أفول التفلسف الأيوني: الباب الأول / أمبادوقليس – الطيب بوعزة

أفول التفلسف الأيوني: الباب الأول / أمبادوقليس – الطيب بوعزة

الفصل الأول

في السيرة والنتاج

-1-

هوامش على سيرة أمبادوقليس

ينقل ديوجين اللايرسي عن هيبوبوط Hippobote تحديد نسب أمبادوقليس بوصفه ابن ميطون Meton بن أمبادوقليس([1]). وأنَّ جدَّه هذا الذي تسمى فيلسوفنا باسمه كان – حسب طيمي Timée وهرميب Hermippe -: “شخصية مرموقة”([2]).  ويمكن أن نعزز رفعة النسب هذه، بشهادة هيراقليد البونطي Héraclide الواردة في كتابه “عن الأمراض”؛ حيث قال بأنَّ أمبادوقليس كان من “أسرة عريقة”([3]).

بيد أنَّ تسمية النَّسب ليس عليها إجماع؛ فإذا كان أبولودوروس وهيبوبوط يسميان والد أمبادوقليس “ميطون”([4])، فإنَّ الكاتب السِّيَرِي ساطيروس Satyros يورد أمبادوقليس بوصفه ابن إكساينيطوس Exaenétos([5]). وفي رسالة منسوبة إلى طيلوجيس Télaugès، أرسلها إلى فيلولاوس، ينسب أمبادوقليس بوصفه ابن أرخينوموس Archinomos([6]).

صحيح ليس بذي قيمة الإيغال في نقد أو ترجيح رواية من بين مُتَبَايَن مرويات النَسَّابَةِ؛ إذ  ليس يعنينا كثيرًا إزاء الفيلسوف الذي نتناوله بالدرس، أن نحدِّد ابن من هو؛ بل غايتنا أن نعرف من هو، ونقصد بالـ”هو” هنا أمبادوقليس بوصفه ذاتًا مفكرة لا ذاتًا بيولوجية نبحث لها عن الرحم الذي تنزلت منه. لكن إيراد ما سبق هو، من جهة أولى، انسياق مع مستلزمات منهج هذه السلسة، ومن جهة ثانية، توكيد على ما سلف أن قلناه في مناسبات سابقة عن سِيَرَ فلاسفة ما قبل سقراط، بوصفها سيرًا مهزوزة الوثاقة؛ بسبب الاختلاف الذي يخترق كل حيثية من حيثياتها، بدءًا من النَّسب وتوقيت الميلاد حتى ظروف الوفاة! وأنَّ إسكاب المداد من أجل ترجيح رواية من بين المرويات، لا يقدم كثيرًا في إنجاز تأْريخ الفكر، الذي هو القصد الأول من هذا السِّفْرِ.

لكن انسياقنا هنا نحو تسطير القول في المرويات، هو كما أشرنا من قبل، من مستلزمات منهجنا في هذه السلسلة، الذي يتطلب الوقوف عند التواقيت، ولو بشيء من الإيجاز؛ لتحديد الإطار الزمني التاريخي للمبحث. وعليه؛ نقول عن توقيت ميلاد أمبادوقليس بأنَّنا لا نأخذ بتوقيت سويداس – أو بالأصح التوقيت الوارد في متن “السودا” – الذي يفيد بأنَّ “أمبادوقليس ولد خلال الأولمبياد التاسعة والسبعين”([7])؛ لأنَّنا إذا ترجمنا الأولمبياد التي يتحدث عنها متن السودا إلى أرقام السنوات؛ فسنجد أنها تقع ما بين 464 و460 ق م، بينما نميل إلى تبكير ميلاد أمبادوقليس بما يزيد قليلًا على ربع قرن على تاريخ السودا. وعليه؛ نذهب إلى أنَّ مولده كان حوالي 495 ق م. وهو توقيت يجعلنا مقاربين للتوقيت الذي يلمح إليه سمبليقيوس عندما كتب في متنه “تعليق على كتاب الطبيعة لأرسطو”: “أمبادوقليس الأكراغاسي، ولد بعد أنكساغور  بقليل”([8])؛ حيث من المعلوم أنَّ أنكساغور يُوَقَّتُ ميلاده بحوالي 500 ق م؛ فيكون الفارق بينه وبين التوقيت الذي نرجحه لمولد أمبادوقليس، لا يجاوز خمس سنوات؛ مما يتطابق مع قول سمبليقيوس السابق إيراده.

كما نُوَقِّتُ وفاته بحوالي 435 ق م، وبهذا التحديد التقريبي نكون متقاربين مع رواية أرسطو التي قال فيها إنَّ أمبادوقليس توفي في سن الستين.

وإذا اختُلف في تحديد الميلاد والنَّسب، فلا خلاف في تعيين موطن الميلاد؛ حيث يُنسب أمبادوقليس إلى مدينة أكراغاس، تلك الحاضرة التي ذكرها في بداية قصيدة “التطهيرات” بتقدير بالغٍ، فوصفها بـ”المدينة الكبيرة”([9]). وهو وصف دال على المكانة التي كانت تتمتع بها تلك المدينة في القرن الخامس قبل الميلاد، كما أنَّه وصفٌ مطابق لتوصيف آخر من معاصر أمبادوقليس، الشاعر الإغريقي بندار Pindare، الذي قال عن أكراغاس في الفترة ذاتها بأنها “أجمل المدائن”. وتوطين أمبادوقليس في صقلية، حيث تقع أكراغاس، يفيد انتشار التفلسف في ربوع اليونان القديمة بدءًا من ملطية، وأفسوس، إلى إيطاليا وصقلية.

وقارئ التوصيفات التي خلعها كُتَّاب السِّير على أمبادوقليس لا بدَّ أن يلاحظ فيها بعض الشبه مع فيثاغور، أقصد تشابه المقامات التي نسبت إليهما؛ حيث لا تتشارك في توصيف ملامحه صورة الفيلسوف وصورة رجل الدين فقط؛ بل إنه – حسب ما تقوله الروايات السِّيرية القديمة – أول فيلسوف يوناني ادعى الألوهية! وإذا كنَّا قد لاحظنا أنَّ فيثاغور كان يُتمثل في المخيال اليوناني القديم كابن إلهٍ؛ فإنَّ أمبادوقليس يُنسب إليه قول يزعم فيه الألوهية لنفسه! وإن كنت أرى أنَّ ألفاظ ذاك النَّص قابلة لأن تصرف إلى معنى التشبه بالألوهية لا ادعائها([10]).

كما تتفق الكثير من  المرويات على أنَّه كان شديد الترفع  في سلوكه وملبسه على حد سواء. ومن الطُّرف التي يمكن إيرادها هنا ما يروى في متن السودا، وكذا ما يرويه فيلوسترات([11])، وإليان Elien([12])، من أنَّ أمبادوقليس كان يتجول لابسًا تاجًا، ومنتعلًا حذاء من نحاس!

وشخص استعلائي كهذا، من الطبيعي أن ينسج المخيال حوله ظلالًا كثيفة من العجائبية، بل والتخريف أيضًا؛ حيث قيل بأنَّه كان ذا قدرة على إحياء الموتى، وفق ما نجد في رواية هيراقليد. وأنَّه أوقف مرض الطاعون عن مدينة أغريغونت Agrigente حسب رواية بلوتارك([13]). وأنَّه تحكَّم في الرياح والأعاصير، بحسب رواية ينسبها اللايرسي إلى طيمي، تفيد بأنَّ ريحًا قوية هبَّت، وكانت على وشك تدمير الزرع، فقام أمبادوقليس بتوقيفها؛ فلقِّب بسبب ذلك بـ”مانع الرياح”([14]). بل إنَّ ساطيروس Satyrus – بحسب ما يرويه ديوجين اللايرسي([15]) – يزعم أنَّ جورجياس Gorgias شاهد بنفسه بعض الأفاعيل السحرية التي قام بها أمبادوقليس!

أجل، يكاد يُورد فيلسوف أكراغاس  في بعض النصوص القديمة بوصفه مجرد ساحر؛ بل نجد فيلوسترات يجمع في لفيف واحد، أمبادوقليس وفيثاغور وديموقريط ، قائلًا بأنهم جميعًا: “خالطوا السحرة”([16]). ونفس الفكرة نفسها نجدها عند بلين Pline ([17]). وعند جامبليك، نقلًا عن نيكوماخ، إشارة إلى هذه الأعاجيب التي أتى بها أمبادوقليس، وأنَّه في ذلك كان مشابهًا لفيثاغور([18]).

ومرويات كهذه، إن غبشت الملامح الواقعية للرجل، فهي بلا شك ذات فائدة؛ إذ تكشف لنا أنَّنا أمام شخصية ليست من عاديات الشخوص، سواء في فكرها أو مسلكها في الحياة؛ فَحَقَّ من ثمَّ للمخيال أن يبالغ في تشغيل أنامله لترسيمها في لوحة عجائبية، التي إن قرأنا حرفية خطوطها بحسِّ التفكه، فلا ينبغي إغفال الحوافز الواقعية التي أوجدتها.

وإذا استبعدنا الملمح العجائبي، واستحضرنا من المرويات ما يغايره؛ سنجد منها أنَّ أمبادوقليس كان ديموقراطيًا، منحازًا إلى الشعب، رغم نسَبه الأرستقراطي، وهو بذلك متمايز عن غيره من فلاسفة اليونان الذين كانوا في عمومهم معادين للحكم الديموقراطي. وقد أشار نيانث إلى نشاطه السياسي الشعبي خاصة بعد موت ميطون Méton، وإدراكه بأنَّ “بذور الاستبداد أخذت في الانتشار والنمو”([19]). وبسبب نزوعه السياسي هذا؛ كان أمبادوقليس ذا شعبية كبيرة في أكراغاس، حتى إنَّ الشعب عرض عليه تنصيبه ملكًا، لكنَّه رفض. وتعليقًا على موقفه هذا، قال أرسطو بأنَّه كان “زاهدًا في كل أشكال السلطة”([20])؛ مقدمًا نموذجًا لصورة المفكر المتعالي عن الاهتمامات الحسِّية والسياسية المباشرة.

وهنا قد تستوي صورة مفارقة؛ حيث إذا كان أمبادوقليس في تقديره لنفسه وحديثه عنها متعاليًا، حتى إنَّه قرب نفسه من الألوهية ، أو ادعاها ([21]) ؛ فإنَّه في سلوكه الاجتماعي والسياسي كان شعبيًا منافحًا عن الفقراء ضد الأرستقراطية. وهذه الملحوظة تنبَّه إليها طيمي، فأشار إليها بوصفها مفارقة؛ فقال بأنَّ أمبادوقليس “كان يعلن آراء متناقضة في السياسة والشعر؛ حيث كان في السياسة مدافعًا عن قيم العدالة والإنصاف، بينما في الشعر كان متكبرًا”([22]). بمعنى أنَّه في قصائده يبدو مبالغًا في تقديره لنفسه والتعالي بها فوق البشر أجمعين، بينما في سلوكه السياسي كان شعبيًا، منافحًا عن الفقراء ضد الأرستقراطية.

بيد أنَّ هذه المقارنة التي قدمها طيمي، لا نوافقه على وصفها كتناقض في شخصية أمبادوقليس؛ إذ ليس من المستغرب ولا مستبعدًا أن ينظر الشخصُ إلى نفسه نظرة اعتبار وعلو على غيره، ثمَّ يكون في سلوكه منافحًا عن الضعفاء ضد الأقوياء الذين يستبدون بهم. هذا فضلًا عن أنَّنا ينبغي أن نحترس من بعض أحكام طيمي في حق أمبادوقليس؛ حيث إنَّه كان شديد العداء له([23]).

وشخصية، كشخصية أمبادوقليس، لا بدَّ أن تثير قلقًا سياسيًا عند خصومها؛ لذا ليس مستغربًا أن تتآمر عليه الطبقة الأرستقراطية ، وتستغل وجوده خارج أكراغاس، فتحكم عليه بالمنع من دخولها؛ فيذهب منفيًا إلى  البلوبونيز، حيث قضى بقية حياته.

وإذا كان الرجل يقدم في تلك الصورة العجائبية على نحو استعلائي، حتى رُفع – أو رفع نفسه – فوق الكائنات البشرية؛ فإنَّ في موته أيضًا نجد اشتغال مخيال الرواة لجعل وفاته مغايرة لوفيات البشر! إذ قيل بأنَّه لم يمت بل ارتقى إلى  السماء، وقيل بأنَّه قفز إلى بركان إتنا، وقيل بأنَّه مات غرقًا!

أما رواية موته غرقًا؛ فتُنسب إلى طيلوجيس Télaugès بن فيثاغور!

وأما رواية القفز في فوهة البركان؛ فيوردها هيبوبوط، زاعمًا أنَّ أمبادوقليس رمى بنفسه داخل بركان إتنا؛ “ليؤكد أنَّه إله”؛ وأنَّ موته هذا تأكَّد لاحقًا عندما رمى البركان حذاءه النحاسي!([24]).

وفي رواية هيراقليد نلقى حديثًا عن الوفاة بطريقة العشاء الأخير؛ حيث يروي أنَّ أمبادوقليس توفي في البلوبونيز بعد عشاء مع جمع من أصدقائه وتلامذته، وقد كان من بينهم تلميذه الأثير بوزانياس. وبعد خلودهم للنوم استيقظوا في الصباح، فلم يجدوا أستاذهم، فسألوا الخدم، فقال أحدهم إنَّه سمع خلال الليل صوتًا هادرًا ينادي “أمبادوقليس!”، ثم أضاءت السماء، وصعد شعاع مضيء إلى الأعالي!

وتقول الرواية بأنَّ بوزانياس، لم يصدق في البداية ما قاله الخادم؛ فاستمر هو وصحبه في البحث عن أستاذهم المختفي؛ لكنَّه بعد أيام أمرهم بالتوقف، قائلًا بأنَّ أمرًا غريبًا قد حدث، وينبغي علينا أن نذبح قربانًا لذكراه “تمامًا كما يقدم القربان للآلهة”([25])!

لكن طيمي يرفض كل هذه المرويات التي تخلع العجائبية على حدث وفاة فيلسوف أكراغاس، وقد حرص على إيراد رواية هيراقليد؛ وشَدَّدَ في نقدها فقرة تلو أخرى، منتهيًا بالسخرية منه قائلًا: “إنَّ هيراقليد كثيرًا ما يورد روايات بعيدة جدًا عن الحقيقة، إلى درجة أنَّه قال بأنَّ رجلًا سقط من القمر!”([26]).

وبدلًا عن الرواية الهيراقليدية يقول طيمي، إنَّ أمبادوقليس “ذهب إلى البلوبونيز ولم يرجع منها؛ ولذا فوفاته غامضة، وليس له قبر”([27]).

لكن اللايرسي يورد حكاية أخرى عن وفاته، تفيد بكل بساطة بأنَّه مات بسبب سقوطه عن مركبته؛ حيث ظلَّ مريضًا بسبب السقطة إلى أن وافته المنية، وأنَّه “دفن في ميغارا Mégare”([28]).

وكما اختُلف في كيفية الوفاة، اختلف أيضًا في توقيتها؛ فأرسطو مثلًا يقول إنَّ أمبادوقليس كان في الستين من عمره، بيد أنَّ ثمة رواية تقول بأنَّه عَمَّرَ حتى بلغ مئة وتسع سنوات! بينما يورد اللايرسي رواية أخرى تفيد بأنَّ عمره يوم وفاته كان سبعًا وسبعين!([29]).

ومن بين تلك المرويات التي وصفت مشهد الوفاة، تعد رواية الارتماء الإرادي لأمبادوقليس في لهيب بركان إتنا، الرواية الأكثر استحضارًا في الفكر المعاصر؛ حيث حرص عديد من الكتاب على استدعائها كفعلٍ رمزي مثقل بالدلالات، فجيل دولوز Gilles Deleuze، مثلًا، يصفه بـ”الفعل الفريد والعظيم” ([30]). والشاعر الألماني فريديريك هولدرلين Friedrich Hölderlin في مخطوطات قصيدته غير المكتملة المعنونة بـ”موت أمبادوقليس”، يقرظ هو أيضًا فعل انتحار فيلسوف أكراغاس، ممجدًا إقدامه على رمي نفسه في لهيب إتنا؛ قائلًا: “لأنَّ الموت هو ما أريده، إنه حقي”([31]).

كما يعلق فيلسوف التحليل النفسي جاك لاكان على ارتماء أمبادوقليس في جوف إتنا، قائلًا: “هكذا يترك في ذاكرة البشر إلى الأبد، هذا الفعل الرمزي المعبر عن ذاته، كذات من أجل الموت”([32]).

كما حرص غاستون باشلار على بلورة تحليل نفسي لحادثة ارتماء أمبادوقليس في بركان إتنا. وتولد عن هذا التحليل مصطلح “عقدة أمبادوقليس”؛ للدلالة على الانجذاب النفسي بين الإنسان  والنار، وأنَّ الفناء في النار “هو أكثر من تغير، إنه تجدد”([33]).

ذاك في شأن النَّسب وموطن الميلاد وما قيل عن سيرته ولحظة وفاته، وكيفيات تلقي رواية ارتمائه في لهيب إتنا، في القراءات الفلسفية والسيكولوجية المعاصرة. أما عن تكوينه الفكري؛ فإن أمبادوقليس يُقَدَّمُ في الكتاب التاسع من “تواريخ” طيمي Timée بوصفه تلميذًا لفيثاغور، وأنَّه طُرد من المدرسة لأنَّه سرق أفكار معلِّمه! وعند نيانث إشارة إلى أنَّه إلى “زمن فيلولاوس وأمبادوقليس كان الفيثاغوريون يقبلون الجمهور في حلقاتهم الحوارية، ولكن لما قام أمبادوقليس بتضمين أفكارهم في قصائده؛ وضعوا قانونًا يمنع من أن يذيعوا آراءهم على أيِّ شاعر”([34]).

وهذه الدعوى تُلصق أيضًا في الكتابات السِّيرية والدوكسوغرافية القديمة بأفلاطون؛ حيث نجد عند طيمي Timée، وكذا عند نيانث Néanthe، إشارة صريحة إلى أنَّ الفيثاغوريين طردوا الفيلسوف الأثيني من حلقتهم؛ لأنهم اكتشفوا أنَّه هو أيضًا ينحل  آراءهم وأفكارهم لنفسه!

وإذا نحن تجاهلنا دعوى النحل، وأخذنا بما يستفاد من تلك المرويات، أي تتلمذ أمبادوقليس على الفيثاغوريين؛ فإنَّه لا بدَّ من القول أيضًا إنَّ الوصل بين فيلسوفنا وحلقات التدريس الفيثاغورية ، ليس محلَّ إيضاح؛ إذ يعقب ديوجين اللايرسي على نيانث بكونه لم يعين من هم الأساتذة الفيثاغوريون الذين تتلمذ عليهم أمبادوقليس.

لكن إذا كان نيانث لم يفصح عن أسماء المعلمين الفيثاغوريين؛ فإنَّ غيره من الدوكسوغرافيين وكتَّاب السِّير أفصحوا؛ فمتن السودا Suidas مثلًا، يورد رواية تفيد بأنَّ أمبادوقليس تتلمذ على طيلوجيس Télaugès بن فيثاغور! وهي الرواية ذاتها التي نجدها عند أوسيب Eusèbe([35]). صحيح أنَّ هذه المصادر الذاكرة لهذه المرويات مصادر ثوان، تفتقر إلى  الوثاقة والصدقية؛ لكن إذا جاز الشك في وثاقتها، فإنَّ ذلك لا يشكك في صلة تعرف فيلسوف أكراغاس على الفلسفة الفيثاغورية؛ حيث لا نشكُ في احتمال التقاء أمبادوقليس بفيثاغوريي زمنه، والإنصات إلى تعاليمهم، بل إنَّ هذا نراه أمرًا محتملًا جدًّا بفعل التزامن (القرن الخامس قبل الميلاد)، وكذا بفعل شيوع الفكر الفيثاغوري في جغرافية ثبت تنقل أمبادوقليس بين ربوعها.

هذا فضلًا عن أنَّنا نجد في فلسفته بعضًا من ملامح الفيثاغورية؛ ففكرة التناسخ، مثلًا، حاضرة عنده بتعابير مشابهة تمامًا للمأثور الفيثاغوري؛ حيث إذا كان فيثاغور تكلَّم عن صيرورة تناسخه بانتقاله “من أيثاليدس Aithalides  وهيرموتيموس Hermotimos  وبيروس Pyrros!”([36])؛ فإنَّ أمبادوقليس قال هو أيضًا بصيرورته التناسخية، حيث ينقل اللايرسي وهيبوليت قوله بأنَّه كان من قبل “شابًا وفتاة وغصنًا مزهرًا، وطائرًا، وسمكة”([37]).

وإذا لم يكن ثمة ما يلفت الانتباه في أن يخبرنا أمبادوقليس بما هو بدهي، بقوله إنَّه كان من قبل “شابًا”! فإنَّ في بقية مقوله ما يدهش؛ حيث جعل حركة انتقال النفس في عملية التناسخ تشمل مختلف أجناس الكائنات نباتًا وطيرًا وسمكًا، فضلًا عن التحول الجنسي من ذكر إلى  أنثى! وهذا ما نلحظه أيضًا في الشذرة (ب 127) التي يرويها إليان مفسرًا إياها بأنَّ أمبادوقليس تحدث عن مراتب تفاضلية للتناسخ؛ فقال بأنَّ “أنبل صورة يمكن أن تحل فيها النفس هي صورة الإنسان، وأنبل صورة حيوانية يمكن أن تحل فيها هي الأسد، وأما النبات؛ فأفضله هو الرند”([38]).

لكن رغم ملامح القرابة مع الفيثاغورية؛ فإنَّ القول بأنَّه فيثاغوري نراه قولًا غير دقيق، بل يسهم في غبش فرادة فلسفته. كما لا نقبل مقالة نيانث وطيمي، التي تتهم أمبادوقليس بسرقة أفكار الفيثاغوريين. أجل ثمة تقارب ملحوظ في بعض الفِكَرِ، لكن في مقابل ذلك ثمة أصالة بادية بوضوح في الآراء الأمبادوقليسية، تمنع إطلاق ذلك الحكم الشائه؛ بل لن نبالغ لو قلنا إنَّ ملامح التأثير الفيثاغوري في الفلسفة الأفلاطونية أكثر من ملامح التأثير في فلسفة أمبادوقليس.

وبالإضافة إلى الصلة بالفيثاغورية، قيل بأنَّ فيلسوف أكراغاس تتلمذ على برمنيد. وحتى إذا لم تصح هذه الرواية؛ فإنَّ المقارنة بين قصيدة هذا الأخير وقصيدة أمبادوقليس تؤكد أنَّ بينهما تشابهًا ملحوظًا في التقديم، الذي يبدأ بدعاء الآلهة وطلب وحيها، فضلًا عن التشابه في بعض التفاصيل المبثوثة بين ثنايا المتن؛ كقوله في البيت الشعري المروي عند فيلون “من  اللاوجود لا يمكن يومًا أن يتولد شيء، وأنَّ الموجود يؤول إلى الفناء، هو قول لا يعني شيئًا”([39])؛ إذ نرى هذا المقول شديد الشبه بمنطوق الشذرة الثامنة لبرمنيد!

وهذا المعنى يتكرر أيضا في الشذرة (ب11) المروية عند بلوتارك ، حيث يقول أمبادوقليس :” ما أحمقهم ! … وما أقصر بصرهم ، إذ يظنون أن ما لم يوجد من قبل يظهر إلى الوجود، وأن الموجود يفنى تماما.”([40])، وهو  ذات المعنى الذي تفصح عنه الشذرة (ب12) المروية في “المنحول إلى أرسطو” ([41]) بألفاظ جد مقاربة للنص المروي من قبل فيلون.

كما أن نفيه لوجود الفراغ ([42]) في القول المروي من قِبَلِ أيتيوس(الشذرة ب 13)، وكذا في الشذرة (ب14) المروية في المنحول الى أرسطو ([43])، مقارب للموقف الفلسفي الإيلي.

وكل هذا يؤكد بلاشك أن أمبادوقليس كان على معرفة بالفلسفة الإيلية.

لكن إذا كان ذاك ما قاله الدوكسوغرافيون وكتَّاب السِّير عن تكوينه الفكري، وصلته بالسابقين والمزامنين له من الفلاسفة؛ فماذا قال أمبادوقليس عن نفسه؟

لا نجد في المتبقي من شذراته تصريحًا عن تمدرسه الفلسفي؛ لكن ثمة إشارة غير مفصحة، تفيد إعجابه بسلفه، وذلك في الشذرة رقم (129) – بترقيم هيرمان ديلز – ؛ حيث يقول: “من بينهم رجل خارق بعلمه. عبقري استوعب كنزًا من معارف من كل لون”. وقد روى هذه الشذرة  ثلاثة من دوكسوغرافي القرن الثالث الميلادي، هم : فورفوريوس ، وجامبليك، وديوجين اللايرسي، و”لم يشر أيٌّ من هؤلاء الثلاثة إلى مصدر الشذرة هل هي من قصيدة التطهيرات أم من قصيدة الطبيعة”.  أما عن المصدر الوسيط الذي استقوها منه؛ فيحتمل جدًا أن فورفوريوس وجامبليك اعتمدا على نيكوماخ الجرشيNicomaque de Gérasa([44])، أما ديوجين اللايرسي؛ فهو يعلن صراحة بأنَّه استمد الشذرة من كتاب التواريخ لطيمي Timée de Tauroménium.

   وبما أنَّه ليس في الشذرة تحديد لتلك الشخصية؛ فقد اختلف المتأولون والشراح في تعيينها، حيث قال البعض بأنَّ المقصود هو فيثاغور، بينما يرى شراح آخرون بأنَّ المقصود هو برمنيد.

بيد أنَّنا نرى جواز الأخذ بالرأيين معًا، على اختلافهما في تعيين هوية هذا الرجل الذي يقرظه أمبادوقليس بذاك التعبير المفرط في الاعجاب؛ حيث يفيدان ما نبتغيه، أي وصل علاقته بالمدرستين معًا، أي الفيثاغورية والإيلية. إذ بالفعل ثمة قرابة معرفية بينه وبين تينك المدرستين الفلسفيتين؛ مما يسوغ اختلاف الشراح في تعيين اسم ذاك “الرجل الخارق” حسب التعبير الأمبادوقليسي!

لكنَّنا إذا تتبعنا بقية الفقرة التي “ينقلها” فورفوريوس؛ سنقول بأنَّ الظن الراجح هو أنَّ المقصود هو فيثاغور تحديدًا، حيث يتحدث فيها أمبادوقليس عن فكرة التناسخ([45]).

غير أنَّه حتى لو استثنينا برمنيد من هذه الإشارة الوجيزة المتكتمة؛ فإنَّنا لا نعدم مرتكزات دوكسوغرافية يمكن التأسيس عليها للوصل بين أمبادوقليس والفلسفة الإيلية. إذ لنا لإسناد هذا الوصل، تصريح ثيوفراسطوس القائل بأنَّ فيلسوف أكراغاس تتلمذ على برمنيد، و”قلَّده في قصائده”([46]) وهي العلاقة ذاتها التي يشير إليها أيضًا أحد أهم كتَّاب السِّير المتأخرين، أي فورفوريوس Porphyre([47]). كما يذهب ألسيدامس Alcidamas  إلى القول بأنَّ “زينون وأمبادوقليس كانا في الفترة ذاتها تلميذين لبرمنيد”، وأنَّه بعد ذلك اتصل بـ”أنكساغور وفيثاغور”([48]). بمعنى أنَّ تتلمذ أمبادوقليس على برمنيد سبق تتلمذه على فيثاغور. وعند هيرميب إشارة تجعله تلميذًا لكزينوفان لا لبرمنيد، حيث يقول بأنَّه التقى به وتعلَّم على يده “قبل أن يتعرف على الفيثاغوريين”([49]).

لكن فيلسوفًا قديرًا مثل الشارح سمبليقيوس يرى أمبادوقليس فيلسوفًا فيثاغوريًا أكثر منه إيليًا. وهو حكم صائب من حيثية تحديد استمرارية الفكرة الفلسفية السابقة في فلسفة أمبادوقليس، غير أنَّنا نرى أن البحث في ضبط وشائج الأفكار لا ينبغي أن يقتصر على إبصار  علاقة الاستمرار فقط؛ بل إبصار التقابل والمباينة أيضًا، حيث نرى أنَّ مقدار التأثير الذي تركته الفلسفة الإيلية في أمبادوقليس ليس بالقليل؛ إذ نرى فضل الإيلية في كثير من أفكاره، حتى تلك التي خالفها بها، كما سنوضح لاحقًا!

والمستفاد من هذا التباين في تحديد السلف الفكري الذي تتلمذ عليه فيلسوف أكراغاس، هو وجوب انشغالنا ببحث العلاقة بين الفكر الأمبادوقليسي والفكر الفلسفي السابق عليه، الذي تتكرر الإشارة في الدوكسوغرافيا إلى وجود تلمذة مباشرة على مؤسسيه ودعاته. ومن ثمَّ؛ وجب بحث العلاقة الفكرية بين أمبادوقليس والفلسفتين الفيثاغورية والبرمنيدية على وجه التخصيص.

كما يمكن أن نجد في فكره الفلسفي بعض الآثار الشرقية، فهل نعلِّل ذلك بتلك المرويات التي تقول بأنَّه سافر إلى الشرق، وزار مصر؟ أو نذهب بعيدًا فنقول مع المؤرخ العربي القفطي بأنَّ أمبادوقليس التقى بلقمان الحكيم، وتلقى الحكمة عنه؟!

إذا صرفنا النظر عن زعم القفطي بحصول اللُّقْيَا بين أمبادوقليس ولقمان؛ لأنَّه زعم لا أساس له؛ وإذا قصرنا النظر عن تواصله مع الشرق؛ فيصح أن نقول بأنَّه على الرغم من عدم وجود مأثور دوكسوغرافي يؤكد تلك الرحلة الشرقية؛ فليس ثمة مانع من الحديث عن رحلة في الاتجاه المعاكس؛ فنقول بارتحال الفكر الشرقي – قبل وخلال زمن أمبادوقليس – إلى اليونان وتداوله بين أهل الفكر.

هذا على مستوى تعيين مصادر التكوين الفكري لأمبادوقليس، فماذا عن مكتوباته؟

-2-

في شذرات أمبادوقليس

رغم أنَّ أمبادوقليس كان أقل ذكرًا وإيرادًا في المتون الفلسفية للقرن الرابع قبل الميلاد، أي لحظة بدء دراسة الفلسفة ما قبل السقراطية في الكتابات الأفلاطونية والأرسطية([50])؛ فإنَّه تبقى من مكتوباته في النصوص الدوكسوغرافية، مقدار مهم، جمع منه هيرمان ديلز مئة وخمسين شذرة تقارب في توزيعها النظمي أربع مئة وستة وسبعين بيتًا شعريًا. كما كان للبحث الفلسفي المعاصر حظٌ فريد مع المتن الأمبادوقليسي؛ إذ في عام 1990 تم اكتشاف شذرات أخرى، من قِبَلِ الباحث البلجيكي ألان مارتان Alain Martin، بعد اشتغالٍ دام حوالي أربع سنوات على مخطوطات كانت قد اكتشفت في مصر، ونقلت عام 1905 إلى المكتبة الوطنية الجامعية لستراسبورغ؛ حيث بقيت هناك أزيد من ثمانين عامًا مجهولة المؤلف. وتحتوي تلك المخطوطات على أربعة وسبعين بيتًا شعريًا؛ أكد مارتان نسبتها إلى فيلسوف أكراغاس.

 لكننا إذا قسنا هذا المتبقي بما يقوله ديوجين اللايرسي عن قصيدتيه (في الطبيعة، والتطهيرات)؛ حيث أشار إلى أنهما كانتا بخمسة آلاف سطر، أو بما قاله سويداس من أنَّ كتاب الطبيعة كان بألفي بيت من الشعر([51])؛ فإنَّ هذا الذي بين أيدينا اليوم نزر قليل بالنظر إلى مقدار الضائع، الأمر الذي يلزمنا باحتراس التأويل والوعي بمحدودية القراءة التي تبتغي التركيب النسقي، المستجمع للخطوط النظرية للفلسفة الأمبادوقليسية، والواصل بين مختلف مستوياتها.

ومما يزيد في استعصاء تحديد دلالة الفكر الأمبادوقليسي أنَّ أسلوبه مثقل بمسحة جمالية شعرية، ومكثر في توسل المجاز والرمز ولغة الإيحاء. ولعل ذلك ما جعل أرسطو في متنه المعنون بـ”السوفسطائي”  Le Sophiste، يقول: “إنَّ أمبادوقليس هو مخترع الخطابة، وزينون مخترع الجدل([52]). حيث إنَّ إرجاع اختراع الخطابة إليه، يفيد ما قلناه؛ أي امتلاكه لناصية القول، واقتدراه على نظم ملفوظاته. وهي الإشارة ذاتها التي نجدها عند ساطيروس عندما وصف أمبادوقليس بأنَّه كان متميزًا جدًّا في فني “الطب والخطابة([53]). كما يقرظه  في كتابه “عن الشعراء” Sur les poètes، حيث صاغ حكمًا نقديًا جماليًا على أسلوب فيلسوف أكراغاس واصفًا إياه بأنَّه “كان بارعًا جدًّا في التعبير، ممتلكًا لناصية القول المجازي وقادرًا على استعمال كل أشكال فن الشعر([54]).

وقد عُدَّ أمبادوقليس أبرع فلاسفة ما قبل سقراط في قرظ الشعر. ولعل هذا ما جعل أرسطو يستشعر الحاجة إلى تمييزه عن أكبر شعراء الإغريق ، أي : هوميروس، بقوله: “ليس ثمة تشابه بين هوميروس وأمبادوقليس، باستثناء نظم الشعر. فالأول هو بحق شاعر، بينما الثاني فيلسوف أكثر منه شاعرًا([55]).

والظنُّ عندنا أنَّ أرسطو ما كان ليحرص على وضع هذا التمييز لولا علو وطغيان شاعرية القول الأمبادوقليسي. وهو العلو الذي سيجعل الكاتب والخطيب الروماني لاكطانس Lactance (حوالي 250- 325 م) يقول عنه بتعبير ملتبس: “لا ندري أين نصنف أمبادوقليس هل مع الشعراء أم مع الفلاسفة؟([56])!

لكن لمَ نركز على إبراز المرتبة الشاعرية لأمبادوقليس في مبتدأ حديثنا عن شذراته؟

ليس القصد من هذا التركيز هو توكيد قيمته كشاعر؛ بل للأمر تعلق بالمقصد الرئيس من تأريخنا هذا، أي بحث الفكرة الفلسفية؛ حيث ثمة استلزام منهجي يتحصل من هذا التوكيد على شاعرية أمبادوقليس، وهو وجوب التعامل مع  شذراته بقراءة تتجاوز المعنى الحرفي للملفوظات، إلى بحث أبعادها المتوارية خلف تلافيف المجاز؛ قصد تحصيل المعنى الفلسفي.

والحذر في الضبط المنهجي لكيفية قراءة الشذرة الأمبادوقليسية هو ما نجد أرسطو يشير إليه ضمنيًا عندما توقف في متن “الآثار العلوية” Météorologie عند عبارة أمبادوقليس: “إنَّ البحر هو عرق الأرض“؛ حيث أشار أرسطو إلى أنَّ العبارة “مجاز([57])، ولا ينبغي أخذها بمنطوقها الحرفي.

هذا عن أسلوب أمبادوقليس، أما عن تأليفه؛ فسبق أن قلنا بأنَّه يُنسب إليه كتابان أو قصيدتان هما “في الطبيعة” و”التطهيرات“:

أما الكتاب الأول؛ فهو متنه الفلسفي الرئيس الموجَّه إلى الخاصة. بينما يبدو الكتاب الثاني أقرب إلى التداول العام. ويمكن أن نعزز هذا الظن بالكاتب اليوناني/المصري أثيني Athénée  الذي نقل، في متنه “مأدبة الحكماء” Deipnosophistaí([58])، عن ديسيارك القول بأنَّ أبيات كتاب “التطهيرات” لأمبادوقليس كانت تنشد في الأولمب من قبل المنشد كليومين Cléomène.

كما ينسب إليه كتابٌ في الطب كتبه نثرًا لا شعرًا.

وإذا قارنَّا بين محتوى الشذرات المتبقية من قصيدتيه “في الطبيعة” و”التطهيرات“؛ سنلحظ بينهما اختلافًا منهجيًا. فالقصيدة الأولى، التي أهداها إلى تلميذه بوزانياس، يقدِّم فيها رؤيته الفلسفية إلى العالم بدءًا من تحديد الأصول وتشكل الكوسموس. أي إنَّنا إذا أردنا استعمال التمييز الاصطلاحي الأرسطي، سنقول إنَّ قصيدة “الطبيعة” تقدم لنا الفلسفة النظرية؛ بينما القصيدة الثانية، أي “التطهيرات“، تقدِّم لنا الفلسفة العملية/الأخلاقية.

وإذا كان مفتتح القصيدة الأولى (في الطبيعة) يبدأ تصريحًا بنوعية المرسل إليه، أي “بوزانياس بن الحكيم أنخيطس Anchitès“، الذي يرمز إلى المتفلسف؛ فإنَّ القصيدة الثانية مغفلة من هذا التخصيص، مما يؤكِّد ما قلناه سابقًا أي إنها كانت نصًّا قابلًا لأنْ يتلقاه العموم ويتداولونه. وقد فعلوا؛ حيث اتخذوا منه أنشودة في الألعاب الأولمبية، وفق ما أشرنا إليه من قبل عند إيرادنا لرواية ديسيارك. وقد عالج أمبادوقليس في قصيدته هذه مختلف أبعاد الحياة الإنسانية ( الدين، وطقس القرابين، والتغذية، والجنس…). بينما يستفاد مما تبقى من قصيدة “الطبيعة” أنها كانت معالجة  للمسائل الفلسفية النظرية.

وهذا التباين بين النصين لا يفيد تباينًا موضوعاتيًا فقط؛ بل ثمة تباين أيضًا على مستوى المعالجة وكذا على مستوى بعض المواقف الفكرية؛ الأمر الذي جعل المؤرخين يختلفون في تعليل سبب الاختلاف وكيفية التعامل معه، وحاصل ذلك أنَّ بعض الشراح والمتأولين يذهب إلى القول بأنَّ تباين القصيدتين دليل على حصول تطور في فكر أمبادوقليس؛ مما يستوجب نسبة تينك القصيدتين إلى مرحلتين زمنيتين مختلفتين، بينما نادى بعض آخر بسلوك مسلك التأويل للجمع والتوفيق بينهما على نحوٍ يرفع الاختلاف والتباين.


(يشكر فريق حكمة الكاتب أبوطيب بوعزة على اختياره مجلة حكمة لنشر فصول من كتابه على صفحتها).

[1] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,51.

[2] – Diogène Laerce,ibidem.

[3] – Diogène Laërce, ibidem.

[4] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,52.

[5] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,53.

[6] – Diogène Laërce, ibidem.

[7] – Suidas, A.II.in lexique,Empedocle.

[8] – Simplicius, Commentary on Aristotle’s Physics,25,19.

[9] -Empedocle,Purifications,112.

[10] – أقصد بهذا النص الشذرة (ب112)، حيث يقول أمبادوقليس: “أصدقائي ساكني المدينة الكبيرة.. أحييكم، هأنذا بينكم كإلهٍ مخلد. لم أعد بشرًا فانيًا. كلكم تخلعون علي التيجان، وتحيطون عنقي بعقود الزهور المنضدة…”.

“رجال ونساء يمشون خلفي جماعات، يسألونني عن الطريق الذي يجب عليهم سلوكه… والذين أوجعتهم أمراضهم زمنًا طويلًا، ينتظرون مني كلمة لشفائهم”.

ومنه؛ يتبيَّن أنَّ سياق القول ونمطه الإيحائي الشعري، لا ينبغي أن يؤخذ بنصِّه الحرفي، فيصرف إلى توكيد الزعم بأنَّه ادعى الألوهية.

[11] – Philostrate,Vie d’Apollonius de Tyane,VIII,7.

[12] – Elien,Histoires variées,XII,32

[13] – Plutarque ,De la curiosité,I,515 C

[14] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,60.

[15] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,59.

[16] – Philostrate,Vie d’Apollonius de Tyane,I,11

[17] – Pline,Histoire naturelle,xxx,i,9

[18] – Jamblique,Vie pythagorique,29

[19] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,72.

[20] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,63.

[21] – قلنا من قبل إنَّ ادعاءه للألوهية في نصه الشعري، قابل لأن يُصرف معناه الى التعالي والتشبه بالألوهية لا غير.

[22] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,66.

[23] – يبدو أنَّه لم تكن بين طيمي وأمبادوقليس كيمياء متناغمة، والدليل على ذلك أنَّه نظم أبياتًا شعرية في هجائه.

 انظر تلك الأبيات المروية عند اللايرسي:

­ Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII, 67.

[24] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,69.

[25] -­ Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII, 68.

[26] -­ Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII, 72.

[27] – نص طيمي أورده اللايرسي:

­ Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII, 71.

[28] -­ Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII, 73.

[29] -­ Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII, 73.

[30] – لعله من المناسب أنْ نذكر هنا أنَّ دولوز ، الذي يصف انتحار أمبادوقليس بأنَّه فعل “فريد” و”عظيم”، هو أيضا أقدم على الانتحار.

[31] – Hölderlin, Empédocle, troisième version, in Oeuvres, trad. fr. R. Rovini, Paris Gallimard, 1967, p. 573, cité par J.-C. Goddard, Violence et subjectivité. Derrida, Deleuze et Maldimey, Paris, J. Vrin, «Moments philosophiques», 2008, p.14

[32] – Jacques Lacan,Écrits, Paris, Seuil, 1966, p. 320.

[33] – Gaston Bachelard, La Psychanalyse du feu, Chap. II « Feu & rêverie, le complexe d’Empédocle », Gallimard, Paris 1949. p. 31-40,

[34] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,54.

[35] – Eusèbe,Préparation évangélique,X,XIV,15.

[36] – رواية تناسخ فيثاغور ذكرها فورفوريوس، وكذا هيراقليد. انظر كتابنا:

الطيب بوعزة، فيثاغور والفيثاغورية بين سحر الرياضيات ولغز الوجود، مركز نماء، بيروت، 2014، ص86.

[37] -B117.Diogenes Laertius, Lives of the Philosophers 8.77. et Hippolyte,Réfutation de toutes les hérésies,I,3.

[38] – Aelian, Natural History 12.7

[39] – هذا البيت الشعري يورد منسوبًا إلى أمبادوقليس عند فيلون في متن “أزلية العالم”:

Philon,De l’Eternité du monde,2,p3.

كما يورد في  الكتاب المنحول إلى أرسطو “ميليسوس، كزينوفان، جورجياس”، انظر:

Pseudo-Aristote,Milissos,Xénophane,Gorgias,II,6.

[40] – نص الترجمة العربية  عن الأهواني ، م س، ص 166.ومقابلها في الترجمة الإنجليزية لباطريسيا كورد، وريتشارد د.مكيران:

McKirahan.Presocratics Reader,ibid.p81

(B11) Fools. For their thoughts are not far-reaching those who expect that there comes to be what previously was not, or that anything perishes and is completely destroyed.

(Plutarch, Against Colotes 1113C).

[41] – [Aristotle], Melissus, Xenophanes, Gorgias 2 975b1–4.

[42] – Aétius, opinions, I,XVIII,2.

[43] – [Aristotle], Melissus, Xenophanes, Gorgias 2 976b23

[44] – نرجح هذا الاحتمال بناء على بحث:

Macris Constantinos, Skarsouli Pénélope, « La sagesse et les pouvoirs du mystérieux τις du fragment 129 d’Empédocle. », Revue de métaphysique et de morale 3/2012 (N° 75) , p. p. 357-377

[45] – انظر: فورفوريوس في الشذرة رقم 129:

Porphyre, 129,Vie pythagorique,30.

[46] -Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,55.

[47] – Suidas,Lexique,Empédocle

[48] -Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,56.

[49] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,56.

[50] – لم يذكر أفلاطون أمبادوقليس بالاسم سوى مرتين اثنتين؛ واحدة في متن مينون (Meno, 72C8)، وأخرى في متن ثياتيتوس  (Theaetetus ,152E3-4). لكن ثمة مواضع متفرقة في المتن الأفلاطوني فيها استحضار لأفكار أمبادوقليسية، دون إيراد الفيلسوف باسمه. بينما نسجل أنَّ ثمة حضورًا لاسم أمبادوقليس في المتن الأرسطي أكبر مما حضر به في المتن الأفلاطوني.

[51] – Suidas,Lexique,Empédocle,cité in les écoles présocratiques,II,p134

[52] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,57.

[53]  – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,58.

[54] – Diogène Laerce,A,I.Vies,VIII,57.

[55] – Aristote,Poétique,I447b 17.

[56] – Lactance Firmianus, Institutions divines ,II,XII,4.

[57] – ARISTOTE, Météorologiques, B3, 357a   24-28.

[58] –  ترجمت لفظ ديبنوسوفيسطاي Deipnosophistaí بمأدبة الحكماء ولم أترجمه ترجمة حرفية (“مأدبة السوفسطائيين”)؛ وذلك لأنَّ المقصود في المتن الحكماء والفلاسفة لا السوفسطائيون.

error: