الآن، أنت تراها – دانيال يون/ ترجمة: عبدالرحمن قنديل/ مراجعة: ياسمين الملق

الآن، أنت تراها – دانيال يون/ ترجمة: عبدالرحمن قنديل/ مراجعة: ياسمين الملق

روى لنا كتاب الأيام 1864، بقلم المؤلف الاسكوتلندي “روبرت تشامبر” عن إحدى القضايا القانونية الغريبة، ففي عام 1457 في بلدة تدعى “لافيجي”، اُتهمت انثى خنزير وصغارها بقتل طفل صغير تم أكله جزئياً، وبعد مشاورات عديدة حكمت المحكمة على انثى الخنزير بالموت جراء مشاركتها في الجريمة، وتمت تبرئة باقي الخنازير الساذجة، الذين اُعتبروا صغاراً جداً على أن يدركوا خطورة جريمتهم.

إن إخضاع خنزير لمحاكمة جنائية يبدو وكأنه سلوك خاطئ في الوقت الحاضر، بما أن أغلبنا يرى أن البشر لديهم وعيٌ بالأفعال والنتائج التي تميزنا عن الحيوانات.
ففي حين أن خنزير رعيٍ قد لا يدرك ما الذي يأكله، إلا أن البشر بلا ريب على دراية بتصرفاتهم وحذرين لعواقبها الواضحة، لكن، طالما أن هوياتنا ومجتمعاتنا قائمة على هذه الفرضية من الفهم والنظر، فإن علم النفس والعلوم العصبية سيكشفان عن مدى صعوبتها على أدمغتنا مراقبة حتى أبسط التفاعلات مع العالم المادي والعالم الاجتماعي.

وفي مواجهة هذه العقبات، فإن أدمغتنا تعتمد على آلية تنبؤية تنظم خبراتنا مع توقعاتنا، وبالرغم من أن مثل هذه التنظيمات غالبا ما يشكل فائدة، إلا أنها قد تجعل خبراتنا تخرج عن الواقع الموضوعي، بالحد من الفهم والنظر الواضح الذي من شأنه أن يميزنا عن خنازير بلدة “لافيجي”.

أول التحديات التي تواجه أدمغتنا في مراقبة أفعالنا هي المعلومات المبهمة بطبيعتها التي يستقبلها دماغنا. فإننا نشعر بالعالم الخارجي من خلال حجاب
 أجهزة الإحساس التي نمتلكها: الأعضاء الخارجية والأنسجة العصبية التي تستقبل وتعالج الإشارات المادية المختلفة، مثل الضوء الذي يصيب العينين،
 أو الضغط على الجلد [قرحة الفراش]. وبالرغم من أن هذه الدوائر معقدة بشكل ملحوظ إلا أن الجهاز العصبي الإحساسي لأدمغتنا يسيطرعلى نقاط الضعف المشتركة للعديد من الأنظمة البيولوجية: شبكة الأسلاك غير المتماسكة، الإرسال المنقطع، والإزعاج الذي يثقل على النظام – وهو ما يشبه بحد كبير كيف تغطي فرقعة ترددات الراديو الضعيفة البث الحقيقي.

إلا أن الازعاج ليس العقبة الوحيدة، فحتى لو أرسلت تلك الدارات الترددية على الوجه الصحيح، فإن تجربتنا الإدراكية ستبقى غير مكتملة، ويرجع هذا إلى أن حجاب أجهزتنا الحسية يستقبل فقط ” ظلال” الأشياء في العالم الخارجي، ولتوضيح هذا فكر في كيفية عمل الجهاز البصري، فعند النظر للعالم المحيط بنا، فإننا نعاين الأنماط المكانية للضوء الذي ينعكس من عديد الأشياء ويصل للسطح المسطح للعين.

وتخزن هذه الخريطة ثنائية الابعاد عبر أقرب أجزاء الدماغ البصري وتشكل أساس ما نراه، وبالرغم من إثارة هذه العملية للدهشة، إلا أنها تترك المراقبين أمام تحدي إعادة بناء العالم الثلاثي الابعاد الحقيقي من ظل ثنائي الأبعاد الذي تشكل على سطحه الحسي.

الإدراك صعب لأن جسمين مختلفين يمكنهما إلقاء "الظل" نفسه على نظامك الحسي. يمكن لعقلك حل هذه المشكلة من خلال الاعتماد على ما يعرفه بالفعل عن حجم وشكل أشياء مثل اليدين.

الإدراك صعب لأن جسمين مختلفين يمكنهما إلقاء “الظل” نفسه على نظامك الحسي. يمكن لعقلك حل هذه المشكلة من خلال الاعتماد على ما يعرفه بالفعل عن حجم وشكل أشياء مثل اليدين.

وبالتفكير في تجاربك الخاصة، يبدو وكأن هذا التحدي ليس صعب الحل، فكثير منا يرى العالم ثلاثي الابعاد. فمثلا عندما تنظر ليدك فإن ظل ثنائي الابعاد يتشكل على العينين، ويشكل دماغك بنجاح صورة ثلاثية الابعاد لكتلة على شكل اليد من الجلد واللحم، غير أن إعادة تشكيل شيء ثلاثي الأبعاد من ظل ثنائي الأبعاد هو ما يدعوه المهندسين ب”المسائل صعبة الطرح”.

 وجوهرياً، فإن من المستحيل حلها من العمليات المختبرة وحدها، وهذا لأن كثير من الكائنات المختلفة تشكل نفس ظل اليد الحقيقية، ثم كيف لدماغك أن يختار المعنى الصحيح من بين جميع الاحتمالات؟

 

ثاني التحديات التي تواجهنا في مراقبة أفعالنا بصورة فعالة هي مشكلة السرعة، فأجهزة الإحساس عليها أن تفسر تياراً سريعاً ومستمراً من المعلومات القادمة، فمن المهم ملاحظة التغيرات الديناميكية بصورة سريعة، حتى بالنسبة لأبسط الحركات، ففي الغالب سينتهي بنا الحال إلى سكب قهوتنا الصباحية إن لم نتمكن من توقع الوقت الصحيح الذي تصل فيه القهوة إلى شفاهنا. لكن مرة أخرى فإن الآليات البيولوجية الناقصة التي نستخدمها في اكتشاف وإرسال الإشارات الحسية تجعل من الصعب على أدمغتنا أن تنتج وبسرعة صورة دقيقة عما نفعله، والوقت ليس بالقليل،  فالإشارات تستغرق فقط جزء من الثانية لتصل من العين إلى الدماغ ومزيد من أجزاء الثانية لاستخدام هذه المعلومات لتوجيه فعل مستمر، وتلك الأجزاء يمكن أن تكون الفارق بين قميص جاف وآخر مبتل.

ولطالما تسال علماء النفس وعلماء الأعصاب، عن الاستراتيجيات التي تستخدمها أدمغتنا للتغلب على مشكلتي السرعة والإبهام وعدم الوضوح، وهناك إدراك متزايد أن كلا التحدين يمكن التغلب عليهما بالتنبؤ، فالفكرة الرئيسية هنا أن المراقبين لا يعتمدون ببساطة على المدخلات الحالية الداخلة لأجهزتهم الحسية لكنهم يجمعونها مع التوقعات التنازلية ] من الأعلى للأسفل] حول ما يحتويه العالم.

