا للاهوت المسيحي في العصور الوسطى. ولكن على الرغم من ذلك فشلت ادعاءات ستارك في الاعتراف بالمساهمات المشروعة للعلماء المسلمين واليونانيين، على سبيل المثال لا الحصر، في تطوير العلوم الحديثة. لكن على الرغم من هذه القراءات الإيجابية للعلاقة بين العلم والدين في المسيحية، كانت هناك مصادر لتوتر دائم. على سبيل المثال، لاتزال هناك معارضة قوية لنظرية التطور بين الأصوليين المسيحيين.

2.2 العلم والدين في الإسلام

الإسلام دين توحيدي ظهر في القرن السابع بعد قول النبي محمد أن الوحي قد نزل إليه. يشير مصطلح “الإسلام” أيضًا إلى هياكل جغرافية سياسية، مثل الخلافة والإمبراطوريات التي أسسها حكام مسلمون من القرن السابع فصاعداً، بما في ذلك الخلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يشير إلى ثقافة ازدهرت في هذا السياق السياسي والديني، مع تقاليدها الفلسفية والعلمية (Dhanani2002). السمة المميزة للإسلام هي الإعتقاد بإله واحد (الله)، الذي يتواصل من خلال الأنبياء، بما في ذلك آدم وإبراهيم ومحمد. يتم تسجيل وحي الله لمحمد في القرآن، النص الديني المركزي للإسلام. وبجانب القرآن، فإن مصدرًا هامًا للفقه واللاهوت، وهو الحديث النبوي أو السنة، وهي مجموعة شفوية من أقوال وأفعال وموافقات ضمنية للنبي محمد. ويستند الفرعان الرئيسيان للإسلام، السنّي والشيعي، إلى نزاع حول الخلافة بعد محمّد.

كثاني  أكبر دين في العالم، يُظهر الإسلام مجموعة واسعة من المعتقدات، لكن تشمل وجهات النظر العقائدية الأساسية وحدانية الله (التوحيد)، وهي وجهة نظر مفادها أنه يوجد فقط إله واحد غير مجزأ خلق الكون وأبقى عليه، والوحي النبوي (على وجه الخصوص إلى محمد)، والحياة الآخرة. أما ما هو أبعد من ذلك، فيختلف المسلمون على عدد من القضايا الفقهية فيه.

العلاقة بين الإسلام والعلم معقدة. حاليًا، تتمتع الدول ذات الأغلبية المسلمة، مثل الإمارات العربية المتحدة، بالتوسع الحضري والتطور التكنولوجي، ولكنها ذات آداء ضعيف في مقاييس البحث العلمي، مثل المنشورات في المجلات الرائدة وعدد الاستشهادات لكل عالم (انظر Edis 2007). وعلاوة على ذلك، فإن الدول الإسلامية هي أيضا بؤر للأفكار الزائفة، مثل الخلق القديم للأرض، وإعادة خلق الأجساد البشرية يوم القيامة من عجب الذنب، ودور الصلاة في علاج آلام أسفل الظهر بدلاً من الطرق التقليدية (Guessoum2009: 4-5).

وقد تجاوز العالم الإسلامي الثقافات الأوروبية بشكل كبير، في النطاق والجودة الخاصة بالمعرفه العلمية، بين القرن التاسع والقرن الخامس عشر تقريبًا، متفوقًا في مجالات مثل الرياضيات (الجبر والهندسة وعلم المثلثات على وجه الخصوص) وعلم الفلك (مركزية الشمس التي تدرس بجدية، ولكن لا تُعتمد)، والبصريات، والطب. ويشار إلى هذه المجالات المعرفية باسم “العلوم العربية” لتمييزها عن العلوم التي نشأت في الغرب (Huff2003). وكان العديد من العلماء العرب البارزين متعددي المواهب موسوعيي النزعة، على سبيل المثال، حقق عمر الخيام (1048-1131) شهرة واسعة في مجالات متباينة مثل الشعر والفلك والجغرافيا والمعادن. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك الفارابي (حوالي 872-ق. 950)، الفيلسوف السياسي من دمشق الذي قام أيضًا بدراسة النظرية الموسيقية، والعلوم، والرياضيات، والأندلسي ابن رشد (1126–1198) ، الذي كتب في الطب، والفيزياء، وعلم الفلك، وعلم النفس، والفقه، والموسيقى، والجغرافيا، فضلا عن تطوير علم اللاهوت الفلسفي المستوحى من اليونانية.

وكان الحافز الرئيسي للعلم العربي هو الرعاية التي تلقاها من الخلافة العباسية (758–1258)، المتمركزة في بغداد. حيث كان الحكام العباسيين الأوائل، مثل هارون الرشيد (786–809) وخلفه أبي جعفر عبد الله المأمون (813-833)، من رعاة العلوم العربية. أسس الأول بيت الحكمة، الذي كُلف بترجمة الأعمال الرئيسية لأرسطو وجالينوس والعديد من العلماء الفارسيين والهنود إلى اللغة العربية. وكانت تلك نظرة كوزموبوليتانية التوجه، حيث استُخدم الفلكيين وعلماء الرياضيات والأطباء من الخارج، بما في ذلك علماء الرياضيات الهنود وعلماء الفلك النسطوريين (المسيحيين).

وفي جميع أنحاء العالم العربي، أتاحت المكتبات العامة الملحقة بالمساجد الوصول إلى مجموعة واسعة من المعارف التي تنشر الإسلام والفلسفة اليونانية والعلوم العربية. وكان وجود لغة مشتركة (العربية)، وكذلك المؤسسات الدينية والسياسية المشتركة والعلاقات التجارية المزدهرة، هو ما شجع على نشر الأفكار العلمية في جميع أنحاء الإمبراطورية. وكانت بعض هذه العلاقات غير رسمية، على سبيل المثال، المراسلات بين الأشخاص ذوي التفكير المماثل (انظر Dhanani 2002)، وبعضها رسمي، على سبيل المثال، في المستشفيات حيث تعلم الطلاب عن الطب في بيئة عملية ودقيقة، وكذلك في المراصد والأكاديميات الفلكية. كان سقوط وخسارة الخلافة العباسية بمثابة ضربة للعلم العربي، لكن ما زالت أسباب ركودها في النهاية، وأنها لم تشهد شيئًا مشابهًا للثورة العلمية في أوروبا الغربية، غير واضحة.

بعض المؤلفين المسلمين الليبراليين، مثل فاطمة مرنيسي (1992)، يجادلون بأن صعود الأشكال المحافظة للاهوت الفلسفي الإسلامي كان قد خنق كثيرا من الفلاسفة الطبيعيين ذوي التفكير العلمي. في القرن التاسع إلى القرن الثاني عشر، ساعدت المعتزلة (وهي مدرسة فلسفية لاهوتية) في نمو العلوم العربية بفضل احتضانها للفلسفة الطبيعية اليونانية. لكن في نهاية المطاف، فقد المعتزلة وذريتهم الفكرية نفوذهم إلى التوجهات المحافظة. وكان عمل الغزالي المؤثر في القرن الحادي عشر ، “تهافت الفلاسفة”، نقدًا قاسيًا ومعقدًا للمعتزلة، حيث زعم أن افتراضاتهم الميتافيزيقية لا يمكن إثباتها. برر هذا الكتاب وجهات النظر الدينية الإسلامية الأصولية، حيث أصبحت الحياة الفكرية الإسلامية أكثر تقليدية، وأقل انفتاحاً على الأفكار الفلسفية غير الإسلامية، مما أدى إلى تراجع العلوم العربية، وتكمن مشكلة هذه السردية في أن المخاوف التقليدية حول المعرفة غير الإسلامية كانت موجودة بالفعل قبل الغزالي واستمرت لفترة طويلة بعد وفاته (Edis 2007: Chapter 2).

وكانت دراسة الفقه أكثر خنقًا للعلم العربي من التطورات في اللاهوت. شهد القرن الحادي عشر تغيّرات في الشريعة الإسلامية التي لم تشجع الفكر الهرطقي: يمكن أن يُنظر الآن إلى غياب الأصولية على أنه ردة عن الإسلام (زندقة) التي يُعاقب عليها بالإعدام ، بينما في السابق، كان بإمكان المسلم أن يرتدعن دينه فقط بإعلان صريح (Griffel2009: 105). (كان الغزالي نفسه يعتبر انتهاك ثلاثة مذاهب أساسية، وهي التوحيد ونبوة محمد والحياة الآخرة، كدليل على الزندقة). وبالنظر إلى أن الأفكار غير التقليدية قد تُفسَّر على أنها ارتداد عن الدين، فإن هذا قد خلق مناخ خانق للعلم العربي. وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع ترسخ العلم والتكنولوجيا في المجتمع الغربي، كانت الإمبراطوريات الإسلامية تضعف أو تُستعمر. وكانت الأفكار العلمية، مثل النظرية التطورية، متساوية مع الاستعمار الأوروبي عند الناس، وبالتالي قوبلت بعدم الثقة.

وعلى الرغم من هذه الرؤية السلبية للعلاقة بين العلم والحداثة الغربية، هناك كتابات ناشئة عن العلم والدين من قبل علماء المسلمين (معظمهم من العلماء). يعتقد الفيزيائي نضال قسوم (NidhalGuessoum2009) أن العلم والدين ليسا متوافقين فحسب، بل متناغمين. وهو يرفض فكرة التعامل مع القرآن كموسوعة علمية، وهو شيء آخر يميل إليه المؤلفون المسلمون في الجدل حول العلم والدين، ويلتزم قسوم بمبدأ عدم التعارض، الذي حدده ابن رشد: لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين كلمة الله (المفهومة بشكل صحيح) وعمل الله (المفهوم بشكل صحيح). إذا ظهر صراع، فربما لم يفسر القرآن بشكل صحيح.

لذلك في حين أن القرآن يؤكد خلق الكون في ستة أيام (مثل الكتاب المقدس في العبرية)، في كثير من الأحيان يفسر “اليوم” على أنها فترة طويلة جدا من الوقت، وليست  24 ساعة. ونتيجة لذلك، فإن فكرة الخلق القديم للأرض أكثر تأثيراً في الإسلام من الخلق القريب زمنيًا لها (نظرية الأرض الفتية).

تم توزيع أطلس الخلق لعدنان اوكطار (الذي نُشر في عام 2007 تحت اسم مستعار هارون يحيى)، وهو كتاب تم تأليفه على طاولة القهوة يعتمد بشكل كبير على فكرة الخلق المسيحي القديم للأرض، في جميع أنحاء العالم (Hameed2008). وبما أن القرآن يذكر صراحة الخلق الخاص لآدم من الطين، فإن معظم المسلمين يرفضون القبول بأن البشر تطوروا من أسلاف بدائية شبيهة بالبشر. ومع ذلك، فقد دعا العلماء المسلمون مثل نضال قسوم Guessoum 2009)) ورنا الدجاني Rana Dajani 2015)) إلى القبول بالتطور.

2.3 العلم والدين في الهندوسية

تضم الهندوسية، ثالث أكبر دين في العالم، تقاليد دينية وفلسفية متنوعة ظهرت في شبه القارة الهندية بين 500 قبل الميلاد و 300 ميلادية. الغالبية العظمى من الهندوس يعيشون في الهند، ويعيش معظم الهندوس الآخرين في نيبال وسريلانكا وجنوب شرق آسيا (Hackett  2015). وعلى النقيض من الديانات التوحيدية الرئيسية، لا تميز الهندوسية بشكل حادًا بين الله والخليقة (في حين أن هناك وجهات نظر حلولية في المسيحية واليهودية والإسلام، لكنها تمثل أقلية). يؤمن كثير من الهندوس بإله شخصي، ويعرّفون هذا الإله على أنه جوهري في الخليقة. هذا الرأي له تداعيات على نقاش العلم والدين، حيث أنه لا يوجد تمييز وجودي حاد بين الخالق والمخلوق (Subbarayappa 2011). ويشار عادة إلى اللاهوت الفلسفي في الهندوسية (والأديان الهندية الأخرى) باسم الدارما، ويشار إلى التقاليد الدينية التي تنشأ في شبه القارة الهندية، بما في ذلك الهندوسية، واليانية، والبوذية، والسيخية، على أنها ديانات دارمية. ويشار إلى المدارس الفلسفية داخل الـ دارما باسم الـ دارسانا.

أحد العوامل التي توحد الديانات الدارمية هو أهمية النصوص التأسيسية، والتي صيغت خلال الفترة الفيدية بين 1600 و 700 قبل الميلاد. وتشمل الـ فيدا (الكتاب المقدس)، الذي يحتوي على الترانيم والوصفات لأداء الطقوس، والـ برهمانا، النصوص الطقسية المرافقة، والأبانيشاد ، أطروحات ميتافيزيقية. تنادي الـ فيدا طائفة واسعة من الآلهة الذين يتجسدون في الظواهر الطبيعية مثل النار (Agni) والرياح (Vāyyu). تمت إضافة المزيد من الآلهة في القرون التالية (على سبيل المثال، جانيزا Gaṇeśaو Sati-Parvatiساتيبارفاتي في القرن الرابع الميلادي).

وشجعت الطقوس الفيدية القديمة معرفة العلوم المتنوعة، بما في ذلك علم الفلك واللغويات والرياضيات. حيث كانت المعرفة الفلكية مطلوبة لتحديد توقيت الطقوس وبناء المذابح القربانية. وكان علم اللغويات قد تطور بسبب الحاجة إلى إضفاء الطابع الرسمي على القواعد النحوية للغة السنسكريتية الكلاسيكية، والتي كانت تستخدم في الطقوس. وتطلبت العروض العامة الكبيرة بناء مذابح متقنة، مما أوجد مشكلات هندسية، وبالتالي أدى ذلك إلى تقدم في الهندسة. واستخدمت النصوص الفيدية الكلاسيكية أعداداً كبيرة جداً، على سبيل المثال، للدلالة على عمر البشرية والأرض، مما تطلب نظاماً لتمثيل الأعداد بشكل غير بارز، مما أدي إلى وجود نظام موضعي ذي 10 قواعد وتمثيل رمزي للصفر كعنصر نائب، تلك الفكرة التي سيتم استيرادها لاحقًا في تقاليد رياضية أخرى (Joseph 2000). بهذه الطريقة، شجعت الدارما الهندية القديمة على ظهور العلوم.

حول القرن السادس إلى الخامس قبل الميلاد، شهد الجزء الشمالي من شبه القارة الهندية تحضراً واسع النطاق. في هذا السياق، أصبح الطب موحدًا (أيورفيدا). أدت هذه الفترة أيضًا إلى ظهور مجموعة واسعة من المدارس الفلسفية، بما في ذلك البوذية، واليانية، والشارفاكا. دافعت الأخيرة عن شكل من أشكال الطبيعانية الميتافيزيقية، والتي تنكر وجود الآلهة أو الكارما.

والعلاقة بين العلم والدين في شبه القارة الهندية معقدة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الديانات الدارمية والمدارس الفلسفية متنوعة جدا. على سبيل المثال، كان لدى مؤيدي الشارفاكا شكوك قوية في المعتقدات الاستنتاجية، ورفضوا الوحي الفيدى والأمور الخارقة للطبيعة بشكل عام، وبدلاً من ذلك كانوا يفضلون الملاحظة المباشرة كمصدر للمعرفة. كانت هذه الآراء قريبة من الطبيعانية الفلسفية في العلوم الحديثة، ولكن هذه المدرسة اختفت في القرن الثاني عشر. كما ازدهر علم اللاهوت الطبيعي في فترة ما قبل الاستعمار، وخاصة في الأدفايتا، وهو الدارسانا الذي يحدد الذات (الأتمان) في الواقع المطلق (البراهمان).

كان فيلسوف الأدفايتا، آدي شانكارا Adi Śaṅkara(النصف الأول من القرن الثامن الميلادي) مؤلفًا توحيديًا اعتبر البراهمان هو الواقع الوحيد، وهو السبب المادي والفعّال للكون. صاغ شانكارا التصاميم والحجج الكونية مستنداً على التشابهات بين العالم والأدوات التي يصنعها الإنسان: في الحياة العادية، لا نرى أبداً عوامل أن غير ذكية تصنع تصميمًا له غاية، ولكن الكون مناسب للحياة البشرية، تمامًا مثل المقاعد والحدائق المصممة لنا، وبالنظر إلى أن الكون معقد لدرجة أنه حتى الحرفي الذكي لا يستطيع فهمه، فكيف يمكن أن تكون قد خلقته قوى طبيعية غير ذكية؟ هنا استنتج شانكارا أن الكون يجب أن يكون قد صُمم بواسطة خالق ذكي (C.M. Brown 2008: 108).

من 1757 إلى 1947، كانت الهند تحت الحكم الاستعماري البريطاني. وكان لهذا تأثير عميق على ثقافتها. اتصل الهندوس بالعلوم والتكنولوجيا الغربية. بالنسبة للمثقفين المحليين، شكّل الاتصال بالعلوم الغربية تحديًا: كيف يمكن استيعاب هذه الأفكار مع معتقداتهم الهندوسية؟ كان ماهندراهال سيركار Mahendrahal Sircar(1833-1904) أحد المؤلفين الأوائل الذين درسوا نظرية التطور وتأثيراتها على المعتقدات الدينية الهندوسية. كان سيركار مؤمناً تطورياً، وكان يعتقد أن الله استخدم التطور لخلق أشكال الحياة الحالية.

ولم تكن النظرية التطورية فرضية جديدة في الهندوسية، لكن الخطوط العديدة للأدلة التجريبية التي قدمها داروين للتطور أعطتها زخماً جديداً. وفي حين قبل سيركار التطور العضوي من خلال السلف المشترك، لكنه تساءل عن آلية الانتقاء الطبيعي لأنها لم تكن غائية، وبذلك كانت ضد مذهبه التطوري، وكانت هذه مشكلة واسعة النطاق لقبول نظرية التطور، وهي نظرية صارعها أيضًا المتشددون المسيحيون التطوريون (Bowler2009). وجادل سيركار أيضا ضد معتقدات المستعمرين البريطانيين بأن الهندوس غير قادرين على التفكير العلمي، وشجع رفاقه الهندوس على الانخراط في العلوم، التي كان يأمل أن تساعد في إعادة بناء الأمة الهندية (C.M. Brown 2012: Chapter 6).

ودفع استيعاب الثقافة الغربية مختلف الحركات الإحيائية التي سعت إلى إعادة تأكيد القيمة الثقافية للهندوسية. وطرحت تلك الحركات فكرة العلم الفيدى التي تقول أنه قد تم بالفعل اكتشاف كل النتائج العلمية في الفيدا ونصوص قديمة أخرى (على سبيل المثال، Vivekananda 1904). هذه الفكرة لا تزال تحظى بشعبية داخل الهندوسية المعاصرة، وتشبه إلى حد بعيد الأفكار التي يحملها المسلمون المعاصرون، الذين يشيرون إلى القرآن باعتباره متنبئ بالنظريات العلمية.

كانت الردود على النظرية التطورية متنوعة، مثل الآراء المسيحية حول هذا الموضوع، بدءا من فكرة الخلق (إنكار نظرية التطور المستندة إلى عدم توافق متصور مع النصوص الفيدية) إلى القبول (انظر C.M. Brown 2012للحصول على نظرة شاملة). ورفض مؤلفون مثل داياناندا ساراسواتي Dayananda Saraswati(1930–2015) نظرية التطور. على النقيض من ذلك، أيد فيفيكاناندا Vivekananda(1863-1902)، وهو مؤيد للنزعة الواحدية للأدفايتا، النظرية التطورية بحجة أنها مذكورة بشكل مسبق في النصوص الفيدية القديمة. بشكل عام، ادعى فيفيكاناندا أن الديانة الهندوسية والعلم متناغمان: “الهندوسية علمية في روحها، كما هو واضح من تاريخها الطويل في الاكتشافات العلمية” (Vivekananda 1904).

وقد وضع سري أوروبيندو غوس Sri Aurobindo Ghose، وهو اليوغي والقومي الهندي، الذي تلقى تعليمه في الغرب، توليفة من الفكر التطوري والهندوسية. لقد فسر مذهب أفاتارا الكلاسيكي، الذي يتجسد فيه الله في العالم مرارًا وتكرارًا طوال الوقت، من الناحية التطورية. وهكذا يبدو الله أولاً كحيوان، ثم قزمًا، ثم كرجل عنيف (راما)، ثم كبوذا، وكـ كريشنا. واقترح غوس صورة ميتافيزيقية حيث التطور الروحي (التناسخ والتجسيدات) والتطور الجسدي هما – في نهاية المطاف – تجلي لله (براهمان). وتعود هذه النظرة للواقع، الذي يتكون من المادة (البوروشا) والوعي (براكريتي)، إلى الـ سامخيا، واحدة من روافد الدارسانا الأصولية، ولكن أوروبيندو وضع إشارة صريحة إلى الإله، واصفا اياه بأنه الوعي الأعلى الذي يسكن في حل المسألة ( Aurobindo، 1914–18 / 2005، انظر CM Brown 2007للمناقشة).

خلال القرن العشرين برز العلماء الهنود، ومنهم تشاندراسيخارا رامان C.V. Raman(1888–1970)، الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء ، وساتيندرا ناث بوز Satyendra Nath Bose((1894-1974، وهو فيزيائي نظري وصف سلوك الفوتونات إحصائيًا، وقد سمّينت البوزونات بإسمه. ومع ذلك، لم يتحدث هؤلاء المؤلفين عن العلاقة بين عملهم العلمي ومعتقداتهم الدينية. لكن على النقيض من ذلك، كان عالم الرياضيات سرينيفاسا رامانوجان Srinivasa Ramanujan(1887–1920) منفتحًا في الحديث حول معتقداته الدينية وتأثيرها على عمله الرياضي، وادعى أن الإلهة ناماجيري ساعدته على استنباط حلول للمشاكل الرياضية. وبالمثل، كان جاجاديش تشاندرا بوز Jagadish Chandra Bose(1858-1937)، وهو فيزيائي نظري، وعالم بيولوجي، وعالم بيوفيزيائي ، وعالم نبات، وعالم آثار كان يعمل على موجات الراديو ، يرى أن فكرة الوحدة في الديانة الهندوسية تنعكس في دراسة الطبيعة. بدأ معهد “بوز” في كولكاتا في عام 1917، وهو أقدم معهد علمي متعدد التخصصات في الهند (Subbarayappa 2011).

  1. العلاقات المعاصرة بين العلم والدين

يشتمل العمل المعاصر في مجال “العلم والدين” على مجموعة ثرية من الموضوعات، بما في ذلك الإرادة الحرة والأخلاق والطبيعة البشرية والوعي. ويناقش اللاهوتيون الطبيعيون المعاصرون التصميم الدقيق، ولا سيما حجج التصميم القائمة عليه (على سبيل المثال، R. Collins 2009)، وتفسير تعدد الأكوان، وأهمية الانفجار الكبير. على سبيل المثال، قام بعض المؤلفون مثل هودسن (Hud Hudson 2013) باستكشاف فكرة أن الله قد حقق أفضل الإحتمالات الممكنة من الأكوان المتعددة. فيما يلي نظرة عامة على موضوعين أثارا اهتمامًا ونقاشًا كبيرين على مدى العقود الماضية: الفعل الإلهي، وأصل البشر (موضوع ذا علاقة وثيقة بالخلق).

3.1 الفعل الإلهي والخلق

قبل أن يطور العلماء وجهات نظرهم حول علم الكون وأصول العالم، كانت الثقافات الغربية لديها بالفعل عقيدة للخلق تستند إلى نصوص الكتاب المقدس (على سبيل المثال، الفصول الثلاثة الأولى من سفر التكوين وكتاب الوحي) وكتابات آباء الكنيسة مثل أوغسطين. ولهذه العقيدة الخلقية مجموعة من السمات المترابطة:

أولاً، خلق الله العالم من العدم. بمعنى آخر، لم يكن الله بحاجة إلى أي مواد موجودة قبل خلق العالم لكي يخلقه، على العكس من ذلك، مثلًا، نجد الديميورغوس (من الفلسفة اليونانية)، الذي خلق العالم من مادة فوضوية سابقة له.

ثانياً، الله متميز/منفصل عن العالم. أي أن العالم لا يساوي الله وليس جزءًا منه (وحدة الوجود أو الحلول) ولا هو انبثاق (ضروري) لله (الأفلاطونية الجديدة). بدلا من ذلك، خلق الله العالم بحرية. وتقدم تلك الفكرة اختلافًا جذريًا بين الخالق والمخلوق: فالعالم متوقف بشكل كلّي على عمل الله الخلاق ويستمد بقاؤه واستمراره من الله أيضًا، بينما لا يحتاج الله إلى الخلق (Jaeger 2012b: 3).

ثالثًا، تنص عقيدة الخلق على أن الخلق خيّر بشكل جوهري (وهذا هو ما يؤكده سفر التكوين مرارًا وتكرارًا). العالم يحتوي على الشر، لكن الله لا يتسبب مباشرة في وجود هذا الشر. وعلاوة على ذلك، فإن الله لا يحافظ على بقاء الخلق بصورة سلبية فقط، بل يلعب دورًا فعالًا في تلك العملية، مستخدمًا إجراءات إلهية خاصة (مثل المعجزات والوحي) لرعاية المخلوقات.

رابعاً، وضع الله أحكاماً لنهاية العالم، وسيخلق سماءً وأرضاً جديدة، وبهذه الطريقة يزيل الشر.

وتتعلق عقيدة الخلق بوجهات النظر حول الفعل الإلهي، ويميز علماء اللاهوت عادة بين نوعين من الفعل الإلهي، الفعل العام والفعل الخاص. لكن للأسف، لا يوجد تعريف مقبول عالميًا لهذين المفهومين في مجالات اللاهوت أو مجال “العلم والدين”. إحدى الطرق لتمييزها (Wildman2008: 140) هي اعتبار العمل الإلهي العام بمثابة خلق الواقع والحفاظ على استمراره، والعمل الإلهي الخاص بمثابة مجموع أعمال العناية الإلهية، تلك التي تحدث غالبًا في أوقات وأماكن معينة، مثل المعجزات والوحي.

إن رسم هذا التمييز بين الفعل العام والخاص يسمح للمخلوقات بدرجة من الاستقلالية، ويشير إلى أن الله لا يتدخل بالتنظيم الدقيق في كل تفاصيل الخلق. ومع ذلك، فإن هذا التمييز ليس واضحًا دائمًا ، لأن بعض الظواهر يصعب تصنيفها كفعل إلهي عام أو خاص. على سبيل المثال، القربان الكاثوليكي الروماني (الذي يتحول فيه الخبز والنبيذ إلى جسد ودم يسوع) أو بعض المعجزات الشافية خارج الكتاب المقدس تبدو دنيوية بما فيه الكفاية لتكون جزءًا من التدبير الإلهي العام، ولكن لا يزال يبدو أنها تنطوي على شكل ما من التدخل الخاص من جانب الله.

أما ألستون (Alston1989) فيقول أن هذا التمييز ذا صلة بالتفريق بين الأفعال الإلهية المباشرة وغير المباشرة. الله يقوم بالأفعال المباشرة دون استخدام الأسباب الطبيعية، في حين يتم تحقيق الأعمال غير المباشرة من خلال الأسباب الطبيعية (قوانين الطبيعة). وباستخدام هذا التمييز، هناك أربعة أنواع محتملة من الإجراءات الإلهية: فإما أن الله لا يستطيع أن يتصرف في العالم على الإطلاق، أو أنه لا يستطيع أن يتصرف إلا بشكل مباشر فقط، أو أن الله يمكن أن يتصرف بشكل غير مباشر فقط ، أو أن الله يمكنه التصرف بشكل مباشر وغير مباشر.

في أدبيات العلم والدين، هناك سؤالان مركزيان عن الخلق والفعل الإلهي. إلى أي مدى تتوافق عقيدة الخلق المسيحية والآراء التقليدية للفعل الإلهي مع العلم؟ وكيف يمكن فهم هذه المفاهيم في سياق علمي؟ على سبيل المثال، ماذا يعني أن يخلق الله وأن يتصرف؟ لاحظ أن عقيدة الخلق لا تقول شيئًا عن عمر الأرض، ولا تحدد نمطًا للخلق، وهذا يسمح لطائفة واسعة من وجهات النظر الممكنة في العلم والدين، ما يعني أن الرؤية الخلقية التي تقول بأرض صغيرة السن (الأرض الفتيّة) هي أحد الرؤى التي تتوافق مع الكتاب المقدس. وبالفعل، فستجد أن بعض النظريات العلمية، مثل نظرية الانفجار الكبير، التي اقترحها الكاهن البلجيكي جورج لوميتر (1927) لأول مرة، تبدو ملائمة لعقيدة الخلق. وهي كذلك نظرية يبدو أنها تدعم فكرة الخلق من العدم لأنها تشير إلى أن الكون نشأ من حالة شديدة الحرارة والكثافة منذ حوالي 13.8 مليار سنة (Craig 2003)، على الرغم من أن بعض الفلاسفة قد جادلوا ضد التفسير بأن الكون له بداية زمنية (على سبيل المثال، Pitts2008).

والنتيجة النهائية للمكتشفات العلمية منذ القرن السابع عشر هي أنه قد تم دفع الفعل الإلهي، بشكل متزايد، إلى الهامش. وقد حدث هذا التعدي من العلم على أراضي الدين بطريقتين: الأولى، عبر النتائج العلمية – خاصة من الجيولوجيا والنظرية التطورية – والتي طعنت في حجج الكتاب المقدس عن الخلق واستبدلتها، حيث لم تحتوي عقيدة الخلق على تفاصيل دقيقة عن طريقة وتوقيت الخلق، وكان الكتاب المقدس نفسه هو مصدر الثقة. ثانياً، يبدو أن مفهوم القوانين العلمية الناشئ في فيزياء القرنين السابع عشر والثامن عشر لم يترك مجالاً للفعل الإلهي الخاص. سيتم مناقشة هذين التحديين أدناه، جنبا إلى جنب مع الحلول المقترحة في أدبيات نطاق “العلم والدين” المعاصر.

استخدم المؤلفون المسيحيون الكتاب المقدس كمصدر للمعلومات التاريخية، لكن التفسير الكتابي لقصص الخلق، وخاصة سفر التكوين 1 و 2 (وبعض الروافد المتفرقة الأخرى، كما هو الحال في كتاب أيوب)، لا يزال محفوفا بالصعوبات، هل يجب تفسير هذه النصوص بطريقة تاريخية أو مجازية أو شعرية؟ وما الذي يمكن فعله حين نواجه الحقيقة القائلة أن ترتيب عملية الخلق يختلف في كل وجهة نظر منهم؟ (Harris2013)

وكان الأسقف الإنجيلي جيمس أوسهر James Ussher(1581-1656) قد استخدم الكتاب المقدس لتحديد تاريخ بداية الخلق على أنها كانت في العام 4004 قبل الميلاد. وعلى الرغم من أن مثل هذه التفسيرات الحَرفية لقصة الخلق كانت شائعة، وما زالت إلى اليوم تستخدم من قبل أصحاب نظرية الأرض الفتية، لكن علماء اللاهوت قبل أوسهر كانوا بالفعل قد قدموا قراءات بديلة غير حرفيّة للكتاب المقدس (على سبيل المثال، Augustine416 [2002]). ومنذ القرن السابع عشر وما بعده، تعرضت عقيدة الخلق المسيحية لضغوط من قبل علم الجيولوجيا، حيث أشارت النتائج العلمية إلى أن الأرض كانت أقدم من العام 4004 قبل الميلاد. ومن القرن الثامن عشر، قام فلاسفة طبيعيون، مثل دي ميلليت، لامارك، تشامبرز، وداروين، بتقديم نظريات انتقالية (ما يُطلق عليها الآن “تطورية”)، والتي بدت غير متوافقة مع التفسيرات الكتابية للخلق الخاص للأنواع. بعد نشر داروين لكتاب “أصل الأنواع” (1859)، كان هناك نقاش مستمر حول كيفية إعادة تفسير عقيدة الخلق في ضوء النظرية التطورية (على سبيل المثال ، Bowler 2009).

وكان كل من تيد بيترز Ted Peters  ومارتنز هيوليت Martinez Hewlett(2003) قد حددا طيف أو نطاق للفعل الإلهي، لتوضيح موضع كل من عقيدة الخلق والفعل الإلهي في أدبيات الصورة المعاصرة للعلم والدين. ونجد بعدين لهذا النطاق: درجة امتداد الفعل الإلهي في العالم الطبيعي، وشكل التفسيرات السببية التي تربط الفعل الإلهي بالعمليات الطبيعية. في أحد الأطراف المتطرفة لهذا الطيف يقع الخلقيون. وهم، مثل غيرهم من المؤمنين، يعتقدون أن الله قد خلق العالم وقوانينه الأساسية، وأن الله يقوم أحيانًا بتدخلات إلهية خاصة (معجزات) في نسيج  تلك القوانين. وينكر الخلقيون أي دور للانتقاء الطبيعي في أصل الأنواع. وداخل هذا التوجه، يتواجد المؤمنين بنظرية الأرض الفتية وأيضًا المؤمنين بنظرية الأرض القديمة اقتناعًا بمكتشفات الجيولوجيا، لكن الجميع هناك يتفقون على رفض البيولوجيا التطورية.

وبجانب الخلقية، نجد التصميم الذكي، الذي يؤكد التدخل الإلهي في العمليات الطبيعية. يعتقد مؤلفو التصميم الذكي (على سبيل المثال، Dembski 1998) أن هناك دليلاً على التصميم الذكي في تعقيد الكائنات الحية غير القابل للاختزال. وبالتالي فإن هذا التصميم له غاية (انظر Kojonen 2016). لكن مثل غيرهم من الخلقيين، ينكرون وجود دور مهم للانتقاء الطبيعي في تشكيل التعقيد العضوي ويؤكدون على وجود تدخّل للفعل الإلهي. وهم، لأسباب سياسية، لا يصفون مصممهم الذكي بالله، لأنهم يأملون أن يتمكنوا من التحايل على الفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة في دستور الولايات المتحدة، والذي يحظر تدريس المبادئ الدينية في المدارس العامة (Forrest and Gross2004).

أما أنصار التطور المؤمنين فيتبنون مقاربة لا تقول بالتدخل من قبل الفعل الإلهي: الله يخلق بطريقة غير مباشرة، من خلال قوانين الطبيعة (على سبيل المثال، من خلال الانتقاء الطبيعي). على سبيل المثال، يعتبر اللاهوتي جون هت (2000 John Haught) أن العناية الإلهية هي حبً للذات، وأن الانتقاء الطبيعي والعمليات الطبيعية الأخرى هي مظاهر لهذا الحب، لأنها تعزز الاستقلال والتمايز. وفي حين يسمح أنصار التطور المؤمنين بفعل إلهي خاص، لا سيما معجزة تجسد المسيح (على سبيل المثال، Deane-Drummond 2009)، يعتقد البعض مثل مايكل كوري (Michael Corey1994) أنه لا يوجد سوى عمل إلهي عام: لقد وضع الله قوانين الطبيعة وأتاح تشغيلها كالساعة دون تدخل إضافي. ولكن لا تزال الربوبية بعيدة عن المادية الوجودية، وهي الفكرة القائلة أن العالم المادي موجود بغض النظر عن إدراكنا.

وتأثرت وجهات النظر حول الفعل الإلهي بالتطورات في الفيزياء وتفسيرها الفلسفي. في القرن السابع عشر، طوّر الفلاسفة الطبيعيون، مثل روبرت بويل وجون ويلكنز، وجهة نظر آليّة للعالم محكومة بعمليات منتظمة ومحكومة بقوانين. وكانت هذه “القوانين”، تلك التي تُفهم على أنها ثابتة وغير قابلة للتغيير، قد خلقت مجموعة من التحديات لمفهوم الفعل الإلهي الخاص (Pannenberg 2002). حيث، كيف تصرف الله في عالم تحدده القوانين؟

إحدى الطرق للنظر إلى المعجزات وغيرها من أشكال الفعل الإلهي الخاص هي النظر إليهم على أنهم أفعال تعلّق أو تتجاهل قوانين الطبيعة بطريقة أو بأخرى. على سبيل المثال، عرّف ديفيد هيوم (David Hume1748: 181) المعجزة على أنها “انتهاك للقانون الطبيعي من خلال إرادة معينة من الإله، أو عن طريق تدخل بعض العوامل غير المرئية” ، ومؤخراً عرّف ريتشارد سوينبيرن (Richard Swinburne1968). : 320) المعجزة بأنها “انتهاك لقانون الطبيعة من قبل الإله”. ويوصَّف مؤيدي هذا المفهوم للفعل الإلهي عادة بـ “القائلين بالتدخل”. ويَعتبر مفهوم التدخّل العالم حتميًا وسببيًا، لذلك على الله أن يخلق مجالًا لإجراءات إلهية خاصة. على النقيض من ذلك، تتطلب الأشكال غير التدخلية للعمل الإلهي (على سبيل المثال، Murphy 1995, Russell 2006) عالماً، على مستوى ما، غير حتمي، حتى يتمكن الله من التصرف دون الاضطرار إلى تعليق أو تجاهل قوانين الطبيعة.

وفي القرن السابع عشر، طرحت تفسيرات سلوك الطبيعة من خلال القوانين الفيزيائية الأنيقة فكرة براعة المصمم الإلهي، وبلغت حجة التصميم الدقيق ذروتها، ليس كتاب “علم اللاهوت الطبيعي Natural Theology” لوليام بالي William Paley(1802/2006)، الذي كان صوتًا متأخرًا في النقاش حول حجة التصميم، ولكن خلال القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر (McGrath 2011). على سبيل المثال، اقترح صامويل كلارك Samuel Clarke(الذي تم ذكره في Schliesser 2012: 451) حجة بَعدية (صورة مسبقة) من التصميم الدقيق خلال قوانين تيوتن، حيث لفت الانتباه إلى أن “الانتظام المتميز لجميع حركات الكواكب لا يحتاج إلى استخدام الدرجات أو فلك التدوير أو تراجعات الكواكب أو أي انحراف أو ارتباك آخر”.

وهناك استنتاج آخر مفاده أن الفيزياء القائمة على القوانين تشير إلى أن الكون كان قادراً على السير بسلاسة دون الحاجة إلى إله متدخّل. إن الفهم الحتمي المتزايد للكون، والذي تحكمه قوانين سببية حتمية، كالذي حدده بيير سيمون لابلاس (1749–1827)، بدا وكأنه لم يترك مجالًا للفعل الإلهي الخاص، والذي يعد عنصراً أساسياً في العقيدة المسيحية التقليدية، الخلق.

وكان نيوتن قد قاوم تفسيرات مثل هذه في كتابه الأشهر “الأسس الرياضياتية للفلسفة الطبيعية Principia” في 1713، فيقول: “يمكن تفسير حركات الكواكب بقوانين الجاذبية، لكن مواضع مداراتها، ومواضع النجوم البعيدة عن بعضها البعض بما يكفي بحيث لا تؤثر على بعضها البعض جذبويًا، تتطلب تفسيرا إلهيا” (Schliesser 2012). وجادل ألستون (1989Alston)، ضد مؤلفين مثل بولكينجهورن (Polkinghorne1998)، أن الفيزياء الميكانيكية ما قبل القرن العشرين تتوافق مع الفعل الإلهي والإرادة الحرة الإلهية. فإذا افترضنا وجود عالم حتمي تمامًا ومعرفة إلهية كلّية، يمكن للّه أن يهيئ الظروف الأولية لقوانين الطبيعة كي تعمل بطريقة تدور بخطط الله لها. في مثل هذا العالم الآلي، كل حدث هو فعل إلهي غير مباشر.

وأدت التطورات في فيزياء القرن العشرين، بما في ذلك نظريات النسبية العامة والخاصة، ونظرية الفوضى ونظرية الكوانتم، إلى قلب الرؤية الميكانيكية للخليق. في النصف الأخير من القرن العشرين، تم استكشاف نظرية الفوضى والفيزياء الكمّية كطرق ممكنة لإعادة تفسير العمل الإلهي. اقترح جون بولكينجهورن(John Polkinghorne1998) أن نظرية الفوضى لا تقدم حدودًا معرفيًة لما يمكن أن نعرفه عن العالم فحسب، بل إنها توفر أيضًا للعالم “انفتاحًا وجوديًا” يستطيع الله من خلاله العمل دون انتهاك قوانين الطبيعة.

وتتمثل إحدى الصعوبات في هذا النموذج أنه ينتقل من معرفتنا عن العالم إلى افتراضات حول جوهر العالم، فمثلًا: هل تعني نظرية الفوضى أن حقائق العالم غير محددة أم أننا نحن البشر محدودو القدرة لا نستطيع التنبؤ بها؟ اقترح روبرت راسل Robert Russell(2006) أن الله يعمل في الأحداث الكمومية. وهذا من شأنه أن يسمح لله أن يتصرف بشكل مباشر في الطبيعة دون أن يتعارض ذلك مع قوانين الطبيعة، وبالتالي فهو نموذج لا يقول بالتدخّل. حيث بما أنه، في ظل تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكم، حيث لا توجد أسباب طبيعية فعالة على المستوى الكمومي، فالله – إذن – لا ينحصر في سبب طبيعي. وأوجزت مورفي (Murphy1995) نموذجًا مماثلًا يعمل بمعالجة من الأسفل إلى الأعلى، حيث يعمل الله في الفراغ الذي يوفره عدم التحديد الكمي.

هذه المحاولات لتحديد موقع تصرفات الله إما في ميكانيكا الكم أو نظرية الفوضى، والتي وصفها ليديا جايجر (Lydia Jaeger2012a) بأنها “الفيزيائية–زائد-الله”، قد واجهت انتقادات حادة (على سبيل المثالSaunders 2002, Jaeger 2012a,b). حيث في النهاية، ليس من الواضح حتى ما إذا كانت نظرية الكم تسمح بحرية فعل الإنسان، ناهيك عن الفعل الإلهي، الذي لا نعرف الكثير عنه (Jaeger 2012a). إلى جانب ذلك، يجادل ويليام كارول (William Carroll2008)، بناءً على فلسفة توماوية، بأن مؤلفين مثل ميرفي وبولكينجهورن يرتكبون خطأ تصنيفيًا، بمعنى أن الله ليس “سببًا” بالطريقة التي تكون بها المخلوقات هي “أسباب”، والله ليس بحاجة إلى اللاحتمية من أجل التصرف في العالم. بدلا من ذلك، كسبب أولي، يدعم الله الأسباب الثانوية ويؤسس لها.

لكن، في حين أن هذا الحل يتوافق مع الحتمية (في الواقع، من وجهة النظر هذه، فإن التفاصيل الدقيقة للفيزياء لا تهم كثيراً)، فإنه يزيل الفصل بين الفعل الإلهي العام والخاص. علاوة على ذلك، فإن اقتراح التجسد بأن الله سبب بين الأسباب الطبيعية ليس غريبًا في اللاهوت، الله على الأقل يعمل في بعض الأحيان كسبب طبيعي (Sollereder 2015).

وكان هناك نقاش حول التساؤل عن “إلى أي مدى تعتبر العشوائية سمة جوهرية للخلق؟ وكيف يترابط الفعل الإلهي مع الصدفة؟ تعتبر الصدفة والعشوائية من السمات الهامة للنظرية التطورية (الاحتفاظ غير العشوائي بالتغيرات العشوائية). في تجربة فكرية شهيرة، تخيل غولد (Gould1989) أنه يمكننا إرجاع شريط الحياة مرة أخرى إلى زمن طَفل بيرجس (طبقة رواسب حاوية للأحافير أكتشفت في جبال روكي الكندية، تواجدت منذ 508 مليون سنة – المترجم)؛ فإن فرص أن تصل من جديد إلى أي شيء من أشكال الحياة الحالية صغيرة جدًا. ومع ذلك، فقد ذكر سيمون كونواي موريس Simon Conway Morris(2003 Morris) أن أنواعًا تشبه إلى حد كبير تلك التي نعرفها الآن (بما في ذلك الأنواع الذكية كالإنسان) قد تتطور ضمن نطاق واسع من الظروف المختلفة.

وبموجب التفسير الإلهي، يمكن أن تكون العشوائية مجرد مظهر واضح للإبداع، أو ميزة أصيلة. يقترح بلانتينجا أن العشوائية هي تفسير “فيزيائي النزعة” للأدلة، فقد يكون الله قد قاد كل طفرة على طول العملية التطورية. بهذه الطريقة، يستطيع الله “توجيه مسار التاريخ التطوري من خلال التسبب في ظهور الطفرات الصحيحة في الوقت المناسب والحفاظ على أشكال الحياة التي تؤدي إلى النتائج التي ينويها.” (2011: 121)

على النقيض من ذلك، يرى بعض المؤلفين أن مؤشر العشوائية أو المصادفة هو ميزة تتعلق بتصميم أصيل، وليست مجرد لمعان لكون فيزيائي النزعة. يكمن التحدي في شرح كيفية توافق العناية الإلهية مع العشوائية الحقيقية (من وجهة نظر ربوبية، يمكن للمرء ببساطة أن يقول أن الله قد أطلق الكون ولم يتدخل في كيفية سيره، لكن هذا الخيار ليس مفتوحًا أمام وجهة النظر الإلوهية، ومعظم المؤلفين في مجال العلم والدين هم من الإلوهيين) وتستخدم إليزابيث جونسون (Elizabeth Johnson1996) وجهة نظر توماوية للفعل الإلهي، حيث تجادل بأن فكرة العناية الإلهية والعشوائية الجوهرية متوافقتان: فالله يمنح المخلوقات قوى سببية حقيقية، مما يجعل خلق الله أكثر تميزًا مما لو كان يفتقر إلى مثل هذه القوى، والأحداث العشوائية هي أيضا أسباب ثانوية، شكل من أشكال الإبداع الإلهي الذي يخلق الجِدّة والتنوع والحرية.

أحد الآثار المترتبة على هذا الرأي هو القول أن الله قد يظهر كمُجازف – فعلى الرغم من أنه إذا كانت لديه خطة إلهية للنتائج المحتملة، هناك عدم إمكانية للتنبؤ بها، ولكن ليست تلك بالمجازفة المقصودة. حيث تستخدم جونسون مجاز المجازفة التي، بشكل عام، تترك الخالق في وضعية تحكم (الخلق، إذن، مثل ارتجال الجاز)، لكنه، بالنسبة لها، جازَف برغم ذلك. لماذا يجازف الله؟ هناك العديد من الحلول لهذا السؤال. تقول الثيوديسيا الإلهية الحرة أن الخلق الذي يظهر عشوائيًا يمكن أن يكون حراً ومستقلاً:

“الحب الأصيل يتطلب الحرية وليس التلاعب. وأفضل طريقة لتوفير هذه الحرية هي حالات طوارئ التطور المفتوحة، وليس عن طريق سلاسل من التوجيه الإلهي المربوطة بكل كائن حي” (Miller1999/2007: 289)

بل وتذهب “ثيوديسيا الطريقة الوحيدة” إلى أبعد من ذلك، بحجة أن مجموعة من القوانين والفرص ليست فقط الطريقة الأفضل، بل الطريقة الوحيدة أمام الله لتحقيق خططه الإبداعية (انظر على سبيل المثال ، Southgate2008 للدفاع).

3.2 أصول الإنسان

لدى المسيحية والإسلام واليهودية قصص مماثلة للخلق، والتي تعود في النهاية إلى الكتاب الأول للكتاب المقدس العبري (سفر التكوين). وفقا لسفر التكوين، البشر هم نتيجة فعل خلقي خاص. يقدم سفر التكوين 1 آلية لإنشاء العالم في غضون ستة أيام، مع خلق البشر في اليوم السادس. ويحدد أن البشر خلقوا ذكوراً وإناثاً، وأنهم صُنعوا على صورة الله. ويوفر سفر التكوين 2 آلية مختلفة للخلق، حيث يخلق الله البشر في وقت مبكر من التسلسل (قبل حيوانات أخرى)، ويخلق في البداية الرجل فقط، ويصمم لاحقًا امرأة من ضلعه. يمتلك الإسلام قصة خلق مشابهة لـ التكوين2، حيث يُصنع آدم من الطين. ويعتبر هؤلاء البشر المصممين يدويًا هم أسلاف جميع البشر الأحياء اليوم. جنبا إلى جنب مع التسلسل الزمني لـ أوسهر، كانت النظرة التي تلقتها الثقافة الغربية حتى القرن الثامن عشر هي أن البشر كانوا قد خُلقوا قبل حوالي 6000 عام، عبر خلق إلهي خاص.

ويشغل البشر موقعًا متميزًا في اعتبارات الخلق. في المسيحية واليهودية وبعض خيوط الإسلام يتم خلق البشر على صورة الله، هناك على الأقل ثلاث طرق مختلفة يتم فيها فهم تحميل صورة الله للبشر(Cortez 2010): وفقا للإعتبارات الوظيفية، فإن البشر هم على صورة الله بحكم الأشياء التي يفعلونها، مثل السيطرة على الطبيعة. أما التوجه البنيوي فيؤكد على أن تلك الصورة تمثل الخصائص التي يمتلكها البشر بشكل فريد، مثل العقل. ويرى التفسير العلائقي هذه الصورة كعلاقة خاصة بين الله والإنسانية.

ويحتل البشر أيضًا مكانًا خاصًا في الخلق كنتيجة للنزول إلى الأرض. في سفر التكوين 3، تنص سردية السقوط إلى الأرض على أن أول زوجين إنسانين عاشا في جنة عدن في حالة من البراءة و/ أو الكمال. وبسبب تناولهم الفاكهة المحظورة من شجرة الخير والشر سقطوا من هذه الحالة، وأضيف كل من الموت، والعمل اليدوي، وكذلك الألم أثناء الولادة، إلى حياتهم. وعلاوة على ذلك، ونتيجة لما يسمى بـ “الخطيئة الأصلية”، يتم نقل آثار خطيئة آدم إلى كل إنسان؛ على سبيل المثال، لدى البشر ميل إلى الخطيئة.

وكذلك يؤكد التفسير الأوغسطيني للخطيئة الأصلية على الآثار التشويهيه لها على قدراتنا المنطقية (ما يسمى التأثيرات الوراثية للخطيئة). كنتيجة للخطيئة، اختلت قدرتنا الإدراكية الحسية والمنطقية. هذا التفسير مؤثر في الفلسفة التحليلية المعاصرة للدين، على سبيل المثال، يقول بلانتينجا Plantinga 2000)) أن الآثار الوراثية للخطيئة هي ما يشرح التنوع الديني وعدم الإيمان في نموذجه الأكويني/كالفيني الموسع، أي: لماذا لا يؤمن الجميع بالله على الرغم من أن هذا الاعتقاد جوهري بشكل صحيح؟

وبينما كان أوغسطين يعتقد أن الدولة السابقة لسقوط الإنسان كانت واحدة كاملة، ورأى إيرينيئوس Irenaeus(القرن الثاني) آدم وحواء قبل سقوط كأبرياء، مثل الأطفال الذين ما زالوا في طور النمو. واعتقد أغسطين أن السقوط أحبط ، لكنه لم يطمس، خطط الله للبشر للنمو روحيا بشكل تدريجي، وأن التجسد هو طريق الله للمساعدة في إصلاح هذا الضرر.

تأتي النتائج العلمية والنظريات ذات الصلة بالأصول البشرية من مجموعة من التخصصات، ولا سيما الجيولوجيا، وعلم الإنسان القديم (دراسة أجناس البشر المتوارثة، واستخدام الحفريات وغيرها من الأدلة)، وعلم الآثار، وعلم الأحياء التطوري. وتتحدى هذه النتائج الروايات الدينية التقليدية للبشرية، بما في ذلك الخلق الخاص، وخلق الله للإنسان على صورته، وتاريخ آدم وحواء، والخطيئة الأصلية.

في الفلسفة الطبيعية، سبقت إزاحة البشرية عن موضعها كأنواع مخلوقة بشكل خاص داروين، ويمكن العثور عليها بالفعل في المنشورات الإنتقالية (اللاماركية) المبكرة. على سبيل المثال، يتتبع بنوا دو ميلليت Benoît de Maillet، في الكتاب الذي نشر بعد وفاته، تيلياميد Telliamed1749 (العنوان هو اسمه في الاتجاه المعاكس) أصول البشر والحيوانات الأرضية الأخرى من المخلوقات البحرية. واقترح جان بابتيست لاماركJean-Baptiste Lamarckقردة الشمبانزي باعتبارها أسلافًا للإنسان في كتابه فلسفة الحيوانيات Philosophie Zoologique 1809)). ونشر المؤلف الجيولوجي والكاتب الجيولوجي روبرت تشامبرز Robert Chambers، مجهولاً، كتاب Vestiges of Creation)آثار الخلق 1844)، والذي أثار الجدل مع وصفه الطبيعاني المفصل لأصل الأنواع. حيث اقترح أن الكائنات الحية الأولى نشأت من خلال عملية تولّد تلقائي، وأن جميع الكائنات الحية اللاحقة تطورت منها. وجادل بأن البشر لديهم أصل تطوري واحد: “يمكن الآن افتراض أن الجنس البشري قد نشأ وانتشر من مخزون واحد، والذي كان في البداية في حالة من البساطة، إن لم يكن البربرية” (ص.305)، وهي وجهة نظر مختلفة تمامًا عن التفسير الأغسطيني للبشرية التي تواجدت في حالة الكمال في فترة قبل السقوط للأرض.

وكان داروين في البداية مترددًا في الكتابة عن أصول الإنسان. وفي حين أنه لم يناقش التطور البشري في كتاب “أصل الأنواع”، ولكنه قد وَعد: “سوف يتم إلقاء الضوء على أصل الإنسان وتاريخه” (1859: 487). كتب هكسلي (1863) أول كتاب عن التطور البشري من وجهة نظر داروينية، “مكان الإنسان في الطبيعة Man’s Place in Nature”، الذي ناقش الأدلة الأحفورية، مثل حفريات النياندرتال التي تم الكشف عنها في جبل طارق. وأشار داروين (1871) إلى أن إفريقيا هي المكان المحتمل الذي نشأ فيه البشر، واستخدم علم التشريح المقارن لإثبات أن الشمبانزي والغوريلا ترتبطان ارتباطًا وثيقًا بالبشر.

وفي القرن العشرين، ناقش علماء الإنسان القديم ما إذا كان البشر قد انفصلوا عن القردة العليا الأخرى (في ذلك الوقت تم تصنيفهم بالخطأً ضمن مجموعة شبه عرقية تسمى البُنجيدات) منذ فترة طويلة، قبل حوالي 15 مليون سنة، أو مؤخراً، منذ حوالي 5 ملايين سنة. أما الساعات الجزيئية – الاستجابات المناعية الأولى (على سبيل المثال ، Sarich and Wilson 1967)، ثم الأدلة الجينية المباشرة (على سبيل المثال ، Rieux et al. 2014) – فقد أدت إلى تفضيلزمن كرونولوجي أقصر.

وقدم اكتشاف العديد من أحافير الإنسان البدائي، بما في ذلك الأرديبيتيكوس Ardipithecus ramidus(منذ 4.4 مليون سنة)، والأوسترالوبيثيكوس Australopithecus afarensis(الملقب بـ “لوسي”)، قبل حوالي 3.5 مليون سنة، وأحافير سيما دي لوس هيوسوس (قبل حوالي 400،000 سنة، أسلاف للهنود النياندرتاليين)، والنياندرتال Homo neanderthalensis، والمثير للفضول إنسان فلوريس Homo floresiensis(البشر الصغار الذين عاشوا في جزيرة فلوريس بإندونيسيا، والذين يعود تاريخهم إلى 700،000 إلى 50،000 سنة مضت) صورة غنية ومعقدة لتطور أشباه البشر. وتُستكمل هذه الاكتشافات الآن بتحليل تفصيلي للحمض النووي القديم المستخرج من بقايا الأحافير، مما سلط الضوء على نوع آخر من الكائنات غير المعروفة من أشباه البشر (الدينيسوفان) الذي عاش في سيبيريا منذ حوالي 40000 سنة.

إذا أخذنا هذه الأدلة مجتمعةً، فإن هذا يشير إلى أن البشر لم يتطوروا بطريقة خطية بسيطة، ولكن التطور البشري يشبه شجرة متفرعة معقدة تحتوي على العديد من النهايات الميتة، بما يتماشى مع تطور الأنواع الأخرى. يؤيد الدليل الوراثي والأحفوري أصلًا حديثًا نسبيًا لأنواعنا، هومو سابينز Homo sapiens، في أفريقيا منذ حوالي 200000 عام (بعد اكتشاف أقدم حفرية لإنسان هومو سابينز المغرب أصبحت الآن 300000 سنة – المترجم)، مع بعض التزاوج مع النياندرتال والدينيسوفان (أقل من 5٪ من الحمض النووي) (انظر Stringer 2012للاطلاع على نظرة عامة).

في ضوء هذه النتائج العلمية، أعاد مؤلفو نطاق العلم والدين المعاصرون النظر في مسائل التفرد الإنساني وخلقه على صورة الله، والتجسد، وتاريخ الخطيئة الأصلية. حاول بعض المؤلفين إعادة تفسير تفرد الإنسان كعدد من التكيفات المعرفية والسلوكية الخاص بالنوع. على سبيل المثال، يعتبر فان هويسستين (van Huyssteen2006) أن قدرة البشر على الانخراط في السلوك الثقافي والرمزي، الذي أصبح سائدًا في العصر الحجري القديم الأعلى، كميزة رئيسية للسلوك البشري الفريد. اختار اللاهوتيين الآخرين أن يوسعوا مفهوم صورة الله في البشر. وبالنظر إلى ما نعرفه عن القدرات الأخلاقية والعقلية في الحيوانات غير البشرية، ترفض سيليا دين دروموند Celia Deane-Drummond(2012) وأوليفر بوتز (Oliver Putz2009) التمييز الوجودي بين البشر والحيوانات غير البشرية، وتدعو إلى إعادة التفكير في فكرة خلق الله للبشر على صورته لتشمل على الأقل بعض الحيوانات غير البشرية. أما جوشوا موريتز Joshua Moritz(2011) فيطرح سؤالًا حول ما إذا كانت أنواع الكائنات الحية المنقرضة، مثل النياندرتال وانسان فلوريس، والتي تعايشت مع الإنسان الحالي، هومو سابينز، في جزء ما من عصور ما قبل التاريخ، قد شاركت جزئًا من الصورة الإلهية.

وهناك أيضاً نقاش حول كيفة فهم التجسد (الاعتقاد بأن يسوع، الشخص الثاني للثالوث، أصبح متجسداً) بالأدلة التي لدينا عن التطور البشري. يفسر البعض طبيعة المسيح الإلهية بطريقة تحررية. على سبيل المثال، اعتبر بيكوك (Peacocke 1979) أن يسوع هو النقطة التي تكون فيها الإنسانية كاملة لأول مرة. وكان لـ تلار دو شاردان Teilhard de Chardin(1971) تفسير غائي وتقدمي للتطور، حيث اعتبر أن المسيح هو التقدم والتتويج للنهاية التي كان التطور يذهب نحوها (على الرغم من أن يسوع التاريخي عاش فقط منذ 2000 عام).

وفقا لتلار، الشر لا يزال مروعا ولكن لم يعد غير مفهوم، حيث أصبح سمة طبيعية للإبداع – بما أن الله اختار التطور كنمط للخلق، فالشر ينشأ كمنتج ثانوي حتمي. على أية حال، تشير دين-دروموند (Deane-Drummond2009) إلى أن هذا التفسير يثير إشكالية: عمِل تِلار ضمن نموذج التطور التقدمي السبنسري، واتخذ منهج المركزية البشرية anthropocentric، نظرًا لأن الإنسانية هي ذروة التطور. وقد أنكرت النظرية التطورية الحالية وجهة النظر التقدمية السبنسرية للحياة، وتمسكت بنموذج داروين أكثر صرامة.

أما دين دروموند، التي اعتبرت الأخلاق الإنسانية ليست إلا امتداد للسلوك الاجتماعي للحيوانات الأخرى، فتصورت السقوط كحدث أسطوري أو مجازي وليس حدثًا تاريخيًا، حيث يمثل هذا السقوط وعي الإنسانية الأعمق بالمخاوف الأخلاقية وقدرتها على اتخاذ خيارات خاطئة، واعتبرت دروموند المسيح كحكمة متجسدة، متموضعة في ثيودراما (دارما دينية) تجري في خلفية خلق متطور. كإنسان، يرتبط المسيح ببقية الخلق، كما نحن جميعا، من خلال السلف المشترك. وبحفظنا، ينقذ المسيح الخليقة كلها.

وتركزت النقاشات حول السقوط وآدم التاريخي على كيفية فهم هذه الروايات في ضوء العلم المعاصر. وفي ظاهر الأمر، يمكن تفسير حدود قدراتنا المعرفية بشكل طبيعاني كنتيجة للقيود البيولوجية، ما يترك القليل من القدرة على التفسير لسردية السقوط من السماء. حاول البعض تفسير مفاهيم الخطيئة والسقوط بطرق متوافقة مع علم الإنسان القديم. يقول بيتر فان انفاجن (Peter van Inwagen 2004)، على سبيل المثال، إن الله يمكن أن يكون قد تدخل لتوجيه التطور في أشباه الإنسان حتى يصل إلى مجتمع شديد الترابط من الرئيسيات، مُنح العقل واللغة والإرادة الحرة، وكان هذا المجتمع في ارتباط وثيق مع الله، ولكن في مرحلة ما من التاريخ أساء هؤلاء، بطريقة ما، استخدام إرادتهم الحرة لفصل أنفسهم عن الله. بالنسبة لفان إنفاجن، كان السقوط هو سقوط من الكمال، حسب تقليد أغسطينوس.

من ناحية أخرى، يرى جون شنايدر John Schneider(2014) أنه لا يوجد دليل وراثي أو بيولوجي في علم الإنسان القديم على وجود مثل هذا المجتمع من الكائنات الخارقة. وتفضل هيلين دي كروز Helen De Cruzويوهان دي سميت Johan De Smedt(2013) تفسيرًا إيرينيئوسيًا، وليس تفسيرًا أوغسطينيًا، لسردية السقوط، والذي لا ينطوي على وجود آدم تاريخي، ويشدد على البراءة الأصلية للحالة التي كان البشر عليها قبل أن يخطئوا.

4. التوجهات المستقبلية لنطاق “العلم والدين”

سوف ينظر هذا القسم الأخير في نموذجي عمل ضمن نطاق “العلم والدين” البحثي حظيا بالاهتمام في الأدبيات الحديثة ، وربما سيكونان ذواتا أهمية في السنوات القادمة، وهما: الأخلاقيات التطورية وآثار العلوم الإدراكية للدين. تشمل المجالات الأخرى ذات الأهمية المتزايدة: الأكوان المتعددة، والوعي، والذكاء الاصطناعي، وما بعد الإنسانية.

4.1 الخلاقيات التطورية

حتى قبل أن يصيغ داروين نظريته عن الانتقاء الطبيعي، فإن المؤلفين الفيكتوريين قد أنزعجوا من تداعيات نظرية التطور على الأخلاق والدين. وكان الجيولوجي آدم سيدجويك Adam Sedgwick(1845/1890: 84) قلقاً من أنه إذا كانت النظرية الإنتقالية (اللاماركية) لآثار الخلق (Chambers 1844) صحيحة، فإن ذلك يعني أن “الدين كذبة. فالقانون الإنساني هو كتلة من الحماقة، والظلم الجوهري؛ الأخلاق إذن هي لغو”. جادل المنظّرون التطوريون منذ داروين (1871) بأن الأخلاق البشرية هي امتداد للسلوكيات الاجتماعية في عالم الحيوانات، وأنه يمكننا تفسير المشاعر الأخلاقية كنتيجة للانتقاء الطبيعي. جادل مايكل روس (مثل Ruse and Wilson 1986) بأن إيماننا أن الأخلاق موضوعية (واقعية أخلاقية) هو وهم يساعدنا على التعاون بشكل أفضل.

ويجادل علماء الأخلاق التطوريون المعاصرون بأن قدرتنا على إصدار الأحكام الأخلاقية، والتي عرفتها جويس (Joyce2006) بـ “الحس الأخلاقي”، هي نتيجة الانتقاء الطبيعي. هذه القدرة الأخلاقية لها جذورتطورية في قدرة الحيوانات غير البشرية على التعاطف والتعاون والتوفيق والمشاركة في اللعب النظيف (على سبيل المثال، de Waal  2009). ويجادل بعض الفلاسفة (على سبيل المثال، Street 2006, Joyce 2006) بأن تطور الحس الأخلاقي يقوض الموضوعية المفترضه في الأخلاق، أي المعايير الأخلاقية المستقلة عن العقل، حيث بما أننا نستطيع تفسير المعتقدات والسلوكيات الأخلاقية كنتيجة لعواقب التكيفات الجسدية طويلة المدى، فإننا لا نحتاج إلى استخدام الواقعية الأخلاقية كآداة تفسير.

ويتساءل البعض عما إذا كانت التحديات التطورية للمعتقدات الأخلاقية تنطبق بطريقة مماثلة على المعتقدات الدينية (انظر  Bergmann and Kain2014، وخاصة الجزء الثالث). وقد تسائل آخرون ما إذا كانت الأخلاق التطورية تجعل الرجوع إلى الله في الأمور الأخلاقية زائدًا عن الحاجة. لقد جادل جون هير (John Hare 2004)، على سبيل المثال، بأن هذا ليس هو الحال، لأن الأخلاق التطورية يمكن أن تفسر فقط سبب قيامنا بأشياء تفيدنا كهدف نهائي(هدف الحفاظ على النوع عبر تمرير الجينات – المترجم)، حتى ولو بشكل غير مباشر (على سبيل المثال، من خلال آليات اصطفاء القرابةوالإيثار المتبادل).

وفقاً لهير (2004)، فإن الأخلاق التطورية لا تفسر إحساسنا بالالتزام الأخلاقي الذي يتعدى المصلحة الذاتية البيولوجية، حيث تتنبأ النظرية التطورية بأننا سنقوم دائمًا بتفضيل المصلحة الذاتية البيولوجية على الالتزامات الأخلاقية. لذلك، تقدم الإلوهية تفسيرا أكثر تناسقا للسبب الذي يجعلنا نشعر بأن علينا اتّباع الالتزامات الأخلاقية. ومن المثير للاهتمام أن علماء اللاهوت والعلماء التجريبيين قد بدأوا في التعاون ضمن مجال الأخلاقيات التطورية. على سبيل المثال، تعاونت اللاهوتية سارة كاكلي Sarah Coakleyمع عالم الرياضيات وعلم الأحياء مارتن نواك Martin Nowakلفهم الإيثار ونظرية اللعبة في سياق لاهوتي وعلمي أوسع (Nowak and Coakley 2013).

4.2 أثر العلوم المعرفية للدين على عقلانية المعتقدات الدينية

يدرس العلم الإدراكي للدين الأسس الإدراكية للمعتقدات الدينية. وقد درس العمل الأخير في مجال العلم والدين آثار هذا البحث لتبرير المعتقدات الدينية. ويقترح دي كروز ودي سمدت (De Smedt De Cruz2015) أن الحجج القائمة في علم اللاهوت الطبيعي تتأثر أيضًا بالتطورات في العلوم الإدراكية. على سبيل المثال، قد تستمد حجة التصميم جاذبيتها البديهية من نزوع قد تطوَّر في وقت مبكر لدى البشر يبحث عن الغرض والتصميم في الأشياء الموجودة في بيئتهم، وهذا بالطبع يعقّد المشاريع اللاهوتية الطبيعية التي تعتمد على التمييز بين أصول المعتقد الديني، وتبريره من خلال الحجج المنطقية.

أما كل من كلّي كلارك Kelly Clarkوجاستين باريت Justin L. Barrett(2011) فيجادلان بأن العلم الإدراكي للدين يقدِّم امكانية لصحةدفاع توماس ريد عن المعتقد الديني من الناحية التجريبية، وكان توماس ريد Thomas Reid(1764) قد اقترح أنه يمكن تبرير المعتقدات التي تنشأ بشكل عفوي غير استنتاجي، حيث إذا كان العلماء الإدراكيون محقين في اقتراح أن الإيمان بالله ينشأ بشكل طبيعي من أساليب عمل عقولنا، فالإيمان بالله إذن مبرر بشكل ظاهر (Clark and Barrett 2011). ومع ذلك، يجادل ريان نيكولز Ryan Nichols  وروبرت كاليجارد Robert Callergård(2011) بأن هذا الدفاع لا يعمل إلا على الجوانب الحسية والذاكرة والاعتماد على المشاهدات، وليس على مزيج الثقافة والقواعد التطورية التي تشكل الديانات. ويزعم آخرون (مثل Visala 2011) أن العلم الإدراكي للدين ليس له آثار ابستمولوجية إيجابية أو سلبية.

ويجادل جون ويلكنز John Wilkins وبول غريفيث Paul Griffiths(2013) بأن الأصول التطوريةللمعتقدات الدينية يمكن تمثل حجة كشفلزيف الاعتقاد الديني، والتي يصوغاها على غرار جاي كاهاني Guy Kahane(2011):

الفرضية السببية: اعتقاد Sأن pتسببها العملية التطورية X

الفرضية المعرفية: العملية التطورية Xلا تتبع حقائق فرضيات كـ p

الاستنتاج: لذلك، إعتقادSبـ pغير مبرر.

ويرى ويلكنز وغريفيث (2013) أنه يمكن مقاومة الفرضية الأبستمولوجية في بعض الأحيان: فالعمليات التطورية تتعقب الحقيقة، على سبيل المثال، في حالة المعتقدات البديهية، وبالتالي المعتقدات العلمية. ومع ذلك، فإنهما يعتقدان أن هذه الخطوة لا تنجح في المعتقدات الدينية والأخلاقية، حيث لا يُفترض أنها نتيجة عمليات إدراكية تتتبع الحقيقة. ويعتقد بعض المؤلفين (على سبيل المثال، McCauley 2011) أن هناك فرقًا كبيرًا بين العمليات الإدراكية التي ينطوي عليها كل من العلم والدين، لكن يجب القيام بعمل تجريبي أكثر في هذا الصعيد للتأكد.


الأعمال المستشهد بها في المقالة

  • Al-Ghazālī, 11th century, Tahāfut al-falāsifa, translated by Sabih Ahmad Kamali as The Incoherence of the Philosophers, Lahore: Pakistan Philosophical Congress, 1963.
  • Allport, Gordon W. and J. Michael Ross, 1967, “Personal Religious Orientation and Prejudice”, Journal of Personality and Social Psychology, 5: 432–443.
  • Alston, William P., 1989, “God’s Action in the World”, in Divine Nature and Human Language: Essays in Philosophical Theology, Ithaca, NY: Cornell, 197–222.
  • Anonymous (Robert Chambers), 1844, The Vestiges of Creation, London: John Churchill.
  • Augustine, 416 [2002], “The Literal Meaning of Genesis”, in On Genesis, J.E. Rotelle (ed.), E. Hill and M. O’Connell (trans.), New York: New York City Press, pp. 155–506.
  • Aurobindo Ghose, 1914–18 [2005], The Life Divine, Pondicherry: Sri Aurobindo Ashram Press.
  • Barbour, Ian, 1966, Issues in Science and Religion, New York: Vantage.
  • –––, 2000, When Science Meets Religion: Enemies, Strangers, or Partners?, New York: HarperCollins.
  • Barrett, Justin L., 2004, Why Would Anyone Believe in God?, Lanham, MD: Altamira Press.
  • Bergmann, Michael, and Patrick Kain (eds.), 2014, Challenges to Moral and Religious Belief: Disagreement and Evolution, Oxford: Oxford University Press.
  • Bering, Jesse M., 2011, The God Instinct. The Psychology of Souls, Destiny and the Meaning of Life, London: Nicholas Brealy.
  • Bloom, Paul, 2007, “Religion is Natural”, Developmental Science, 10: 147–151.
  • Bowler, Peter J., 2001, Reconciling Science and Religion: The Debate in Early-Twentieth-Century Britain, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 2009, Monkey Trials and Gorilla Sermons: Evolution and Christianity from Darwin to Intelligent Design, Harvard: Harvard University Press.
  • Boyer, Pascal, 2002, Religion Explained: The Evolutionary Origins of Religious Thought, London: Vintage.
  • Brooke, John Hedley, 1991, Science and Religion: Some Historical Perspectives, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Brooke, John Hedley and Ronald L. Numbers (eds.), 2011, Science and Religion Around the World, Oxford: Oxford University Press.
  • Brown, C. Mackenzie, 2007, “Colonial and Post-Colonial Elaborations of Avataric Evolutionism”, Zygon: Journal of Religion and Science, 42: 715–746.
  • –––, 2008, “The Design Argument in Classical Hindu Thought”, Journal of Hindu Studies, 12: 103–151.
  • –––, 2012, Hindu Perspectives on Evolution: Darwin, Dharma, and Design, London: Routledge.
  • Brown, Malcolm, 2008, “Good Religion Needs Good science”, Church of England, [available online].
  • Cantor, Geoffrey and Chris Kenny, 2001, “Barbour’s Fourfold Way: Problems with his Taxonomy of Science-Religion Relationships”, Zygon: Journal of Religion and Science, 36: 765–781.
  • Carroll, William, 2008, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature”, Heythrop Journal, 49: 582–602.
  • Clark, Kelly, J., 2014, Religion and the Sciences of Origins. Historical and Contemporary Perspectives, New York: Palgrave MacMillan.
  • Clark, Kelly J. and Justin L. Barrett, 2011, “Reidian Religious Epistemology and the Cognitive Science of Religion”, Journal of the American Academy of Religion, 79: 639–675.
  • Collins, Francis, 2006, The Language of God: A Scientist Presents Evidence for Belief, New York: Free Press.
  • Collins, Robin, 2009, “The Teleological Argument: An Exploration of the Fine-Tuning of the Universe”, in The Blackwell Companion to Natural Theology, William Lane Craig and J.P. Moreland (eds.), Oxford: Blackwell, pp. 202–281.
  • Comte, Auguste, 1841, Cours de Philosophie Positive: La Partie Historique de la Philosophie Sociale en Tout ce Qui Concerne l’État Théologique et l’État Métaphysique(vol. 5), Paris: Bachelier.
  • Conway Morris, Simon, 2003, Life’s Solution: Inevitable Humans in a Lonely Universe, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Corey, Michael A., 1994, Back to Darwin: The Scientific Case for Deistic Evolution, Lanham, MA: University Press of America.
  • Cortez, Marc, 2010, Theological Anthropology: A Guide for the Perplexed, London: Continuum.
  • Craig, William Lane, 2003, “The cosmological argument”, in The Rationality of Theism, Paul Copan and Paul K. Moser (eds.), London: Routledge, pp. 112–131.
  • Dajani, Rana, 2015, “Why I Teach Evolution to Muslim Students”, Nature, 520: 409.
  • Darwin, Charles, 1859, On the Origin of Species by Means of Natural Selection or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life, London: John Murray.
  • –––, 1871, The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex, London: John Murray.
  • Dawes, Gregory, 2016, Galileo and the Conflict between Religion and Science, London & New York: Routledge.
  • Deane-Drummond, Celia, 2009, Christ and Evolution: Wonder and Wisdom, Minneapolis: Fortress Press.
  • –––, 2012, “God’s Image and Likeness in Humans and Other Animals: Performative Soul-making and Graced Nature”, Zygon: Journal of Religion and Science, 47: 934–948.
  • De Cruz, Helen and Johan De Smedt, 2013, “Reformed and Evolutionary Epistemology, and the Noetic Effects of Sin”, International Journal for Philosophy of Religion, 74: 49–66.
  • –––, 2015, A Natural History of Natural Theology. The Cognitive Science of Theology and Philosophy of Religion, Cambridge, MA: MIT Press.
  • de Fontenelle, Bernard, 1724 [1824], “De l’Origine des Fables”, in Oeuvres de Fontenelle, Paris: J. Pinard, pp. 294–310.
  • De Maillet, Benoît, 1749, Telliamed, ou Entretiens d’un Philosophe Indien avec un Missionaire François, sur la Diminution de la Mer, la Formation de la Terre, l’Origine de l’Homme, etc., Basel.
  • Dembski, William A., 1998, The Design Inference: Eliminating Chance through Small Probabilities, Cambridge: Cambridge University Press.
  • de Waal, Frans, 2009, The Age of Empathy: Nature’s Lessons for a Kinder Society, New York, NY: Random House.
  • Dhanani, Alnoor, 2002, “Islam”, in Science and Religion: A Historical Introduction, Gary B. Fengren (ed.), Baltimore and London: Johns Hopkins University Press, pp. 73–92.
  • Draper, John, 1874, History of the Conflict between Science and Religion, New York: Appleton.
  • Draper, Paul, 2005 “God, Science, and Naturalism”, in The Oxford Handbook of Philosophy of Religion, William Wainwright (ed.), Oxford: Oxford University Press, pp. 272–303.
  • Durkheim, Émile, 1915, The Elementary Forms of the Religious Life: A Study in Religious Sociology(translated by J.W. Swain), London: Allen & Unwin.
  • Ecklund, Elaine H., 2010, Science vs Religion: What Scientists Really Think, Oxford: Oxford University Press.
  • Ecklund, Elaine H. and Christopher P. Scheitle, 2007, “Religion among Academic Scientists: Distinctions, Disciplines, and Demographics”, Social Problems, 54: 289–307.
  • Edis, Taner, 2007, An Illusion of Harmony: Science and Religion in Islam, Amherst, NY: Prometheus Books.
  • Evans-Pritchard, Edward Evan, 1937 [1965], Witchcraft, Oracles and Magic among the Azande, Oxford: Clarendon Press.
  • Forrest, Barbara, 2000, “Methodological Naturalism and Philosophical Naturalism”, Philo, 3: 7–29.
  • Forrest, Barbara and Paul R. Gross, 2004, Creationism’s Trojan Horse: The Wedge of Intelligent Design, Oxford: Oxford University Press.
  • Freud, Sigmund, 1927, Die Zukunft einer Illusion, Leipzig, Wien & Zürich: Internationaler Psychoanalytischer Verlag.
  • Garwood, Christine, 2008, Flat Earth: The History of an Infamous Idea, London: Pan Macmillan.
  • Gervais, Will M. and Ara Norenzayan, 2012, “Analytic Thinking Promotes Religious Disbelief”, Science, 336: 493–496.
  • Gould, Stephen J., 1989, Wonderful Life: The Burgess Shale and the Nature of History, London: Penguin.
  • –––, 2001, “Nonoverlapping Magisteria”, in Intelligent Design Creationism and Its Critics, Robert T. Pennock (ed.), Cambridge, Ma.: MIT Press, pp. 737–749.
  • Grant, Edward, 1996, The Foundations of Modern Science in the Middle Ages: Their Religious, Institutional, and Intellectual Contexts, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Griffel, Frank, 2009, Al-Ghazālī’s Philosophical Theology, Oxford: Oxford University Press.
  • Gross, Neil and Solon Simmons, 2009, “The Religiosity of American College and University Professors”, Sociology of Religion, 70: 101–129.
  • Guessom, Nidhal, 2009, Islam’s Quantum Question: Reconciling Muslim Tradition and Modern Science, London and New York: Tauris.
  • Hackett, Conrad, 2015, “By 2050, India to Have World’s Largest Populations of Hindus and Muslims”, Pew Research Center, [available online].
  • Hameed, Salman, 2008, “Bracing for Islamic Creationism”, Science, 322: 1637–1638.
  • Hare, John, 2004, “Is There an Evolutionary Foundation for Human Morality?”, in Evolution and Ethics: Human Morality in Biological and Religious Perspective, Philip Clayton and Jeffrey Schloss (eds.), Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans, pp. 187–203.
  • Harris, Mark, 2013, The Nature of Creation. Examining the Bible and Science, Durham: Acumen.
  • Harris, Paul L., Elisabeth S. Pasquini, Suzanne Duke, Jessica J. Asscher, and Francisco Pons, 2006, “Germs and Angels: The Role of Testimony in Young Children’s Ontology”, Developmental Science, 9: 76–96.
  • Harrison, Peter, 1998, The Bible, Protestantism, and the Rise of Natural Science, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2009, The Fall of Man and the Foundations of Science, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2015, The Territories of Science and Religion, Chicago: University of Chicago Press.
  • Haught, John F., 1995, Science & Religion: From Conflict to Conversation, New York: Paulist Press.
  • –––, 2000, God after Darwin: A Theology of Evolution, Boulder, CO: Westview Press.
  • Hooykaas, Reijer, 1972, Religion and the Rise of Modern Science, Edinburgh: Scottish Academic Press.
  • Hudson, Hud, 2013, “Best Possible World Theodicy” in The Blackwell Companion to the Problem of Evil, Justin McBrayer and Daniel Howard-Snyder (eds.), Oxford: Wiley Blackwell, pp. 236–250.
  • Huff, Toby, 2003, The Rise of Early Modern Science: Islam, China and the West(second edition), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hume, David, 1748, Philosophical Essays Concerning Human Understanding, London: A. Millar.
  • –––, 1757 [2007], “The Natural History of Religion”, in A Dissertation on the Passions: The Natural History of Religion. A Critical Edition, T.L. Beauchamp (ed.), Oxford: Clarendon Press, pp. 30–87.
  • Huxley, Thomas H., 1863, Evidences as to Man’s Place in Nature, London: Williams and Norgate.
  • Jaeger, Lydia, 2012a, “Against Physicalism Plus God: How Creation Accounts for Divine Action in Nature’s World”, Faith and Philosophy, 29: 295–312.
  • –––, 2012b, What the Heavens Declare: Science in the Light of Creation, Eugene, OR: Wipf and Stock.
  • James, William, 1902, The Varieties of Religious Experience: A Study in Human Nature, New York: Longmans, Green.
  • John Paul II, 1996, “Truth Cannot Contradict Truth”, Address of Pope John Paul II to the Pontifical Academy of Sciences (October 22, 1996).
  • Johnson, Elisabeth A., 1996, “Does God Play Dice? Divine Providence and Chance”, Theological Studies, 57: 3–18.
  • Joseph, George Gheverghese, 2000, The Crest of the Peacock: Non-European Roots of Mathematics(2nd edition), Princeton: Princeton University Press.
  • Joyce, Richard, 2006, The Evolution of Morality, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Kahane, Guy, 2011, “Evolutionary Debunking Arguments”, Noûs, 45: 103–125.
  • Kojonen, Erkki Vesa, 2016, The Intelligent Design Debate and the Temptation of Scientism, London and New York: Routledge.
  • Lamarck, Jean-Baptiste, 1809, Philosophie Zoologique, ou Exposition des Considérations Relatives à l’Histoire Naturelle des Animaux, Paris: Museum d’Histoire Naturelle (Jardin des Plantes).
  • Lamoureux, Denis O., 2008, Evolutionary Creation. A Christian Approach to Evolution, Cambridge: Lutterworth Press.
  • Larson, Edward and Larry Witham, 1998, “Leading Scientists Still Reject God”, Nature, 394: 313.
  • Legare, Cristine H., E. Margaret Evans, Karl S. Rosengren, and Paul L. Harris, 2012, “The Coexistence of Natural and Supernatural Explanations across Cultures and Development”, Child Development, 83: 779–793.
  • Lemaître, Georges, 1927, “Un Univers Homogène de Masse Constante et de Rayon Croissant, Rendant Compte de la Vitesse Radiale des Nébuleuses Extra-Galactiques”, Annales de la Société Scientifique de Bruxelles A, 47: 49–59.
  • Louth, Andrew, 1996, Maximus the Confessor, London and New York: Routledge.
  • Malinowski, Bronislaw, 1925 [1992], Magic, Science, and Religion and Other Essays, Prospect Heights, IL: Waveland Press.
  • Masci, David and Gregory A. Smith, 2016, “Is God Dead? No, but Belief has Declined Slightly”, Pew Research Center report, [available online].
  • McCauley, Robert N., 2011, Why Religion is Natural and Science is Not, Oxford: Oxford University Press.
  • McGrath, Alister E., 2011, Darwinism and the Divine: Evolutionary Thought and Natural Theology, Malden, MA: Wiley-Blackwell.
  • –––, 2016, Re-Imagining Nature: The Promise of a Christian Natural Theology, Oxford: Wiley-Blackwell.
  • Mernissi, Fatima, 1992, Islam and Democracy: Fear of the Modern World(trans. Mary Jo Lakeland), Reading, MA: Addison-Wesley.
  • Miller, Kenneth R., 1999 [2007], Finding Darwin’s God: A Scientist’s Search for Common Ground between God and Evolution, New York: Harper.
  • Moritz, Joshua M., 2011, “Evolution, the End of Human Uniqueness, and the Election of the Imago Dei”, Theology and Science, 9: 307–339.
  • Murphy, Nancey, 1995, “Divine Action in the Natural Order: Buridan’s Ass and Schrödinger’s Cat”, in Chaos and Complexity: Scientific Perspectives on Divine Action (Volume 2), Robert J. Russell, Nancey Murphy, and Arthur Peacocke (eds.), Berkeley, CA: Vatican Observatory Publications; Center for Theology and the Natural Sciences, pp. 325–358.
  • Nichols, Ryan and Callergård, Robert, 2011, “Thomas Reid on Reidian Religious Belief Forming Faculties”, The Modern Schoolman, 88: 317–335.
  • Norenzayan, Ara, 2013, Big Gods: How Religion Transformed Cooperation and Conflict, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • Nowak, Martin A. and Sarah Coakley (eds.), 2013, Evolution, Games and God: The Principle of Cooperation, Cambridge, Ma: Harvard University Press.
  • Outler, Albert C., 1985, “The Wesleyan Quadrilateral—in John Wesley”, Wesleyan Theological Journal, 20: 7–18.
  • Paley, William, 1802 [2006], Natural Theology, Eddy and D. Knight (eds.), Oxford: Oxford University Press.
  • Pannenberg, Wolfhart, 2002, “The Concept of Miracle”, Zygon: Journal of Religion and Science, 37: 759–762.
  • Peacocke, Arthur, 1979, Creation and the World of Science, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 1984, Intimations of Reality: Critical Realism in Science and Religion, Greencastle: DePauw University.
  • Pennock, Robert T., 1998, “The Prospects for a Theistic Science”, Perspectives on Science and Christian Faith, 50: 205–209.
  • Peters, Ted and Martinez Hewlett, 2003, Evolution from Creation to New Creation: Conflict, Conversation, and Convergence, Nashville, TN: Abingdon Press.
  • Pfizenmaier, Thomas C., 1997, “Was Isaac Newton an Arian?”, Journal of the History of Ideas, 58: 57–80.
  • Philipse, Herman, 2012, God in the Age of Science? A Critique of Religious Reason, Oxford: Oxford University Press.
  • Pitts, J.B., 2008, “Why the Big Bang Singularity Does not Help the Kalām Cosmological Argument for Theism”, British Journal for the Philosophy of Science, 59:675–708.
  • Plantinga, Alvin, 2000, Warranted Christian Belief, New York: Oxford University Press.
  • –––, 2011, Where the Conflict Really Lies. Science, Religion, and Naturalism, New York: Oxford University Press.
  • Polkinghorne, John, 1998, Science and Theology: An Introduction, Minneapolis: Fortress Press.
  • Popper, Karl, 1959, The Logic of Scientific Discovery, New York: Hutchinson.
  • Putz, Oliver, 2009, “Moral Apes, Human Uniqueness, and the Image of God”, Zygon: Journal of Religion and Science, 44: 613–624.
  • Reid, Thomas, 1764, An Inquiry into the Human Mind, on the Principles of Common Sense, Edinburgh: Millar, Kincaid & Bell.
  • Rieux, Adrien, Anders Eriksson, Mingkun Li, Benjamin Sobkowiak, Lucy A. Weinert, Vera Warmuth, Andres Ruiz-Linares, Andrea Manica, and François Balloux, 2014, “Improved Calibration of the Human Mitochondrial Clock Using Ancient Genomes”, Molecular Biology and Evolution, 31: 2780–2792.
  • Rios, Kimberly, Zhen H. Cheng, Rebecca R. Totton, and Azim F. Shariff, 2015, “Negative Stereotypes Cause Christians to Underperform in and Disidentify With Science”, Social Psychological and Personality Science, 6: 959–967.
  • Rosenberg, Alex, 2014, “Disenchanted Naturalism” in Contemporary Philosophical Naturalism and its Implications, Bana Bashour and Hans D. Muller (eds.), London and New York: Routledge, pp. 17–36.
  • Ruse, Michael and E.O. Wilson, 1986, “Moral Philosophy as Applied Science”, Philosophy, 61: 173–192.
  • Russell, Robert, 2006, “Quantum Physics and the Theology of Non-Interventionist Objective Divine Action”, in The Oxford Handbook of Religion and Science, Philip Clayton and Zachary Simpson (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 579–595.
  • Russell, Robert J., Nancey Murphy, Christopher J. Isham (eds.), 1993, Quantum Cosmology and the Laws of Nature(Scientific Perspectives on Divine Action: Volume 1), Berkeley, CA: Vatican Observatory Publications; Center for Theology and the Natural Sciences.
  • Russell, Robert J., Nancey Murphy, and Arthur R. Peacocke (eds.), 1995, Chaos and Complexity(Scientific Perspectives on Divine Action: Volume 2), Berkeley, CA: Vatican Observatory Publications; Center for Theology and the Natural Sciences.
  • Russell, Robert J., William R. Stoeger, S.J., Francisco J. Ayala (eds.), 1998, Evolutionary and Molecular Biology(Scientific Perspectives on Divine Actions: Volume 3), Berkeley, CA: Vatican Observatory Publications; Center for Theology and the Natural Sciences.
  • Russell, Robert J., Nancey Murphy, Theo C. Meyering, Michael A. Arbib (eds.), 2000, Neuroscience and the Person(Scientific Perspectives on Divine Action: Volume 4), Berkeley, CA: Vatican Observatory Publications; Center for Theology and the Natural Sciences.
  • Russell, Robert J., Philip Clayton, Kirk Wegter-McNelly, John Polkinghorne (eds.), 2001, Quantum Mechanics(Scientific Perspectives on Divine Action: Volume 5), Berkeley, CA: Vatican Observatory Publications; Center for Theology and the Natural Sciences.
  • Russell, Robert, Nancey Murphy, and William Stoeger, S.J. (eds.), 2008, Scientific Perspectives on Divine Action. Twenty Years of Challenge and Progress, Berkeley, CA: Vatican Observatory Publications; Center for Theology and the Natural Sciences.
  • Sarich, V.M. and A.C. Wilson, 1967, “Immunological Time Scale for Hominid Evolution”, Science, 158: 1200–1203.
  • Saunders, Nicholas, 2002, Divine Action and Modern Science, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Schliesser, Eric, 2012, “Newton and Spinoza: On Motion and Matter (and God, of Course)”, Southern Journal of Philosophy, 50: 436–458.
  • Schneider, John, 2014, “The Fall of ‘Augustinian Adam’: Original Fragility and Supralapsarian Purpose”, Zygon: Journal of Religion and Science, 47: 949–969.
  • Sedgwick, Adam, 1845 [1890], “Letter to Charles Lyell, April 9, 1845”, in The Life and Letters of the Reverend Adam Sedgwick, John Willis Clark and Thomas McKenny Hughes (eds.), Cambridge, UK: Cambridge University Press, pp. 83–85.
  • Sollereder, Bethany, 2015, “A Modest Objection: Neo-Thomism and God as a Cause Among Causes”, Theology and Science, 13: 345–353.
  • Southgate, Christopher, 2008, The Groaning of Creation. God, Evolution and the Problem of Evil, Louisville: Westminster John Knox Press.
  • Stark, Rodney, 1999, “Atheism, Faith, and the Social Scientific Study of Religion”, Journal of Contemporary Religion, 14: 41–61.
  • –––, 2004, For the Glory of God: How Monotheism Led to Reformations, Science, Witch-Hunts, and the End of Slavery, Princeton: Princeton University Press.
  • Stenmark, Mikael, 2004, How to Relate Science and Religion: A Multidimensional Model, Grand Rapids, MI: Eerdmans.
  • Street, Sharon, 2006, “A Darwinian Dilemma for Realist Theories of Value”, Philosophical Studies, 127: 109–166.
  • Stringer, Chris, 2012, “Evolution: What Makes a Modern Human”, Nature, 485: 33–35.
  • Subbarayappa, B.V., 2011, “Indic Religions” in Science and Religion around the World, John Hedley Brooke and Ron Numbers (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 195–209.
  • Swinburne, Richard, 1968, “Miracles”, Philosophical Quarterly, 18: 320–328.
  • Tanzella-Nitti, Giuseppe, 2005, “The Two Books Prior to the Scientific Revolution”, Perspectives on Science and Christian Faith, 57: 225–248.
  • Taylor, C.A., 1996. Defining Science: A Rhetoric of Demarcation, Madison, WI: University of Wisconsin Press.
  • Teilhard de Chardin, Pierre, 1971, “Christology and Evolution” in Christianity and Evolution(translated by R. Hague), San Diego: Harcourt, pp. 76–95.
  • Torrance, Thomas F., 1969, Theological Science, London: Oxford University Press.
  • Tylor, Edward Burnett, 1871, Primitive Culture: Researches into the Development of Mythology, Philosophy, Religion, Language, Art, and Custom, London: John Murray.
  • van Huyssteen, J. Wentzel, 1998, Duet or Duel? Theology and Science in a Postmodern World, London: SCM Press.
  • –––, 1999, The Shaping of Rationality: Towards Interdisciplinary in Theology and Science, Grand Rapids, MI: Eerdmans.
  • –––, 2006, Alone in the World? Human Uniqueness in Science and Theology, Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht.
  • van Inwagen, Peter, 2004, “The Argument from Evil”, in Christian Faith and the Problem of Evil, Peter van Inwagen (ed.), Grand Rapids: Eerdmans, pp. 55–73.
  • Visala, Aku, 2011, Naturalism, Theism, and the Cognitive Study of Religion: Religion Explained?, Farnham: Ashgate.
  • Vivekananda, Swami, 1904, “The Vedanta for the World”, in Aspects of the Vedanta, Madras: Natesan & Co, pp. 124–160.
  • Whewell, William, 1834, “On the Connexion of the Physical Sciences. By Mrs. Somerville”, Quarterly Review, 51: 54–68.
  • White, Andrew Dickinson, 1896, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom, New York: Appleton.
  • Wildman, Wesley, 2008, “The Divine Action Project, 1988–2003”, in Scientific Perspectives on Divine Action: Twenty Years of Challenge and Progress, Robert Russell, Nancey Murphy, and William Stoeger (eds.), Berkeley, CA: Vatican Observatory Publications; Center for Theology and the Natural Sciences, pp. 133–176.
  • Wilkins, John S. and Paul E. Griffiths, 2013, “Evolutionary Debunking Arguments in Three Domains: Fact, Value, and Religion”, in A New Science of Religion, G.W. Dawes and J. Maclaurin (eds.), New York: Routledge, pp. 133–146.
  • Worrall, John, 2004, “Science Discredits Religion”, in Contemporary Debates in Philosophy of Religion, Michael L. Peterson and Raymond J. VanArragon (eds.), Malden, MA: Blackwell, pp. 59–72.
  • Yancey, George, 2012, “Recalibrating Academic Bias”, Academic Questions, 25: 267–278.

أعمال أخرى هامة

  • Clayton, Philip and Zachary Simpson (eds.), 2006, The Oxford Handbook of Religion and Science, Oxford: Oxford University Press.
  • Dixon, Thomas, Geoffrey Cantor, and Stephen Pumfrey (eds.), 2010, Science and Religion: New Historical Perspectives, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Harrison, Peter (ed.), 2010, The Cambridge Companion to Science and Religion, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Stump, Eleonore and Alan G. Padgett (eds.), 2012, The Blackwell Companion to Science and Christianity, Malden, MA: Blackwell.

أدوات أكاديمية

sep man icon How to cite this entry.
sep man icon Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
inpho icon Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project(InPhO).
phil papers icon Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

Acknowledgments

Many thanks to Katherine Dormandy, Kelly James Clark, Isaac Choi, Egil Asprem, Johan De Smedt, Taede Smedes, H.E. Baber, Fabio Gironi, Erkki Kojonen, Andreas Reif, Raphael Neelamkavil, Hans Van Eyghen, Nicholas Joll, for their feedback on an earlier version of this manuscript. This research was supported by a small book and research grant of the Special Divine Action Project, specialdivineaction.org.

error: