السينما – فيرجينيا وولف / ترجمة: فاطمة الشملان

السينما – فيرجينيا وولف / ترجمة: فاطمة الشملان

السينما*1

فيرجينيا وولف

ترجمة: فاطمة الشملان

 


 

المقدمة:

كي تكون السينما خلاقة، عليها أن تتجاوز التوثيق

أناييس ين

كتبت فيرجينيا وولف هذه المقالة سنة 1926 في مجلة نيويورك للفنون، تستهل فيها بنظرة تأملية حالة المشاهد القابع أمام الشاشة لتنعطف بعدها على نقد السينما في ذلك الوقت، الجدير بالذكر أنها كانت تنتقد في ذلك الزمن السينما الصامتة، إلا أن في مقالتها العديد من النقاط التي لا يزال بالإمكان اسقاطها على السينما في الوقت الحالي، كما أن نظرتها الفلسفية حول الأفلام وصياغتها جديرة بالتأمل.

نص المقالة:

يقول الناس بأنه ما عاد يسكن البربري فينا، بأننا ثمرة الكدح الحضاري، بأن كل شيء قد قيل، وأنه فات الأوان ليكون المرء طموحا. لكن يبدو بأن هؤلاء الفلاسفة قد نسوا الأفلام. لم يروا مطلقا برابرة القرن العشرين وهم يشاهدون الصور. لم يجلسوا أبدا أمام الشاشة ليتفكروا بأنه بالرغم من كل الثياب التي تكسو ظهورهم والسجادات التي تحت أقدامهم فإنه لا توجد مسافة كبيرة تفصلهم عن أولئك الرجال العراة أصحاب العيون البراقة الذين يطرقون قضبين من الحديد ببعضهما، ليستبقوا أثناء مشاهدتهم، وفي خلال تلك القعقعة، سماع موسيقى موزارت.

القضبان في هذه الحالة بالطبع مطروقة بشدة ومغطاة بأكوام من مادة غريبة متراكمة بحيث يصبح من الصعوبة البالغة الاستماع لأي شيء بشكل دقيق. كل شيء في حالة من الضجة والضوضاء، من التجمهر والفوضى. إننا نجيل النظر على حافة قدر حيث قطع من كل الأشكال والنكهات تجيش فيه؛ الآن ومرة أخرى تطيش صيغة رحبة من نوع ما لتسحب نفسها من هذه الفوضى. ومع هذا فإن فن السينما يبدو للوهلة الأولي بسيطا وحتى غبيا. هناك الملك الذي يصافح فريق كرة القدم؛ هناك يخت السيد توماس ليبتون*2؛ هناك جاك هورنر يفوز بجائزة السباق الوطني للأحصنة. تلعق العين كل هذا في طرفة، والعقل الراضي بوكزه، يَكِّن ليرى الأشياء تحصل دون أن يحفز نفسه ليفكر. إنها للعين العادية، عين الإنجليزي الخالية من الحس الفني، آلية بسيطة تُعنى بأن لا يسقط الجسد في مخازن الفحم*3، وتوفر للعقل لعبا وحلوى كي يبقى مستكينا، كما يمكن الوثوق بأنها ستتصرف كحاضنة أطفال كفؤ حتى يصل العقل لاستنتاج بأنه حان الوقت كي يفيق. ما الغاية إذن من الصحو المفاجئ في غمرة الوسن الرضي كي يُطلب للعون؟ العين في عسر وتريد مساعدة، لذا تقول للعقل ‘ شيء ما يحصل ولا أفهمه البتة. أنت مطلوب. ‘ يحملقان سوية في الملك، اليخت، والحصان، ويبصر العقل في التو بأن تلك الأشياء قد حصلت على خاصية لا تنتمي للصورة الحقيقة للحياة.

 

لم يصبحوا جميلين بالمعني الذي نرى به الصور جميلة، بل سنقول (إن مفرداتنا قاصرة بشكل تعس) أكثر حقيقة أو حقيقين بواقع مختلف عن ذلك الذي ندركهم به في حياتنا اليومية؟ نشاهدهم كما هم في حين أننا لسنا هناك. نرى الحياة كما هي في حين أننا لسنا جزءا منها. يبدو أننا حينما نحملق نُنتزع من سفائف الوجود الواقعي. لن يطرحنا الحصان أرضا، لن يقبض الملك على يدينا، لدينا الوقت للشفقة والترفيه، للتعميم، أن نهب المال لرجل واحد نعزو إليه السباق. نراقب اليخت يُبحر والموج يتصدع، نملك الوقت كي نفتح عقولنا على وسعها للجمال وأن نسجل فوقها الإحساس الغريب- سيستمر هذا الجمال، وسيزدهر سواء أبصرناه أم لم نبصره. بالإضافة لذلك، حدث كل هذا، كما أُخبرنا، قبل عشر سنوات. إننا نبصر عالما غمره السيل. عرائس يطللن من الدير-هن أمهات الآن؛ مرشدات ومتلهفات-صامتات الآن؛ الأمهات دامعات والضيوف مبتهجين؛ هذا فاز وذاك خسر وقُضي الأمر. لقد شقت الحرب هوة تحت أقدام كل أولئك الأبرياء والجهلة ولكن هكذا رقصنا ودرنا، أُنهكنا ورغبنا، وهكذا تجلت الشمس وانساق السحاب حتى النهاية.

لكن يبدو أن صناع الأفلام مستائين من مصادر ذات اهتمام واضحة كهذه في مضي الوقت والتلميح بالواقعية. إنهم يزدرون تحليق النوارس، السفن في التايمز، أمير ويلز، طريق مايل إند، وساحة بيكاديللي. يريدون أن يكونوا مطورين، مغيرين وصانعي فن يخصهم وحدهم-من الطبيعي أن يبدو بأن الكثير من ذلك يقع في ضمن نطاقهم. بدت الكثير من الفنون مستعدة لتقديم العون، الأدب مثال على ذلك. كل الروايات المشهورة في العالم، بشخصياتها المعروفة ومشاهدها المشهورة، قد طلبت فحسب، على ما يبدو، أن توضع في الأفلام. مالذي يمكن أن يكون أسهل وأبسط؟ تهوي السينما على فريستها بضراوة هائلة وحتى اللحظة التي تُبقي فيها بشكل كبير على جسد الضحية التعس. لكن النتيجة كارثية للاثنين، التحالف غير سوي. تتقطع العين والعقل إربا بشكل قاس في محاولتها عبثا العمل سوية. تقول العين ‘ ها هي آنا كارنينا، تظهر أمامنا سيدة شهوانية بمخمل أسود وتتقلد اللآلئ. لكن العقل يقول ‘ تلك أقرب للملكة فيكتوريا من آنا كارنينا،’ لأن العقل يعرف آنا كارنينا بالكامل تقريبا من خلال عقلها-جاذبيتها، شغفها وقنوطها. كان كل التركيز المُسقط في السينما على أسنانها، لآلئها ومخملها. ثم تقع آنا في غرام فرونسكي- فلنقل تقع السيدة ذات الرداء المخملي الأسود بين ذراعي سيد برداء رسمي ويقبلان بعضهما بكثير من الطراوة والتعمد الشديد والإيماءات الغير محدودة على أريكة في مكتبة مؤثثة جيدا بالكامل، بينما يجز مزارع العشب عرضيا. إذن نميل ونتعثر في أكثر روايات العالم شهرة، إذن نقوم بتهجيتهم في كلمة واحدة مكتوبة أيضا كخربشة طفل مدرسة جاهل. القبلة حب، الكأس المكسور غيرة، الابتسامة المتشدقة سعادة، الكفن موت. ليس لأي من هذه الأشياء علاقة بالرواية التي كتبها تولستوي، يمكننا تصور عبر مشهد عرضي- مثل المزارع الذي يجز العشب- ما الذي يمكن أن تفعله السينما إذا تخلينا فقط عن محاولة ربط الأفلام بالكتب وتُركت لأدواتها الخاصة.

لكن ما هي إذن أدواتها الخاصة؟ إذا ما توقفت عن كونها طفيلية، كيف لها أن تستقيم؟ في الوقت الحالي، لا يمكن للمرء أن يؤطر تخمينا إلا من خلال الإيحاءات. على سبيل المثال، خلال عرض د.كاليغاري*3 ظهر في أحد الأيام فجأة ظلا يشبه الشرغوف على أحد زاويا الشاشة، ثم نما لحجم مهول وارتعش وانتفخ ثم غطس ثانية في العدم. بدا لوهلة أنه تجسيد لخيال وحشي معتل داخل عقل معتوه. بدا للحظة وكأنه يمكن إيصال الفكرة عن طريق هيئة ما بشكل أكثر كفاءة من الكلمات. بدا وكأن الشرغوف المرتعش هو الخوف نفسه، وليس عبارة ‘ أنا خائف’. في الحقيقة، كان الظل عرضيا والتأثير غير مقصود. لكن إذا كان بمقدور ظل في لحظة معينة أن يوحي أكثر من الإيماءات الفعلية وكلمات الرجال والنساء في حالة الخوف فإنه من البين بأن السنيما تملك في قبضتها رموزا لا حصر لها لأحاسيس فشلت حتى الآن في إيجاد تعبير لها. لدى الرعب فوق صيغه المعتادة شرغوفا يتبرعم وينتفخ ويرتعش ويختفي، الغضب ليس مجرد خطاب صاخب ووجه أحمر وأكف مقبوضة. لعله خيط أسود يتلوى على شرشف أبيض. لا يحتاجان آنا وفرونسكي أن يتجهما ويكشرا بعد الآن، إنهما يملكان تحت إمرتهما- لكن ماذا؟ أهناك، نتساءل، لغة سرية نرى ونحس بها لكن لا ننطقها أبدا، وإذا كان الأمر كذلك، هل يمكن جعلها مرئية للعين؟ هل يملك الفكر أي خاصية يمكنها أن تبزغ للنظر دون مساعدة الكلمات؟ إنه يملك السرعة والبطء، حدة السهم وضبابية المراوغة. لكنه يملك أيضا، خاصة في لحظات المشاعر، قدرة تصنيع الصور، الحاجة بأن يُلقي همه على حامل آخر، وأن يجعل الصورة تمضي جنبا إلى جنب معه. إن تشابه الفكرة أكثر جمالا واستيعابا ووصولا من الفكرة نفسها لسبب ما. كما يعلم الجميع، تصيغ أكثر أفكار شكسبير تركيبا سلسلة من الصور التي نمتطيها والتي تتبدل وتلتف حتى نصل لضوء النهار. لكن صور الشاعر لا يمكن قولبتها في نحاس أو تتبعها بالقلم، إنها مضغوطة في آلاف من التلميحات التي لا يكون المرئي منها إلا الأكثر تجليا أو الأرفع. حتى أبسط العبارات مثل ‘ محبوبتي مثل الحمرة، حمرة ورد نبتت حديثا في حزيران’ تمثل لنا انطباعات عن نداوة ودفء وبريق القرمز ونعومة البتلات في نسق مربوط عبر رفعه بلحن هو نفسه صوت الشغف وتردد العاشق. كل هذا متاح للكلمات وللكلمات وحدها، وعلى السينما أن تتجنبه.

بيد لو أن الكثير من أفكارنا ومشاعرنا متصلة بالرؤية، فلعل بقايا من المشاعر البصرية، التي لا حاجة للشاعر والرسام لها، لا تزال تنتظر السينما. يبدو من المرجح جدا أن رموزا كهذه ستكون مختلفة كثيرا عن المواد التي نراها أمامنا، شيئا مجردا، شيئا يساق كفن واعٍ وتحت السيطرة، شيء يستدعي أقل الكلمات والموسيقى للعون كي يجعل من نفسه واضحا، على أن استخدامهم المتذلل مبرر-لعل يتشكل مع الوقت أفلاما بحركات وتجريدات كهذه. حتى إذا ما توفر بالفعل رمز ما للتعبير عن فكرة، يكون صانع الأفعال حيها قد امتلك ثروة هائلة تحت إمرته. يُعزى للسؤال ضبط الواقع وقدرته المدهشة للتلميح، إن الآنات والفرونسكيون من لحم ودم. إن كان يمكنه من خلال هذا الواقع أن يتنفس الأحاسيس، يمكنه تلبس صيغة مثالية للفكرة، عندها يمكن لغنائمه أن تُساق يد بيد. وحينها كما يتصاعد الدخان من فيسوفيس*4، سنتمكن من رؤية الفكرة في القفار، بجمالها وغرابتها تنساب من الرجال وأكواعهم على الطاولة، من النساء وحقائبهم الصغيرة تنسل للأرض. علينا أن نرى تلك الأحاسيس تختلط وتؤثر على بعضها، علينا أن نرى تغيرات عنيفة ناتجة عن تصادمهم. يمكن للطباق المذهل أن يومض أمامنا بسرعة في حين يكدح خلفه الكاتب عبثا؛ يمكن لحلم معماري من أقواس وأسوار محصنة، من جنادل ساقطة ونوافير مرتفعة والتي تزورنا أحيانا في المنام أو في غرفة شبه مظلمة أن تتحقق أمام أعيننا اليقظى. لا خيال بعيد المنال أو غير جوهري. يمكن للماضي أن يُفرد، المسافة أن تُمحق، والخلجان التي تنزع الروايات (حين، على سبيل المثال، كان على تولستوي أن يمضي من ليفين إلى آنا وبفعله ذلك حكر قصته وانتزع وحد من تعاطفنا) يمكنها من تشابه الخلفيات، وتكرار مشهد ما، أن تزال بعيدا.

لا يمكن لأحد في هذه اللحظة أن يخبرنا كيف يمكن العزم في ذلك، في حين تحقق القليل منه فقط. لعنا يمكننا فقط أن نحصل على إشارات من فوضى الشوارع، حين ينوه تجمع لحظي للون، صوت، حركة بأن مشهدا ينتظر فنا جديدا كي يثبته. وأحيانا في السينما، في خضم براعتها المهولة ومهنيتها التقنية العظيمة وأجزاءها المستترة، نبصر نوعا من الجمال الغير معروف والغير متوقع لكن للحظة آنية فقط. لقد حصل شيء غريب-حينما ولدت كل الفنون عارية، ولدت هذه الصغرى بثيابها الكاملة. يمكنها أن تقول كل شيء قبل أن تنطق بشيء، كما لو أن القبيلة البربرية قد وجدت كمانات، نايات، ساكسفونات، أبواق، وبيانوهات ضخمة لإيرارد وبخشتاين على الساحل عوضا عن إيجاد قضيبين من الحديد كي تلعب بهما، ثم بدأت بطاقة عجيبة ودون أن تعرف نوتة موسيقية واحدة، بالطرق والقرع عليهم في الوقت نفسه.

 

 

 


 *1 من كتاب Essays of Virginia Woolf, vol.4, 1925-1928

*2 صاحب شركة ليبتون للشاي

*3 فتحات للفحم على ناصية الطريق في لندن بجانب البيوت حيث يرمي بها العمال الفحم، ويأخذها أصحاب البيوت للداخل كوسيلة لتقصير المسافة في حمل أكياس الفحم والحد من دخول العمال المتسخين إلى المنزل، استخدمت فيرجينيا وولف الكناية هنا بغرض أن السينما تقي الإنسان من السقوط في سواد ما تسببه مشاكل الحياة اليومية، أي أنها وسيلة للهروب.

*4 أول فيلم رعب أنتجته السينما سنة 1920 وهو فيلم ألماني.

*5 بركان في نابلي، إيطااليا

error: المحتوى محمي