هذه الفكرة ليست جديدة كلياً. ففي القرن التاسع عشر اقترح المثقف الألماني ” هيرمان فون هيلمهولتز” أنه يمكن حل المسائل صعبة الطرح لتوليد إدراك موثوق من الإشارات المبهمة عن طريق عملية ” الاستدلال اللاشعوري” حيث يستخدم المراقبون معرفة ضمنية حول كيفية تشكل العالم ليوجد بصور مرئية دقيقة.
وعلى مدى عقود، تخللت هذه الفكرة لعلم النفس الإدراكي لاسيما عن طريق مفهوم “الإحساس كفرضيات” لذي طرحه عالم النفس البريطاني “ريتشارد جريجوري” في السبعينيات، وقد ربط جريجوري عمليات الإدراك الحسي بالطريقة العلمية، بنفس الطريقة التي سيفسر بها العلماء الأدلة من خلال عدسات نظريتهم الحالية، إذ يمكن لأنظمتنا الإدراكية أن تضع في السياق الأدلة المبهمة تلقوها من الحواس بناءً على نموذجها الخاص بالبيئة.

وتفترض مزيد من التحسينات الحديثة لهذه الأفكار أن الدماغ هو ” احتمال بايزي”، أي أنه يبني إدراكه على التوقعات. وفي عام 1763 نشر الاحصائي الإنجليزي، عضو الكنيسة المشيخية” توماس بايز” ، فرضية تصف كيف يمكن للشخص أن يستنج استنتاجاً عقلانياً عن طريق جمع الملاحظة بالمعرفة السابقة، فمثلا، إن سمعت صوت خرير قطرات الماء في يوم صيفي حارق فعلى الأرجح انك تركت صنبور الماء مفتوح، وليس صوت هطول المطر، ويرى المناصرون لفرضية أن الدماغ قائم على “احتمال بيزي” أن هذا النوع من الاستنتاج الاحتمالي يحدث عندما يتم تقييم الإشارات الحسية بشكل تصاعدي من الأسفل للأعلى في ضوء المعرفة التنازلية حول ما هو محتمل وما هو ليس بمحتمل.

وكما يتضح، تدعم أنماط الاتصال الظاهرة في قشرة الدماغ -بأعداد كبيرة من الاتصالات العكسية من مناطق أعلى إلى أسفل-  هذه الأفكار، ويعطي المفهوم نموذجاً مؤثراً لوظيفة الدماغ المعروفة ” بالتشفير التنبؤي الهرمي، الذي ابتكره عالم الأعصاب ” كارل فريستون” وزملائه في كلية لندن الجامعية، وتقترح هذه النظرية أنه في أي منطقة في الدماغ – مثلا أقرب قشرة بصرية – فإن تجمع الخلايا العصبية يعمل على تشفير الأدلة الحسية القادمة من العالم الخارجي، وتمثل مجموعة أخرى من “المعتقدات” الحالية ما يحتويه العالم. وفي إطار هذه النظرية ، ينفتح الادراك كدليل قادم يعدل “معتقداتنا” ما نختبره، والاهم، أن الاتصال واسع النطاق بين المناطق يجعل من المحتمل استخدام المعرفة السابقة لتفضيل معتقدات على غيرها، وهذا يسمح للمراقبين باستخدام المعرفة التنازلية لرفع حجم الإشارات التي يتوقعونها، مما يمنحهم وزنا أكبر مع توسع الادراك.

إن السماح للتوقعات التنازلية بأن تتخلل داخل الادراك يساعدنا على التغلب على مشكلة السرعة، عن طريق أعضاء التنشيط المسبق للدماغ الحسي، ونحن نعطي بفعالية أفضلية، وقد وجدت دراسة حديثة لعالم الاعصاب “بيتر كوك” بجانب “بيم موستر” و “فلوريز دي لانج” أنه عندما نتوقع حدوث حدث فإن بوادره تظهر في نشاط الدماغ البصري قبل أن يحدث، وبإمكان هذه الأفضلية أن تقدم طريقةً خاطفةً لتصرفٍ سريعٍ وفعال.  

ويسمح لنا الادراك الملحوظ لما نتوقعه بالتغلب على مشكلة الغموض، وكما يفترض هيلمهولتز فإن بإمكاننا توليد إدراك موثوق من البيانات المبهمة إذا كنا متحزين للتغيرات الأكثر احتمالا، فمثلا حينما نبسط أيدينا يمكن للدماغ أن ينتهج الفرضية الصحيحة – أن هذا هو شكل اليد بدلا من الاحتمالات الأخرى اللانهائية- لأن الدماغ لديه توقعات قوية حول نوعية الأشياء التي يستقبلها.
وحين يتعلق الامر بأفعالنا الشخصية فإن هذه التوقعات تنم عن الخبرة. فعبر حياتنا نكتسب كمية كبيرة من التجارب عن طريق فعل أفعال مختلفة وتجرية نتائج مختلفة، ويبدأ هذا غالبا باكرا في الحياة ” بالثرثرة الحركية” التي تظهر عند الأطفال. وتتيح الركلات العشوائية، وتلويح الايدي، وتقلبات الرأس التي يقوم بها الأطفال، الفرصة لإرسال أوامر حركات مختلفة ولملاحظة النتائج المختلفة. وتقوم تجربة  “الفعل والرؤية” هذه بتكوين الروابط التنبئية بين التمثيل الحركي والحسي بين الفعل والإدراك.

أحد الأسباب لتشك أن هذه الروابط تأتي من التعلم هي الأدلة التي تظهر مرونتها البالغة حتى في سن الرشد. وقد أظهرت الدراسات التي قادتها العالمة النفسية التجريبية “سيلينا هانيز” وفريقها في كلية لندن الجامعية، أنه حتى فترات التعلم القصيرة يمكنها أن تزود الروابط بين الفعل والإدراك، وأحياناً بطرق تتعارض مع التركيب الطبيعي لجسم الانسان.

وتوضح تجارب مسح الدماغ ذلك جيداً، فإذا رأينا أحدهم يحرك يديه أو قدميه، فإن أجزاء الدماغ التي تتحكم في جسدنا تصبح نشيطة. غير أن التجربة المثيرة التي قادتها عالمة النفس ” كارولين كاتمر” في كلية لندن الجامعية قد وجدت أن إعطاء أفراد تجريبيين تجارب معكوسة – رؤية نقر الأقدام عندما ينقرون على أيديهم والعكس- حيث يمكن قلب هذه التعيينات. وبعد هذا النوع من التجارب حين يرى الخاضعين للعلاج نقر الاقدام تصبح المناطق الحركية المتصلة بأيديهم أكثر نشاطاً.
وتقدم مثل هذه الاكتشافات وغيرها أدلة دامغة على أن هذه الروابط يتم اكتسابها بتتبع الاحتمالات.

يمكن لهذا النوع من المعرفة الاحتمالية تشكيل الإدراك، مما يسمح لنا بتفعيل نماذج من الأفعال المتوقعة في المناطق الحسية للدماغ، وهو ما يساعدنا في التغلب على مشكلة الابهام الحسي، وتقديم التفسير الحسي الإدراكي الصحيح بسرعة.

وفي السنوات الأخيرة، وضع مجموعة من علماء الأعصاب رأياً بديلاً، يقترح الحذف بشكل انتقائي للنتائج المتوقعة لأفعالنا، وناقش مؤيدوا هذه الفكرة أنه من المهم جداً لنا أن ندرك الأجزاء المفاجئة والغير متوقعة من العالم – مثل انسكاب كوب القهوة فجأة على أصابعنا. ويعني تصفية الإشارات المتوقعة أن النظام الحسي يحتوي فقط على الأخطاء المفاجئة، مما يسمح بعرض النطاق المحدود لنقل البيانات إلى دوائرنا الحسية لبث المعلومات الأكثر صلة فقط.

إن الحجر الأساس في فرضية “الإلغاء” هذه هو إظهار الدراسات وجود نشاط أقل في الدماغ الحسي عندما نختبر نتائج فعلية يمكن التنبؤ بها، وعندما نشعر بلمس أحدهم لبشرتنا أو رأينا حركة اليد فإن المناطق المختلفة لدماغ الجسم الحسي أو البصري تصبح أكثر نشاطاً. غير أن، الدراسات السابقة وجدت أنه عندما نلمس
جلدنا -عن طريق فرك أيدينا أو لمس كف اليد-  فإن النشاط في مناطق المخ هذه يكون منخفضاً نسبياً، مقارنة بما يحدث عندما تأتي هذه الأحاسيس من مصدر خارجي. ويظهر انخفاض مماثل في نشاط الدماغ البصري عندما نشاهد أيدينا تؤدي حركات تلائم حركاتنا. وقد تحققنا أنا وزملائي من كيفية عمل آليات التنبؤ هذه. وفي دراسة حديثة أجرتها كلادي بريس في كلية بيركبيك – بجامعة لندن – بجانب عدد من علماء العلوم العصبية الادراكية، حيث وضعنا متطوعين في ماسح التصوير بالرنين المغناطيسي وسجلنا نشاط أدمغتهم حين يقومون بعمل بسيط. وطلبنا منهم تحريك أصابعهم ومراقبة صورة حركة اليد على الشاشة. وكلما قاموا بفعلٍ، فإن اليد على الشاشة إما أن تقوم بحركة تزامنية بالإمكان توقعها (تحريك نفس  الإصبع) ، أو غير متوقعة (تحريك إصبع مختلف ) ، وبالنظر لأنماط نشاط الدماغ في تلك الشاشة تمكنا من التعرف كيف بإمكان التوقعات تغيير العملية الادراكية .

وباختصار، فقد كشف تحليلنا أن هناك مزيد من المعلومات حول النتائج التي لاحظها المشاركون عندما كانت متسقة مع الأفعال التي كانوا يؤدونها. وقد أظهرت نظرة فاحصة أن هذه “الإشارات المخادعة” في مناطق الدماغ البصري كانت مصحوبة ببعض النشاط المكبوت –لكنها فقط في الأجزاء الحساسة للأحداث غير المتوقعة.
وبعبارة أخرى ، فإن التوقعات المنتجة خلال الأفعال بدت وكأنها تقوم بتعديل الإشارات غير المتوقعة، وتوليد بيانات مخادعة في الدماغ الحسي والتي تميل بقوة أكبر نحو ما نتوقعه. تشير هذه الاكتشافات إلى أن توقعاتنا تشكل النشاط العصبي، مما يجعل دماغنا يعيد تمثيل نتائج أفعالنا كما توقعها أن تكون، وهذا يتوافق مع المقترح النامي للأدب النفسي في أن تجاربنا مع أفعالنا تنحاز تجاه ما نتوقعه.
وتأتي أحد البراهين الدامغة من دراسة في عام2007 أجراها عالم النفس “كازاتشي ماريويا” في اليابان مستخدما تقنية تدعى “التنافس البصري”. وفي تجارب للتنافس البصري يوضع مراقب لجهاز يعرض صوراً مختلفة للعين اليمنى واليسرى. وعندما تتعارض هذه الصور فإن التجربة الإدراكية للمراقب يتم التحكم بها تحكماً نموذجياً عن طريق إحدى الصور، مع حدوث تقلب عرضي بين البدائل المتنافسة. ابتكر ماريويا وزملاؤه تجربة التنافس البصري عن طريق عرض المراقبين بومضات أنماطٍ مختلفة سوداء وبيضاء للعين اليسرى ودائرة متحركة للعين اليمنى.
ومما يثير الاهتمام هو إيجاد الباحثين أنهم عندما يضمون الكرة المتحركة للافعال التي كان يؤديها المراقبون، فإن هذه الصورة تكون أرجح “للفوز” في المنافسة ،
ويهيمن على التجربة الواعية نتيجة الفعل الذي يمكن التنبؤ به.

إن مثل تجارب مارويا تنضم إلى عدد كبير من التجارب الأخرى التي توحي بأن إدراكنا ينحاز إلى الأعمال التي نقوم بها. على سبيل المثال، يمكن أن ينحاز الضغط على مكابس المفاتيح التي يؤديها عازفو الپيانو إلى ما إذا كانوا يسمعون سلسلة من النوتات الموسيقية كونها تصاعدية أو تنازلية. والأكثر من ذلك أن الكيفية التي نشهد بها مرور الزمن يمكن أن تتلاعب بها تصرفاتنا ــ عندما نتحرك ببطء أكبر، فإن أحداثاً أخرى تبدو وكأنها تدوم لفترة أطول ــ ونحن نميل إلى رؤية تحرك غامض في اتجاهات تتسق مع تصرفاتنا. وبما أن توقعاتنا عادةً ما تتحقق، يمكن أن يؤدي نحت الإدراك تماشياً مع معتقداتنا إلى صورة أكثر قوة لكيفية تأثيرنا على البيئة المحيطة بنا.

ومن بين أكثر الاحتمالات إثارة للاهتمام، هو أن آليتنا للتنبؤ قد تلعب دوراً مهماً في مساعدتنا على التفاعل مع العالم الاجتماعي. ففي نهاية المطاف، يبدو أن البشر يطيعون مجموعة من القواعد بالطريقة التي يحيّون بها بعضهم بعضاً، ويتبادلون الحديث، ويستجيبون لسلوك بعضهم البعض. ومن أكثر الطرق انتشاراً وتنظيماً التي يتجاوب بها الناس بعضهم مع بعض هو التقليد، الذي يعرِّفه العلماء المعرفون بأنه حالة ينسخ فيها المراقب الحركات الجسدية لنموذج ما -الإيماءات المستخدمة، وطريقة المشي وما إلى ذلك ؛ فإذا رأيت محاورك يفرك وجهه او يهز قدمه، فمن المرجح أن تفعل الأمر نفسه.

وقد أشارت مجموعة من الدراسات إلى أن تجربة التقليد يمكن أن تكون لها آثاراً هامة على نوعية تفاعلاتنا. ويمكن أن يؤدي نسخها إلى أن يزيد من الثقة والترابط والانتماء الذي نشعر به تجاه من يقومون بالنسخ. على سبيل المثال المثير للإعجاب ــ دراسة أجريت في عام 2003 تحت قيادة الطبيب النفسي ريك فان بارين في جامعة رادبوود في نيجميجن في هولندا ــ وجدت أن النوادل الذين تلقوا التعليمات بتقليد المطاعم تلقوا نصائح أكبر من تلك التي تلقاها أولئك الذين لم يكونوا كذلك.

 ولكن في حين قد تعمل تجربة التمثل كمادة تشحيم اجتماعية قوية، فإننا لا نستطيع أن نتصور كيف يتصرف الآخرون نحونا ــ مثل كل شيء آخر ــ إلا من خلال الحجاب الناقص لأنظمتنا الحسية. الإمكانية الإجتماعية للتقليد ستكون محبطة تماماً إذا كانت أدمغتنا لا تستطيع أن تسجل أن هذه التفاعلات حدثت، ومع ذلك، يمكن التغلب على هذه المشكلة إذا ما ولّدنا تنبؤات عن العواقب الاجتماعية لأفعالنا بنفس الطريقة التي نوفر بها التوقعات بشأن النتائج المادية لتحركاتنا، باستخدام آلياتنا التنبؤية لجعل الآخرين أسهل على الإدراك.

ولقد استكشفت أنا و بريس هذه الفكرة في دراسة أجريت في عام 2018 لدراسة ما إذا كانت الآليات التنبؤية المنشورة أثناء العمل قد تؤثر على كيفية إدراكنا لمحاكاة الآخرين. والواقع أننا وجدنا علامة على التنبؤ: فقد بدا تصور نتائج العمل المتوقعة أكثر كثافة بصرياً. واستمر هذا الدليل لثوان بعد تحركاتنا، مما يشير إلى أن آلياتنا التنبؤية ملائمة تماما لتوقع ردود فعل المقلدة من الآخرين.

 وقد يكون هذا النوع من التعزيز مهماً بشكل خاص في البيئات الحسية الصعبة: على سبيل المثال، تيسير العثور على الصديق الذي يلوح إلينا في غرفة مزدحمة. ومن الاحتمالات الأخرى غير المستغلة بالقدر الكافي نسبياً أن مثل هذه التنبؤات قد تجعلنا ننظر إلى أشخاص آخرين باعتبارهم أكثر تشابهاً مع أنفسنا. وإذا كان التحرك ببطء يجعل بقية العالم تبدو أبطأ أيضاً، فإن الحركات البطيئة والكسولة التي نقوم بها عندما نشعر بالحزن قد تحملنا على النظر إلى الآخرين على أنهم أيضا أبطأ وأكثر تثبيطاً.

طبعا، يمكن احيانا ان يكون استعمال التنبؤ لبناء خبرتنا سيفاً ذا حدين. ومن الواضح أن هذا النصل يجرح كلا الاتجاهين عندما تدرك أن توقعاتنا لن تتحقق في بعض الأحيان. فإذا صنعت رافعة قوية لتحريك إبريق شاي فارغ اعتقدت أنه ممتلئ، فإن الوعاء المجوف سوف يتسارع بسرعة أكبر كثيراً مما كنت تتوقع. وعلى نفس المنوال، إذا كنت تقول نكتة مغلوطة، فقد تقابل ببحر من الوجوه المرتبكة بدلاً من الضحك الذي تتمناه.

 ويبدو أنه في هذه السيناريوهات سيكون من غير المناسب أن نعيد تشكيل تجارب إدراكنا لجعل هذه الأحداث تبدو أقرب إلى توقعاتنا: أو أن نخطئ النظر إلى إبريق الشاي باعتباره أبطأ تحركاً مما هو عليه في الواقع، أو أن نحرر تعابير شركائنا الاجتماعيين حتى تبدو أكثر تسليةً، لمجرد أن ذلك كان ما توقعناه مسبقاً. ومن المرجح أن تحدث مثل هذه التصورات الخاطئة عندما يقدم العالم الحسي معلومات أكثر فقراً في حين قد يتم إعطاء التوقعات ثقلاً أكبر. وهذه التصورات الخاطئة من حين إلى آخر قد تكون الثمن الذي ندفعه في مقابل عملية تولد خبرات جديرة بالثقة في أغلب الأحيان.

ولكن من السهل أن نرى كيف يمكن أن يقوِّضنا سوء الفهم هذا. فكثير من مؤسساتنا الاجتماعية والثقافية والقانونية تعتمد على فكرة أن البشر يعرفون ما يفعلونه عموماً، وبالتالي يمكن تحميلهم المسؤولية عما فعلوه. ورغم أن الإيحاء بأن البشر يسيئون فهم أفعالهم في أغلب الأحيان من شأنه أن يشكل صورة كاريكاتورية للعلم، فقد تكون هناك حالات حيث قد تؤدي التصورات الخاطئة الناجمة عن ما نتوقعه إلى عواقب مهمة. على سبيل المثال، قد تكون لدى الطبيب الذي يمارس ممارسة جيدة توقعات قوية بشأن الكيفية التي سيستجيب بها المريض لعملية بسيطة (مثل إجراء فحص قطني) قد تحمله على إساءة فهم ردود الفعل غير العادية عندما تحدث. هل يتغير الوضع الادبي او القانوني للطبيب اذا انحازت الى اساءة فهم اعراض مريضها؟ هل تزداد هذه المسألة تعقيدا إذا اعتبرنا أن أي تصورات خاطئة يمكن أن تنتج عن خبرة الطبيب؟

 وفي حين أن التنبؤ له جانبه المظلم، فلنتأمل مدى صعوبة العالم بدونه. وقد شغلت هذه الفكرة الأطباء النفسيين لمدة طويلة ، الذين أشاروا إلى أن بعض التجارب غير العادية التي شوهدت في الأمراض العقلية قد تعكس اختلالات في القدرة على التنبؤ.

وهناك مجموعة مثيرة للاهتمام بشكل خاص من الحالات هي “أوهام السيطرة” التي لوحظت لدى بعض المرضى المصابين بالفصام. فالمرضى الذين يعانون من مثل هذا الوهم يبلّغون عن تجربة مؤلمة، حيث يشعرون وكأن أفعالهم مدفوعة من قوة خارجية أجنبية. وقد وصف أحد هؤلاء المرضى هذه التجربة الشاذة للطبيب النفسي البريطاني سي ميللور: ‘إن يدي وذراعي هما اللتان تتحركان، وأصابعي ترفع القلم، لكنني لا أتحكم فيهما. فما يفعلونه لا علاقة له بي ›.

 وتماشياً مع تقارير الحالات الحية هذه، كشفت الدراسات التجريبية أن المرضى المصابين بالفصام قد يواجهون صعوبات في التعرف على أفعالهم. على سبيل المثال، في تجربة أجريت في عام 2001 تحت قيادة الطبيب النفسي نيكولاس فرانك في مستشفى ليون الجامعي في فرنسا، عُرِض على مرضى الفصام ومتطوعي المراقبة الصحية ردود الفعل بالفيديو عن أفعالهم التي يمكن تغييرها بطرق مختلفة ــ مثل تشويه التسجيلات مكانياً أو إضافة تأخيرات زمنية. وقد وجد الباحثون أن المرضى كانوا أكثر فقراً في اكتشاف حالات عدم التطابق هذه، الأمر الذي يشير إلى أن لديهم تصوراً فقيراً نسبياً عن أفعالهم.

وقد ينشأ هذا العجز في رصد الأفعال وما يلازمه من أوهام لأن هؤلاء المرضى يعانون من انهيار في الآليات التي تمكنهم من التنبؤ بعواقب تحركاتهم. وقد تؤدي هذه العوامل إلى تغيير في الكيفية التي يتم بها اختبار نتائج العمل، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى استعداد المرضى لتكوين معتقدات غريبة. وعلى وجه الخصوص، فإن فقدان فوائد “التوضيح” للتنبؤ من القمة إلى القاعدة قد يجعل الناس يعانون من تجارب أكثر غموضاً نسبياً فيما يتعلق بأفعالهم، مما يجعل من الصعب تحديد ما حدث أو لم يحدث نتيجة لسلوكهم. ورغم أن هذا الغموض قد يكون مثيراً للانزعاج الشديد في حد ذاته، فإن التعرض لمثل هذه التجارب غير العادية لفترة طويلة من الزمن قد يسهم في “المزاج الوهمي” للفرد ــ الشعور بأن أشياء غريبة تحدث تتطلب تفسيراً غريباً، وربما وهمياً.

وفي النهاية، يبدو أن هناك وجهة نظر ناشئة من علم النفس وعلم الأعصاب مفادها أن توقعاتنا تلعب دوراً رئيسياً في تشكيل الكيفية التي نختبر بها تصرفاتنا ونتائجها. وفي حين أن دمج التنبؤات في ما نتصوره قد يكون وسيلة قوية لرصد تصرفاتنا في عالم حسي غامض بطبيعته، فإن هذه العملية قد تدفعنا إلى إساءة تصوير العواقب المترتبة على سلوكنا عندما لا تتحقق توقعاتنا. ومثل هذه التجارب الوهمية يمكن أن تقوض فكرة أن لدينا نظرة ثاقبة واضحة في سلوكنا الذي يفصلنا عن خنازير لافيجي الساذجة. عندما يتعلق الامر بأعمالنا، قد نرى ما نؤمن به، وأحيانا، قد لا نعرف نحن أيضا ما الذي نفعله.

المصدر

error: